عزيزى خالد ، طبعاً من المستحيل ان اتقبل فكره غيابك . وحتى عندما اغمض عينى اتخيل حاجبك الايمن يرتفع ، وعينك اليمنى تزيد اتساعاً وتندفع فى النقاش . لقد كنت رجلاً فريداً . ونحن كالعاده لا نعرف قيمه الاشياء والبشر الا بعد ان نفقدهم . لقد كنت بيننا ، تقدم ونحن نتقبل . ونطالب ونحتد معك ونخاشنك . لقد تعودنا ان نطالبك ، فرسالتك كانت رساله عطاء وبذل . وكان الجميع يتلقون باقتناع بأنك من المفروض ان تقدم ، بدون ان تشتكى او تتزمر .

لقد قالت زوجتى لم ابكى منذ وفاة والدى مثلما بكيت خالداً . ولكننى  الى الآن ما فشيت غبينتى . حتى عندما كان الناس يتحدثون عن مرض خالد ، لم آخذ الامر ابداً بجديه . وحتى عندما اتصل بى الاخ ناصر يوسف بالقرب من سرير مرضك فى الخرطوم . وكان يقول لى خالد تعبان ولكن مصر يتكلم معاك  , ومهموم لانه يفكر فى انه ظهر عندك ضغط عالى . الراجل ده عيان وبفكر فيك انت . وتحدثت معك . وكنت على اقتناع بأن جسمك القوى وروحك الوثابه وطاقتك بمثابه ضمان ضد الموت . وعندما اتصل بى الاخ طارق ابو عبيده ( خدر ) بعد منتصف الليل قلت له مباشرةً الحمد لله اخوك وصل هولندا . وبعد لحظة صمت قال لى طارق عندى ليك اخبار سيئه ...... خالد مات يا شوقى .

لقد اتصل بى الابن النور يوسف  والعزيز طارق كانديك وطلب منى بابكر مخير ان اقبلك باسم الجميع . وكان يقول عندما يموت الاخ ينكسر ظهر الانسان . ولكن شوقى انكسر ظهره وقطعت يده . لان خالد كان يكتب له .

لقد كنت يا خالد مستلقياً فى تلك الطاوله المعدنيه . لقد ادخلنا تلك القاعه بعض الاوربيين من نساء ورجال فى ملابس سوداء . وكان الجو مشحوناً بالحزن والرسميات . ولقد قام اثنين من المغاربه بغسلك وتجهيزك . ولم تسمح تلك المنظمه بدخول الناس  .  وعندما انحنيت لان اقبل جبهتك كان جسمك بارداً يا خالد . وكانت الماده الصفراء التى طلوا بها جسمك لازعه الطعم ولها رائحه نفاذه . وعندما ضممتك بقوه وقبلتك قبله اطول كما وعدت الجميع . علقت تلك الماده بشالى ومعطفى وبقيه ثيابى . ونفذ بعضها من خلال حلتك الجديده البيضاء . الوحيد الذى كان معى هو الاخ عبد القادر كابو الذى رافقنى كل ايام زيارتى واخذنى فى كل المشاوير . اتذكر عندما كنا فى منزله فى الصيف وكنا نضحك ونتمازح ؟ .

كنت ترقد وكأنك قد استلقيت لكى ترتاح . كان وجهك جميلاً يا خالد . ولاول مره اشاهدك وشعرك قد طال . فلقد كنت تحلقه عادةً . ولكن يبدو ان فترة مرضك حالت دون ذلك . وقبل ان يغطوا وجهك . كنت اتصور انك ستفتح عينينك . وتطلق تلك الضحكه المجلجله التى تعدى السامعين . وانك ستملاء الدنيا حياةً وصخباً . لماذا يذهب امثالك يا خالد . فانت من المميزين .

