حب اهل امدرمان الخرافي لبلدهم, نابع من انها المدينة التي تحتضن الجميع ويصيرون رموزها , و اهلها بغض النظر عن اصلهم او وضعهم الاجتماعي او المالي. و لا اظن ان هنالك مدينة كبيرة في التاريخ فيها تواصل بين اهلها بالرغم من اختلافهم الشديد في الثروة او التعليم.

 

الاخ الاكبر و احد رموز امدرمان عثمان طه, كان صديقا لصيقا برئيس اركان الجيش السوداني اللواء حمد النيل ضيف الله . وعثمان طه كان عربجيا. ولرئيس الجيش السوداني ابن اسمه عثمان طه. و العربجي عثمان طه له ابن اسمه حمد النيل.

 

عندما فكر عثمان طه في شراء عربية هلمان بالاقساط, طالبته شركة برسميان وكيل الهلمان بضامنين. فأتى لهم بتوقيع الزعيم اسماعيل الازهري ومنافسه وجاره عبدالله خليل رئيس الوزراء.

 

وباب عبد الله خليل و الازهري كانا مفتوحين لعثمان طه و اهل امدرمان في اي وقت.

 

اللواء ورئيس البرلمان السوداني في عهد عبود كان اللواء عوض عبدالرحمن صغير. وصديقه الحميم كان ود ارصد, احد سائقي التاكس في امدرمان. ولم تكن هذه الصداقة بالغريبة في امدرمان. فالبروفسور على المك كان هو و عبدالخالق محجوب اصدقاء لصيقين ب محجوب حمد الجزار في امدرمان. وكان علي المك يحسب صداقته ل محجوب حمد كشي ء يفتخر به.

 

احد شوارع امدرمان يحمل اسم الشنقيطي. وهو موريتاني الاصل. و كان قاضيا ثم رئيسا للبرلمان السوداني في عدة دورات. و بالرغم من انه كان من اعداء والدي ابراهيم بدري السياسيين, مثل محمد علي شوقي . الا ان والدي سمى محمد صالح الشنقيطي وسماني انا على محمد علي شوقي.

 

و بالرغم من عدد اهلنا الهائل من جهة الام و الاب. فلقد صار الشنقيطي وصيا علينا لأننا لم نبلغ سن الرشد. وهذه هي امدرمان.

 

السيدة عشة موسى احمد و التي عرفت بعشة الفلاتية, كانت سيدة الغناء الاولى وشخصية وطنية كبرى. وشقيقتها جداوية كانت عازفة عود وشخصية امدرمانية مرموقة. و المغني شرحبيل احمدتعود اصوله كذلك الى نيجيريا مثل الشيخ المعتقد و صاحب المسجد مرفعين الفقراء, او قدح الدم. وهؤلاء مفخرة امدرمان.و للفلاتة و الهوسا حي كامل في امدرمان يعرف بفريق فلاتة.

 

لا يهم في امدرمان اذا كنت من خارج السودان او من داخله. المهم ان تتبع ايقاع المدينة وطريقة حياتها.

 

حتى الانجليز الذين عاشوا في امدرمان تقبلوا طريقة الحياة الامدرمانية وقدموا لأمدرمان و خلدتهم امدرمان.

 

اشهر الانجليز في امدرمان هو البيه برمبل. وهنالك حي اسمه حي برمبل شمال حي الرباطاب.. فلقد قدم لأمدرمان وتعب واجتهد وهو الذي انشأ اول منتزه في امدرمان. وهي جنينة برمبل التي صارت كازينو الريفيرا. ولقد وقف برمبل على الحديقة وغرس الاشجار. ولعدم وجود المضخات صنع خورا طويلا يمتد من النهر. وكن يرفع الماء عن طريق الشادوف (النبرو) وكان يوظف المساجين في ادارة النبرو.

 

وكما عرفت من الاخ الكاتب ابن امدرمان الاستاذ هلال زاهر سرور, فإن فتوة امدرمان الاكبر كبس الجبة كان يعمل في هذا النبرو.

