هذه القصة مهداه الى الاخ ابو بكر بدوى مصطفى رئيس الجاليه السودانيه فى واشنطون , رفيق جامعه لوند فى السويد ......

في نهاية الستينات وبداية السبعينات, كانت الجامعات في كل اوروبا تحفل بنشاط سياسي واجتماعي ضخم. خاصة بعد ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 , والتي كادت ان تشل المجتمع الباريسي.

الثورة الثقافية التي قام فيها طلاب وشباب الصين , اثرت في الصين والدول المحيطة , وحتى دول العالم الثالث في امريكا اللاتينية وافريقيا.

ثورة ربيع براغ, التي ساندها الطلاب في تشيكوسلفاكيا. واحتاج الروس لسحق حركة ربيع براغ  للدبابات وقوات حلف وارسو.

توج  نضال الطلاب في براغ, بعملية غريبة وكانت غير مصدقة. فقد قام الطالب يان بالاخ  بحرق نفسه, في اكبر ميدان في الجمهورية, ميدان الفاسلافاك.  وتحت تمثال الملك فاسلاف. وحرق الذات مارسه الفيتناميون  كسلاح ضد الاحتلال الامريكي.

 

في جامعة لند, في جنوب السويد كانت الحركة الطلابية في عنفوانها. والسويد قد قادت الثورة الجنسية في العالم. ولاول مرة في تاريخ البشرية نظم  في مدينة لند الجامعية , مهرجان جنسي شمل افلام جنسية وملصقات ومحاضرات عن الجنس وحرية ممارسته واحسن الطرق في اداء الجنس.

تحصل النساء على حبوب منع الحمل كحق قانوني. وصار للمرأة الحق في الاجهاض, بدون طلب الاذن من الزوج, الوالد او اي جهة اخرى اذا اكملت الفتاة 19 سنة.

وتركت حركة الهيبيز اثارها على المجتمع. وظهر هذا على الملابس الملونة والمزركشة والفضفاضة.  وطريقة السكن. والموسيقى والادب, والاثاث المنزلي. وظهرت الالوان الصارخة في كل شيء حتى في الرسم والنحت. وتغيرت طريقة تصفيف الشعر وظهرت الشعور الطويلة والدقون الكثة والشوارب حتى عند صغار الشباب كشيء طبيعي. وزالت الحواجز بين الناس .  بالرغم من البرودة في علاقة البشر في اسكندنافيا. وصار الناس اكثر انفتاحا وتقبلا للغرباء وصار البعض يتبادولون الاحضان والقبلات في الطرقات بدون سابق معرفة.

 

 كما مارس البعض الجنس بدون ان يسألوا الشخص الآخر عن اسمه. وعاش بعض الشباب في مجموعات وتقاسموا مدخراتهم وبعض ملابسهم واغراضهم الخاصة. وتبادلوا الحب بكرم. وكانوا يعيشون تحت شعار (مارس الحب ولا تمارس الحرب). وهذا كاحتجاج على حرب فيتنام.

 

الكثير من الطلاب في اوروبا خاصة الفتيات كانوا يظهرون و الشال الفلسطيني المميز حول اعناقهم. او تشاهده عي الحائط معلقا عندما تذهب لزيارة الفتيات. وتشاهد على الجدران ملصقات لعازف الجيتار الاسود جيمي هيندركس. وعلم مقاتلي فيتنام, ومنظمات الفهود السود في امريكا. وفي بعض الاحيان صورة نلسون مانديلا الذي كان مسجونا في جزيرة روبن في جنوب افريقيا.

 

 مقهى الطلبة كان ضخما جدا. وبعيدا عن المدخل كان لاعبي الشطرنج يجلسون للساعات الطوال عند المدخل كنا نجلس كمجموعة من السود. وعادة تنتهي جلسة بعد الظهر بالذهاب كمجموعة لمسكن احد الاصدقاء او الصديقات نستمع الى الموسيقى. ومجموعتنا من السود كانت تحفر في جيوبها ونجمع مبلغا هزيلا, ونطبخ ما نسميه غذاء الروح او (صوول فوود)  كما كان يقول الامريكان السود.

