عزيزى على, هذه هى الرساله الثالثه التى اكتبها لك . الاولى كانت فى اغسطس 1959 ، كنت انا فى السنه الاولى فى مدرسه الاحفاد الثانويه امدرمان . والرساله الثانيه كانت فى ابريل 1995 رداً على موضوع كتبته انت فى جريده الخرطوم وذكرت فيه احتفاظك بكثير من الرسائل التى تعتز بها، احداها رساله من اخيك كمال ابراهيم بدرى . ولقد قمت انت بنشر رسالتى فى جريده الخرطوم، مما اعادنى الى الكتابه بعد توقف لسنين عديده . موضوعك الاخير المنشور عن اعالى النيل وملكال شجعنى لكتابه هذه الرساله .

قبل ثلاثه اسابيع كنت فى برلين، احد الاسباب كانت مقابله الابن السفير فقوق نقور جوك  او حسن يوسف نقور . لم اكن قادراً ان اذهب الى السفاره ، بالرغم من ترحيب السفير الاول السيد بهاء الدين حنفى . كنت اخشي ان لا استطيع ان اتمالك نفسى امام الآخرين . واخيراً ذهبت لمقابله الابن فقوق نقور ولم نكن قد التقينا من قبل . وساعدنى فى ايجاد العنوان احد قامات برلين الاخ جعفر قسم الله سعد .

عزيزى على لقد كنت ياعلى انتحب كالطفل الصغير وهذه اول مره فى حياتى انتحب ، وكنت انتحب لدرجه ان ابنى السفير كان ينتحب مثيلى او اكثر ، لدرجه ان ابنه الصغير محمد كان يردد عدة مرات .. فى شنو يا ابوى .. فى شنو يا ابوى . لقد كنا نبكى على كل شئ . كنا نبكى على الوطن ، الاهل ، الذكريات . لقد كنا نبكى على فشلنا ان نحافظ على بلدنا . لقد كنا نبكى من اليأس والالم والم الفراق .

بعد الزياره عانقت ابنى فقوق نقور امام داره وانتحبنا من جديد وقبلت يديه وتفارقنا . فلقد كنا نعرف انها ايام ونصير اجانب بالنسبه لبعضنا البعض .

لقد كتبت قديماً بأننى احلم ان آخذ ابنى فقوق بدرى لزياره قبر اخى فقوق نقور ولكى الثم يدى السلطان الحالى شقيق فقوق نقور ووالد فقوق نقوق وآخرين . السلطان يوسف نقور . ولكن يبدو اننا سنذهب كاجانب. وسنجبر على الحصول على فيزه دخول لجنوب السودان . وسنذهب لمكتب تسجيل الاجانب فى الرنك .

فى الرنك ولد بعض اشقائى ولقد ارتبطنا بالجنوب مثل ارتباطنا بالشمال . بل ان ارتباطك انت يا على اكبر . فاعالى النيل هى مسقط رأسك . وهنالك وعيت بالدنيا وارتبطت كل طفولتك وصباك وشبابك باعالى النيل ، فما اعظم المك وما افدح  فقدك . ليس هنالك الم يا على يعادل فقد الوطن .

بعد يومين من زيارتى للسفير فقوق نقور، كنت فى ضيافه الاخ عبد القادر كابو وفجاءه شاهدت برنامج تلفزيونى فى القناة السودانيه وكان المتكلم يتحدث عن حى السوارى . فقلت مباشره للاخ كابو انهم يتكلمون عن الرنك. نادى  زوجتك .

زوجة الاخ كابو هى حنان احمد المصطفى . تذكر يا عزيزى العم احمد المصطفى او كما كان يعرف ب ( ابا نادر ) انك ولابد تذكر منزله الكبير فى موقف اللوارى والبصات . لقد كان اكبر مقاول فى مدينة الرنك . هكذا يا على اينما نذهب نجد اعالى النيل معنا .