 

وعرفت كذلك ان برمبل كان يحسن معاملة المساجين. وكان كبس الجبة يتمتع بإهتمام برمبل. وكان العامل في النبرو يعطي كبس فرصة ان يتواصل مع اهل حيه , الذين كانوا يأتون له بالطعام ويتوقفون للونسة.

 

الحي الذي يواجه كازينو الريفيرا الآن يعرف بفريق ريد. وريد هو المفتش الانجليزي الذي تفاعل مع اهل امدرمان واحبوه و اختلفوا معه خاصة عندما اراد ان يرحل صانعات المريسة و العرقي من الموردة. وكان برمبل قد اعطى صاحبات الانادي قطع كبيرة جنوب حي العرضة وجعل السقف عاليا في المباني, و بفتحات كبيرة. حتى يقاوم خطورة مرض السحائي الذي كان يفتك بالناس خاصة في الزحام. وبرمبل كان يطوف على الانادي ويتذوق المريسة ليتأكد من الجانب الصحي.

 

المفتش ريد و الذي كان يسير لوحده في الموردة وجد هجوما من اصحاب الاندايات. ففر هاربا امامهن. وقامت الخالة الصبر المشهورة بأم كدوية والتي كانت ضخمة الجسم بإخفائه . ويقال تحت ثوبها وبين رجليها. وكانت فارعة الطول . وعندما كنت اشتري منها الطماطم كانت تشير لكومة الفلوس تحت الشوال. وكنت اضع الفلوس في الكوم . او اضع الشلن او الريال وآخذ الباقي بنفس الطريقة. فالثقة كانت متوفرة بين اهل امدرمان. وكافأها المفتش بإعطائها قطعة ارض و رخصة مدى الحياة لبيع الخضار في سوق الموردة بدون رسوم. وللحاجة الصبر رحمة الله عليها مظلة في شارع الموردة بإسمها . ولقد تبنت كثبعض الاطفال. احدهم صديقنا ولاعب فريق الشاطي المشهور بندر.

 

وقام المفتش بحل مشكلة اصحاب الاندايات عن طريق الوساطات و الاجاويد.

 

عندما ساءت العلاقة بين بابكر بدري و المفتش بسبب وشاية ابلغت لبرمبل . لم ينكر بابكر بدري في كتاب حياته انه قال ما قال منتقدا برمبل. وقد قال ان برمبل قد قدم الكثير لأمدرمان. الا انه قد خصى الرجال. لأنه كان يقوم بكل شيء و لا يعطي دورا للآخرين. فرفض برمبل ان يعطي قطعة ارض لبناء مدرسة الاحفاد حانثا بوعده الاول. وحدثت مواجهة وشجار بين الاثنين في مكتب البيه برمبل. وذهب بابكر بدري شاكيا لسكرتير المعارف المستر ونتر, ومدير الخرطوم و انتهى الامر باجاويد امدرمان.و تراجع البيه واعطاهم القطعة التي على شارع الموردة وكانت تخص الحملة وهي احسن موقع في امدرمان.

 

الحملة كانت المكان الذي تؤخذ له الاغنام و الحمير التي تجيب الطرقات..و لا يطلق سراحها الا بعد دفع غرامة. ومن هنا يأتي المثل السوداني تاني تجي الحملة..والحملة انتقلت الى شمال العرضه..وبعد برمبل صارت الاغنام تجوب امدرمان..خاصة اغنام اشلاق البوليس التي كان يضرب بها المثل. بأنها تنظر شمال ويمين ويمين قبل ان تقطع الظلت..

 

عندما ذهب المحسن الكبير عبدالمنعم محمد ابن امدرمان و المولود فيها ومعه ابو العلا لإستلام الارض بإسم الاحفاد, سأل برمبل عن بابكر بدري. فقالوا له في المدرسة. فقال لهم ...لا بيكون مشى الخرطوم يشتكيني تاني. وتصافى الجميع فيما بعد. والف بابكر بدري نشيدا لبرمبل عندما اتى لزيارة الاحفاد. وكان في وداهفي نهاية مدته..

 

كل شيء في امدرمان كان يحصل عن طريق التراضي. ويبعد الناس في ادخال البوليس في امورهم. و لا يذهبوا للمحاكم. ويقولون ان المحاكم و البوليس للأغراب.

