بعد انقلاب 25 مايو 1969 بأيام معدودة , ذهبت لزيارة توأم الروح بله رحمة الله عليه في العصر . و كنت وقتها في أجازة عائداً من تشسلوفاكيا . و وجدت معه شخصاً يرتدي جلابية جميلة , و عمامة و ملفحة و لم يكن هذا عادياً وسط الشباب . و كان الجو مشحوناً بالترحيب و الصداقة و المشاعر الجميلة . فحييت الضيف و لزمت الصمت  . و عندما انصرف الضيف بعد ان  اوصلناه الى باب الدار كالعادة , سألني توأم الروح : ( عرفت دا منو يا شوقي ؟ ) .  فأجبت بالنفي . قال توأم الروح : ( غريبة انت ما بتنسى زول و لا بتنسى حاجة . دا ما محمد اخو الرضية , الشاكلناهو زمان ) .

كنت قد شاهدت قبلها محمد النور سعد مرة واحدة في حياتي . و كان يرتدي بنطلوناً عسكرياً و فنيلة داخلية ( كت ) . و لهذا لم أتعرف عليه بالجلابية و الملفحة .

الرضية سعد كانت احدى الفنانات اللاتي مثلن كورس الاذاعة أو الشيالات . و لقد أعطين الغناء طعماً جديداً . و كان لهن وجود مكثف في المسرح القومي . و قديماً لم يكن الغناء محموداً خاصة بالنسبة للنساء . و عندما صارت  الرضية سعد جارتنا في حي السردارية , و يفصلها من منزلنا زقاق ضيق , كان بقية الفتيات يحضرن لمنزل الرضية . و كان المنزل يمتلئ بالعازفين و بعض الفنانين في الامسيات . لقربهم من الاذاعة و المسرح .

الرضية تزوجت بالأخ كمال جابر و هو فني الصوت في الأذاعة . و كان أبيض اللون له شعر طويل و كان رجلاً مسالماً . و لهذا لم يكن يرد على استفزازات بعض أهل الحي . فبعض أهل الحي كان يعتبر وجود مغنيات في الحي شيئاً غير مرغوباً فيه . فمن سكان ذلك الحي و على بعض خطوات من منزل الرضية سعد كان منزل وزير المالية أحمد عبد الماجد , و منزل القائم مقام محمد مصطفى الكماري ياورو الرئيس عبود , و اللواء محمد عبد القادر عمر الصادق , و أبو الصحف محمد يوسف هاشم , و شقيقة القاضي أحمد يوسف هاشم . و آل البيلي و آل شكاك و آل ابو سنينة . و كثير من الأسر التى لاقت حظاً .

عندما سكنت الرضية سعد في ذلك المنزل , كان الماء مقطوعاً لأن المنزل كان خالياً لفترة . و لفترة كانت والدة الظابط محمد نور سعد تأتي لأخذ الماء من منزلنا الذي كان مفتوحاً لهم . و كانت تأتي لتستأنس مع جدتي و والدتي و بقية نساء المنزل . و كانت تشتكي من بعض المضايقات في الحي . و تذكر ان مجموعة من رجال الحي دفعوا الباب و دخلوا بدون ان يستأذنوا و تصادف وجود أبنها وكثير من الضيوف . فأكتفوا بالتحية و جلسوا قليلاً ثم ذهبوا . و كان يبدوا انهم يقصدون شراً , و لكن حجم الموجودين كان كبيراً .

محمد النور سعد رحمة الله عليه كان مبعوثاً الى  ألمانيا . و اظنه كان متخصصاُ في الحرب الكيمائية . و كان قد رجع في اجازة لتوه . و في تلك الايام رزقت الرضية بطلفها الأول و اطلقت عليه اسم نهرو , لانه تصادف مع زيارة رئيس الهند جواهر لال نهرو . و كانت هنالك حفلات في ذلك المنزل . و في احدى المرات تعرضت الرضية لأستفزاز بواسطة احد شباب الحي و اسمه عوض خوجلي و والده نجار في حي السروجية . و تصادف وجود اثنين من البوليس السري و أخذ عوض خوجلي و الرضية الى مركز البوليس . و حكم على الرضية بالغرامة جنية لانها شتمت عوض خوجلي . و حكم على عوض خوجلي بالجلد . 

