قبل ايام اتصل بى الاستاذ محجوب عثمان رحمه الله عليه . وربما ليودعنى , وهذا شرف كبير لا استحقه . اليوم سمعت خبر رحيل الاستاذ محجوب عثمان رحمه الله عليه .
اعيد نشر هذا الموضوع الذى نشر تحت عنوان عظماء تعلمنا منهم ــ محجوب عثمان . قبل سنوات.


عظماء تعلمنا منهم – محجوب عثمان

العميد يوسف بدري قال السودانيين شكارين ترب لا يهتمون بالإنسان إلا بعد موته . وضرب مثلا قائلا أهو أسه أخوي دكتور حليم ده قدم للطب والرياضة والأدب والشعر كرموه أسه منتظرين شنو؟
لقد أسيئ للأستاذ محجوب عثمان عن قصد وبدون قصد هنالك حادثتين أجرم فيها بعض أهل السودان في حق الأستاذ . الحادثة الأولي أن البعض لا يزال يقول أن الأستاذ محجوب عثمان رفض دفن الزعيم إسماعيل الأزهري بطريقة مشرفة . والحقيقة أن الأستاذ محجوب عثمان أصر علي تأبين الأزهري بطريقة مشرفة . وأعد كلمة لكي تلقي في تلك المناسبة وكان يقول أنها من ناحية إستراتيجية والنظام المايوي لا يزال في بدايته يجب أن لا يترك الناس القيم والأعراف السودانية . وأن إهمال الإشادة ودفن الزعيم الأزهري بطريقة لائقة سيكسب النظام أعداءً جدد . ووافق رجال مايو إلا أن النميري اتصل بمحجوب عثمان وطالبه بأن يوقف أي إجراءات لدفن الزعيم الأزهري بطريقة رسمية. والنميري تأثر بآراء بابكر عوض الله الذي كان يكن قدرا مخيفا من الحقد علي الأزهري لأنه حسب فهمه قد خان قضية الإتحاد مع مصر وقد عض اليد التي أطعمته . وبابكر عوض الله هو القائل عندما سألوه لماذا قبل بوظيفة نائب رئيس الوزراء بعد أن كان رئيسا للوزراء . فقال علي رؤوس الإشهاد : بسبب العزيزة مصر وحتى لو جعلوا مني قنصلا في الإسكندرية لقبلت. وجمال عبد الناصر الذي كان حاكما فعليا للسودان في بداية مايو هو الذي قرر وضع كل السلطة في يد نميري حتى تسهل قيادته.
الشابة التي صرخت في المقابر بعد دفن الأزهري (جبان جبان محجوب عثمان) كانت قد ارتبطت بعلاقة عاطفية بمحجوب عثمان قبلها بسنين وعندما لم تتوج تلك العلاقة بالزواج حسب توقعها هتفت بعفوية في المقابر وتبعها الآخرون وفي سنة 1999 كانت تلك الفتاة قد صارت سيدة متقدمة في السن وكانت تتحدث بود مع محجوب عثمان ف القاهرة ومحجوب عثمان لم يكن حاقدا عليها وكانا يتبادلان المزاح . ولم أستغرب لأننا في ألسودان قديما كنا لا نحقد .
وهذه السيدة لا تزال عائشة وهي من أسرة معروفة جدا في أم درمان ، وجعفر وبابكر لا يزالا عائشان واتحدي أيا من الاثنين أن ينكر هذه الحقيقة. في أغسطس سنه 1971 وأنا في القاهرة سمعت أحد الأساتذة المبعوثين في القاهرة يقول في حفل غداء في منزل كمال إبراهيم بدري أن محجوب عثمان قد سرق خزينة السفارة في عنتبي في يوغندا وهرب إلي شرق أوروبا واعترضت أنا لأني كنت أعرف أن محجوب عثمان أتي إلي براغ وهو لا يملك شروي نقير واضطر للعمل في براغ لكي يكسب قوت يومه .
