اذكر انني كتبت قديما ان الاسكندنافيين يتعاملون مع بعضهم البعض بأمانة و احترام وصدق. لأن هذا ما تربوا عليه , وتعودوه. ولكن في بعض الاحيان, عندما يتعاملون مع الرجل الاسود, يسقطون هذه الاشياء. وكأنهم يقولون (في النهاية هو رجل اسود) وهو ليس متعود على المعاملة بأمانة و إحترام.

الرئيس كارتر كان اضعف رئيس امريكي. وبعد المجرم و الداهية و الرئيس الذي طرد من منصبه, نيكسون كانوا يبحثون عن رجل طيب. واتوا بالمزارع كارتر . لتغيير الطعم الكريه الذي تركه نيكسون المتآمر و المجرم.

تصريحات كارتر., وتصريحات المجموعة الاوربية لمراقبة الإنتخابات, هي ان الانتخابات لم تكن على المستوى العالمي. الا انها كافية , بسجمها ورمادها على السودانيين المتخلفين. وكانهم يقولون يعني لكوندا مش خمسة نجوم. لكنها وكالة (عناقريب وبنابر) وده كفاية على السودانيين.

السياسة الامريكية الواضحة وما يريده اوباما وما كان يوسوس به له ابناء عمه الكينيين, هو فصل الجنوب. وهذا ما يريده اوباما في المكان الاول. ويجب ان لا ننسى ان الاستوائية والجزء الشرقي من بحر الغزال كانوا مربوطين اداريا وتجاريا وثقافيا بشرق افريقيا. وبلدة ناكشوت السودانية كانت المكان الذي يلتقي فيه الانجليز من , كينيا, يوغند و تنزانيا. ويناقشون المساكل الادارية لكل المنطقة.

 معسكر ناكشوت كان في منطقة  عالية جميلة ذت طبيعة خلابة. يسهل الدفاع عنها. وفي هذا المعسكر او الفندق اعتقل عبود, الازهري وعبدالله خليل واغلب قادة الاحزاب و عبدالخالق محجوب و احمد سليمان و آخرين.

 الانجليز كانوا يخططون لفصل جنوب السودان عن شماله . و السبب ليس السوء الاستعماري. فلقد قدم لنا الاستعمار حكومة جيدة في الشمال لم نستطع نحن في الشمال. ان نحافظ عليها.

 والسودان لم يكن ابدا تابعا لوزارة المستعمرات البريطانية. الانجليز كانوا يظنون انهم يقومون بعمل انساني وحضاري جيد, اذا ضموا جنوب السودان لشرق افريقيا او عل اقل تقدير الجزء المتاخم لكينيا و يوغندا.

قانون المناطق المقفولة, كان الغرض منه حماية الجنوب من تغول الشمال. او لإعطاء فرصة احسن للإرساليات المسيحية للعمل بحرية. وهنا لا يمكن ان نلوم الانجليز لأنهم كانوا مسيحيين. ولكن نلوم نفسنا. لأننا فرطنا في الوحدة التي نتباكى عليها الآن. فلقد اجرمنا في حق الجنوب.

بعد الحرب العالمية الثانية اتت روح جديدة الى اوروبا. وتحدثت الصحفو البرلمانات عن الحرية و الشعوب الاخرى. واستلم الاشتراكيون السلطة في بريطانيا ونادوا قبل الآخرين بالحرية للشعوب المستعمرة. وفي سنة 47 كان استقلال الهند. وفي نفس السنة كان مؤتمر جوبا . وفي الاربعينات كان لانجليز يقولون للسودانيين نحنا حا نطلع وحا نسلمكم البلد وده حا يحصل في    حدود 10 الى 15 سنة. و سلموا عبدالله خليل وزارة الزراعة. وسلموا علي بدري وزارة الصحة. وجعلوا عبدالرحمن علي طه وزيرا للمعارف. وكانوا رؤساءا للإنجليز و تعامل معهم الانجليز بإحترام. وبعد اختلاف في المنهج التعليمي. قام الوزير عبدالرحمن علي طه بطرد وكيل الوزارة الانجليزي.