بعد الصلاة عليك فى الجامع  اراد الاخ خدر ان يأخذنا الى مطعم السمك بالقرب من الجامع فى دنهاق . وقلت له والاخ كابو اننا لا نستطيع دخول ذلك المطعم . فى الصيف اخذتنا انت لذلك المطعم . وفتكنا بسمك البلطى والخبز الاسمر . واذكر اننى كنت اقول واردد ما كان يقوله عزيزنا محمد محجوب عثمان رحمة الله عليه ( لقد اكلنا بشهية الجنرالات الروس ) .

فى الصيف اتيت معى للسويد بصحبة الاخ ناصر يوسف فى رحلتة التى سماها رحلة العمر . وانضمت الينا الاخت العزيزه امينه ( ساره ) من النرويج . التى تقول زوجتى ان حزنها عليك فاق حزن الجميع . لقد كانت اجمل ايام يا خالد . جارتنا السيده قودرون  لفتت نظرنا بادب بان ابنائنا كانوا يصخبون ويضحكون ويصرخون طيله الليل . وبالرغم من ان غرفة نومها على بعد ثلاثين متراً الا انها لم تستطع النوم . ولم تكن تعرف اننا فى تلك الايام تحولنا الى صبيه وفتيات صغار  . لقد كانت ضحكتك تجلجل وكانت المجموعه السودانيه ومنهم الاخ مجدى الجزولى وآخرين يضحكون من قلوبهم . وكنت تضحك يا خالد وكأنك تعرف بأنك ستغادرنا . بالرغم من الجراح والتجريح والمصائب التى المت بك اخيراً وتطاول البعض ، الا انك كنت قوياً تضحك ويتبعك الجميع . فانت تضحك كل الوقت من قلبك وكأنه ليس هنالك هم فى الدنيا .

ما اروعك يا خالد . انت الرجل الوحيد الذى انشاء موقعاً الكترونياً . وجعل ادارته والتصرف فيه ديمقراطياً . فانت لا تؤمن بالامتلاك والتملك . وكان الآخرون يديرون الموقع وانت تدفع من حر مالك . ولم تطلب مشاركه احد . بالرغم من ان المال كان عزيزاً فى بعض الاحيان . وعندما احتديت انت فى الرد على البعض ، وكان لك اسباب احدها ظروف ضاغطه كنت تمر بها . قاموا بطردك لمدة شهر من موقعك الذى تمتلكه وتدفع له من حر مالك . وتقبلت عزيزى خالد قرار الآخرين . وكنت عزيزى تتراجع وتعترف بغلطك وتكتب بشفافيه . وعندما هاجمتك بخصوص نشر خلافك مع الحزب الشيوعى فى الاسافير ، تراجعت وقلت ان تلك كانت غلطه .

عندما تطرقنا ياخالد قديماً فى سودانيز اون لاين لموضوع الرق ومخلفاته ادليت برأيك بقوه وبشفافيه . وعندما تطرقنا لموضوع الشذوذ الجنسى الذى يفتك بمجتمعنا كنت صريحاً وواضحاً . ما اروعك يا خالد . وحتى عندما كنت احتد معك مدفوعاً بعقدة الاخ الاكبر ، كنت تكتفى بأن تردد جملتك المعروفه ( الشكيه لى الله ) . كما كنت تقول لى والله يا شوقى انت طوالى بتهاجمنى . انا والله بحبك لله . وكنت اقول لك ان هذا ما لم استطع ان افعله انا .

لقد هب جمع كبير من السودانيين للصلاة عليك . وابدى الجميع الحزن . ولقد عرفت بأن اكثر من عزاء قد اقيم لك . كان هنالك عزاء فى الامارات وفى قطر وفى السعوديه وفى الخرطوم . وعندما اخذنى الاخ عبد القادر كابو لزيارة السفير الاخ سراج الدين ، بادر سراج الدين كابو قائلاً ياخى البركه فيك مات ليكم رجل عظيم . عندما سمعت تلك الجمله احسست باكبار نحو السفير . وقضينا معه امسيه جميله تذكرناك فيها وتحسرنا على غيابك .