عندما كتبت لك عزيزى على  خطابى الاول، فى سنه 1959, كنت قد تركت مدرسه ملكال , وانت لا تزال هنالك . لقد كنت احدثك عن اعجابى بشخصك وعن تقديرى لشجاعتك. وكما قلت لك اننى احترم كرهك للظلم وعدم تقبلك ( للحقاره ) . لقد كنت تكتب فى جريدتك الحائطيه ( العليان ) والتى كنت تصدرها بالمشاركه مع ابن واو على عبد الله . وكنت تشتكى من تغول اولاد السنه الرابعه , وانا منهم  وفرض ارادتهم على المدرسه , والتصرف وكأنما لهم حق يفوق الآخرين . وان المدرسه مدرستهم لوحدهم . لقد كنت انا يا على احد اولاد السنه الرابعه . ولقد كنت اكره الظلم مثلك وانت تعرف عزيزى كم تعرض اهل الجنوب للظلم .

لقد اوردت انت فى احد مواضيعك عن مدرستنا وعن اعالى النيل بأننى كنت مستعداً فى اى وقت ان اورد الهلاك اى من يتعدى حدوده معى . واذكر ان احد ضحايايا كان الاخ مصباح عبد الحليم الذى كان حارس مرمى المدرسه . وكان ضخماً بالمقارنه بى . وعندما اخذ المكوه التى كنت قد ملأتها بالجمر ، لاكوى ملابسى اصطدمت به . وكان من الممكن ان اضر به لولا اننى قد قلبت الفرار فى آخر لحظه وكنت وقتها فى الرابعه عشر. وتصافينا بعد رجوع مصباح من المستشفى  وصرنا اصدقاء . الآن انا اعيش فى بلاد البيض. ويتعرض ابنائى للظلم والتفرقه فى بعض الاحيان . ان الظلم يا على ابشع الشعور فى الدنيا , انه مرادف للقهر .

لقد كان يحدث ان يحضر احد الطلاب متأخراً ، خاصه من ينضمون الينا من الشمال لاعادة السنه الرابعه . احدهم كان الاخ سماحه . لقد كان سماحه قوياً بعضلات بارزه وجسم قوى وطريقه لا تخلو من الجلافه . ما ان جلسنا فى الجانب الشرقى للسفره كالعاده حتى بدأ يتكلم عن خيبه امله فى ملكال . وكان يقول على ما اذكر ( ناس المعارف ادونى كم مدرسه اعيد فيهم ، لكن ابوى قال لى يا سماحه انت بتحب الاكل امشى ملكال ، حتى لو مليانه عبيد لكن المنقه هناك قدر راس الجاهل . اها حسه انا جيت لقيت العبيد لكن ما لقيت منقه ) .

فى المساء كانت هنالك مشكله وهى ان حضور سماحه كان مفاجئه  وكان اليوم جمعه. ولم يكن هنالك سريراً جاهزاً لسماحه . وكما متوقع وكما حدث من قبل فكنت فى هذه الحالات لاننى اصغر الجميع سناً  اشارك صديقى العزيز عبد الله خيرى من ملوط السرير . ولكن فى تلك المره رفضت ان اتنازل لسماحه عن سريرى . فالعبيد اللذين كان يتحدث عنهم كانوا احب الناس الينا, واقربهم الى قلبنا . ولقد تجنبت كل الوقت حتى ان اخاطب سماحه . لقد كان يتملكه احساس بأنه ود عرب وانه خير من الآخرين ، ولم يقم اى صداقات او علاقات مع الجنوبيين .