 

كثير من الطلبة يعتبرون انهم في حالة عداء مع المجتمع المحافظ, خاصة الرأس مالية واصحاب المتاجر الكبيرة. ويقولون ان الشركات متعددة الجنسيات, هي التي تحكم العالم. وان الكتب يجب ان تكون مجانية للناس. وان الاسطوانات يباح سرقتها . وان الشركات تنتج ما يكفي كل العالم من الطعام. ووجود جياع في العالم هو بسبب الرأسمالية التي تحرق القمح, او تلقي بالذبدة في البحر, كما تعمل امريكا . والالبان والبيض يلقى به في المناجم المهجورة حتى لا تنخفض الاسعار.

 

 وان البرازيل تحرق البن عندما يكون المحصول كبيرا. حتى تحافظ على اسعار البن العالمية وان العالم يمكن ان ينتج من الحبوب والغذاء ما يشبع كل الجياع في افريقيا والعالم الثالث. وان الراسمالية تجوع افريقيا عن قصد وتستغلها.

 

كثير من الطلاب والشباب كانوا يعتبرون السرقة من المتاجر احسن طريقة لمحاربة الرأسمالية ويسمون عملية السرقة بتحرير البضائع.

 

احد الاخوة السودانيين ظهر وهو يرتدي معطفا جديدا من الجلد الاسود اللامع. والجلد الاسود كان شعار منظمة الفهود السود في امريكا. كما كان يرتديه كثير من المغنيين الامريكان السود والجمايكيين. و بالسؤال عرفت انه قد اشترى المعطف بثلث سعره. وهذا هو السعر العادي لأي شيء (محرر). واعطى السوداني  المجري صاحب الشعر الطويل  مائة كرونة. ووعده بمائة كرونة اخرى.

 

كانت هنالك مجموعة مجرية صغيرة في المدينة الجامعية. وكانوا مرتبطين ببعضهمم البعض بطريقة مميزة. فالمجريون يختلفون عن كل الاوروبيين. ولغتهم وطريقة حياتهم مختلفة اختلافا كاملا . وهم من شق عصا الطاعة على الاتحاد السوفيتي. مما اجبر الاتحاد السوفيتي على احتلال بلادهم في شهر ديسمبر سنة 1956 عندما كان العالم مشغولا بالاعتداء الثلاثي على مصر.

 

المجريون الذين كنا نشاهدم ,هربوا عن طريق تشيكوسلفاكيا, عندما ااسترخت قبض الاشتراكية على الحدود  التشيكية في نهاية الستينات.

 

بسرعة اتجه المجريون والكثير  من اهل شرق اوروبا الى الجريمة. فبعد القبضة الحديدية ومراقبة الشرطة واجهزة القمع في الدولة, الاشتراكية وجدوا انفسهم في حالة حرية شبه مطلقة..

 

قام بعض المجريين بعملية السطو الكبيرة, عندما انتظروا من يحمل النقود من المركز التجاري  (دوموس), الذي كان اكبر مركز تجاري في البلد . كما اغراهم عدم وجود السلاح الناري عند من يقومون بنقل المال. فحمل السلاح الناري لا يسمح به لغير الشرطة والجنود. فالجنود ومظاهر العسكرية تنعدم في المجتمع المدني في السويد.

 

وبينما نحن من افارقه وجمايكيين وامريكان سود  جالسين  مع بعض الفتيات اللائي كن يتحلقن حولنا, وبعضهن يجلس على الارض عندما لا تكون هنالك مقاعد خالية. كنا نتجاذب اطراف الحديث  كعادتنا ونخطط لسهرة المساء. و صديقنا الامريكي الاشقر ريتشارد. كان يقول في بعض الاحيان لماذا لم يخلقني الله اسودا؟. إن السويديات  لا يتكرمن حتى بالنظر الي. انهن مهووسات بالسود. فردت عليه فتاتان سويديتان جميلتان كن  قد انضما الى مجموعتنا لاول مرة, وكن قد قررن قضاء الامسية معنا. (ان البلد مليئة بالشقر ولكن منظر شاب اسود يبدو مثيرا).