 

لقد تأثر الاجانب و الانجليز لدرجة بأنهم صاروا يتصرفون كأهل امدرمان. لقد علم المفتش اكلارك كثيرا من اصدقائه من امدرمان. وكان متأثرا بطريقة اهل امدرمان. فأولم مثلما يعمل اهل امدرمان.وليس كعادة الانجليز. وذكر بابكر بدري في تاريخ حياته ان الحلو كان في الجردل الكبير مليء به. فياخذ كل واحد كل ما شاء بكبشة (معلقة كبيرة) . يعني الانجليزي بقى ود بلد.

 

ذكر الاستاذ هلال زاهر الساداتي انهم في قعدة ان فنان القعدة والذي كان يغني الاغاني السودانية. كان الاستاذ الانجليزي الاستاذ هوبسن الذي كان يجيد الاغاني السوداني. بابكر ذكر ان احد المفتشين الانجليز كان يكتب الدوبيت.

 

مستر هيلارد قال لبابكر بدري ان اهل امدرمان قالوا انه قد اخذ رشوة مالية من قديس لإعطائه ارض السينما. وعندما قال بابكر بدر انه لم يسمع بهذا الكلام فتح خزانته واخرج جريدة السودان ومكتوب فيها ما قاله. فقال له باباكر بدري انننا نعرفك منذ ان كنت مفتشا بالحصاحيصا. حيث تأكدنا من عفاف يدك. فأدخل الجريدة وقفل الخزنة.

 

المسؤول البريطاني كان يعيش بقوانين امدرمان و لو حدث اليوم مع اي مسؤول لوجد الصحفي نفسه في السجن. ولطالب المسؤول بتعويض مالي كبير. ولكن الشكوى لكبار امدرمان كان يعني ان التهمة ستنفى عن الشخص بشهادة الكبار. و المحكمة قد تصعد الامر وتثير غبارا.

 

وما اعرفه انا ان الارض قد منحت لفترة 20 سنة وسينما برمبل لصاحبها قديس عبدالسيد انتهى عقدها في 1961 وفي سنة 1962 ازيلت وبني مكانها البريد الحالي. وطالب السودانيون برخصة للسينما الوطنية في امدرمان. وكانت شركة مساهمة وطنية. كان خلفها بقوة الوزير ميرغني حمزة.

 

الارمن وجدوا اضطهادا في كل العالم وهنالك مثل انجليزي يقول (فلتثق بالثعبان قبل اليهودي واليهودي قبل اليوناني ولكن لا تثق ابدا بالأرمني) هذا تصرف عنصري كريه. في امدرمان كان يحدث العكس..

 

في مواجهة سينما الوطنية وجنوب البنك العثماني في شارع الموردة. كان الطبيب اليوناني يورغوس دانقاس المعروف ب جورج دانجاس عيادة داخل مسكنه. وكنا نذهب للعلاج عنده بالجرورة يكشف علينا ويسجل. ويتكلم اللهجة الامدرمانية. ويتعامل معنا بحنان وعطف. وكان يطلب من امي ان تعطي اخي خليل الذي كان نحيفا كثيرا من النشا او المديدة. و كان يقول لها ان بعض الاطفال لا يحبون الاكل ولكن يفضلون شرب اللبن او المديدة لأنها اسهل. وكان بمثابة العم بالنسبة لنا.

 

جاره المباشر كان طبيب اسنان. ولم يكن اهل امدرمان قديما يحتاجون لطبيب الاسنان. ولكن والدتي احتاجت لحشوة في نهاية الخمسينات. ولأول مرة اشاهد عملية حشو اسنان. وكان امينا يجيد عمله. ذهب له اخي كمال بدري في الستينات وقال له انه قد قام بحشو احد اضراسه في الاربعينات . عندما ترك السودان للدراسة. وبعد عشرين سنة كانت الحشوة في مكانها و لم تسبب له اي مشاكل. فترك الطبيب اليوناني كمال على الكرسي وذهب و اتى بالدكتور جورج دانجاس وطبيب آخر وقال لهم مفتخرا, انا عملت الحشوة دي قبل 20 سنة ولسة مافي مشكلة. انحنا زمان بنعمل شغل كويس. لكن دكاترة صغار بقى يعمل شغل مش كويس.