و انا في الرابعة عشر من عمري , كنت اجلس على حافة بلاعة منزل ست بتول عيسى و هي من أول القابلات السودانيات و مدرسة في مدرسة الدايات, و من أول خريجات مدرسة رفاعة للبنات ,  و هي والدة الصناعي و الرجل العصامي ادريس الهادي .  و تصادف مرور بثينة صديقة الرضية سعد . و هي فتاة طويلة , ممشوقة القامة و فاتحة اللون . و عرفت ببثينة ام سدر . و وقتها كانت هنالك اغنية شعبية يرددها كل السودان و هي : ( البيرة ام جمل و الشراب اسكوب ... كب يا علي في كبابي الشوب .... بثينة ام سدر في السرير الدبل ) . و واجهت بثينة بعض الاستفزاز . و كان هذا قبل الرابعة بعد الظهر . فبرز محمد نور سعد بجسمه القوي بالفانيلا الكت و بنطلون الظباط لأنه وقتها كان لا يسمح لغير الظباط لأن يرتدوا البنطلون , و الجندي لا يسمح له إلا بأرتداء الرداء . و شتم محمد نور سعد كل أهل الحي . و تحدى  أي رجل لأن يبرز له . و كان يتنقل من شارع الموردة في ركن الدايات الى الشارع الذي يأتي من المجلس البلدي ماراً بي المجلس البريطاني أو مكتبة البشير الريح الحالية .

انا كنت اجلس في مكاني و لم أكن احسب ان الأمر يخصني . و لفترة تزيد عن النصف ساعة كان محمد نور سعد رحمة الله عليه , يشتم و يتحدي كل رجال الحي . و اخيراً برز له توأم الروح بله . و كان وقتها في السادسة أو السابعة عشر من عمره . و كان ملاكماً جيداً . و لكن من المؤكد انه لم يكن نداً لمحمد النور سعد . و صار الامر يخصني . فوقفت بجانب توأم الروح متحفزاً . و بله رحمة الله عليه كان يقول : ( ما تكتر كلامك .. الرجال قدامك ) . و بدأ الاستغراب في وجه محمد نور . ثم بدأت الحيرة

بله كان ابن الحي المحبوب . يضرب به المثل في الأدب و احترام الآخرين و عدم التطاول على من هم أكبر منه سناً . كما امتاز بالشجاعة و الكرم . و أنا و قتها قد اشتهرت بأنني مشكلة يتجنبها الكثيرون . و كنت قد عدت من أعالي النيل و مدرسة ملكال الاميرية . و تسبقني السمعة بالمعارك الدموية , لا تمثل سني الصغيرة . و أول مرة اتعرض لطعن كان بواسطة الأخ خالد عبد الكريم , من اولاد فريق الدومة . ابن خال اولاد الجزولى كمال ، حسن ، مجدى ، عبد المنعم ، حسن ، اميره وآخرين .  و كنت في الحادية عشر من عمري . و كنت امنعه و آخرين ان يمروا بحينا  زريبة الكاشف . 

و لفترة و قفنا في حالة غريبة , فنحن لم نكن سنتراجع و سندافع عن شرف الحي . و محمد نور سعد طيب الله ثراه , لم يكن على استعداد ان ينسحب أو يدخل في معركة مع صبية . و عندما أرتفعت اصواتنا و كنا امام منزل العم الطيب جبارة الله خرج و انتهرنا , فنحن بمثابة ابنه جعفر أو ابن اخية مزمل . و طيب خاطر محمد نور سعد . و لكن الذي حسم الامر هو خروج والدة محمد نور سعد , التي قالت له مشيرة لتوأم الروح بلة : ( دا ود ناس ، ما شفنا منه شئ غلط . و الولد الاحيمر ود جارتنا امينة و ديل ناس اهل ) . و ربما اشارة لأهل امي , لان اهل امي كانوا من تجار كردفان , فمحمد نور سعد من رجل الفولة .

محمد نور سعد امتاز بالشجاعة و هو الذي قاد الانقلاب في 1976 . و هذا هو الانقلاب الذي هز عرش نميري و كان النميري يطلق عليهم المرتزقة , و الغزو الليبي . و لقد حكم بالاعدام على محمد نور سعد . ثم اجبر نميري بما عرف بالمصالحة الوطنية .

بعد تلك الحادثة لم تتعرض الرضية سعد و زميلاتها لأي مضايقات . و كان بله رحمة الله عليه يمنع اي انسان من التعرض لهم . و كلمته كانت قانوناً في الحي . تلك الحادثة ربطتنا برباط نفسي و معنوي , وصار بله اقرب انسان الىّ في حياتي . و لقد كانت صداقته اكبر وسام حملته على صدري . و انا اقول دائماً ان الدنيا اعطتني اكثر مما استحق . و أكبر دليل بالنسبة لي كان هو صداقة بله . أمثال بله لا يتكررون .

