عندما توفى ابى كنت بين السادسه اوالسابعه عشر من عمرى . وكان هنالك عشره من الاخوه الاشقاء والشقيقات اصغر منى , وثلاثه اكبر منى عمراً . وبعد ايام من وفاة ابى وفى المغرب لاحظت ان صوت النساء قد انقطع فى غرفه والدتى . وعندما خرجت احدى النسوه , لاحظت ان المرآه الكبيره كانت مغطاه . فدخلت الغرفه وشاهدت والدتى مستلقيه ووجهها الى الجدار . فحاولت  ان انزع الغطاه عن المرآه واحتج على ذلك . فهب النسوه جزعات وفى حاله فزع وبدأن فى الصراخ فى وجهى . ولم استوعب الموقف .
اخذتنى الخاله عشه بت الرفاعى جانباً . وكانت امرأه قليله الكلام يحترمها الجميع . وشرحت لى الخاله عشه بت الرفاعى ان امي الآن تواجه ظروف تربيه اطفال بدون والدهم . وانها قد عاشت تلك الظروف لانها ربت ابنها الحاج بدون والده . ولكن هنالك فرق كبير . لان امي مواجهه بتربيه مجموعه كبيره من الاطفال .ومن المفروض ان لا نعاكسها وان نساعدها .
شرحت لى الخاله عشه بت الرفاعى موضوع الحضن فى ثقافه امدرمان . وكيف ان الارمله فى فتره الحبس لا تخرج فى شروق الشمس او فتره غروب الشمس ولا تتكلم  . بل تواجه الحائط  . ويقولون المرأه حاضن . وهذا تقليد نوبى قديم صورته الاستاذه عزه الريح العيدروس وشرحته فى كتابها الرائع امدرمان الانسان والارض عبر القرون والحقب . وهذا كتاب يجب ان يكون فى كل يد .
وانا فى الخامسه اتينا من الجنوب وكانت تلك اول مره اعرف امدرمان او اكون واعياً بالذى يحدث حولى . واستأجرنا منزلاً فى حى السيد على حتى نكون قريبين من منزل جدتى فى فريق السيد المحجوب . المنزل كان ملك للعم محمد زيدان . وجنوب حوش البرير وعلى مرمه حجر من قصر الشريفه . وفى ذلك الشارع كان منزل السيد على . ولقد شاهدته فى ايام الحوليه يجلس فى شرفه عاليه مع ابنيه محمد واحمد .
 فى مواجهه ذلك المنزل ومن الجهه الغربيه كان منزل حبوبه زايد المال . وهى تبيع الفول والنبق والقضيم والقنقليز واللالوب والدوم . وكنا نذهب اليها باستمرار لنشترى تلك الاغراض . وكانت امرأه تناضل لكى تكسب قوتها . وكانت كثير ما تعطينا اشياء بدون ان ندفع . وحبوبه زايد المال هى والده عشه بت الرفاعى . هذه الدار البسيطه تركت فى نفسى ذكريات عطره ، جميله نسبه لحنان واهتمام حبوبه زايد المال .
فى تلك الدار سمعت اول مره الاغنيه الشماليه وكانت اغنيه عنى مالو صدو واتواروا للفنانه عشه موسى احمد . وكان صوت الراديو يأتى من منزل الخاله العازه المجاور ولها ابنه ( شيطانه ) تكبرنى قليلاً اسمها الرحمه وابن هو عبد الرحيم ( البرعى ) الذى عمل كاتباً فى مدارس الاحفاد لعقود طويله ولهم اخ اكبر اسمه ابراهيم شاهدته وانا فى العاشره وكان يسرح شعره بطريقه ابراهيم عوض ويعزف العود .
عندما كانت عشه بت الرفاعى تأتى الى منزلنا،  وثوبها دائماً ابيض ناصع البياض كنا نفرح بها ونحن صغار هذا بعد ان عدنا نهائياً للسكن فى امدرمان . وكانت لا تأتى ابداً الا ومعها شيئاً تقدمه . فى احدى الايام احضرت كميه ضخمه من النبق وكان احمراً كبيراً ونظيفاً بشكل غير طبيعى , وبدأنا فى التهامه وامتلأت البرنده بنوى النبق ولم نستطع تناول الغداء .
والدتى كانت تسأل دائماً عشه قائله , اخوى الحاج كيف ؟ وكانت عشه تتنهد وتقول لسه ما طلع لكن يوم الجمعه ماشه ليهو فى السجن . الحاج هو الحاج بارا وكان من اشداء وفتوات امدرمان . مهنته كانت صائغ وكان يدخل فى مشاجرات دمويه . وفى بعض الاحيان يعتدى على رجال البوليس . فى احد المرات قام ضابط بوليس باستفزازه فانتزع الازبليطه بدبابيرها ومضغها وبصغها فى وجه الضابط .
عندما خرج الحاج من السجن فرحنا جميعاً وكان يحضر دائماً الى منزلنا . وكنت اتعلق به واظنى قد تأثرت به كثيراً ، مثل اخى رحمه الله عليه خلف الله احمد ( ود صافيات ) والذى تربيت معه فى حوش ابراهيم بدرى  . وكان من اشداء امدرمان . واحد اشهر رجال القنيص فى امدرمان . وكان عنده احسن كلاب الصيد .