كنت اريد ان اكمل الرحله التى بدأتها انت . فذهبت الى بلدتك رورموند فى جنوب شرق هولندا عند الحدود الالمانيه . وتكرم ابنى المعز عبد القادر كابو باخذى فى سيارته . انه المشوار الذى قطعته معك اكثر من مره وفى سيارتك . ولكن هذه المره كانت بدونك . فلقد انتقلت روحك فى المستشفى التعليمى فى روتردام . وامام دارك كانت تقف سيارتك الزرقاء . التى كنت اقودها فى رحلتنا فى الدنمارك . كانت مثل الحصان الذى ترجل فارسه . ذكرتنى بحصان الثائر المكسيكى زاباتا . الذى اطلق عليه النار اكثر من مئه رجل .

بعد ان مكثنا قليلاً من الابن جعفر  توقفت قليلاً عند الباب . ثم فتحت باب الحمام فى الطابق الارضى فقال الابن جعفر ممكن تستعمل الحمام الفوق . فقلت له اننى كنت اريد ان اتذكر ذلك الحمام الذى قمت انت ببنائه بيديك . وبمساعدة الابن المحسى . وكنت وقتها امازحك واكتب انك قد صرت من الاثرياء وانك قد قمت باصلاح منزلك وصرفت عليه عشرات الآلاف من الدولارات . وكنت اعرف انك كنت تقوم بكل شئ بنفسك . فانت يا خالد لم تكن من اللذين يطمعون فى المال . كنت اريد ان استوعب ذلك المنزل ، كنت اريد ان اشرب  وارتوى من روحك التى كانت تحلق فى ذلك المنزل لسنين عديده .

ابنتك ساره يا عزيزى ترتدى الآن نظارات نظر ويبدو شكلها مختلفاً قليلاً . وجعفر يبدو انه قد صار رجلاً لقد صنعت منه محنه فقد والده شاباً قوياً . وعندما قابلته البارحه فى النادى النوبى حيث اقيم لك عزاء ضم الكثيرين ، كان يبدو متماسكاً . الابنه نهله باعوامها القليله . لا تزال تبتسم بخدودها الممتلئه . وتقول ان والدى هنالك عالياً مع الملائكه ينظر الينا .

بعد ان عدنا من الصلاة عليك فى اليوم الاول . طلب منى الاخ كابو ان اخلع معطفى والشال . الا اننى اصريت على الاحتفاظ بهم طيله اليوم حتى داخل المنزل . لقد كانت فيهم تلك الرائحه التى التصقت بجسمك . سأحتفظ بهذا الشال يا خالد بدون غسل وسأستنشقه كثيراً كثيراً .

عندما كنت فى منزلك قبل شهرين وقلت لى انك ستذهب للسودان لخمسه اسابيع وقلت لك انها مده طويله . فلقد تعودت كل هذه السنين ان اتخاطب معك دائماً . عزيزى خالد هنالك سبعه مليارد شخص على ظهر هذا الكوكب . انت الشخص الوحيد الذى اتحدث معه بدون حدود او ضوابط . واترك نفسى على السجيه . واتقبل منك اى كلام . لقد اختفى هذا الشخص باختفائك . والعمر قد تقدم . وعما قليل سنتبعك . ولكن يستحيل ان اجد من يأخذ مكانك . اتذكر عندما ذكرت لك فى منزلك قبل شهرين اننى قد نظمت جنازتى واعددت كل ما يلزم حتى نوع الصندوق ، وطريقه الذهاب الى امدرمان  . لقد كنت تحسب ان الامر شطحه وانه لا لزوم له . وها انت تتقدمنى . لقد كنت اهيئ نفسى وكنت انت آخر من اتصور انه سيذهب . لقد كنت تمثل الحياة يا خالد، ولا استطيع ان اتخيل ان ذلك البريق الذى كان ينطلق من عينيك يمكن ان يخمد  . الى اللقاء


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.