شقيقة امي اسماء خليل رحمة الله عليها , كان اقرب الى الحدة  على عكس والدتي و خالاتي الاخريات . و اذكرها تقول لي قديماً وسط حشد من الناس : ( انت عارف الملايات و الحاجات البجيبها بله لأمك ، ألوانها ما سمحه و جميلة زي البجيبها لأمه ) . و كان هذا في بداية اغتراب بله رحمة الله عليه . فقلت لها : ( انتي عارفه انو انا ما حصل وديت لأم بله حاجة ... و انه ما حصل ابدا انو بله حكى لي أو لمح لي بأنه بجيب أي حاجة لأمي ) .

قبل بضع سنوات كان بله رحمة الله عليه , يذهب لزيارة والدتي لكي يطمئن عليها . خاصة بعد ان تقدمت فى السن وفقدت نعمة البصر و صارت تسكن عند ابنتها الهام في الخرطوم 2 . و عندما لا يكون هنالك احد في المنزل كان ( الشغالات الاريتريات ) يتجاهلن طلباتها لأحضار الشربات و الشاي لبله . و ربما أستخفافاً به . و عندما تكرر طلباتها , كان بله يقول لها  : (جابوا لي كل حاجة و شربت ) . لقد كان له طبع الفرسان و النبلاء . و إلا لما تقبلني .

في المدرسة الأولية كان ابناء عمة بله و هم عباس حسيب و ربيع حسيب ,  زملائي و معي في نفس الفصل . و كان بله في المدرسة الوسطى . كان دائماً نظيف الثياب تلتف عمامته و كأنها مرسومة . كان بله محبوباً من زملائه و من مدرسيه . و كانت الوالدة زينب و أبنتها وهيبة يدرن بوفيه مدرسة الأحفاد لسنين عديدة. وفى هذا البوفيه كان يأكل ابناء اسرتنا وكثير من ابناء الاسر الامدرمانيه منهم ابناء السيد عبد الرحمن محمد واحمد وغازى . وارتبطت اسرتهم بآل بدري و عندما تزوج بله بشقيقة طبيب القلب المشهور ابراهيم مصطفى رحمة الله عليه  اخت بطل اكتوبر ورئيس المحكمه العليا مولانا عبد المجيد امام عبد الله , كنت انا الوزير وكان الوالد عبد الكريم بدري ممثل بله و صاحب حفل عقد الزواج . و كان لوالد بله متجراً في الموردة . و كان متخصصاً في الاشياء التي يحتاجها أهل البادية و كانوا يحبونه و يحترمونه , لأمانته و طيبة معشره . و كان أهل البادية عندما يأتون لزيارة قريب أو صديق في المستشفى يعتبرون ديوانه , منزلتهم . و بله كان يساعد والده في الدكان .

كنت أنا ابدوا مغبراً. وفي بعض الاحيان تكون ملابسي ممزقة بسبب الشجار أو الشيطنة . و كان اقدامي في خصام دائم مع الاحذية . و المشط لا يجد طريقه الى شعري . و كما قلت كثيراً , فأن والدتي رحمة الله عليها كانت تدعوا لي قائلة : ( ان شاء الله يا ولدي ربنا يرضى عليك و يسويك زي اخوك بله دا ) .بله كان راقياً فى تعامله واسلوبه وهندامه .  و لقد ارتفعت اسهمي كثيراً في العباسية عندما صرت أعرف بشوقي صاحب بله . و قلت حدتي . و تخلصت عن عادة لبس السكين و البحث عن المشاكل في بعض الأحيان . و صرت احاول ان اكون حسن المظهر و الهندام . امدرمان لم تكن قد نفضت عنها عباء البداوه ، وكنت انا وكثيرون لا نزال نحمل عنف الباديه . واضفت انا لها عنف احراش الجنوب . فالصبى الذى يخرج من منزله فى الجنوب بدون ان يحمل عصى يؤمر بأن يرجع لحمل العصى.وكنت عندما اخرج من منزلنا لا اذهب الا الى النيل لاصطاد السمك او السباحه .  وكنت احمل عصى دائم. وفراراً صغيراً فى جيبى يمكن تثبيته على رأس العصى فى ثوانى .واستاذى واخى زاهر سرور الساداتى تكلم عن الاولاد الشرامه فى امدرمان ، اشار لى كأحد حملة الفرار . وكنا نستجوب اى غريب يأتى للحى . ولبله الفضل فى ادخالى تحت مظلة المدنيه .