كانت عندى خلفيه قصة اهل زميلنا فى ملكال عبد النبي لو تذكر ، وهم من اهل ام دوم ، ودكانهم يلاصق دكان خالى اسماعيل خليل . لقد هاجم مجموعه من اخوته وابناء عمومته حارس السوق الدينكاوى ، لانه شهد معزه قد اشتروها وربطوها فى عمود دكاننا . وعندما طالبهم بدفع الخمسه قروش وهى رسوم السوق اوسعوهو ضرباً . فافلت حبل المعزه واحتضن عمود دكاننا حتى لا يسقط على الارض . ولكن عندما تكاثر عليه الضرب سقط ارضاَ وبدأوا بالقفذ عليه . وخرجت من الدكان صارخاً فيهم ووصفتهم بعدم الرجوله. وهددوا بضربي . واخيراً توقفوا . وحتى عندما حضر البوليس الجنوبى لم يستطع ان يعمل اى شئ. لان الجميع كانوا يصرخون ان العب سكران وغلطان . وكنت انا صبى صغير امام جيش من الجلابه . وجمعه الذى يستأجر الجزء الشمالى من برندتنا كان وزميله يجلسان خلف ماكنه الخياطه ، وهما من الباريا فى جوبا . وكنت ارى الالم فى جهه ووجه زميله ، ولكن لم يستطيعا الكلام او التدخل . والا اجبرا لترك السوق . هذا هو الظلم يا عزيزى .

فى حديثى مع حبيبنا جعفر عبد الرحمن سليمان ( جوكس ) من ابناء بور ، وهو الآن فى اليابان ، ذكرته بسماحه وبالرغم من انني لم اكن احسن الظن بالاخ سماحه ، الا ما سمعته من الاخ ( جوكس ) كان صادماً .

هل تصدق يا عزيزى على, ان سماحه قد عمل فى الامدادات الطبيه . وانه كان يرسل الدواء المخصص لاعالى النيل الى مديريات اخرى . لانه قد صار كارهاً لاعالى النيل . فهو بجانب خيبه ظنه بخصوص المنقه التى تغطى شوارع ملكال والفاكهه, قد تحصل على مجموع فى امتحان الشهاده السودانيه اقل من مجموعه السابق . فكان يحمل العبيد واعالى النيل وزر فشله . وكان بكل بساطه ينتقم من مديريه اعالى النيل ، التى تفوق مساحتها مساحه دوله غانا .

انك يا عزيزى على ولا شك تذكر ماتش كرة السله الذى اقمناه ضد نادى الموظفين فى ملكال ، وكان بينهم رجل ابيض . وتذكر يا على كيف فزنا عليهم . واذكر ان الاخ اسماعيل حامد من كاجو كاجو والذى كان مثالاُ للادب والخلق وحسن التصرف حكم المباراه . ولم يصدق الموظفون هزيمتهم . لقد كنا صفاً واحداً ، ولقد كنت اصفق حتى وجعتنى راحتى ، كنا جميعاً فى داخل اسره واحده . كان هنالك اوشى من حلفا واسماعيل المحسى وحسن شبور من الابيض كردفان والباقر ابو دقن من الباوقه وكان هنالك اولاد الاستوائيه تابان مايكا وخميس . ومحمود ( حاج منزو ) من خور شمام خارج واو . وكانت هنالك مجموعتكم وخالد محمد على ، احمد سلمان ، واسماعيل رجب  وآخرين من اولاد القيقر . ومن ابناء جوبا اخى العزيز عيسى سولى الذى صار عميداً فى جيش عيدى امين . ومن ابناء الشلك كان الاخوه عبد الله عباس وفاروق دينق والعظيم عبد الله فرح وشقيقه مصباح من دينكا ملوط .

كان بطل المباراه بدون منازل العملاق وزينه الرجال اجوت الونج اكول, الذى هو الآن فى الاراضى الجديده، كما كنا ندرس فى الجغرافيا قديماً . ولا ادرى هل تعرف او لا تعرف فقد تزوج عمر ابن حبيبنا السلطان يوسف نقور قبل ثلاثه سنوات بابنه الاخ اجوت الونج اكول . وحبيبنا وتاج رأسنا فقوق نقور رحمه الله عليه قد تزوج بربيعه شقيقه زميلنا ( تونجن ) محمد يوسف عبد الخير احد اعيان ملوط وزعماء الدينكا . وكما عرفت من ابنى السفير حسن نقور فان ابنة اجوت اكول الكبرى والمناضله قد كرمت بعد موتها باحتفال ضخم ، فتوقف موكب جثمانها لفترة احتفاليه على حدود اعالى النيل . قبل ان يواصل الى ملوط .