 

كونت ميخالوس وتعني ميخالوس القصير شارك بمبالغ ضخمة متبرعا لمدرسة الاحفاد وكان يدفع مبلغا محترما سنويا لمدرسة الاحفاد. وكان كثير من اليونانيين يتبرعون للأحفاد.

 

ذكر الاخ السفير علي حمد ابراهيم انه قد قابل ابن كونت ميخالوس في الغربة وانه قد بكي وقال للأخ علي حمد ان النميري قد طردهم من السودان. وهو مولود في السروراب خارج امدرمان.

 

الارمن كانوا جزء من النسيج الامدرماني وكما ذكرت في حكاوي امدرمان, فإن مدام اوجين من آل كوركيجان كانوا بمثابة الاهل لنا وكان ابناء اختها آرتين وقاري بمثابة اشقائنا. وكان البنات هنازان و شوشيك وجورجيت بمثابة الشقيقات لشقيقاتي. وكان ابنها الصغير ايفان لصيقا بأشقائي.

 

وعندما زفت شقيقتي آمال الى القاضي محمد صالح عبداللطيف, كانت مدام اوجين هي المسؤولة عن تحضير الزفاف, مثل الكوشة والفستان وزينة العروس.

 

وعندما كان اهل رفاعة وبعض اهل امدرمان يستغربون وجود مدام اوجين كان اهلي يقولون ان مدام اوجين بمثابة الخالة او الام للعروس.

 

من شخصيات امدرمان الاسطورية و الذي لا يزال اسمه يطلق على بعض الشباب هو الارمني كربيت. وكان مشهورا بالقوة ويضرب به المثل في القوة. ويقولون قوي زي كربيت. وكانت له ورشة بالقرب من نادي الخريجين وكان صديقا للعم يوسف الاغا صاحب القهوة المجاورة. وصديقهم الثالث كان العم محجوب عثمان والد الشهيد عبدالخالق محجوب.

 

ماركوني الايطالي كان ميكانيكيا و لا يزال الناس يقولون لمن يجيد الهندسة و الميكانيكا يا ماركوني او يا كربيت. او يا كوج. و عوض كوج كان اشهر عجلاتي في امدرمان وكوج تعني نمر بلغة الدينكا..وطبعا كور تعني اسد..وهذا جزء من الثقافة الامدرمانية..

 

اشهر ارمني كان ارونتي وكان صاحب افخر سوبر ماركت في امدرمان واسمه الحقيقي هو يرفانت مارقوس يان. وكان يعمل معه شقيق الخالة اوجين و كنا ناخذ كل شيء منهم بالشهر. ويعرفوننا بالإسم. ولا يحتاج الامر لورق او لمحاسبة. يرسلون حسابهم في نهاية الشهر ويرسل لهم والدي شيكا. دكانهم كان شمال ركن الجامع مباشرة.

 

الارمن الذين سكنوا امدرمان كانوا امدرمانيين بحق و حقيقة. ولا زال البعض يقولون ( انتا فاكر شنو ياخ الفطور ده جايبنو من ارونت) فلقد كان عندهم اجود الالبان والمعلبات و المارتديلا. و لكن اغلب الارمن كانوا ميكانيكيين او متخصصين في طرمبات الري الكبيرة. وقدموا كثيرا للسودان.

 