اذكر ان بله و قريبه يوسف مكيج كان يبيعون الثلج في ايام رمضان , بالقرب من أمية النور امام منزل آل البيلي وآل ابو سنينه . و كان هذا يعني عائداً جيداً . و كان بله يتلقى نقودا  من والده و والدته , و كان  يعزم على ابناء الحي عند الذهاب الى سينما العرضة أو عندما يتناولون العشاء في بازار الاحفاد . و عندما صار بله موظفا في المعونة الامريكية و كان مرتبه يقارب المئة جنية ، عندما كان الاخرون يتقاضون حوالي العشرين جنيهاً كان شباب الحي يجتمعون بطريقة منتظمة في بازار الاحفاد , الذي كان يقدم العشاء . و كان لبله حساب عند محمد ادريس صاحب البازار . و توأم الروح بله رحمة الله عليه كان لا يتعشى , بل يكتفي بشرب اللبن في المنزل . ولكن توأم الروح كان يحضر العشاء فى البازار بطريقه متواصله ولا يأكل  . قليلاً بعد المغرب يأتي بله و يقف مستنداً على السلك الذي يشد عمود الكهرباء على الارض ( الصباني ) . و يضع ابهاميه تحت ذقنه و راحتيه ملتصقتين . و يدندن بأغاني عثمان حسين ( و لهذا يصعب على الاستماع لأغاني عثمان حسين الآن ) .

و كما يظهر الهلال , يظهر بله في المساء . و يجتمع الناس حوله . و يترك البعض وصاياهم . كلم فلان قول ليه كدا ... ما شفت فلان . و يأتي من يريد شراء السجاير أو اكمال حق السينما او ريال تكسي للذهاب الى الخرطوم طراحة . و يجد الجميع طلباتهم . أو  يأخذوا ما يطلبون من الدكان و يدفع بله في نهاية الشهر . و حتى من ينقصهم حق نص العرقي كانوا يحضرون . و بله رحمة الله عليه لم يدخن و لم يتذوق الخمر الى ان مات . و من الممكن ان هذا قد ساعدني كذلك أن لا اتعرف ابداً على الخمر أو السجائر . و كان هذا شيئاً مشتركاً كذلك مع الاخ فقوق نور رحمة الله عليه . الذي يمت بالقرابة لبله عن طريق والدته . و الرائع عثمان  ناصر بلال متعه الله بالصحة . و من هؤلاء الثلاثة تعلمت الاناقة و المظهر المهندم و الحذاء اللامع . كما علمني عثمان ناصر الميكانيكي قيادة السيارات و بعض الميكانيكا و النجارة و الحدادة . و يحمل بعض ابنائي اسماء هؤلاء الثلاثة .

الاخ حمد ود الحداد وهو بناء , أتى من الجزيرة و هو في فترة الصبا يبحث عن عمل و تعرف ببله . و أخذه بله للسكن معه . و صار بمثابة الشقيق بالنسبة لبله . و كان بله دائماً يشير له بأخوي حمد . و صار حمد جزءاً من اسرتنا كذلك . و صار صديقاً لأخي الاكبر الاستاذ الجامعي كمال بدري . و هذه احدى بركات بله .

ذهبت لزيارة بله في مكان عمله في مدينة الدمام و هذا في الثمانينات . و كان يعمل عند الصيرفي  .و الصيرفي كان مدير البوليس في المقاطعة الشرقية . هذا قبل ان يتقاعد و يصير مالكاً لشركة الصيرفي كرينس هاير أو شركة الصيرفي للكرينات . و كان يعمل بها مجموعة ضخمة من العمال من كوريين و فلبيينين و سودانيين و انجليز . و قام الصيرفي بدعوتي لمأدبة غداء في منزله بدون سابق معرفة . و هذا شئ غير عادي . و كان يتبسط معي . و سألني اذا كنت ابحث عن عمل , و عن سبب زيارتي . فأفهمته بأنني مستقر في السويد و أنني قد حضرت فقط لزيارة توأم الروح بله . فتردد قليلاً و كأنه غير مصدق . ثم قال لي  ان عندي حق , فبله شخص غير عادي . و أنه  لم يقابل اي انسان بمثل ادب و نقاء بله . و ان بله قد كسب احترامهم منذ البداية .

عندما رفع الصيرفي صوته كما تعود . اكتفى بله ان توقف عن العمل و طلب مباشرةً أن ينهي الصيرفي تعاقد عمله . و انه لا يريد حتى مرتبه و سيعود الى السودان . فذهب الصيرفي في المساء الى مسكن بله و هو يغني ازيكم .. كيفنكم .. واعتذر الى بله  قائلاً : ( الم تلاحظ انني اعاملك بطريقة خاصة و احترمك جداً ) . فقال بله : ( احترامك في محله .. لانني انا اكثر من يحافظ على عملك و ادواتك  و مالك ) . فقال الصيرفي : ( هذه حقيقة ) . و اعتذر له مرةً اخرى . الصيرفي دعاني مرةً اخرى و كان يتبسط معي . و يقول لي ( ان لي أعظم صديق في العالم  لأنه ليس هنالك أي موظف قد حظى بأحترام و  ثقة الصيرفي مثل بله ) . و لقد استفدت من تلك الساعات فلقد كان الصيرفي يحكي لي تاريخ السعودية و عن ابن جلوي الذي كان يحكم المقاطعة الشرقية . و لقد عمل معه الصيرفي . و ابن جلوي هو الذي قد ساعد ابن سعود في استعادة  الحكم في الرياض . و هو الذي قتل أحد عبيد آل الرشيد الذي نصبوه حاكماً على الرياض , بعد ان طردوا ابن سعود . و كان يعود لتجاربه و المفارقات و النوادر التي مرت عليه في عمله في الشرطة السعودية منذ بدايتها . و كان يثني على توأم الروح بله كثيراً . و عندما لا يكون بله منتبهاً كان يقول لي أن الله قد اكرمني بصداقة شخص مثل بله .

