قبل سنة شرفنا الابناء عمار  علي احمد وعمر عبدالعزيز خليفة بزيارة, لا ازال احس بحلاوة طعمها . وبعدها رجع الابن عمار الى السودان بعد اكمل دراسته العليا من جامعة كارلوسكارونا في مقاطعة بليكنقا, التي تجاور مقاطعتنا (اسكونا). و تواصلت اتصالاتنا معه عن طريق الهاتف.

عمار مثال للشاب السوداني الذي يمتلئ ادبا ولطفا ومعقولية. قبل شهر اتصل الابن عمر عبدالعزيز خليفة . وقبل اسبوع حضر لقضاء بضعة ايام معنا وكان مصحوبا بالإبن وائل الذي درس من قبل في ماليزيا. وهو اول انسان يعطيني فكرة واقعية عن ماليزيا بخيرها و شرها. الانسان العابر لا يمكن ان يكون فكرة كاملة عن البلد. وائل ممتاز جدا في الكمبيوتر. وبكل لطف وبدون جعجعة او استعراض و بدون ان نطلب منه ساعدنا بالبرمجة واضافة انظمة حماية. و اتصل بعد رجوعه مستفسرا عن حالنا وعن حال كمبيوتراتنا..

الابن عمر هو ابن اخ الاستاذ الاقتصادي الكبير عبدالمنعم خليفة خوجلي. وابن اخ صديقي واحد ظرفاء السودان عبدالله السفاح. الذي تربطني به صداقة , لأننا مولودان في الابيض في نفس الاسبوع.

مع الاثنين كان  احد شماسة الخرطوم واسمه محمد سالم. هذا اذا كان يوجد من يسكن في الرياض وينتمي الى قبيلة الشماسة. ومحمد سالم فلسطيني ولد في الكويت . وتركها و اسرته وهو صغيرا بعد حرب الخليج الاولى . والآن يحمل جواز سوداني وهو فخور به وبسودانيته.

ولولا تعصبه الشديد للخرطوم , وهجومه على امدرمان , لكنت قد تبنيته. ولكن افحمه , بأن اقول له بأن اللهجة التي يتحدثها, هو ما عرف علمياً في السودان بلهجة امدرمان. وانه اذا ذهب الى امدرمان خاصة المسالمة فسيحتاج لقوة خارقة ليقنع الناس بأنه ليس بأمدرماني جدا عن اب.

محمد سالم كان ويقول لي انه عندما عمل بعد تخرجه من الجامعة في شركة تبيع الماكينات, وبالنسبة للهجته السودانية كاملة الدسم وشماسيته فإن الاخوة الاقباط كانوا يتعاملون معه بود و بثقة مفرطة.

بعد يوم انضم الينا في المساء عمار حسين بقامته الطويلة وهو الآن في حالة استعاد للرجوع الى السودان. بعد ان اكمل دراسته العليا في جامعة لند, احدى اعرق الجامعات في اوروبا. وكان معه الابن محمد الصافي. وهو زراعي ويحضر الآن لدراسات عليا. رابطة العقد الفريد كان ابننا مصباح حمد بابكر الذي على وشك ان ينهي دراسته..

كالسودانيين عادة في كل مكان بغض النظر عن المنطقة التي يأتي منها السوداني او العمر ننسجم بطريقة لا تتوفر للآخرين. وشبابنا بحمدالله بالرغم من امتيازهم في الدراسة متواضعون..ومعقولون..

 قبل سنتين عندما قابلت مصباح ولأول مرة وبعد خمسة دقائق طلبت منه ان يساعدني في الكتابة, وكان مترددا او مستغربا. وبعد فترة, وبعد ان تعود علي, سألني مستفسرا.. انت ليه يا عم شوقي طوالي سألتني؟. وردي له كان ...انحنا السودانيين ما بيناتنا حواجز. لكن كان واضحاً عليك انك ود ناس. وهذه حقيقة.

ونفس هذا الاحساس احسسته مع كل هؤلاء الشباب....حتى الشماسي محمد سالم...لم اقابل في كل حياتي شباباً مثل شبابنا السوداني. قديما كان السودانيون يقودون كل التنظيمات الشبابية و الطلابية. واذكر ان احد الطلبة الصوماليين قديما في  براغ واسمه كولمبو وصار رئيسا للمراسيم في مقديشو..وكان يتكلم سبعة لغات بطلاقة..وعندمل اقترحوا ان يكون رئيسا لإتحاد الطلبة الافارقة. قال انه لن يفكر في المنصب ما دام هناك سوداني.وصار الرئيس الدكتور مأمون احمد حسين .والصوماليون الذين كانوا ولا يزالوا لا يتقبلون اي شخص..او اي جنسية اخرى. كانوا يرحبون ويعتبرون السودانيين اخوتهم الكبار

انا سافرت كثيرا وشاهدت كثيرا ولكن لا اعرف اي امة تتواصل بحب واخاء صادق وبسهولة...مثلنا نحن السودانيين...