المشكله يا عزيزى على ان الشماليين ليس عندهم ادنى فكره عن التركيبه النفسيه للجنوبيين ولا يريدون ان يعرفوا . ويحسبون ان كل الدينكا عباره عن نسخه تايوانيه من بعضهم البعض ، وانهم يفكرون بنفس الطريقه وكأنهم انسان آلى . ولا يعرفون ان دينكا البادانق فى شمال اعالى النيل اقرب جغرافيا وثقافياً لقبائل النيل الابيض من البيقا فى جنوب غرب دارفور وبالقرب من مثلث راجا . وان هنالك تزاوج وتداخل بينهم وبين السليم والبزعه والصبحه ونزى .

فقبل ايام اتصل بى احد ابنائنا من دينكا اويل  وهو مدير مستشفى اويل بدون سابق معرفه . وناقش معى بعض مواضيعى التى كتبتها عن جنوب السودان , ومزحت معه قائلاً ان الدينكا قوقريال يزعمون ان اهل اويل ليسوا بدينكا حقيقيين فضحك واكد كلامى . وبعض الدينكا كان يعترض على عدم خلع الاسنان عند دينكا بور وعدم التزامهم بشلوخ الدينكا . وعندما يتشلخون ، يتشلخون فى شكل سبعات . وانت تذكر عزيزنا وزميلنا فى مدرسه ملكال الاميريه شيك بيج . وشقيقه المهندس منوع بيج رحمه الله عليه لم يكن مشلخاً وهم ابناء خال مولانا ابيل الير والشهيد جون قرنق لم يكن مشلخاً كذلك وهو من ابناء بور . وانادى ابنى كمال بمنوع بيج تخليداً لذكرى المهندس والرجل الفاضل منوع بيج والذى رفضوا علاجه فى الخرطوم وكان يعانى من انفجار قرحه ومات فى المستشفى . وقالوا لم نعرف انه مهندس كنا نحسبه عب خدام .

كما يحسب كثير من الشماليين ان الدين الاسلامى حكر عليهم . وان اهل الجنوب حتى وان شاهدوهم يصلون ، ليسوا بمسلمين كاملين .هل تذكر يا عزيزى كيف كان حبيبنا فقوق نقور رحمه الله عليه يؤذن ويصلى بالجميع فى مدرسه ملكال . وكما عرفت من الابن السفير حسن نقور فى بون ، ان اهل الانقاذ ارسلوا لهم مجموعة من الدعاة الاسلاميين ومن انصار السنه. وشيدوا جامعاً، ولكن الجميع تفادى الذهاب الى الجامع. فزينه الرجال اجوت الونج اكول مسيحى وهو صهر السلطان كما وضحت. واهل الجنوب يعيشون فى تسامح دينى طبيعى .

ولقد قال لهم السلطان يوسف نقور بان الدين الاسلامى لم يأتى مع الانقاذ فمدينه الرنك مسميه على الزعيم ارنق اشونق وهو مسلم . وان الله انزل الاديان بواسطه الانبياء والرسل بلغة اهلها ، وان اللذين دعوا للدين الاسلامى فى الجنوب كانوا من اهل الجنوب وتحدثوا للناس بلغتهم . فالعم نقور والد السلطان الذى كان صديقا حميماً لوالدى ابراهيم بدرى كان مسلماً واسمه عبد العاطى . ووالد عبد العاطى هو العم جوك وعرف ببلال وكان مسلماً . ودكسا  والد بلال كان مسلماً كذلك . واذكر ان الغالى رحمه الله عليه فقوق نقور كان يكتب اسمه عندما كنا فى مدرسه الاحفاد الثانويه فى امدرمان . مصطفى عبد العاطى بلال دكسا . ومن غريب الاشياء ان اقل الناس تمسكاً فى السودان بالدين الاسلامى واقلهم معرفه بالعبادات والشريعه الاسلاميه هم اهل الباديه فى السودان ، وهم من يتشدقون بعروبتهم . وكان يندر ان نشاهد بينهم من يصلى فيما عدا الفكى او الامام . وكان الفكى يصلى ويشرب المريسه . وهذا حتى فى المناطق النيليه . وسمعت من الابن حسن يوسف نقور ان احد اهل الباديه عندما كان يستمع الى الامام فى الرنك وسمع الامام يتحدث عن الغسل بعد الجنابه . قال مستغرباً ( الغسل عرفناهو هى كمان فى غسل حتى فى الحلال ) وكان يظن ان  الغسل مطلوب فقط فى حاله الزنا .