بله كان يهب للدفاع عن الضعيف و لقد عرفت انه دافع عن صديقه ابن الحي عبد العظيم مهدي عبد الرحمن الذي صار مديراً للكلية الحربية فيما بعد , عندما دخل في شكلة مع من هو اضخم جسماً و اكبر سناً من عبد العظيم . و الشخص الآخر تربطه صلة اكبر من صلة بله بعبد العظيم . وعندما تطاولت وانا فى الخامسه عشر من عمرى على احد فتوات امدرمان وهو فيصل روى الذى كان يعمل فى سينما قديس لحفظ النظام ، اخدت علقه معتبره كنت استحقها ، لان روى ابن حينا كان يعاملنى بود ويختارنى كزميل له فى لعبة الوست . الا اننى وقتها كنت قد شميت صناحى .  ورى لم يكن يستهان به . ولقد صرع فتوة بانت الاكبر مكنن بلكمه واحده . ثم صارا من الاصدقاء . وتدخل بله انهى تلك العداوه .فبله كان فارساً نبيلاً يحترمه الجميع .

حملة الاثقال وابطال كمال الاجسام والملاكمون والرياضيون من نادى التربيه البدنيه المواجه لبوابة عبد القيوم بأتون لبازار الاحفاد لتناول العشاء ، وفى احدي الايام اصطدمت تلك المجموعه بالشاب الذى يغسل الصحون  لان الماء كان قذراً فى الصفيحه التى يغسل فيها الصحون . والشاب عنيد لا يجد سبباً لتغيير الماء . فدفع به احد ابطال كمال الاجسام نحو الدرابزين وكان الطباخ يقف ممسكاً بسكين . وامام تلك الاجسام الضخمه لم يكن السيف بمجد . وتصادف حضور بله ، ومع كلمة اقيف ! توقف كل شئ . فسأل بله الشاب ، المويه دى لو ادوك تشربا بتشربا ؟ فرد الشاب  بالنفى .فأخذ بله الصفيحه وملأها بماء نظيف . والتفت نحو المجموعه الغاضبه وقرعهم على التهجم على الشاب المسكين والطباخ الغريب . فالجميع ولدوا فى نفس الحى . وعندما افكر فى هذه المناسبه اتذكر روعة تؤام الروح وعقله ومعقوليته . فالشاب الذى كاد ان يتعرض للضرب صار محبوباً ومقبولاً من الجميع  .

بله نشأ في العباسية و في ذلك الوقت كان كل الشباب يدخن أو يتعاطى الصعوط . و الأغلبية يشربون الخمر و يدخنون البنقو . و لكن بله رحمة الله عليه لم يكن يكذب ابداً . و لم يدخن او يتذوق الخمر . و حتى عندما وجد وظيفة في شركة امريكية , و هي احدى شركات المعونة الامريكية و التي كانت تبني طريق الخرطوم مدني . و تحصل بله على مرتب هو اربعة أو خمسة مرات المرتب العادي . لم يدفعه هذا ليتعاطى اي مكيفات او يشرب الخمر أو ان يدخن حتى سجارة . لقد صدق مدير الشرطة الصيرفي السعودي . فبله ليس له مثيل . و كان مواظباً على صلواته , و لا يتشدد , و لا يفرض تدينه على الآخرين .