الأستاذ محجوب قد أبعد إلي يوغندا كسفير حتى لا يضايق نميري وجماعته والإشاعة أطلقها زميل الطفولة والصبا والذي كان يميل إلي الدعابة وعدم الجدية رحمة الله عليه زين العابدين محمد أحمد عبد القادر وهذا في ليلة سياسية في بورتسودان بحضور منصور خالد الذي كان أحد أركان نظام مايو . ويمكن سؤال منصور الذي لا يزال يتمتع بصحة جيدة . والغرض كان الإساءة للأستاذ محجوب عثمان والشيوعيين وعندما قرر الشيوعيون الرجوع إلي السودان قائلين سنرجع حتى ولو نصبوا المشانق في المطار كان الأستاذ محجوب عثمان أول الراجعين وعندما قال العقلاء لنميري محجوب ده ما عليه أي حاجة وما عمل أي شيء كان رده بطريقته السمجة المعروفة : (محجوب عثمان الشيوعي يجيني بي رجلينه أفكه) .
والحقيقة التي لا يتناطح عليها عنزان هو أن الأستاذ محجوب عندما رجع نميري إلي السلطة لم يكن في عنتبي بل كان ضيفا في السفارة السودانية في نيروبي وكان في حفل عشاء في منزل السفير السوداني في نيروبي . عندما أتت الأخبار برجوع نميري ولم يكن من الإمكان أن يرجع الأستاذ محجوب عثمان إلي عنتبي لكي يقوم بكسر الخزينة ونهب الفلوس.
ولقد أعطت وزارة الخارجية في سنة 1974 شهادة خلو طرف وأمانة للأستاذ محجوب عثمان ولو كان قد سرق الخزينة لما تركوه في حاله .
وحسب قانون السودان لا تسقط هذه الجرائم إلا بعد انقضاء 25 عاما . عبد الله أحمد المصفي صفوفي ترقي في الجيش السوداني إلي ضابط لأنه كان بطلا حقيقيا في الحرب العالمية الأولي ومنح وسام (نايل كروس) كان في جنوب السودان وورد أسمه في إنقلاب كبيدة سنة 1957 فهرب إلي يوغندا حاملا معه مرتبات الجنود وعندما ذهب اللواء حسن بشير الرجل الثاني في نظام عبود إلي يوغندا اتصل بعبد الله أحمد المصطفي وطمأنه وطالبه بالرجوع إلي السودان إلا أن بد الرحمن الفكي رئيس القضاء العسكري أصر علي مقاضاته قائلا إن القانون هو القانون ولا يتغير ولم يستطع حسن بشير حمايته وحكم عليه بستة سنوات سجن .
أمثال الأستاذ محجوب عثمان من الشرفاء لا يمدون يدهم بسرقة ولا يهمهم مال أو جاه وأين ممتلكات وعقارات الأستاذ محجوب عثمان وهو قد عمل صحفي من سنة 1950 وكان شريكا في جريدة الأيام وعمل في فترة كرئيس تحرير لها .؟
في نهاية الستينات انضم الألماني اشتاينر إلي قوات الأنانيا في جنوب السودان وساعدت خبرته العسكرية المتطورة في رفع المقدرات القتالية والروح المعنوية عند جنود الأنانيا لدرجة أن بعض وحدات الجيش الشمالي كانت تتجنب مناطق تواجده . وعندما إعتقله الجيش اليوغندي بطريقة عفوية وهو داخل يوغندا طالبت ألمانية الغربية وقتها بإرساله إلي بون لتجنب الفضيحة ووعدوا يوغندا بمساعدات ضخمة . وكان محجوب عثمان وقتها سفيرا للسودان في يوغندا فبدأ في مناطحة السفارة الألمانية التي فرشت البحر طحينة لرجال حكومة أبوتي . فذهب محجوب عثمان مزودا بوثيقة أقترحها أبوتي وبعض الزعماء الأفارقة لمحاربة الإنكشارية والمرتزقة في أفريقيا وأفهم أبوتي بأن هذه فرصة عظيمة لكي تتخلص أفريقيا من المرتزقة . واستجاب أبوتي لمناشدة محجوب عثمان وخسرت ألمانيا بكل وعودها وتهديدها . ووقتها كانت يوغندا تلقي مساعدات ضخمة من ألمانيا.