السودانيون لم يأتوا بالإستقلال. الانجليز قدموا الاستقلال للسودانيين. و الامم المتحدة قررت منح الاستقلال للمستعمرات. واكبر داعية للإستقلال كانت امريكا.

اذكر ان الدكتور عبدالوهاب سنادة رحمة الله عليه الشيوعي المميز يقول . (كنا نسمع نسمع الاستاذ محمدصالح الشنقيطي عميل الاستعمار ولكن عندما قرأنا وقائع مؤتمر جوبا سنة 47 وقرأنا دفاعه عن الوحدة . وكيف كان يضرب الطاولة بقبضته امام الانجليز ويتحدث بحدة .ويدافع عن وحدة السودان, عرفنا ان معلوماتنا عنه كانت مغلوطة).

من اكثر الجنوبيين الذين دافعوا عن الوحدة كان العم بوث ديو وهو من نوير الزراف و ليس من الدينكا كما يحسب الناس ومن مركز فنقاق التي نكتبها نحن الشماليون فنجاك. وامام هذا الاصرار وهذه الروح تراجع الانجليز. ومن المدافعين الانجليزي نيكلسون الذي كان مديرا لمديرية اعالي النيل. وإرتبط بعلاقة رائعة مع السودانيين و احب السودان وكان صديقا  لصيقا  لإبراهيم بدري. ولكن بعد الاستقلال تفرعن الشماليون ومنذ اول حكومة وهي الحكومة الانتقالية في سنة 1953   , تنكر الشماليون للعهود و المواثيق. وهذا هو عنوان كتاب مولانا ابيل الير.

العم بوث ديو ارتبط بالشماليين وكان قريبا منهم  وبجانب اولاده ترششل و وندر سمى اولاده الصديق وفاطمة والشنقيطي. وعندما ذهب مصحوبا بأحمد المهدي الذي كان في نهاية المرحلة الثانوية في جولة طويلة في الجنوب, قام احمد المهدي بإستفزاز اللاتوكا في عقر دارهم , في توريت. و اهانهم. وقال لهم حانحكمكم. نحن الطلعنا الانجليز . ولو ما نحن ما كان الانجليز طلعوا. و  كان حكموكم ستمائة سنة.

بعد يومين او ثلاثة من انقلاب عبود 1958 قام جلابي في ملكال وفي دكان ابسطولو اليوناني بإستفزاز العم بوث ديو. قال له ما معناه (العساكرمسكوا البلد تاني ما عنكم اي كلام). ورد العم بوث ديو كان ان اخذ عربته واثار الفزع في ملكال واخلى الشوارع. وتعرض العم عبدالرجال صاحب المقهى لضربة برفرف العربية وكسرت رجله. وله الحق . فملكال بلده.

 

و بسبب استفزاز احمد المهدي واشيا اخرى , بدأ التمرد في توريت, فعندما اتت الاوامر للفرقة الجنوبية بالإنتقال الى الشمال تخوف الجنوبيون وتمردوا. وكان لهم الحق في ان يتخوفوا. فغارات اصطياد العبيد كانت لا تزال موجودة في عقول الناس و البعض قد شاهدها بعينيه.

كينيا هي القوة الاكبر في شرق افريقيا و جومو كينياتا كان يحس بأنه الزعيم الاكبر في افريقا . كينيا كانت و لا ازال اكثر تطورا من بقية دول المنطقة. و الكينيون يفرضون نفوذهم وسيطرتهم. واذكر في الثمانينات ان التنزانيين في دار السلام كانوا لا يفهمون كيف تأتي المنظمات العالمية بكينيين كمدرسين وبروفسورات للغة السواحلية في تنزانيا. واللغة السواحليه وجدت في تنزانيا وانتشرت في كل شرق افريقيا حتى الكنغو ويوغندا ورواندا وموزمبيق. ولكن الكينيين يتصرفون وكأنهم المصريون في الجامعة العربية. يجب ان يكون لهم اليد العليا.