في صيف 1969 حضرت الشيكية  داشا اسكوماالوفا و هي شابة في العشرين من عمرها تتمتع بجمال باهر . و كانت خطيبة صديقى عمر عبيد بلال . و لمدة شهر كامل كنا نتواجد سوياً و كنا نذهب في رحلات أو نجتمع في منزل العم ابراهيم قاسم مخير زوج عمتي في شارع الجمهورية رقم عشرة . و هو احد منازل جامعة الخرطوم . لأن اهل الدار كانوا في اجازة في اوربا . و كان ابن عمتي رحمة الله عليه الدكتور قاسم مخير يرحب بنا في كل مساء . و كان يتواجد معه صديقه الدكتور جفعر ابن عوف و آخرون . و كان يرافقنا دائما فارس احمد المصطفى رحمة الله عليه . و قبل سفر داشا الى تشلوفاكيا , قبل ان تصير زوجة دكتور عمر عبيد و الذي صار وزيراً في حكومة نميري , قالت لي داشا بالشيكية بأن اول شي ستعمله عندما تعود الى تشسلوفاكيا , هو انها ستكسي احد اسنانها الامامية بغطاء ابيض. و كانت لها سن تميل الى الاحمرار منذ طفولتها . و كانت تقول لي ستصير اسناني بعد ذلك في جمال اسنان بله . و طلبت منى ان اخبر بله بذلك . فقال بله مستغرباً : ( هل هي عندها سن محمرة ؟ ) و بالسؤال: ( ما لاحظت كدا ؟) . قال بله بدون ان ينظر اليها: ( طبعا لا  ) فقلت مستقرباً : ( ياخي البت دي معنا شهر كامل ما لاحظت ؟ ) . كان رده رحمة الله عليه : ( الاحظ كيف ؟ دي خطيبة صحبك هل معقول املأ عيني فيها ؟ ) . لقد صدق الصيرفي . لقد قضى كل عمره كرجل امن أو شرطي , و يعرف البشر . و لكنه لم يقابل اي انسان مثل بله . و لهذا كنت احلف بحياته و لا ازال احلف برحمته  و اصدق . و كل من يعرفني جيداً يستحلفني ببله . و كنت البي طلباتهم.

قال لي احد الاصدقاء ان بله مرةً بضائقة مالية. و كان لبله سيارات تكسي . و تبقيت واحدة . فأقترح الصديق بيعها . و عرفت من الصديق ان بله قد رفض لأن ذلك الصديق  قد كان يعيش عليها . و كان بله في الحقيقة قد تركها له . و لهذا لم يكن يستطيع ان يبيعها .

تعلمت من بله ان انزل من الدراجة و اسير عندما امر باحد كبار اهل الحي . و اركب مرة اخرى بعد ان اتعداهم . و عندما يدخل احد الكبار الديوان و خاصة عندما يدخل الوالد  عبد الله احمد و يكون بله مستلقياً فأنه كان يجلس معتدلاً . و عندما يكون جالساً كان ينتصب واقفاً . و هذه بعض الاشياء التي تعلمتها في منزل بله و كنت امارسها في حياتي .

في مأدبة غداء في العباسية اتت سيرة شخص كان ملاكماً . و كان قد توفى في حادث غرق . و سأل احد اشقاء المتوفى  بله , انه اذا كان قد نازل شقيقهم المتوفى . فأجاب بله بالايجاب . و عندما سألوه عن النتيجة قال انه قد هزم . و تحدث الاخرون عن عظمة شقيقهم و انه كان يسكون بطل العالم اذا لم يغرق . و عندما ذهبنا لنغسل الايادي قلت لبله : ( دا مش الراجل الانت (زبطه ) في حلبة سلاح المهندسين ) . فقال بله رحمة الله عليه : ( يعني معقولة يا شوقي اقول ليهم اخوهم الغرق انا هزمته ... حا استفيد شنو ؟ ) .

عندما حضرت في احد الايام لزيارة بله , كان احد الأصدقاء ينام في الديوان . و كانت تنبعث رائحة قوية من حذائه . و بله رحمة الله عليه كان في الحمام يغسل جورب ذلك الصديق بيده . و كان الأمر يبدو عادياً بالنسبة له .

عندما عدت من أول اجازة من اوربا كنت اتواجد مع توأم الروح كل الوقت . و كان الأهل يأتوت يسألون عني , ليكتشفوا انني غير موجود . و بالنسبة لي كان التواجد مع بله اهم من اي شئ آخر . فضاقت والدتي ذرعاً , و قالت لي في لحظة غضب أن بله قد اخطأ في حق صديق لنا . فذهبت مباشرةً الى بله و قلت له بأن والدتي وصفته بعدم الأمانة . و انه قد تغول على حق صديقنا المسكين . و أستدان منه مبلغاً من المال و لم يرجعه له . و ذلك الصديق يعمل بأجر بسيط . و بله يتلقى مرتباً ضخماً و رفض بله ان يحضر ليواجه والدتي .  و قلت له انا لا اسمح لأي انسان ان يتحدث عنه , فلا  بد ان تكون والدتي مخطئة . لأنها سمعت معلومات خاطئة . و بعد تعب نجحت في  اخذ بله لكي يواجه والدتي . و القصة ان ذلك الصديق عندما سؤل لماذا لم يحضر مع بله كالعادة . قال غاضباً ان بله قد استدان منه مبلغاً و لم يرجعه . و وضح ان بله قد أرجع ذلك المبلغ و الصديق الآن مدان له بمبلغ . إلا انه لا يعتبر الامر دين , لأن الشخص بمثابة الاخ و هو لم يذكر هذا الدين لأي انسان . و لأن لبله اخلاق الملائكة فلم يذكر هذا الأمر لذاك الصديق . بل تواصلت صداقتهم الى ان انتقل بله من عالمنا .