انا لا اؤمن بأن هنالك امم فريدة . وكما قال لي الهولندي.. رينيه فان بلوم الذي عرفته منذ بواكير شبابه. وكان بمثابة الابن بالنسبة لي بالرغم من ان طوله حوالي مئتين وعشرة سنتمتر,  اليس هنالك سودانيون سيئيين؟.. وكان هذا في زواج الاستاذ الصحفي فيصل محمد صالح في القاهرة. ثم استدرك وقال لي طبعا هنالك سودانيون سيئين مثل كل البشر الآخرين, ولكن لا اظن انهم كثيرون. كل الذين قابلتهم في المانيا وهولندا والدنمارك والسويد والآن هنا في القاهرة , هم رائعون..فعندما كنت منشغلا في الحفل تركته في رعاية ابن امدرمان وابن صديقى حسن عبدالفراج , الموردة فريق ريد, والاستاذ يحي فضل الله وآخرين. وكان قد سقط في الحمام في نفس الصباح وضرب رأسه.  وكان يعاني من اصابة وبعض ارتجاج.  وفي ذلك المساء كان يضحك وكان منتشيا. وقال لي الم اقل لك بان السودانيين رائعون!! ..في الصباح كنت احس  بأنني اتعس شخص في الدنيا. والآن انا في صحبة السودانيين احس بأنني اسعد البشر...

قبل12 سنة . اعطيت رينيه عنوان الفاتح عبدالماجد في برلين وتقابلنا هنالك..وبالرغم من ان الفاتح عبدالماجد متزوج من المانية وكان يسكن معه عاصم محمد توفيق الذي اناديه ب ود سيدي. واقول له ان والده الاستاذ ووزير خارجيتنا السابق محمد توفيق طيب الله ثراه هو شيخنا وسيدنا ونحن حيرانه...وجدنا انفسنا من سكان منزل الفاتح. وجدنا الاحترام و الاهتمام و الود الصادق في برلين من من نعرف ومن من لا نعرف.

وكان رينيه يقول مستغربا هل من المعقول ان فلان وفلان لم يقابلوك من قبل. كنت اقول له نعم لأننا نعرف كل انسان . و نعرف من يسكن في امريكا ومن يسكن في استراليا. لأن امره يهمنا..وعندما يهتم الاوروبيون بأسماء شركات الملابس وموديلات السيارات..نهتم نحن بأخبار السودانيون ومناطقهم...وابناءهم..

قبل سنتين كانت هنالك مجموعة رائعة من طلاب الدراسات العليا في جامعة لينشوبنق..منهم الاخ بشير و الاخ احمد الذي يكتب في سودانيات تحت اسم غباشي و ابني عمر بسطاوي..عمه مبارك بسطاوي في توتي كان صديقي ومعلمي وحبيبي بالرغم من ان عمره كان ضعف عمري. وتعلمت على يديه..زراعة الجروف  ومقاة البطيخ  وادارة معدية توتي..لان والده العم بسطاوي كان متعهد المشرع. وذهبت لزيارتهم اكثر من مرة في جامعة لينشوبنق لأن ابراهيم بدري اخصائي الكلى يسكن هنالك و زوجته رحاب اخصائية  الهستولوجي و حاملة درجة الدكتوراة, من سكان المدينة ايضا..وهنالك آخرون بعضهم اساتذة في تلك الجامعة . والجميع اسره واحده ..

السويد تسمح للطلبة خاصة للدراسات فوق الجامعية بالدراسة المجانية. وهذا النظام سمح لعشرات بل مئات الاطباء السودانيين لأن يحصلوا على شهادات عليا..والآن يندر تجد جامعة سويدية بدون طلبة سودانيين..

والمبعوثون من الخليج كانوا بدفعون ثلاثين الف دولار كرسوم سنوية..ولكن لسؤ الحظ قد يتغير هذا النظام...وقد نحرم من حضور هؤلاء الشباب الرائعين للإستفادة والتحصيل..و المؤلم اكثر ان هؤلاء الشباب بعد يكدوا ويكدحوا ويتعلموا في افضل و احدث الجامعات في العالم لا يجدون فرصة متكافئة للعمل في السودان...يكفي ان الابن عمر بسطاي الذي كان طالبا مميزا في السويد قد قضى فترة طويلة بدون عمل...وهو الذي كان يريد ان يرجع بأسرع فرصة للبلد. وبعضهم يختصر المدة بطريقة قياسية ولا يجدون الترحيب في بلادهم . لأن الإنتماء و الواسطة هى المعيار..