وجضر اللواء الباقر بطائرة خاصة مصحوبا بفرقة عسكرية والدكتور عبده الدرديري الذي في قتل حادث سطو في الحزام الأخضر سنة 1974 وهو أحد الشيوعيين الصلبين . وقيد إشتاينر في مؤخرة الطائرة إلي اثنين من الجنود السودانيين . وبعيدا عند الباب لوح الأستاذ محجوب عثمان مودعا إشتاينر فبصق إشتاينر في اتجاهه بالرغم من بعد المسافة فأراد أحد الجنود الإعتداء علي إشتاينر فأوقفه محجوب عثمان وحذر الجنود من المساس به أو الاعتداء عليه وجدد هذا الطلب لدكتور عبده الدرديري .
وقبل إقلاع الطائرة فتح اللواء الباقر حقيبة مليئة بالدولارات قائلا للأستاذ محجوب نحن عارفين إنك بتكون وعدت بعض الناس بفلوس والجماعة ديل ما بيكونوا فكوا ليك الراجل ده إلا بعد ما يقبضوا ، فأقفل محجوب عثمان الشنطة ودفعها نحو اللواء الباقر قائلا أنا ما وعدت أي زول بأي قروش وما صرفت قروش ده شغل دبلوماسي نضيف .. وهللت منظمه الوحده الافريقيه واقيم احتفال ضخم فى الخرطوم حضره سكرتير المنظمه ووضع ذلك حداً للمرتزقه فى افريقيا اللذين كانت تستعين بهم كثير من الانظمه الافريقيه . ولو أراد محجوب لكان قد أخذ تلك الحقيبة ولكن أمثال الأستاذ محجوب لا يمدون يدهم لمال فلا يهمهم مال ولا جاه فهؤلاء لا يهمهم الطين والطوب فمحجوب عثمان لم يقتن دارا حتى الآن .

حاول نظام نميري أن يشوه سمعة الشيوعيين بتحميلهم تبعة مذبحة بيت الضيافة والنميري يعرف أن هذه فرية كذلك حاول نميري ونظامه أن يشوهوا سمعة الحزب الشيوعي السوداني في شخص محجوب عثمان واتهموه بأنه سرق خزينة سفارة عنتبي عندما كان سفيرا في يوغندا وهرب إلي المعسكر الشيوعي ، عندما حدث انقلاب هاشم العطا حاول الأستاذ محجوب عثمان أن يرجع إلي السودان مباشرة وعندما لم توجد أي رحلة إلي الخرطوم من عنتبي ذهب محجوب عثمان إلي نيروبي لأن الطائرات من نيروبي إلي الخرطوم متوفرة وأنا الآن أتحدث عن 19 يوليو وكانت أول طائرة للخرطوم يوم 26 يوليو . وفي نيروبي كان محجوب عثمان قد نزل ضيفا عند عبد الماجد بشير الأحمدي القائم بالأعمال وكان معه ثلاثة من السودانيين أحدهم الدكتور الفاضل عباس محمد علي المحاضر في لأمارات وسبب حضور دكتور الفاضل إلي عنتبي في وقتها أنه كان في مهمة من وزارة الجنوب التى كان وزيرها الشهيد جوزيف قرنق التي كان منتدبا إليها للعمل مع دكتور محمد مراد في الجهاز الدعائي والفاضل يمكن أن يشهد الآن وفي أي وقت بأن محجوب عثمان كان في نيروبي وعندما كان دكتور الفاضل في عنتبي كان يسكن عند صديقه الفاتح أحمد الحسن مسئول الأمم المتحدة والذي يعمل الآن في الأمم المتحدة في جنيف وله ارتباط بالصادق المهدي .
