قصة قصيرة اغلب حوادثها واقعية.

تمكن الاقتصاد السوداني من الصمود لتخريب دكتاتورية نميري الى نهاية السبعينات, ثم انهار. وصار الجنيه السوداني الذي كان يساوي ثلاثة دولارات يمثل خمس الدولار. بعد دسته من السنين .

 

صديق سوداني عرفته منذ ايام الطفولة قال لي عندما زرته في لندن في الثمانينات بأن خاله موجود في مستشفى وهو ذاهب لزيارته. فأضطررت الى مرافقته لزيارة الخال كعادة السودانيين.

 

في الطريق كان صديقي يحكي لي عن خاله الذي قضى حياة جميلة .وكان ناجحا في عمله. واشتهر بانه شخص يلازمه الحظ في كل حياته. ولكن فجأة بدأ وكانه الحظ قد تخلى عنه نهائيا. وصار حديث الناس وموضع تندرهم . واقترن اسمه بالنحس.

 

الخال وجد عرضا رائعا لمنزله في السودان. لان الموقع كان استراتيجيا. وسيتم تحويله الى محطة وقود. ومحطات الوقود كانت تعتبر في تلك الفترة منجما للذهب. فالبنزين يباع في السوق الاسود وبعض الناس كان يقضي  اياما في انتظار البنزين. وصاحب محطة الوقود يتودد له الجميع. ما كان ينوي الخال ان ينهي به حياته و شقاوءه , هو ان يأخذ كل مدخراته ويذهب الى لندن, البلد التي احبها ودرس بها كمبعوث من جمهورية السودان. ومبلغ الخمسين الف جنيه استرليني الذي توفر له كان يكفي لشراء منزلين في لندن. بمستوى اهل الطبقة المتوسطة. فعشرين الف جنيه استرليني تكفي لشراء منزل معقول. وهذا يعني حديقة معقولة وثلاثة غرف نوم. وغرفة جلوس كبيرة ومطبخ في الطابق الارضي. كما يمكن ان يشتري شقتين يمكن ايجارهم للعرب في الصيف والزوار والطلاب بقية السنة. او منزلا كبيرا بمستوى  جيد. الخال كان يردد ما يقوله الناس في السودان قديما وباللغة الانجليزية (منزل تعيش فيه ومنزل تعيش منه) وتنتهي مشاكلك. الخال لا تنقصه الدراية بلندن وكان له مجموعة كبيرة من المعارف والاصدقاء احدهم كان احد اساتذته البريطانيين . وكانت بينهم صداقة جيدة , رسخها البعد والمراسلات. والاستاذ وعد ان يحضر من بلدته في اسكتلندا لمساعدته وتقديمه لبعض اصدقائه من المحامين.

 

الاسكتلندي تبرع بأن يكون الواجهة للإتصال بالبائع . لأن الانجليز يرفعون الاسعار عندما يكون المشتري اجنبيا . ولكن السعر للإنجليزي يكون واقعيا. والاسكتلنديون عالميا  اشتهروا بالبخل والقتير. ولن يحلم  انسان عاقل ان يزيد لهم الاسعار.

 

صدم الاسكتلندي عنمدما رأى السوداني يحمل كل ذلك المبلغ في جيوبه, وفي شنطة صغيرة حول وسطه. والسوداني سلم المبلغ للمشتري في السودان واستلم شيكا . قام بصرفه في لندن. والمبلغ  عبارة عن خمسة حزم من النقد كل حزمة تمثل 10 الف جنيه استرليني بغطاء بلاستيكي مقفول ويحمل رقما.

 

الاستكتلندي كان يقول انه لا يملك سوى مائتين من الجنيهات قام بوضعها في خزينة الفندق. وانه كان حذرا كل رحلة القطار. فبالنسبة له المبلغ يساوي ثروة. ووفي العادة لا يحمل سوى بضعة جنيهات.

 

 لم تتوفر خزانة فارغة  في الفندق. وتنفس السوداني الصعداء. الا ان الاسكتلندي رفض ان يغادر الفندق مع شخص مجنون,  يحمل مبلغا كبيرا في جيوبه وحول وسطه. وكان يقول ان لندن صارت قبلة للنشالين واللصوص الذين اتوا من  البحر الابيض المتوسط وشرق اوروبا. وإن كان للإنجليز ما يكفيهم من المجرمين.

 

حلت المشكلة بأن وضع الخال نقوده في خزانة الاسكتلندي. فمن العادة ان يترك الضيوف غرفهم عند الثانية عشر ظهرا وستكون هنالك خزانة فارغة , سيحتفظ بها موظف الاستقبال للسوداني.

 وبعد عدة زيارات ومشاهدة بعض المنازل, والخال في حالة صمت كما طلب منه الاسكتلندي.  ظهر ان اسعار المنازل في انجلترا  ارخص من العاصمة السودانية . وبدأ السوداني سعيدا ويحلم في ان يشتري منزلين جميلين. وان يعمل في احدى السفارات العربية كما وعدوه. وفي مطعم فخر الدين الفاخر الذي يؤمه العرب والاعيان. اكرم الخال وفادة الاسكتلندي . وبالغ الاسكتلندي كعادة الاوربيين عندما يجدون الفرصة في الاكل والشرب. وبعد عدة انواع من الحلويات كان الوقت قد ازف للذهاب الى الفندق.

 

وكعادة اصحاب سيارات الاجرة في ايام الصيف وايام الذروة وفي منتصف الموسم السياحي , كانوا يختارون الزبائن حسب المناطق التي يقصدونها . ويختارون المناطق االتي تناسبهم. او الاماكن التي  يعرض عليهم ضعف ثمن المشوار. وكان بعض العرب عندما يعجز يلوح بعملة العشرين جنيه لسيارات الاجرة.