 

وفجأة يظهر المجري صاحب المعطف ويبدو انه قد تناول شيئا اقوى من الحشيش فالحشيش يدفع مدخنيه الى الاستكانة والهدوء. وتقدم نحو صديقي السوداني.. وبعيون تظهر الشر. ومن حزامه يتدلى خنجر. في تلك الفترة كانت السكاكين والخناجر مكملة للملابس الجلدية. خاصة الخناجر التي يصنعها الهيبيز, الذين كانوا يدعون للصناعة اليدوية ونبذ صناعة الآلة و المصانع . 

 

بدأ المجري  في الصراخ مطالبا بفلوسه التي لم يكن صديقي يريد ان يدفعها. وكان يتهرب منه. المجري كان يهز قبضته ويقول وانه لن يعقد اي صفقة جديدة مع السوداني. وان علاقاتهم التجارية قد انتهت. لأن السوداني ليس بأمين وبدأ الخوف على الفتاتين الجديدتين  واخذتا حقائبهما واستأذنا  وانطلقاء بسرعة .

 

كان هنالك مجريا ويبدو عاقلا ويتمتع بشخصية مميزة وكاريزما ظاهرة . وكان على عكس الآخرين يبادرنا بالتحية ويتكلم الانجليزية بطلاقة. وكنا نسميه ب كادار. نسبة للرفيق كادار رئيس المجر. وطيب كادار خاطر ابن بلده واشار للباب . فخرج المجري بهدوء و إعتذر لنا كادار وانتهت المشكلة. وزاد احترامنا  له. السوداني كان غاضبا . وكان يقول ان المجري جعله يبدو مجرم امام الجميع. ولا يمكن ان يفسر الامر بأي شيء سوى انها  صفقة كبيرة للمخدرات. واضاع عليه فرصة البنت الجديدة. فلن يصدقه اي انسان اذا قال ان المشكلة بسب بالطو, والمبلغ المتبقي هو مائة كرونة او عشرين دولارا.

 

كادار كان يقابلنا كثيرا.  وكان دائما مصحوبا بفتاة سويدة شقراء جميلة. وكانت تتبعه كظله. وحتى عندما كان يتركها ليحضر كوبا من القهوة, كانت تتابعه بعيونها و بوله وكأنه إله.

 

بعد الصيف حيتني فتاة سويدية لم اتعرف عليها في الاول. ولكن بعد اعادة النظر عرفت انها صديقة المجري كادار الا انها كانت تبدو كشبح. و حتى قديما كانت كثيرة الصمت. ولا تبتسم الا عندما يداعبها صديقها. ولكن في تلك المرة كانت تبدو كانسان ميت يمشي على قدمين. حتى ملابسها كانت متسخة وغير متناسقة. وبما انها كانت اول مرة اشاهدها لوحدها ..فلقد سألتها عن صديقها. فبدأت في البكاء. .

 

كادار وصديقته فكرا في الذهاب الى اجازة صغيرة وكان هنالك ما عرف بالرحلات الجماعية, من ما   جعل السفر ممكنا وفي متناول الجميع. وكان هنالك ماعرف بالسفر في آخر لحظة. وهو ان يذهب الانسان الى المطار ويعلن عن رغبته في السفر . فمن العادة ان يتخلف البعض بعد ان يدفعوا ثمن الرحلة. و قد لا يتواجد كل المسافرين. ويحصل الانسان على رحلة رائعة تشمل السكن والاكل بأسعار زهيدة جدا.

 

 ولحسن حظ المجري وصديقته كان هنالك مكانين شاغرين. وبربع السعر . ووجدوا نفسهم  في طريقهم الى المغرب . وفي فندق فاخر ووجبتين  كل يوم.

 

 بعد ان استقر المجري في غرفته, استدعيت المجموعة لحفلة استقبال صغيرة وشرح فيها الدليل ظروف البلد والرحلات التي يمكن ان يشاركوا فيها والاماكن السياحية التي ينصح بزيارتها.