وفي نيروبي سكن دكتور الفاضل والآخرين في استراحة سودانير وقام الأحمدي برسبشن ضخم للزوار في منزله وأثناء الحفل أتت زوجته منزعجه فعرف بأن النميري قد رجع إلي السلطة وتغيرت المعاملة وطرد دكتور الفاضل والآخرين من الاستراحة . ودكتور الفاضل استقال من حزب الامه فى سنه 1988 ونشرت استقالته فى صحيففه الصراحه وكان يحتج على تسيطر الصادق المهدى واسرته على حزب الامه وتحالفه مع الترابى .
ولحسن الحظ كان عند الأستاذ محجوب فيزا لدخول بريطانيا فسافر في نفس الطائرة المتجهة إلي الخرطوم لندن . المؤكد أن الأستاذ محجوب لم يرجع إلي أوغندا لكي ينهب الخزينة كما ذكرت مايو ولقد قام دكتور عبد الرحمن أبوزيد بجامعة ماكريري بنقل عفش الأستاذ محجوب إلي منزله حتى جلد حمار الوحش والطبول الأفريقية وهذه المعلومات كان يمكن أن يؤكدها توفيق الملحق العسكري بالسفارة أو عمر يوسف بريدو وفي تلك الأيام اغتيل توفيق في مرقص ولكن بريدو والآخرين يمكن أن يؤكدوا هذه الحقيقة وتلك هي الأيام التي لم تكن الأمور مستقرة فعيدي أمين كان قد استلم السلطة قبل مدة وجيزة .
الغريب أنه كان للسودانيين وجود كثيف في بوغندا في تلك الأيام فحتى الشهيد بابكر النور كان في بوغندا قبل مايو وكان الشعب اليوغندي يتعاطف كثيرا مع الأنانيا .
ولكن الشيء المؤلم أن كل هؤلاء الناس صمتوا ولم يريدوا أن يذكروا أو يبرئوا ساحة الأستاذ محجوب عثمان لأن أي إدانة للأستاذ محجوب تعني إدانة للحزب الشيوعي السوداني والشرفاء.
الأستاذ محجوب عثمان رجل صلب ولم أشاهد شخصا في حياتي يمكن أن يتحمل الشدائد مثله فتصادف في سنة 1999 أن كنت أنتظر بنت أختي في مطار القاهرة فتقدم مني الفاتح أحمد حسن وقدم نفسه لي وأشاد بكتاباتي وأبدي إعجابه بكتبي وأصر علي أن أذهب للسكن عنده في شقته في شارع عرابي فشكرته وأفهمته بأن لي شقة في المهندسين ولكن أفضل السكن مع الأستاذ محجوب عثمان في العجوزة وبعدها بأيام قابلت الفاتح ومجموعة كبيرة من البشر في منزل الأستاذ المحامي أمين مكي مدني . وعندما أردت الانصراف مع الأستاذ محجوب عثمان أصر الفاتح علي أن نأخذ سيارته والسائق وشكرناه وأخذنا تاكسي . واكتفي الأستاذ محجوب بأن قال لي أنه يعرف الفاتح من أوغندا وأنه كان متزوجا بسيدة أوغندية ولم يذكر لي أبدا إلي اليوم أن الفاتح كان أحد الذين قلبوا له ظهر المجن ولو ذكر لي هذه الحقيقة لكفاني مراسلات وتلفونات ومجاملات طويلة لدرجة أنني ارتحت إليه وعندما كان الأخ بيتر نجوت كوك وزير التعليم العالي الحالي في طريقه إلي سويسرا فى نهايه التسعينات طلبت منه الاتصال بالفاتح إلا أن الفاتح تملص منه في مكتبه ولم يقابله إلا معتذرا وعندما ظهر الأخ بيتر في الاجتماع الموسع هرب الفاتح تاركا الاجتماع . وعندما قطعت صلتي بالفاتح بسبب هذا التصرف طلب من الأستاذ محجوب أن يدخل كواسطة بيننا ولم أعرف إلا بعد زمن أن تصرف الفاتح نحو الأستاذ محجوب عثمان لم يكن كريما مثل الكثيرين.