اليهود كانوا من اعظم الامدرمانيين. وكان هنالك انسجام كامل بين المسيحيين, المسلمين و اليهود في امدرمان. يكفي ان الداعية الاسلامي ونائب رئيس اول تنظيم للاخوان المسلمين العم بدوي مصطفى ووزير التعليم الذي ادخل الدين الاسلامي في المقررات السودانية كان شريكا لبعض اليهود. ومصنع الدواء الذي اشتراه الدكتور خليل عثمان في بحري كان قد اسسه العم بدوي مصطفى, و اولاد تمام اليهود وهم ليون والبير تمام. و العم بدوي مصطفى من اول المتعلمين السودانيين ولا يرقى اي شك لتدينه. لدرجة انه قد رفض فكرة الشراكة مع شركة شيفليينقا السويدية للجلود. لأنهم ادخلوا عمولة على الماكينات التي سيشترونها من السويد. لعمل مدبغة حديثة. وهذا خوفا من شبهة الربا. و لأن الله لم يحرم التعامل مع اليهود. ويقول المسلمون ان النبي مات ودرعه مرهون ليهودي. وبعض العوائل السودانية من اصل يهودي قد اسلموا وحسن اسلامهم. ومن بقى على دينه اليهودي فلقد كانوا من خيرة اهل امدرمان منهم آل اسرائيل الذين كان منهم خيرة المسلمين واعظم اهل امدرمان. منهم وردة اسرائيل العيني زوجة العم محمد الفضل مدير السكة حديد سابقا. وخال المناضلة فاطمة احمد ابراهيم والاستاذة محاسن عبدالعال. وكان بابكر بدري يستأجر دكانا في المهدية من آل بسيوني اليهود. واستلف الف ريال من صديقه رابي اليهودي في المهدية ساعدته في تجارته.. وكان موسى ويعقوب يديران تجارة الخليفة عبدالله التعايشي, لمعرفتهم بتجارة الصادر.

 

وكان دكان آل عبدوي في المربوع الاول و في الركن الجنوبي الغربي في ميدان المحطة الوسطى في امدرمان. وآل منديل كانوا من الاسر السودانية التي تمتعوا بسمعة حميدة. وكان كبيرهم العم داؤود سليمان منديل صديقا لوالدي. وكان له نشاطا ادبيا كبيرا بجانب عمل آل منديل في التجارة الخارجية. واشتهروا بإستيراد الفانوس نمرة 5 , الذي كان يتواجد في كل بيت سوداني قبل دخول الكهرباء.. وهو الذي اصدر الجريدة التجارية ونشر الوعي الاقتصادي. واندمجت الجريدة التجارية مع مجلة حضارة السودان. وصار اسمها ملتقى النهرين. وكان العم منديل صاحبها و محررها. وعمل معه الشاعر التجاني يوسف بشير.واهتم بالتراث السوداني. وهو اول من طبع الدوبيت كما طبع راتب المهدي وطبقات ود ضيف الله وكثير من الادب السوداني.

 

آل اسرائيل العيني سكنوا في المنطقة المحصورة بين مركز البوليس وجامع الخليفة ومستشفى الارسالية. وهم اصهار مؤرخ السودان الاول العم محمد عبالرحيم . و تربط شقيقاتي علاقة صداقة قوية بالسيدات فريدة وسميرة آل اسرائيل. وكانت السيدة ليلى اسرائيل سكرتيرة نميري.ولم يكن يثق بأي انسان آخر مثلما يثق بها كسيدة امدرمانية. وكانت تربط والدتي صداقة مع الخالة نعيمة كنعان..

 

ويكفي ان امدرمان قد انتخبت سكرتيرا لنادي الخريجين الذي كان اكبر مركز ثقافي سياسي واعلامي في السودان. كان سكرتيره ابراهيم اسرائيل الذي كان صديقا حميما لوالدي ابراهيم بدري. واباهيم اسرائيل مات في شبابه...

 

وكما ذكر كتاب ملامح من المجتمع السوداني فإن ابراهيم اسرائيل هو الذي قدم الشاعر صالح بطرس عندما قرأ قصيدته العصماء, و اهاب بأهل امدرمان ان يكملوا جامعهم الكبير الذي تأخر بناءه وصار مأوى للمتشردين وتجمعت فيه الاوساخ والتراب. وبعد القصيدة قام المسلمون والمسيحيون سويا بحملة ضخمة اكملت بناء الجامع. والقصيدة تقول

 

يا مسجدا مطلت بنوه بعهده

 

حتى غدى وهو الحسير المعدم

 

وعليك هامية الرباب مرنه

 

ومن السوافي الهوج ما قد اقتم

 

آمنارة الدين الحنيف تحية

 

من شاعر لك قد غدى يترحم.

