قديما في امدرمان كانت هنالك بجانب المحكمة القروية المحكمة الشرعية والمحكمة الجنائية, التي شيدت فيما بعد في مبناها الجديد بين مجلس امدرمان البلدي ومركزالبوليس. ولكن اغلب القضايا والتي هي جنح, من العادة تنتهي في مركز القضاة الاوسط. ومكانه داخل السردارية. السردارية كانت مركز السردار. واول سردار كان كتشنر. هذا قبل ان ينقل كتشنر العاصمة الى الخرطوم.
القضاة في مجلس امدرمان الاوسط كانوا مواطنين عاديين. اشهرهم كان عمنا عبدالرحيم محمد خير. وتميزه شلوخ الشايقية. وهو صاحب المتجر الكبير في امدرمان ومصنع العطور. وهنالك عمنا الصايغ الذي كان عادة يبذل مجهودا ضخما في ان يصالح الخصوم. وخارج المحكمة كان هنالك مجموعة من الناس الذين يتواجدون للفرجة. وبعضهم يعمل كواسطة خير ويحاولن ان يصلح بين الخصوم. ولا يستفيدون اي عائد مالي. بل ايمانهم بأن كل الناس اهل. وان العيب على اهل امدرمان ان يحلوا مشاكلهم عن طريق القضاء.
عندما ينجح الوسطاء كانوا يذهبون لشراء اورنيك بدمغة يساوي 3 قروش. ويقوم العم جادين صافي الدين الذي يجلس تحت الجميزة الجنوبية بكتابة عرضحال. ويساوي 5 قروش.
في الجميزة الشمالية كان يجلس عمنا حجازي وهو من سكان العرضه. والعم جادين صافي الدين يسكن جنوب شارع السيد الفيل. وكالعادة يدفع المتهم مصاريف الاورنيك وفلوس كاتب العرضحال. والغريب ان بعض اهل الخير كان يدفعون المصاريف. بل ويعزمون الشاكي والمشتكي وبعض الحضور على فطور في الجزء الغربي من السردارية. وكان هنالك دغل كثيف في الميدان الذي كان ميدانا للعب الكورة ويحده حائط المركز وشركة النور من الجهة الغربية. وفي هذا الدغل توجد طاولات يمكن ان يجلس عليها الآكلون . وفي هذا المطعم يأكل الانسان اجمل فول بالجرجير او شمك محمر فى قطع صغيره .
اختي نضيفة متعها الله بالصحة, كانت تقول لي عندما لا تطالني يدها, نسبة للسرعة او الفرار (انت يا الوقفت قدام القاضي عمرك 9 سنين). سبب وقوفي امام القاضي هو انني كنت اشترك في معارك بعضها كان دمويا. وانا لم ابلغ الثامنة من عمري. وهذا فى حي الملازمين ..
كنا نلعب الكرة في الفضاء الذي يحده منزل الدكتور محمود حمد نصر رحمة الله عليه والد صديقي يحي الذي انتقل الى جوار ربه قبل ايام اثر حادث سير. ومن الشرق كان يحده منزل الاستاذ ناظر خور طقت . محمد احمد عبدالقادر والد زين العابدين والنور. ومن الجنوب يحده منزل الخالة فاطمة وشقيقها عبدالوهاب المعروف بعبدالوهاب الحبشي. ثم منزل عمنا الطيب الفكي صاحب محلات العامل وهو والد ميرغني, صلاح وعمر وآخرين . ثم منزل الخالة فاطمة بت بلابل والدة صديقي محمد الذي اطلقت عليه انا اسم داموق. وعرف بقية حياته بمحمد داموق. وكنت متأثرا بالأخ عبدالرحمن داموق فتوة امدرمان وحارس مرمى فريق الزهور . وكنت اشاهده فى تمارين الزهور شمال المسالمه عندما اكون فى زياره خالتى نفيسه خليل ..
عبدالوهاب كان له نشاط رياضي ملموس وكان يجمع الاطفال وينظمهم كما يساعد في نشاط الاولاد الاكبر الذين يلعبون الكرة وهذا في الميدان الكبير جنوب سوق حي الملازمين. وكان يزامله عبد الفتاح الذى كان لاعب كره جيد وهو شقيق لاعب المريخ المخضرم طلب الذى عرف بالثعلب . وعبد الوهاب كان احد اهل امدرمان المسكونين يتقديم خدماتهم. مثل الكوتش النعيم فرج الله فى العباسيه , وكليتون في شمال امدرمان منطقة ودنوباوي والذي كان باك في الهلال، والحاج بهوية في العباسية وعبدالقادر هاشم الذي غطى منطقة ميدان الربيع.