من الأشياء التي تذكر لسوء الحظ وبكل صفاقة ضد الأخوان الشيوعيين أن بعض الشيوعيين لصوص ويذكرون هذه الفرية التي لا تليق بالأستاذ ويسكت صغار الرجال ولا يذكرون الحقيقة.


من الأشياء الملموسة في الأستاذ محجوب عثمان والمميزة له هي صلابته وقوة احتماله الخرافية. ففي كل فترة الاعتقالات والسجون الطويلة المدى لم يكن الأستاذ يشتكي أبدا ولا يتضايق من الأكل أو يشتكي من خشونة المرقد . وكما عرفت من بعض المناضلين أنه حتى في فترة سجن شالا التي امتدت لم يطلب أبدا مقابلة طبيب أو يشتكي من ألم أو زهج .
والغرض كان إعطاء الشباب وبقية المناضلين صورة للصمود وعدم إظهار مظهر من مظاهر الإنكسار . وحتى الذين كانوا يبدون التأفف من الأكل ويخلقون صدامات ومعارك سخيفة كان الأستاذ يجتهد في أن يبعدوا من سجن شالا .
حضرت في سنة 1998 لزيارة الأستاذ من السويد إلي العجوزة في القاهرة لكي أجد الأستاذ مريضا كانت قد مرت عليه بضعة أيام دون الاتصال بأي إنسان ورفض أن أزعج الآخرين بأخبار مرضه . تصادف حضور المناضلة نعمات مالك زوجة الشهيد عبد الخالق محجوب وهي ممرضة متمرسة فاستنجدت بها وبعد تعب وافق علي الكشف عليه.
عندما كان المناضل رحمة الله عليه إبراهيم زكريا سكرتير النقابات العالمي في براغ حضر الأستاذ محجوب عثمان لزيارته وتصادف أن الأخت فاطمة النعيم زوجته كانت في أجازة وبعد ذهاب إبراهيم زكريا لعمله دخل الأستاذ محجوب عثمان الحمام ورفض باب الحمام أن ينفتح فجلس الأستاذ محجوب عثمان بكل بساطة وانتظر إلي الساعة الخامسة ساعة رجوع إبراهيم زكريا عليه الرحمة وبعد فترة وقع المناضل الأستاذ حسن الطاهر زروق في نفس المطب وعندما حضر إبراهيم زكريا من العمل كان باب الحمام قد صار في خبر كان فالأستاذ حسن الطاهر زروق كان لاعب كرة جيد . وعندما كان البعض يبدي استغرابه لتحمل محجوب عثمان كان من شركوه السجن والاعتقالات يذكرون مقدرته الخرافية في تحمل الوحدة وكل أنواع الضغوط النفسية . والأستاذ قد تمتع كذلك بقوة جسمانية في شبابه أدخلته في مواجهات جسمانية مع الكثيرين . واشتهر بأنه (سالط) لا يهرب في المواجهات .
عندما أتي الشهيد جوزيف قرنق للاجتماع بلاجئي جنوب السودان في أوغندا مصحوبا بالأستاذ محجوب الذي كان سفيرا في أوغندا وقتها كان اللاجئون قد أخفوا كثيرا من الحجارة وجلسوا علي البعض تأهبا لقتل الأستاذ محجوب والشهيد جوزيف قرنق وعندما بدأ الهجوم حاول بعض أفراد من الشرطة الأوغندية منعهم وكان جوزيف قرنق وبعض الحضور يقولون للأستاذ (Let Us Run) والأستاذ يمشي علي مهله بالرغم من إصابته وترديد الجملة فلنجري وحث الشرطة والحضور الأوغندي له ولم يجري حتى دخلوا العربة وذهبوا لحالهم وهذه الحادثة ذكرها قادة اللاجئين وبعض قادة النضال الجنوبي ولهذا كانوا يكنون له الكثير من الاحترام .