احد مظاهر الظلم الفادح، ان المجرم صلاح كرار اتى بكل عنجهيه واغترارــ وهذا بعد ان شرد الشرفاء من الخدمه المدنيه وشنق مجدى وجرجس واركنانجلو . ولا بد انها اول مره يأتى الى الرنك ويخاطب السلطان معلناً استيلائه على الاراضى الزراعيه او ما وصفها بارض المشاريع الزراعيه . وافهمه السلطان بان هذه الارض هى بلدات . ولم يفهم المجرم ما هى البلدات  وهو قد اتى من جزيره مرو في الرباطاب ومساحتها قد تكون اقل من دار الرياضه . وصحراء العتمور التى اتى منها لا تعرف البلدات . او المزارع التى يزرعها الاهالى زره وسمسم وفول الخ . اليس هذا عين الظلم . غداً سيذهب الجنوب لحاله ولكن السلطه الشماليه هى المسؤوله .

فى سنه 1955 بدأت الانتفاضه فى الجنوب بسبب طرد ثلثمائه من الجنوبيين من مشروع انزارا للغزل والنسيج . واحلوا مكانهم شماليين ، وعندما تظاهر الجنوبييون ، اتى الجيش بقيادة ملازم ثانى المقبول. وهو فى العشرين من عمره. واطلقوا النار على المتظاهرين . وشاركهم اثنين من الجلابه، احدهم عباس حسون والآخر محمد على . واستخدمت بندقيه لصيد الفيل ولم يحاسب الجلابه وكان هذا فى يونيو . وفى اغسطس صدرت الاوامر الخاطئه بترحيل الفرقه الاستوائيه الى الشمال وحدث التمرد . وفى سنه 1983 كرر النميرى نفس الغلطه وصدرت الاوامر بترحيل كتيبه بور الى الشمال . وانضم اليهم قرنق . نحن لا نتعلم .

فى هذه الايام يأتى الفلاته امبررو فى رحلتهم جنوباً وتأتى بعض القبائل الشماليه كذلك . وهذا الانفصال الكريه سيجعل وجودهم صعباً فى الجنوب . فذكرى برنامج ساحات الفداء والظلم لا يزال ماثلاً فى ذاكره الجنوبيين . وانا على اقتناع بان لهذه القبائل مثل المسيريه فى ابييى الحق فى التنقل بغض النظر عن استقلال الجنوب او عدمه .

لقد كان الفلاته امبررو يرحبون بى فى جلهاك وكنت استغرب, الي ان تذكرت، وهذا فى سنه 1963 اننى كنت اركب حمار السلطان يوسف نقور . وكان وقتها عمدةً على جلهاك  . وعندما اشتري لي فقوق نقور اربعه زجاجات من السمن اعطونى زجاجه اضافيه لاكمال الجالون لاننى ضيف العمده . وعندما اراد الابن حسن يوسف نقور الزواج فى التسعينات كان يبحث عن ثور كبير لكى يكون على رأس المهر ولكن الدينكا لا يبيعون ثيرانهم . ووجدوا ثوراً عند الامبررو ولكن عندما عرف الامبررو بان الثور للابن حسن السفير الآن فى بون، رفضوا البيع كذلك. ولكن احضروا الثور ومعه عجله كهديه لابن السلطان .