الآن يحسب الكينيون انهم اصحاب الحق وانهم الكل في الكل ولقد ارادوا من قبل ان يضموا لهم جنوب السودان. او على اقل تقدير المديرية الاستوائية. و الآن ابن عمهم اوباما يحكم العالم. فما عليهم الا ان يمدوا يدهم ويلتقطوا الثمرة التي نضجت. وهم قد قبلوا بجنوب السودان قديما, وجنوب السودان كان خاليا من البنى التحتية و الثروة. و الجنوب الآن مليء بالبترول. وكينيا كانت كل الوقت تدعو الى بناء خط انابيب يمر خلال اراضيها.

لإرضاء ابناء عمه فإن اوباما على استعداد ان يغمض عينيه. وان يقبل بالإنتخابات السودانية حتى اذا كانت عوراء عرجاء. فالبشير في حالة بائسة ولقد انتزعت كينيا جزءا من الجنوب ولم يحرك ساكنا. قضمت اثيوبيا جزءا من اراضي السودان. وقتل الجنود السودانيين في حلايب ويذهب البشير الى القاهرة اكثر من ذهابه الى حوش بانقا. ويتعمد المصريون اجلاسه تحت خريطة مصر التي تظهر حلايب كجزء من الدولة المصرية. وكان في امكانه على اضعف الايمان ان يرفض الجلوس تحت تلك الخريطة. يعني القصر الجمهوري بتاع مبارك ما فيهو غير الكرسي ده. 

البشير و الانقاذ لا يهمهم ما يحدث للسودان . فبالنسبة لهم فليذهب كل السودانيين للجحيم ولكن البشير ليس على استعداد للذهاب للمحكمة الدولية, واهل الانقاذ يخافون من المحاسبة, ومن اين لك هذا وقديما لم يكن عندهم ما يفقدوه. و الآن عندهم كل شيء ويخافون عليه.

الكينيون يعرفون ويحسبون خطواتهم بكل دقة. ولقد ربطوا جنوب السودان بسوق شرق افريقيا. وجوبا الآن عبارة عن سوق كيني او يوغندي. و الاقتصاد هو سيد الموقف. وكل نشاط بشري له خلفية اقتصادية. ببساطة المال يعني كل شيء. و بسبب المال  يقتل الرؤساء وتعقد الصفقات او تنتهي. حسب المصلحة. فليس هنالك ولاء في السياسة, فقط المصلحة.

 و للبعض الحق في ان يتساءل هل مات الشهيد جونقرنق في حادث ام ضحي به. فالبعض يحلم بإمبراطورية شرق افريقيا. وانا لا الوم الجنوبيين لأن الشمال هو من اخطأ و اجرم. و الشمال هو الذي كان يركض ولا يزال يركض خلف العرب.

  الرئيس نايريري كان يكن حبا صادقا للسودانين ويعجب بهم. وكانت تربطه صداقات رائعة بالزعماء السودانيين وخاصة المحجوب. وتنزانيا كانت اول دولة لها اتفاقيات تعاون مع السودان. وكان يحق لمواطني البلدين ان يدخلوا بدون تأشيرة دخول.

ولقد استعان نايريري بالسودانيين لبناء خطوط السكة حديد. خاصة عندما قوطعت وحوصرت زامبيا, و الرئيس كاوندا بواسطة روديسيا وجنوب افريقيا. واضطرت زامبيا لمد خطوط السكة حديد عن طريق تنزانيا. كما استعانت تنزانيا بالسودانين في الاتصالات, و تكوين الخطوط الجوية. و لكن السودانيون منصرفين عن افريقيا. فقال (المعلمو) الرئيس نايريري متحسرا السودانيين كانوا يمكن ان يكونوا احسن الافارقة . ولكنهم قبلوا ان يكونوا اسوأ العرب.

نايريري هو الزعيم  الذي عرف بالمعلمو ليس لانه مدرسا بالمهنة,  ولكن على يديه تعلم معظم زعماء افريقيا, جشوا انكومو موغابي في زمبابوي ,ماندلينو في موزمبيق  و كاوندا, ولوران كابيلا وموسفيني و جون قرنق.