عندما قرر الحزب الشيوعي السوداني أن يخرج البعض إلي خارج السودان حتى يكونوا الرئة التي يمكن أن تتنفس بها المعارضة السودانية كان الأستاذ محجوب عثمان أول من بدأ الهجرة مشيا علي الأقدام وعابرا النيل عدة مرات في مراكب صغيرة وعلي ظهور الجمال إلي أن وصل الحدود المصرية . وقام الشرطة المصرية باعتقاله واعتقال الدليل السوداني وانتزع الضابط المصري سوط السوداني وسكينه وبعض أغراضه وأراد الاحتفاظ بها إلا أنه أضطر إلي إرجاعها لصاحبها عندما وجد الأستاذ يطالبه بصلابة وقوة ويحذره ويشرح له أن السوط مهم لراكب الجمل والسكين مكملة له . والأستاذ الذي دافع عن حق شعبه طيلة حياته لم يكن مشغولا بحاله بل طالب بحق البدوي وتراجع الضابط المصري. وقضي الأستاذ ستة أسابيع علي الحدود يقتات بالفتات ثم رفضوا دخوله. ورجع الأستاذ راجلا إلي السودان بعد أن أعطي الجنود المصريين خطبة عصماء . عندما حضرت إلي القاهرة في بداية التسعينات سمعت هذه القصة من صلاح عبد الفتاح أحد أولاد المحس وحكي لي كيف أن الأستاذ مشي كل الطريق وعندما طرق باب أهل الأستاذ محجوب محمد صالح في حلفا لم يتعرفوا عليه بسبب شكله الذي تغير وصار مزريا والحالة التي كان عليها . وكما عرفت فيما بعد أن الأستاذ كان يستيقظ في الصباح يجد أثار الضباع حوله . وأغمي عليه من العطش والتعب لدرجة أنه كان يهش الصقور بعكازه ووجد من ساعده وأوصله إلي النيل الذي لم يكن بعيدا وعاد راجعا إلي أم درمان . وعندما حضر فاروق كدودة وعبد الله السفاح لزيارته كان يمزح ويذكر الرحلة وكأنها نزهة ويستعد لإعادة الكرة مرة أخري إلي القاهرة.
هذه الرحلة قام بها الزعيم التجاني الطيب بابكر وركوب الجمال يصيب من لم يتعود عليه بقروح مخيفة والأستاذ محجوب كان يقول لي أن ملابسنا كان تصطبغ بالدم ولكن هؤلاء الرجال كانوا يواصلون لأنه ليس هنالك مجال للتوقف وبلغ الإعياء والقروح أن الزعيم التجاني لم يستطع الركوب وجماجم وهياكل من لم يكملوا الطريق كانت تشاهد . واضطروا إلي ربط الزعيم التجاني في بطانية علي ظهر الجمل وكأنه رحل.
كنا نجتمع في شقة الأستاذ محجوب عثمان والبعض ينام هنالك وتختلف الأمزجة والأعمار والخلفيات إلا أن للأستاذ مقدرة عظيمة في التعامل مع الجميع والتبسط والمداعبة والمزاح دون أن يفقد وقاره أو احترامنا له كما أن له قدرة علي الاستماع وإعطاء الآخرين فرصة لم تتوفر إلا للشهيد الشفيع رحمة الله عليه كما لا يتعصب لرأيه .
وبالرغم من هذا كنت أري الأستاذ يقدم احتراما لمن هم أكبر منه بفترة وجيزة ويبدي احتراما لشقيقه محمد الحسن وتأدبا في حضرته ولا يفوت فطور الجمعة في منزله ويبدي الاحترام علي الطريقة السودانية الأصيلة لأستاذنا رحمة الله عليه محمد توفيق . هكذا هو محجوب عثمان السوداني الأصيل والمناضل الصلب .

شوقي
 
Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]