 يحس  الانسان بالحميمية والترابط و الود النبيل بين هؤلاء السودانيين. وليس هنالك احقاد او ضغائن او نوع من الغيرة كما تحس به وسط المجموعات الاخرى..وهذا يجعل الجميع يسألوننا اذا كنا اقرباء او اذا كانت تربطنا اي علاقة دم. ودائما نقول اننا كسودانيين نحتاج لخمسة دقائق لكي نصير اقرباء..وليس هنالك سوداني لا نعرفه...واذا لم نعرفه فمن المؤكد اننا نعرف شخص من بلده, او حيه, او قبيلته..بغض النظر اذا كان هذا الشخص من جنوب السودان , شرقه, غربه, او شماله. ويستحيل ان لا يكون هنالك شيئا لا يربطنا...

عندما ذهب الاخ محمد سالم (الشماسي الفلسطيني ) لتجديد جوازه السوداني, قام الابن القنصل السابق ابن احد سلاطين دارفور محمد حسين ادريس بتجديد جوازه وتلطف معه واعفاه من دفع الرسوم..وكالعادة كان معه عمر عبدالعزيز خليفة. محمد سالم يقول ان هذه اول مرة نحصل على جوازات...وانه يجد كل الاحترام و الود في السودان..الا انه يجد بعض المضايقات في بعض الدول العربية..ويريدون دائما ان يعرفوا كيف صار سودانيا . والحقيقه ان الفلسطينيين يجدون احسن معامله فى السودان على عكس الدول العربيه ...

وعندما كنت اسأل هذه المجموعة عن اي شيء يقولون لي ...ياخي اسأل الريس ..و الريس هو عمر عبدالعزيز خليفة..وكنت اقول لهم ان  عم عمر,عبدالله السفاح يسأل ويستشار في كل شيء..منذ  ايام الدراسة في شرق اوروبا... ومحمد سالم يقول لي يا خي اعمل شنو...ما انحنا سوا من الثانوي و الجامعة في الخرطوم وكل الوقت..

محمد يتحدث عن السودان بحميمية. اول مرة صار له ولأهله جواز سفر طبيعي. هو الجواز السوداني. وانه يجد المساعدة من اي سوداني في اي مكان يقابله..وانه منذ صغره قد حرم عليه الجيران ان يطرق الابواب..وكان الجيران يستغربون عندما يطرق الابواب... وكانوا يقولون له... يا ولدي ده بيتك..وتذكرت انني منذ سنين طويلة قد حرمت على يواكيم ابن جيراننا ان يطرق بابنا..والباب عادة مفتوح..وكثيرا ما يكون الباب مفتوح عندما لا يكون هنالك احد في المنزل..وهذه العادة  غير معروفة عند الآخرين. وفي السويد تعتبر حدث..

قبل 5 سنوات ظهر الابن وائل في جامعة لند وهو من اولاد مكي ود عروسة.. الا انه انتقل الى الثورة..وكان على كثير من الادب والتهذيب والخلق يندر ان يجده الانسان في شباب اي امة اخرى...وكان بمثابة الابن وساعدني كثيرا في الكتابة..ولا تزال ذكراه عطرة واسعد عندما اتذكره. ونتواصل في بعض الاحيان. وان كانت المشاغل و الدنيا لا تسمح بذلك كثيرا.. الا اننا نعرف اخباره وتطورات حياته...لقد كان و الله نعم الإبن....

الابن أبي (بالألف المضمومة) الذي انتقل من السويد الى اسبانيا يتصل بي في بعض الاحيان..وهو من سكان توتي. وهو الذي ابلغني بوفاة اخي الحبيب مبارك بسطاوي رحمة الله عليه...و أبي قد ترك السويد الى اسبانيا منذ سنين و لا يزال بيننا بعض الإتصال. وقبل اسبوعين اتصل بي الابن احمد غباشي من جنوب نيوزلندا و اطربني تلفونه....لم اسمع ولم اشاهد هذه العلاقات عند اي مجموعة بشرية اخرى...و لا شيء يماثل روعة هؤلاء الشباب..

