طاردني مشكورا الابن احمد ضاوي وحثني للكتابة عن مكتبة امدرمان المركزية فله جزيل الشكر. ولكن كنت اريد ان اراجع بعض المعلومات مع اخي الاصغر العميد قاسم بدري وشقيقتي آمال بدري العارفة والحافظة بشئون امدرمان. وكان المراسلة الغالي ابن الاخت آمال ابراهيم بدري العزيز ابراهيم محمد صالح.

عندما صرنا نتعرف على المكتبة المركزية في امدرمان كانت في سوق الموية خلف مقهى جورج مشرقي وخلف محلات عبدالصمد ترزي المؤتمر وكانت في الطابق الثاني وهذا بين سنة 1961 و 1964 او 1965 . وكانت بجانب انها مكان للقراءة واستلاف الكتب كانت مكان لتجمع طلاب المدرارس الثانوية وبعض طلاب الجامعات .وكانت ملتقى للمثقفين ومحبي القراءة . واكنت مكان تجمع وبداية المظاهرات التي اطاحت فيما بعد بالدكتاتورية العسكرية الاولى.

 اذكر ان   الاخ العزيز عبدالرحيم علي حمد كان من رواد المكتبة , وكثير الحديث عنها. شقيقي الشنقيطي بدري وصديقنا عبدالمنعم عبدالله حسن عقباوي, كانا في زيارة المكتبة في المساء في بداية الستينات. وبينما  هم يتحدثون امام المكتبة. قام صديقنا وزميلنا في بيت الامانة والاحفاد الدكتور عوض مصطفى مكاوي, بتحريك عجلة عقباوي الفليبس. ووقف بالقرب منهم . وكان وقتها يرتدي العمة والجلابية فلم يتعرفا عليه. فقال عقباوي ساخط. الليلة اول يوم نجي المكتبة دي العجلة تنسرق. شوف الحايجي تاني. وبعد خطوات ناداهم عوض. ويبدو ان عوض كان احد المترددين.

قبل ان تأتي المكتبة الى سوق الموية  كانت في المكان الذي فيه سينما امدرمان الحالية . فبعد انتهاء رخصة قديس عبدالسيد  صاحب سينماء برمبل , التي كانت في موقع البريد الحالي هدمت السينما. واحتاج السوق  لاكثر من سينما والضحية كانت المكتبة. فانتقلت الى سوق الموية . ثم كانت الجريمة الاكبر عندما  اخلت  المكتبة  المكان  لمكان سكر واكل ... بار ومطعم... ولم تستطع الثقافة والادب ان تقاوم سلطة المال والكسب.

بين سنة 1964 و 1993  كانت المكتبة في بيت العميد يوسف بدري,  الذي ورثه من بابكربدري. والمكتبة لم تكن تدفع ايجار للمبنى والعميد يوسف بدري بالرغم من انه عاش كل حياته بمرتب الاحفاد , كان يتكفل ببعض المصاريف والاصلاحات. وهو يحس بانه يقدم شيئا للعلم والثقافة. وفي الثمانينات والتسعينات صارت الصيانة مكلفة. لدرجة ان نجارا قد حضر لاصلاح الشباك في منزل الدكتور علي بدري وطالب بمئة جنيه. فقال له الدكتور علي بدري مشيرا للبيت الذي مساحته اكثر من الف متر  (سمح يا ولدي ...بس زمان البيت ده كلو انا  اشتريتو بمئة جنيه).

عندما انهار جزء من سقف المكتبة لم يكن هنالك من يهتم او يستطيع اصلاح المبنى . ولم يكن عند يوسف بدري المقدرة . فهو الى ان انتقل الى  جوار ربه لم يكن له حسابا في بنك ولم تلامس يده المال لعشرات السنين بل كانت زوجته السارة موسى تقف في الصف لاستلام مرتبه مع بقية العاملين.  وبعدها ترك يوسف بدري المنزل لبعض المحتجين بدون ايجار.

وماتت المكتبة المركزية. لان هذا ليس بالزمن الذي يترك الناس منازلهم لمكتبة لثلاثة عقود. ويسعدون بوجع الراس والاهتمام والتعب, من اجل الثقافة. وليس  هذا  بزمن ثقافة. وما تبقى من الكتب نقل الى مدرسة المؤتمر. والى غرفة في الركن الشمالي الشرقي في المدرسة ولا تزال هنالك. ولم يكن عمل يوسف بدري بغريب في ذلك الزمان وخاصة لمن نشا وتمتع بروح اهل رفاعة.

علمت كذلك ان آل حجار الذين قدموا  كثير من الخدمات  الخيرية, قد تحصلوا على قطعة ارض  في امدرمان لإقامة مكتبة. ولكن الانقاذ قد انتزعت منهم قطعة الارض  فالمكتبات توعي الناس وتثقفهم وتجعلهم يفكرون وهذا ليس من اوليات الانظمة الشمولية.

كان هنالك بار في الموردة مشهور اسمه بار حليم , والعم حليم كان قبطيا ظريفا مهذبا وامدرمانيا بروح سمحة. كان له بار في الموردة  يواجه بوستة الموردة . ولان حديقة الريفيرا وحديقة الموردة والجندول كانت اماكن لهو وشرب فلقد ازدهرت اعمال البار. وكما سمعت من  اخي  عبدالرازق اسحق الموجود الآن في السعودية شقيق حلاق الموردة المشهور عبدالعزيز, فإن احد اهل امدرمان جاء الى الباروسأل العم حليم مستفزا (يا خي في بار جديد فتح اسمه بار الريس بتعرفو لي وين وده بار سوداني جد جد) . فقال له العم حليم ببساطة ياهو ده الدكان  الجنبنا ده. انتو ناس الموردة بار واحد ما  كفاكم؟.  زمان ما بتنبزونا نحنا المسيحيين بالبارات هسي انتو المسلمين بقيتو تعملو بارات.