عندما  اتجهت يوغندا شمالا و صار عيدي امين يوظف المسلمين ويضعهم على رؤوس الوزارات و يتحالف مع القذافي. ويتخلص من الطبقة الوسطى في يوغندا, صارت الحياة صعبة في يوغندا. وجر على يوغندا غضب العالم عندا طرد الهنود الذين تواجدوا في يوغندا لعقود. وعيدي امين كان يتصرف بغباء ويحطم اقتصاد البلد بمحاربة التجار وقضى على السياحة التي كانت تدر على البلد كثيرا من العملة الصعبة. وقام الجيش التنزاني الذي كان من اضعف الجيوش في المنطقة بغزو يوغندا . و لم يكن هنالك من يساند عيدي امين سوى القذافي الذي ارسل بضع فرق من جيشه هزموا شر هزيمة. ووجد نايريري كل الدعم من العالم.

اللعنة التي حلت ب نايريري هو جيشه الذي ذهب لكي يحرر يوغندا المسكينة اكتشف ان اليوغنديين كانوا يعيشون افضل منهم. و ان كل يوغندي يمتلك سينما خاصة في منزله, كما قال التنزانيون. لأن التلفزيون حتى في نهاية السبعينات لم يكن قد دخل تنزانيا.  ورجوع الجيش التنزاني الغانم احدث تغييرات في تنزانيا وسبب كثيرا من القلاقل...وكانوا يقولون لقد ذهبنا لمساعدة اليوغنديين الا ان حالهم احسن من حالنا...

انا لا الوم الكينيين فلقد اتاهم الجنوب كلقمة سائقة. وكينيا قد سمحت بعبور اسلحة ثقيلة الى جنوب السودان. و السفينة التي اختطفها الصوماليون تم اطلاق سراحها بعد دفع فدية كانت محملة بدبابات. وهذ رأس جبل الجليد. والجنوب الآن يمتلك  اسلحة متطورة وجيش متدرب . التفوق الحربي عن طريق سلاح الطيران الذي كان يتمتع به الشمال لا وجود له . لأن للجنوب سلاح للدفاع ضد الطيران متطور.

ومصر ليست بخائفة من السودان وتشاد تعرف ان امكانيات السودان العسكرية محدودة و اثيوبيا تتمتع بأحسن سلاح طيران في المنطقة. وكينيا بعد دخول خليل ابراهيم امدرمان تعرف ان السودان عبارة عن جنازة. و الكينيون لهم ابن عم اسمه اوباما وهو اقوى رجل في العالم. و البشير وجماعته قد غسلوا يدهم عن جنوب السودان.

ليس بكل اهل الجنوب قابلين بهذه  المعادلة. فالبعض قد وجدوا انفسهم خارج المنظومة و مصالحهم تتعارض مع الارتباط بشرق افريقيا. فمنطقة شمال بحر الغزال واغلب اعالي النيل ارتباطها الاقتصادي, ومصالحها مع شمال السودان. وسيجدوا نفسهم من المهمشين في جنوب السودان الجديد. وهذه هي مشكل لا اكول الآن . فالشلك و النوير و حتى  الانجواك و المورلي ودينكا شمال اعالي النيل سيفقدون كثير من الميزات الاقتصادية بعد انفصال جنوب السودان. و ان كان فاقان اموم من الشلك كذلك.

انفصال الجنوب لن يحدث بسلاسة او سهولة. و اذكر ان الاخ انجلوبيدا كان يقول لنا في اجتماع كبير في 1994 اذا استقل الجنوب فنحن الزاندي سننضم الى الكنغو. والزاندي هم اكبر قبيلة وهم اكبر من الدينكا . الا ان الاغلبية في الكنغو و افريقيا الوسطى.

التسوي بإيدك يغلب اجاويدك. البشير الفرتق البلد وبشتنها هنالك لا يزال من يدافع عنه.

التحية...

شوقي...

ع.س

Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]