ابني فقوق نقور سالني قبل ايام مستغربا , فلقد سمع عدة مرات من اسر اصدقائه وبعضهم فلسطينيون واردنيون وعراقيون, ان السودانيين احسن ناس..ولأن فقوق نقور شخص معتد بنفسه لدرجة انني احاول ان اطأطئ منه في بعض الاحيان..لذا قلت له .. نعم بيننا بعض الناس المميزين , ولكن لا يمكن ان اقول اننا احسن ناس . الا انه كان يقول اذا لم يكن هذا حقيقة لماذا يرددها الناس. وانا اعرف ان كثير من العرب عنصريون ويتحدثون بدون احترام عن السود خاصة عندما لا يعرفون انني افهم العربية....الا انهم يتحدثون جيدا عن السودانيين عندما يعرفوا انني سوداني..فقلت له ان كثيرا من المهاجرين في السويد قد تعاملوا مع السودانيين في دول الخليج او في اماكن اخرى وترك هذا عندهم انطباعا جيدا....

بالرغم من كل المشاكل..وبالرغم من الظروف السيئة التي مر بها الشعب السوداني التي قد تكون من اسوأ الظروف الاقتصاية والنفسية والسياسية...سيظل السودانيون شعبا متماسكاً مترابطا..لا نخلو من محن. وبعض هذه المحن نصنعها بدون لزوم...وقد تؤخرنا او تعطلنا  في مسيرتنا. وكما قال لي الابن مصباح انه  قابل فلسطيني في هلسنبورغ وهو صاحب محل بيتزا وقال له ان تعرف بالسودانيين في الكويت وان الانسان عندما يسكن مع السودانيين يسكن وهو مطمئن..عندما ينام مع السودانيين ينام مرتاحا...وعندما يوكل امره للسودانيين يكون واثقاً بامانتهم...و كان يبحث عن سوداني لكي يساعده فى محل البيتزا..

الاخ الأمين غامبي يمتلك محطة بنزين في مدينة لينشوبنق..وكان لا يثق بأي انسان يعمل معه سوى السودانيين وكان صديقا للأخ عمر صالح. وبعد ان ترك عمر صالح المدينة بعد نهاية دراسته... كان الامين الغامبى  يترك الدكان للسودانيين فقط..احدهم عمر بسطاوي. وكان لا يراجع اي شيء بعدهم ويثق بهم ثقة عمياء وهذا حال الكثيرين...

عندما اجالس هؤلاء الشباب الرائعين اعود بالذكريات الى ايام دراستنا قديما فى شرق اوربا . وكيف كنا نعيش كأسرة واحدة..والآخرون كانوا يستغربون..عن ترابطنا ومعرفتنا ببعضنا البعض. بالرغم من ان السودان قارة. ونحن 40 مليون الآن..

احد الاخوة الكنغوليين كان لطيفا..وكان يسكن في مسكن الطلبة في براغ 4 . وكان قريبا من الاخوة كمال حسون وعبدالعظيم زمراوي وابراهيم موسى الذي غادرنا قبل ايام..قال الكنغولى مرة مستغربا!!...انه بعد ان اصطدم بأحد السودانيين خلال لعبة كرة. ولم يكن هنالك اي ضرب بل بعض الصياح..لا حظ اليوم الثاني ان نظرة كل السودانيين نحوه وتحيتهم مختلفة....حتى السودانيون الذين يسكنون في مساكن طلبة بعيدة جدا كانوا متغيرين. وكان يستغرب. كيف يعرف كل السودانيين بعضهم البعض..ويهتمون بما يحدث للسودانيين الآخرين مهما صغر الامر...

المؤلم الآن , هو كيف يتعرض شعب رائع مثل الشعب السوداني..للتقسيم و التشرد وكل هذه الحروب والمآسي. الآن فى كل مدينه فى العالم مجموعه من العقول الشابه مثل هؤلاء .(انا بقول نحنا ادونا عين)...ما في اي تحليل تاني غير كده...

 

التحية...

 

شوقي بدري..... 

 

ع.س

http://sudaniyat.net/up/uploading/fadia1.JPG

مصبا ح, عمر , شوقى , وائل محمد سالم

http://sudaniyat.net/up/uploading/fadia2.JPG

http://sudaniyat.net/up/uploading/fadia3.JPG

عمار, الصافى

http://sudaniyat.net/up/uploading/sw.jpg

غباشى , بشير , عمر بسطاوى , شوقى

http://sudaniyat.net/up/uploading/fadia4.jpg

 

http://sudaniyat.net/up/uploading/fadia5.JPG

Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

\\\\\\\\