 

بدأ المجري يبحث عن بعض الحشيش الذي تعود ان يدخنه في السويد. والذي كان اغلبه يأتي من المغرب. وبعد التبسط مع احد موظفي الاستقبال وجد المجري تجاوبا. بل وجد ترحيبا وفرحا بطلبه. وصار محور اهتمام العاملين وصارت طلباته تجاب بسرعة . بل صار يتدخل عندما يشتكي له السويديون عندما لا يجدوا الخدمات الملائمة. وبعد يومين اخبره موظف الاستقبال ان السيارة ستأتي لتاخذه.

 

 وبعيدا خارج المدينة وفي منزل حجري ببوابة جميلة من الخشب المشغول, كان المجري يجلس مع صديقته. وبعد وجبة رائعة وكثير من اكواب الشاي الاخضر والمكسرات والفاكهة . اتى الوقت لعقد الصفقة. وسأل المعلم المجري عن كمية الحشيش الذي سيشتريه. وعندما ذكر المجري الرقم عشرة. بدأ الامتعاض عل وجه المعلم. لأن عشرة كيلوجرامات تعتبر كمية قليلة. و المعلم كان يتوقع ان يبيع خمسين او مائة كيلوجراما لشخص مهم مثل المجري, الذي يسكن في فندق فاخر ويصحب معه حسناء (رومية) .

 

وفتح الجحيم ابوابه عندما قال المجري انه يريد فقط عشرة جرامات لإستعماله الشخصي. والمعلم كان قد دفع لموظف الاستقبال و لصاحب السيارة الذي اتى بالمجري وصديقته. وانه قد جهز بعض رجال الامن والجمارك لأن مشتري كبير قد ظهر.

 

 المجري كان يمكن ان يحتوي المشكلة الا انه فقد توازنه وهو بعيد عن قاعدته. ففي مدينة لند الجامعية يعتبر شخصا مهما , وسط ابناء جلدته واصدقائه. وبسبب صياح المعلم وغضبه , بسبب خسارته اظهر المجري الخوف وبدأ في البكاء وبدأ صوته يتهدج ويداه ترتعشان مع اول صفعة وبدأ يردد انه طالب مسكين.

 

الفتاة السويدية كانت تقول لي انها لم تحس بأي شيء حتى بعد ان تبادلها المعلم وصاحبه. لانها كانت في حالة رعب وفزع. وكانت  لا تحس بأن الجسم الذي يتعرض للإغتصاب هو جسمها  بل جسم شخص آخر. وصدمتها كانت اكبر عندما كانت تسمع صراخ المجري ونحيبه عندما قام مساعد المعلم الآخر بإغتصابه.

 

اضطر المجري وصديقته للمشي لعشرة كيلومترات قبل ان يجدوا سيارة تحملهم للفندق . لم تستطع الفتاة ان تواصل حياتها مع المجري. فبالنسبة لها كان هو الصخرة التي بنت عليها حياتها. بعد ان تركت قريتها الصغيرة , في  البحيرة الكبيرة وسط السويد.

 

 وكان المجري يعني لها القوة الشخصية الطاغية والمن والدفء. ومات كل ذلك على البساط المغربي. وصارت تنفر من المجري. فقد صار يذكرها بأنفاس المغاربة المختلطة بالحشيش والثوم.

 

الفتاة كانت تتحدث وكانما تريد ان تخرج كل ما بداخلها.  وذكرت لي انها قد تعرضت في فترة من حياتها للإغتصاب من والدها. فلقد كان والدها وامها من مدمني الخمر. وكانت تحس بأن المجري هو الرجل القوي الذي سيكون ابا لأطفالها.  وعندما انفصلت عن المجري قام بالإنتحار. وعرفت انها قد جمدت دراستها وسترجع لقريتها وستعاود الدراسة في جامعة اوبسالا شمال العاصمة استوكهولم.. محاولة ان تنسى...ولم اشاهدها بعد ذلك..

 

التحية ,,,,,,,

 

 شوقي..... 

 

Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]