قديماً في السودان هنالك من تسميه (زولك ) . و هو من تشب معه و قد يكون وزيرك في طهورك و زواجك و تتزوج أو يتزوج شقيقتك . و يأخذ احد ابناءك اسمه . و بالرغم من أن الوالده زينب كانت تقول لبله : ( يا بله يا ولدي الله ما اداك اخو ... لكن ربنا اداك شوقي ) . و بالرغم من هذا عندما كتبت له في الستينات مقترحاً الزواج من احدى شقيقاته , تجاهل طلبي . و الحقيقة انني لم أرفع نظري الى اي من شقيقاته بالرغم من ترددي على المنزل . فيما عدى اختي وهيبة رحمة الله عليها التي كانت متزوجة و هي والدة منتصر .  و كان يكفيني فقط ان اكون صهره . بله  كان مدفوعاً بالاحساس  بأنه سيجنبني مشاكل سيعرضني لها المجتمع . ففي احدى الاجازات عندما حضرت قالت لي والدتي : ( بي دربك دا تمشي تشوف اختك نفيسة شبيكة .. عيانة راقدة ) . و نفيسة شبيكة رحمة الله عليها كانت احن البشر و تواصل الجميع . و هي قد ترملت في شبابها . و أبنها الدكتور محسن لم يكن قد ولد . و هي امرأة عظيمة .  فذهبت مع بله  و معنا شقيقتي نظيفة .  و نحن جلوس مع نفيسة شبيكة التي كانت مستلقية أتت بعض الزائرات . و رسمن مظهر اشمئزاز على وجوههن . فقالت نفيسة شبيكة : ( دا شوقي و د خالي ابراهيم بدري ... و دا بله اخوي .. اتفضلن ) . فرفضن الجلوس , و والله لم يتغير وجه بله . و لقد تكررت هذه التصرفات عشرات المرات  , كان بله لا يهتز امامها . و كما قال الصيرفي السعودي , لا مثيل له .

في 1984 اعطاني الاخ رحمة الله عليه ارصد حمد الملك مظروفاً كبيراً يحوي كتالوجات لمطابع و معدات طباعة تشيكية, و خطابات كثيرة . و كان المظروف معنوناً لشركة الأيام . فأخذني بله بسيارته و قضينا أكثر من ساعتين نبحث عن شركة الأيام . و آخيراً دلونا على دكان في شكل ورشة ليس بعيداً من القصر الجمهوري . و وجدت شاباً , عرفت فيما بعد انه ابن الاستاذ الرائع بشير محمد سعيد . فسألته عن الأستاذ محجوب عثمان , و كيف يمكن الوصول اليه . و في نفس اللحظة كان بله قد نزل من السيارة , و وقف بالقرب مني . فألتفت نحوه الشاب قائلاً بطريقة فجة : (  و انت عاوز شنو هنا ؟ ) . فقال بله مبتسماً : ( انا السواق ) . فتملكني الغضب و مزقت المظروف , و الكاتلوجات و الخطابات . و رميتها عليهم . و كان هنالك رجل آخر و عامل اثيوبي . فلامني الرجل على تمزيق الخطابات . فركبني الجن , و لو لم يدفعني بله بعيداً لتطور الأمر .

عندما حضر الخال محجوب عثمان لزيارتي بعدها , مصحوباً بالاستاذة بنت عمتي نعمات مالك , كان هذا أول لقاء لنا لفترة طويلة . فقد كنا نلتقى قديماً في مقابلات خاطفة . و أعتذرت للخال محجوب بأن الشاب اذا كان قد بصق على وجهي لما غضبت مثل غضبي لأستفزازه بله . فهو اعز رجل بالنسبة لي في العالم . و تفهم الخال موقفي .