في احد الايام ضاق عبدالوهاب بشقاوتي اثر اعتدائي على ابن اخته مبارك, وكان هو في حوالي العشرين من عمره , فصفعني. وكنت في التاسعة من عمري. وكانت عندي استراتيجية ناجعة هو ان اتعلق بعنق من يكبرني سنا ولا افلت حتى ينهار وعندما قفزت على عنق عبدالوهاب دفعني بقوة فأصطدمت بحائط الداية المصنوع من الحجر وهي والدة صديقي مامون. وسقطت على الارض واحسست بألم شديد فذهبت وانا ممسكا ببطني. وكنت اتوقع ان صديقي وسائقنا محمد الذي كان يسكن معنا, ويحكي عن بطولاته ومعاركه سيأخذ بثأري. الا انه اخذني الى البوليس الذي كان يقف في سوق حي الملازمين. وانتهى الامر باورنيك 8 وفتح بلاغ بتسبيب الاذى.
في المحكمة رفضت كل الوساطات وانتهى الامر بتغريم الاخ عبدالوهاب جنيها. وهذا بعد ان قرعه القاضي لضربه طفل صغير. ودفاع عبدالوهاب كان (يا مولانا بس انت الولد ده ما عارفو ساكت, مجنن الحلة. ورد القاضي كان ..ما عندك حق تضرب اولاد الناس.
عندما ذهب عبدالوهاب لدفع الجنيه تبعته للشباك وكنت لا ازال ممتلئا بالإحساس بالظلم ..وقلت له ..انا ما عندي اخو كبير. (لان اخى عمر بدرى كان قد رجع لوالدته فى الجنوب) .لكن انا حا اكبر وحا اوريك. بعد سنة من الحادث انتقلنا من حي الملازمين.
بعد 10 سنوات من الحادث كنت اجلس فس مقهى مهدي حامد في امدرمان و لفترة كان يلازمني اثنين من اولاد السوق وهما كهربجية احدهم التوم والآخر مصطفى. واثناء نقاشهم ذكروا انهم يعملون في منزل في حي الملازمين. وذكروا ان المنزل بالقرب من منزل عبدالوهاب (الحبشي) فتذكرت ثأري القديم..بالسؤال عرفت ان عبدالوهاب كان لا يزال يمارس نشاطه الجميل في تنظيم الشباب والصبيان في كرة القدم. في الميدان الذي غرب ميدان البحيرة في حي الملازمين.
في احد الامسيات اخذت معي اثنين من اشداء السوق وعلى دراجاتنا انطلقنا لتصفية حسابي مع الاخ عبدالوهاب.
مظهرنا ونحن ننزل من دراجاتنا جعل الجميع يقفون وهم يحسون بالخطر. وكانت كل الانظار موجهة نحونا. وتعرفت على عبدالوهاب مباشرة, وابن اخته مبارك كان قد صار شابا . ولكن عبدالوهاب الذي كان يبدو لي كعملاق عندما صفعني, كان يبدو قصيرا. وشعره قد تراجع قليلا. وسيقانه بدت مقوسة. وكان يربت على شعره بطريقة عصبية وعندما تقدمت نحوه ادرت نظرى على المباني والمنطقه التي كانت مرتع طفولتي وتذكرت الايام التي كان عبدالوهاب ينظمنا ويشجعنا على الرياضة, ويحكي لنا عن كبار لعيبة كرة القدم. ويحكي لنا عن دار الرياضة وتاريخ الكورة المشوق.
مدت يدي مسلما على عبدالوهاب وسلمت على ابن اخته مبارك. وبدأ عبدالوهاب مترددا .واحسست بالخجل ونكست رأسي. واخذت الدراجية التي استلفتها من صديقى عبدالرحمن كيكس العجلاتي. والتفت اخيرا لعبدالوهاب وودعته بإبتسامة وانا خجل لزيارتي.
لم اقابل عبدالوهاب او ابن اخته مبارك منذ ذلك اليوم ..لهم التحية ..عبدالوهاب كان امدرمانيا عظيما قدم لمجتمعه..
في مواجهة الركن الجنوبي الغربي لميدان الخليفة , ومركز حزب الامة والذي كان مسكنا في المهدية لرودولف سلاطين ثم مدرسة الرشاد, ثم منزل ابو العلا يوجد معلم من معالم امدرمان عرف بالبازار. وهو المثلث الشمالي في مدرسة الاحفاد وهذه المدرسة مسجله كملك للشعب السوداني. والارض كانت ملك للحملة. والحملة كانت زريبة تجمع فيها الاغنام والحمير ويغرم صاحبها حتى تحافظ المدينة على الخضرة والارض منحت لبابكر بدري لبناء مدرسة.