عرفت ان الخاله عشه بت الرفاعى قد شقيت فى تربيه ابنها الحاج كأرمله . وكان شاباً جامحاً . ولقد انتهت به معاركه كثيراً الى المستشفيات والسجون . الا انها كانت محاربه امدرمانيه صلبه لا تشتكى ابداً ولا تبدى الماً او ضيقاً . وتواصل زياره ابنها وتوفر متطلباته من تجارتها البسيطه . وكنا ونحن صغار على اقتناع كامل بان الحاج بارا هو خالنا . ولكن عندما كبرت كنت استغرب لماذا لم تكن له صله ببقيه اهل امى من سكان بيت المال . ويبدو ان بارا هى التى جمعت اسرتينا . لان آل ابتر عندما هاجروا الى امدرمان من الاستوائيه وبحر الغزال بالبر توفى كبيرهم الباشا ادريس ابتر فى بارا . وهذا فى 1828 كما ذكر المؤرخ محمد عبد الرحيم فى كتابه ( ابطال السودان ) . وتخلف بعض الاسره فى بارا .
عندما رحنا الى العباسيه فوق كانت شبابيك مطبخنا تفتح على الزقاق الضيق وفى هذا الزقاق كان يجلس العم محمد سعيد وزوجته زهره ( بضم الزا ) فى احد الايام اخرج الحاج رأسه والقى التحيه على الجالسين . وكانت هنالك همهمه وهرج ومرج وانتفض الجميع وقوفاً . والمنزل كان يسكنه مجموعه من البشر يستأجرون الغرفه كامله او عنقريب . وعرفت ان احد معارك الحاج كانت فى ذلك المنزل . وعندما اتت الشرطه للتحقيق معه فى المستشفى . قال لهم انا ما بتكلم الا مع قاضى , انتو العساكر بتلولوا الكلام . ونصيحته لى كانت ما تتكلم ابداً مع العساكر. وما تديهم اى اقوال . ولقد استعملت هذه النصيحه فى السودان وحتى فى مشاكل المرور فى اوربا . واثبتت نجاعتها .
كنت ارى فخراً وحباً فى عيون الخاله عشه بت الرفاعى عندما يكون الحاج موجوداً . وكان هو بدوره يحبها ويعزها . الا انه كانت له روح جامحه . وكان الحاج فنان بحق وحقيقه وكان يصنع اجمل المصاغ من الذهب والفضه . وكان عنده كبايه كبيره من الالمونيوم يستعملها للشرب فى السجن نقش عليها صوره المحكمه التى وقف امامها وصورته . كما نقش عليها صوره كلبته ( فله ) التى كان يحبها .
الحاج كان يذهب الى غرب السودان وعندما يعود كان يأتينا فى المنزل وعندما اسأله كان يقول لى مشيت فرنسا . وكان يقصد السودان الفرنسى اوتشاد لان الذهب كان ارخص فى تشاد . بعد احد رحلات الحاج عاد ومعه زوجه من غرب السودان . كادت ان تكون صوره طبق الاصل من الفنانه حواء جاه الرسول ( حواء الطقطاقه ). وكان عندما يسافر فى رحلاته كانت تسكن معنا وكانت حيه ترتفع ضحكاتها وتوآنس امى وخالاتى واختى نضيفه الى وقت متأخر فى الليل .
ولقد فرحت الخاله عشه بذلك الزواج وباستقرار الحاج . وسعدت لراحتها لانها كانت امرأه عظيمه بمعنى الكلمه شقيت وناضلت من اجل ابنها .
الحاج كان بمثابه قدوه لى . وكان دائماً يردد ويطالب بشيئين الكرم والشجاعه . وكان كريماً بمعنى الكلمه . وعندما كان الآخرون يلوموننى بسبب مشاكلى كان يطالبهم بتركى فى حالى . وكان يقدم لى كثير من النصائح ويطلعنى على اسرار لا اظنه قد حكاها لآخرين . وفى احد الامسيات حكى لى بأنه قد ضاق بالدنيا فى يوم من الايام وقرر ان ينهى حياته . وقهقه عالياً ثم واصل قائلاً ( والله انا يا شوقى زول نحس واى شئ ماشى معاي بالقلبه , انا بلعته ربع وقيه دواشات وربع وقيه نشادر ودى تقتل حصان , وغمرت يومين وصحيت بس عندى اسهال . والسم ده ما عمل لى اى حاجه ) الدواشات والنشادر هذه السموم تستعمل فى صناعه الذهب . وهى قاتله الا انها لم تكن كافيه لقتل الخال الحاج بارا . الذى كان قوياً وله تفه كبيره .
فى المدرسه الثانويه سألت زميلنا فى المدرسه تبيدى . وآل تبيدى هم اكبر تجار للذهب فى السودان وقلت له ياخى انا عندى خالى صائغ مع اهلك فى سوق الصياغ . وما اظنك بتكون بتعرفوا . سألنى اسمو منو ؟ قلت ليهو الحاج . فقال لى مستغرباً الحاج بارا ؟ فى زول فى امدرمان ما بعرف الحاج بارا ياشوقى ؟ . لم اسمع اخبار المحاربه عشه بت الرفاعى او ابنها الحاج بارا منذ ان تركت السودان فى سنه 64 ولكن صوره المرأه الصامده المحتشمه صاحبه الثوب الابيض الناصع البياض والنظره المعتده فى عينيها لا تفارقنى ابداً . ورحمه الله على الجميع . رحمه الله على خالى الحاج بارا ميتاً او حياً  فلقد اثرى حياتى .وتعلمت على يده الكثير . هكذا كنا قديماً فى امدرمان الجميع اهل ولا تزال اغنيه عشه موسى احمد هى اجمل اغنيه بالنسبه لى فهى اول اغنيه اسمعها . واول مره اسمع فيها الراديو . وكلما اسمع هذه الاغنيه اتذكر حبوبه زايد المال وعشه بت الرفاعى . هؤلاء المحاربات الامدرمانيات . فامدرمان هى مدينه كونها النساء ولهذا هى عظيمه .
التحيه
شوقى بدرى
 
Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]