الأفندي الذي اتى للعم حليم يبدو انه كان مغبونا وربما بسبب ان العم حليم لم يسلفه. والعم حليم كان يقول جينا نبيع الادب ما نفع بقينا نبيع قلة الادب بقو يقيفو صف ويكوركو ...اديني...اديني. فالعم حليم بدأ باره كمتبة  (ما حوم عليهو زول) بعد تعب قبل النصيحة انو يحول المكتبة الى بار فصار من الاغنياء. ولهذا كان يردد عالم غريب  تبيع ليهم الادب ما ينفع  تبيع ليهم قلة الادب يجوك جاريين احد الاخوان قال لي انه في بداية شبابه كان يذهب الى المكتبة المركزية عندما كانت في بيت العميد وكان يلطش الكتب في بعض الاحيان. وبعد لطش كتاب تبعه رجل عامل على عجلة كان كذلك في المكتبة وقال له انا شفتك يا ولدي لمن شلت الكتاب .الكلام ده عيب منك الكتب دي حقت الناس كلهم انت ما كان عندك قروش تشتري في ناس فارشة كتب قديمة في البوسته ووجوة في السوق بتلقى عندهم كتب رخيصة. فالكثير من السودانيين يحسبون ان الكتب  (سرقتها  حلال ومش عيب ).  وكثير من الكتب  في مكتبة امدرمان المركزية سرقت او استلفت ولم ترجع  او ارجعت ممزقة. نفس هذا الصديق  استضافنا  في منزله في كوبنهاجن وفي الصباح قالت لي زوجتي في اقل شيء ثلاثين كتاب من كتبك تحت السرير.  فالصديق كان لا يزال على اقتناع بأن سرقة الكتب حلال.

تمكنت من شراء ثلاثة كتب رائعة في معرض الكتاب في ابوظبي من الاخ محمد الفاتح المتخصص في  بيع الكتب القديمة ودفعت لهم بدون تردد الف درهم . والكتب هي  ..دفع  الافتراء  وثورة 24 وابطال السودان لمؤرخ السودان الاستاذ محمد عبدالرحيم . والمؤلم انني بخلت على العزيز الخال الاستاذ محجوب عثمان بكتاب دفع الافتراء . والكتب قد اختفت الآن من منزلي. مثل مئات الكتب وان لم اقل الف كتاب. السودانيون يعتبرون ان الكتاب اي حاجة . والدي رحمة الله عليه كان يقرأ كل شيء حتى دليل التلفونات في بعض الاحيان وكانت  كل الصحف والمطبوعات تصله من مكتبة الثقافة لصاحبها الاديب والشاعر  حسن بدري كاشف قريب الاديب الفنان خليل فرح.

كنا نأخذ هذه الكتب ويحضر اصدقاؤنا  لأخذها بإنتظام.  وابي رحمة الله عليه كان يقول  (الكتاب عندو رسالة وهي انه يثقف اكبر كمية من الناس. عشان كده بتمنى انو اصحابكم ما يكونو بيسيئوا للكتب دي  ولمن يشيلوها  يحافظو عليها ).

 المحامي ومبعوث البرلمان السويدي (بيرتل لياندر ) ذهب معي للسودان في سنة 1986 بين يوم السبت 13 ديسمبر الى يوم 20 ديسمبروقابلنا كثير من الوزراء والمدراء واهل السياسة . تعليقه كان بأن للجميع  منازل جميلة ورياش فاخر.  الا ان كل البيوت تفتقر الى المكتبات فيما عدا مكتبة  مولانا محمد صالح عبداللطيق وقيع الله.

عندما سألت مولانا محمد صالح عبداللطيف  وقيع الله الذي كان من اوائل  ضباط مجلس بلدي امدرمان, عرفت منه ان المجلس البلدي لم يكن مسؤولا من المكتبة المركزية. وهذه غلطة فالثقافة جزء من عمل المجالس البلدية وتركها لوزارة المعارف خطأ. لان وزارة المعارف مسؤوليات ضخمة. ولكن الانجليز قد نجحوا في تكوين و انشاء مكتبات ومعاهد وجامعات حطمناها نحن. ولم نحافظ عليها. والمكتبة المركزية في امدرمان كانت خير مثال....

كل المدارس الثانوية كانت لها مكتبات عامرة وكانت هنالك حصة مزدوجة اسمها حصة المكتبة يذهب الطلاب للمطالعة وللتخاطب مع امين المكتبة الذي يساعدهم في اختيار كتب تناسب امزجتهم ويقومون بإستلافها بدون اي مقابل. والمجلس البريطاني كانت  له مكتبة ضخمة وكانت في نفس مكان مكتبة البشير الريح اليوم. وكانت تقام في هذا المركز محضرات ومناظرات. ويعطي المكتب بعثات دراسية للسودانيين .

يوسف بدري واغلب اهل اسرتنا لا يبكون ولا يجزعون لموت. وهذا التقليد بدأ منذ ايام رفاعة التي ولد فيها يوسف بدري واغلب آل بدري وعاشوا وترعرعوا الى ان كبروا وانتقلوا الى امدرمان. ولكن يوسف بدري لم يبكي الا مرتين في حياته  مرة عندما استلمت الانقاذ السلطة. والمرة الثانية عندما افتتحت مكتبة البشير الريح. الذي هو كذلك من اهل رفاعة وهؤلاء يقدرون التعليم والثاقفة والقراءة ويؤمنون بقول الشاعر

 خير جليس  في الزمان كتاب...

الا رحم الله مكتبة امدرمان المركزية

التحية.......

               شوقي.......             

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.