مع بداية الخمسينات اتى احد اصدقاء يوسف بدري بقريب الاخ محمد ادريس واستأجر المثلث الاخير وكان هنالك متجر ومحل للمرطبات والفول والطعمية وكان معلما من معالم امدرمان وعرف المحل ببازار الاحفاد. كان توأم الروح بلة رحمة الله عليه يقف في المساء وهو مسند ظهره على الصباني (السلك الذي يشد عمود الكهرباء) ويضع زينة شباب العباسية ابهميه تحت دقنه ويضم يديه امام وجهه ويترنم بأغاني عثمان حسين. ويجتمع كل ابناء الحى في تلك المنطقه . وكذاك زوار المركز الثقافى البريطانى الذى صار مكتبه الشيخ البشير الريح .
في نهاية الثمانيات ارادت الاحفاد ان تعيد بناء الواجهة للأحفاد. و ارادوا ان يتخلصوا من كل المستأجرين حتى الاجزخانة. ولأن محمد ادريس لم يكن عنده عقد ايجاروالامر بدأ كإتفاق شفهي مع قريبه الذي ترك له المحل. وانتهى الامر بمحكمة.
شاهد محمد ادريس كان شقيقي الشنقيطي وعندما ذهب محامي الاحفاد العميد محمد بدري رحمة الله عليه, سأل القاضي اخي الشنقيطي اذا كان قريب لمحمد بدري فقال محمد بدري ده ود اخوي. وحتى عندما تركت السودان كان محمد بدرى يأتي في المساء ونجلس للمؤانسة ويتآنس مع الشنقيطي ولكن لا يتطرقا ابدا للقضية. وكثيرا ما كان محمد بدري يأتي لأخذ الشنقيطي للمحكمة. ثم يقوم بإرجاعه الى المنزل, او في بعض الاحيان يأخذه الى وزارة المالية في الخرطوم حتى يلحق بعمله . ولم تستطع الاحفاد ان تخرج الاخ محمد ادريس رحمة الله عليه من المتجر او البوفيه. ومن الاسباب انه كان عنده شاهد موثوق به او وشهد شاهد من اهلها..رحمة الله على الجميع.
وشهادة شنقيطي كانت (انحنا من ما قمنا ووعينا الدنيا شفنا محمد ادريس في الدكان ده ...واسمو بقى محمد البازار..ده دكانو وحقو)..رحم الله الجميع
في السبعينات رجع كمال ابراهيم بدري من انجلترا للإستقرار في امدرمان وكان منزله في العباسية فوق ويقابل منزل الخالة حوا كلاب اشهر بائعة عسلية في امدرمان. و اراد كمال ان يقوم ببعض الاصلاحات في منزله. اتى بمقاول عندما كان للمقاولين ..ضمير. وطالب المقاول ب 710 جنيه ولكن كمال استكثر المبلغ واعتبرها سرقة. والمقاول كان يقول لكمال ياخ انا اعمل ليك شغل بنفس..وياخ انا محتاج لفلوس الآن ..اديني 650 جنيه. ولكن كمال رفض ..واصر على إدخال مهندس ليقيم العمل. وتردد المقاول لأن المهندسين عادة يظلمون المقاولين ولكن عندما عرف ان المهندس هو جدنا خضر بدري ..وافق المقاول. اتى خضر بدري واخذ يحسب ويضرب واخذ ساعات في التدقيق ثم سأل المقاول..انت طالب كم ..فقال المقاول انا طالب 710 جنيه لكن قبلت ب 650 جنيه. قال خضر بدري مباشرة, ده كلام غلط انت حقك 900 جنيه. لكن الظاهر انت استعملت مواد قديمة لأنو اسعار المواد زادت. فقال كمال خلاص انا قبلت ب 650 جنيه . فقال جدنا خضر بدري ده كلام غلط انت ما قبلت . انت طلبت تحكيم وطلبت رأيي ..عشان تبرئ زمتك ..الراجل ده ياخذ 900 جنيه..الا اذا الراجل ده عفا ليك..فقبل المقاول ضاحكا ب 710 جنيه.
هكذا كان الناس في امدرمان..
جدنا خضر اصغر اخوة بابكر بدري لاحظ ان ابنه دكتور ابراهيم قد كسا ركائز البوابة بحجارة منقوشة فذهب واحضر النظارة وقال لإبنه ..انت يا ابراهيم شلت بوصة و نص من الشارع. وعندما قال ابراهيم ما الناس شايلة متر ومترين من الشارع وعاملين مساطب وحدائق. قال جدنا خضر الزول ما بشيل شيء ما حقو. واختفت الحجارة من بوابة دكتور ابراهيم بدري. وزال الخلاف بين دكتور ابراهيم بدري وشارع امدرمان الذي استعاد حقه (بوصة ونص)
التحية ..
ع.س. شوقي
Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]