الاخ حسن السروجى المهندس الآن فى خميس مشيط فى السعوديه ويذكره الناس بالعملاق الذى يعزف الكونترباص فى فرقة شرحبيل مع طالب الطب وقتها واخصائى جراحه القلب فى مانشستر الآن الدكتور على نور الجليل والطيوبه ومهدى وآخرين ، عندما كان يمازح بله فى الثمانينات كان يصفه بحراس النجيله . فلقد كانت لنا اربعه مسطحات من النجيل والزهور والاشجار على شارع المورده فى مواجهة دار حزب الامه اليوم .  وكانت مكان تجمع مئات من الشباب . وكان يشرف عليها اثنين من الجناينيه الشباب احدهم ود موسى . وكانوا يصطدمون بصبيان وشباب الحى وبعد ان اكتملت الجناين صار عم الشيخ هو المسئول من المراقبه وهو رجل بذقن مستديره بيضاء . وكان قبل ان ينصرف لاهله ينادى يؤام الروح بله ويطلب منه ان يهتم بالحديقه وان يمنع الآخرين من تخريبها . وعم الشيخ كان محقاً فالجميع كان يحترم بله رحمة الله عليه . وعلى كلام حسن السروجى علق احد الاخوه قائلاً ـ عم الشيخ كان بوصى بله لانو الوحيد فينا المعقول .

قبل فتره قصيره من سفرى الى اوربا كنت اسير مع تؤام الروح وفجأه اشاهد ود القور وكان قد استوعب كرجل بوليس .  وهو من صعاليق السوق . ولا يتمتع بالاحترام . وصار يتفنن فى استفزاز اصدقائنا عبد الرحمن كيكس والطيب عجوبه العجلاتيه اللذين يعملون فى العراء فى ميدان البوسته . ولم اضيع الفرصه وجعلت ود القور ينام هانئاً محتضناً تراب العباسيه . فلامنى بله بشده خاصه بعد ان خرجت من الحراسه وبعد ذلك الحادث باحدى عشر سنه حضر بله لزيارتى فى الشتاء السويدى و قام بزيارتى فى السجن بتهمه تسبيب الاذى الجسيم لخواجه .  وتصادف خروجى فى اجازه بعد قضاء نصف المده فى السجن .  وروعه تؤام الروح هو انه الانسان الوحيد الذى كبد نفسه هذه المشاق . واروع شئ انه لم يقل لى ابداً ما كنت سأقوله انا ( مش كلمتك . ومش قلت ليك ما فى لزوم للمشاكل ). واكراماً لتلك الزياره واحتراماً لتؤام الروح وعدته وقتها ان ابعد عن العنف . ولقد نجحت . فلو لم يكن بله موجوداً فمن الممكن جداً اننى كنت سأكون ميتاً و محكوماً على بالاعدام او السجن المؤبد بسبب العنف .

لن يتوقف الدمع ابداً لان امثال هذا الرجل الذى اقرب للكمال لم يجدوا الاحترام فى مجتمعهم . ووجد الاحترام من هم لا يساوون شيئاً . والآن يهاجم اهلنا النوبه ويتعرضون للقتل . عندما ابكى الآن ابكى بسبب الغبن والظلم الذى وقع على بله طيله حياته . وابكى عجزى ولؤم مجتمعى الذى لم يكرمه . فعندما مات بله ماتت روحى معه وصارت حياتى خاويه .

بله كان من أول المغتربين الى ليبيا . و لأنه كان يدير شركة آسيا للاستيراد و التصدير ,  كان يساعد كثر من السودانيين في الاتصال بشركات اوربية لشراء سيارات و شاحنات . و قامت مجموعة كبيرة منهم بشحن سياراتهم و معداتهم بواسطة شركة شحن . و كان الدفع يحدث عادة في بورتسودان بالجنية السوداني . و لكن الوكيل في السودان قرر فجأةً أن لا يتقبل الدفع إلا بالعملة الصعبة . و رفض تسليم السيارات و الشاحنات والمعدات لأهلها . و يبدوا انه كان مسنوداً باحد رجال مايو .  و نصحهم البعض بالذهاب الى نائب رئيس الجمهورية  ابو القاسم محمد ابراهيم . و كان ابو القاسم قد صار متغطرساً . و كان يقابل الناس عندما يسمح بمقابلتهم , و هو يضع اقدامه على الطاولة . و كما قال لي احد المغتربين انه لم يصدق عينيه عندما احس بكمية الاحترام و التقدير الذي كان يكنه ابو القاسم لبله . واصدر امراً بتسليم السيارات والشاحنات لاصحابها . المتكلم لم يكن يعرف أنني اعرف بله . فقلت له ليس هنالك اي انسان في العالم لم يكن كل التقدير و الاحترام لبله . و لهذا لن يتوقف الدمع .  فبله كان ثاني اعز انسان في حياتي , بعد والدتي رحمة الله عليها .  و لن يتوقف الدمع لأنني نادم على سني التي قضيتها بعيداً عنه . و اذا كانت الامور عادية لكنا اسرة , و لكن كما فرقتنا الدنيا تقسم السودان , و سيتقسم اكثر و اكثر . لأننا لا نقدر ما عندنا . و الآن يموت اهل بله في كادقلي , التي هي مسقط رأس والده و اجداده .

ع / س . شوقى بدرى




Shawgi Badri <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>