فى موضوعك عزيزى على ، ذكرت العزيز رياك قاى ترت وهو كما تذكر من قنقاك مركز الزراف غرب النوير وكما كتبت من قبل فلقد فقدت فرده من حذاء الباتا . وكنا فى الخريف نضع الاحذيه خارج الداخليه÷، لانها تتغطى بطين اعالى النيل اللزج . وبالرغم من تدخل الاخ ابراهيم الحاج ابراهيم،  ووالده تاجر فى فنقاك، اصر رياك على رأيه . ووضح انه يخلف الرباط فى حذائه فذهبنا الى الحنفيه وغسلنا الحذاء ووضح انه على حق الا انه قال لى بعد ان دفع الى بالحذاء، انت يا شوقى من امدرمان ما اتعلمت على مشئ الحفا انا نويراوى كل حياتى ماشى بدون جزمه. شيل الجزمه انت . فرفضت عرضه الكريم وصرنا لا نفترق. وكنت فى بعض الاحيان اذهب معه لزياره ابناء عمومته فى مدرسه جونقلى البعيده . ان الشماليين لم يعطوا انفسهم  ابداً الفرصه لكى يتعرفوا بالجنوبيين ليعرفوا كم هم رائعون .

لقد عشنا يا عزيزى على، فى رمبيك وفى امادى ومريدى. وولد شقيقى ايمان فى رمبيك. وهنالك وعيت انا بالدنيا . وارتبط الانسان فى ذهنى بالجنوبى . وربما لهذا يحمل ابنائى دماء الشلك . وارتبط باعالى النيل كثيراً .عندما كان ابنائى صغاراً كانوا يطلبون منى ان احكى لهم حكايات قبل النوم . فاختلقت مجموعه من القصص تدور عن فرس النهر ( القرنتى ) ابو غره . وهو فحل ضخم له غره على جبينه . اظنك تذكره ؟ لانه اشتهر فى الخمسينات فى بلدتك القيقر . وكان يطارد الذكور الآخرين من منطقته. ويدافع عن موطنه بشراسه . ولقد قلب بعض المراكب . وقلم يد احد الصيادين اللذى حاول قتله . وكانت قصصي تتغير وتتحدث عن ابو غره وكيف قضم تمساحاً الى نصفين . فالقرنتى يقتل التمساح بسهوله . لقد كان ابو غره يعتبر بطلاً بالنسبه لي .

عندما كنا نجتمع فى امدرمان انا والشيخ ومحمد سعيد وفقوق نقور وبعض اولاد اعالى النيل فى العباسيه امدرمان كان الاخ كاريل الذى كان نقاشاً فى امدرمان يتحدث كثيراً عن ابو غره . كاريل هو محمد فضل تيه وولده جزار فى القيقر كما تذكر . مات سنه 1964 على ظهر الباخره فشوده وهو فى طريقه الى القيقر ، كان اول الاخوه اللذين فقدناهم ، وما اكثرهم .

تذكر يا على الباخره ( عقرب ) التى كانت تأتى فى الخمسينات محمله بالبضائع . وهى اقوي باخره فى الجنوب . وتجر اثنى عشر صندلاً وتناطح الامواج ووتتغلب على السدود وكانت تزينها يافطه كبيره تحمل اسمها . واسمها بالانجليزى وهو اسكوربيون . لقد اغرقتها عاصفه فى سنه 1960 خارج الجبلين . لقد كنت اعجب بها وبعتالتها الاقوياء . وعندما صرت عتالاً فى ميناء السويد كان رقمى 1436 . ولكن كنت اعرف وسط زملائى واصدقائى باسكوربيون لاذكر نفسى بالباخره والتى كانت جزاءً من ذكرياتنا . ولا يزال كثيراً من اصدقائي الافارقه والامريكان فى السويد ينادوننى بهذا الاسم . والآن ، اوغداً وبعد ساعات سيسدل الستار على جزء مهم فى حياتنا . وسينفصل الجنوب .

ع ، س . شوقى ..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.