 

يكفي ان السودانيين عندما كانوا يجمعون التبرعات لأهل السعودية وخاصة اهل المدينة وكانت كل الجوامع تجمع جلود الاضاحي تبيعها و ترسل الفلوس لمساعدة السعوديين. كان بين المتبرعين بعض المسيحيين. وفي لستة التبرعات التي نشرت في سنة 38 في جريدة الحضارة اسم المسيحي هنري جيد بجانب السيد عبدالرحمن والسيد علي والشريف الهندي.

 

و عندما كان البيه ابراهيم خليل يسلف حكومة غردون ايام الحصار كان يستلم ايصالات من الحكومة. وبعد سقوط الخرطوم عاش في المسالمة مع اسرته. وارتبط باهل المسالمة وبعد الاحتلال الانجليزي ونهاية المهدية عوض بأراضي ومبالغ كبيرة. من الضمن كان انقاض الجامع القديم في الخرطوم, وارض الجامع. فرفض هو المسيحي ان يستلم ارض الجامع وقال انه لن يستلم ارض كان يعبد فيها الله لكي يعمل فيها مسكنا ومرحاضا. وشدد على العمال ان لا يأخذوا اي طوبة من انقاض الجامع لكي يبنوا بها منزله وكان يواصل اهل امدرمان. وسمعنا انه كان يساعد الخالات و المساكين من اهل امدرمان.

 

قبل فترة قليلة سألت شقيقتي الهام بدري عن حال الاهل وشقيقة والدتي نفيسة فقالت لي ان العمر قد تقدم بها ولكن ابنائها وجيرانها في المسالمة الدكاترة جرجس وشقيقه فابيان اولاد العم فابيوس يتفقدونها في مرضها صباحا وعشية.

 

الايطالي روزلوني الذي عاش في امدرمان ايام الثورة المهدية وكان له محل لبيع الفول. كما ذكر الاستاذ ابوسليم في كتاب الخرطوم انه دخل في مشادة مع سوداني وقام بشتمه فقدم لمحكمة السوق. في امدرمان فحكم عليه بالجلد . وعندما تحمل الجلد بشجاعة كما يعمل فرسان امدرمان في البطان وجد استحسانا وتشجيعا وتغيرت معاملة القضاء له, و نظرة الناس . ولا بد لانه اثبت انه امدرماني اصيل.

 

في يوم الجمعة 19 ديسمبر 1986 كنت اجلس في حوش البيت في امدرمان معي المحامي السويدي بيرتل لياندر وهذا في العصر ودخل علينا جارنا الشاب نصر فتحي عازر وهو يترنح من السكر ورأيت الهلع و الخوف في وجه المحامي السويدي, الذي كان قد سمع بالشريعة وقطع الايدي و الجلد.

 

العم فتحي عازر (ابو جيمي) وزوجته مدام جورجيت, ارتبطت اسرنا بعضها البعض منذ التركية وهم جيراننا الملاصقين . الشاب نصر كان يقول للمحامي المذعور لقد اوصلتني الشرطة الى هنا .

 

نصر رحمة الله عليه تعرض للجلد مرة ووقف بثبات واخذ الاربعين سوط بدون ان يرمش له جفن. وبعدها بيوم ذهب بعد ان شرب الى البوليس و قال لهم (انتو فاكرني انا حا اخاف؟. و اني عشان حلبي بخاف من الجلد. انا مسيحي وديني بيسمح لي اشرب. المسيحيين كان بيشربوا الخمرة وبيبيعوها في المدينة. النبي ما جلدهم) نصر كان امدرمانيا بحق و حقيقة وكذلك اهله. وكان البوليس يرجعه الى اهله ويقول لهم نصر ده بالله امسكوا ما عايزين مشاكل. واهل نصر كانوا خيرة الجيران كان لهم مكتب كبيرفي جزء من بيتهم وكانت لهم وكالات لأمصال الحيوانات خاصة الجمال. كان يعمل معهم مسلمون كموظفين احدهم شاب صوفي يسترسل شعره فيه ضفائر. هذه اسرة رائعة تفرقت وذهب بعضها الى استراليا والبعض الى كندا.....

 

هكذا كانت امدرمان قديما ........

 

التحية...

 

شوقي....

 

ع. س

Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]