 

لأكثر من ساعة كان الاسكتلندي يركض شمالا ويمينا ويحاول بكل الطرق ان يتفق مع صاحب سيارة اجرة. وآخر شيء كان يريده اصحاب سيارات الاجرة هو التعاقد مع اسكوتلندي.

 

وبينما السوداني يحاول ان يريح اقدامه التي تعبت من الحذاء الجديد الفاخر الذي اشتراه من بوند استريت,  كما كان يحلم قديما في ايام الدراسة. شاهد الاسكوتلندي يترنح. وحسب في الأول انه بسبب الشراب. وفجأة يسقط الاسكوتلندي ارضا . وعندما وصله كان البعض قد سبقه . وكان هنالك انجليزيا يبدو ان له دراية بالتمريض. حاول ان يضغط على صدر الاسكوتلندي عدة مرات . ثم اعلن ان الاسكوتلندي قد مات بالسكته القلبية.

 

بالرغم من موظف الاستقبال قد شهد بأن المال يخص السوداني , الا ان القانون حمار. واضطر الخال الى الاتصال بأسرة الاسكوتلندي  وشهدت زوجته وبنتاه بأن اباهم في حياته لم يمتلك خمسين الف جنيها . وان المال يخص السوداني. والفندق كان يريد ان يحل نفسه من اي مطالبة في المستقبل.

 

احتاج الامر الى محامي. ومن المفروض ان يأخذ نسبة معينة من المال بغض النظر عن نوع القضية. وتأخر حضور زوجة السوداني وابنائه الذين كانوا قد تركوا الدرسة تأهبا للحضور الى انجلترا. وانتهت تأشيرة دخولهم الى بريطانيا. وضاعت على الابناء سنة دراسية ووجدوا عنتا في السكن في السودان. واخيرا تقرر ان يستلم السوداني فلوسه. واسعار المنازل قد ارتفعت والاصدقاء الذين اقرضوه المال في فترة الانتظار توقعوا ارجاع المال مع الشكر وربما بعض الاكراميات والهدايا.

 

وبين ما السوداني يفكر في حظه السيء بسبب المال الذي كان سيكون حلا كاملا لكل مشاكله ومشاكل اسرته. ظهرت مشكلة اكبر, فلقد حضر مسؤول الضرائب البريطاني بوجه احمر وحقيبة جلدية بلا لون.

 

القانون كان يقول ان اسرة الاسكوتلندي ملزمة بدفع ضريبة على المبلغ.. لأن المبلغ حسب القانون يخص الاسكوتلندي واسرته فهو في حيازتهم . اما موضوع التنازل عن المبلغ للسوداني لأي سبب فلا دخل للضرائب البريطانية بالامر. والقانون ليس فقط بحمار ولكن وحش لا يعرف الرحمة. 

 

بعد زيارة الخال الذي تعرض للقرحة بعد ان شفا من عملية البواسير التي تسبب فيها جلوسه لساعات طويلة يراجع القضية ويقرأ القوانين الانجليزية ولا يستلقي الا لساعات قليلة.

 

بعد زيارة الخال ذهبت مع صديقي  لزيارة صديق آخر. وحكينا حكاية الخال. وكان لصديقنا قريب اكبر سنا . وهو ضيف عليه . الضيف وهو محامي ينظر الينا ويبتسم طيلة الوقت. وعرفت انه محامي مشهور ومعروف بخفة الظل ورواية النكات ويضحك قبل المستمع ويبدو انه ليس عنده اي هم في الدنيا. وطلب ان ناخذه لزيارة الخال الذي فارقه الحظ.

 

في الزيارة الثانية تركنا المحامي مع الخال . وذهبنا لكي نعود بعد فترة وكان الخال يبدو متغيرا وكان يضحك ويبتسم وقال للمحامي عندما ودعه (انت رجل نحس).

 

وعرفنا فيما بعد قصة المحامي النحس التي حكاها لنا وكان قد حكاها للخال الذي جافاه الحظ. فالمحامي قد اكمل تعليمه الثانوي مع  بداية الخمسينات وقبل الاستقلال. وسؤ حظه جعله يفقد سنة كاملة فبعد ان استمتع برحلة جميلة الى القاهرة حيث كان في زيارة عمه  في القاهرة. وجد ان مواعيد الدراسة في السودان قد تغيرت من بداية السنة الى شهر يوليو. بسبب الزراعة والرعي. فالاغلبية من سكان السودان كانوا مزارعين ورعاة .وفترة الخريف تعني لهم كل شيء . والناس تحتاج لابنائها في تلك الفترة. والتغيير حدث في السنة التي ذهب فيها المحامي الى إجازة.

 وبعد إكمال الدراسة الثانوية وجد المحامي صعوبة في الحصول على وظيفة في الخرطوم. لأنه عرف كشيوعي نشط في فترة دراسته. بالرغم من ان إكمال الثانوي كان يفتح الابواب لكل انواع العمل. وكانت تنقصه الواسطة. فأهله مزارعون من المديرية الشمالية. واخيرا وجد وظيفة لم يقبل به اي انسان . ووجد نفسه في قرية بعيدة وفي مسكن حكومي مكون من غرفتين بسقف من القش . تفوح منها رائحة الخفافيش وليس هنالك كهرباء او ماء جاري. وكان مسؤولا عن كمية من العمال وسائقي الشاحنات. فعمله مرتبط بمكافحة الجراد.

 

وبعد اقل من شهر توفى احد الحمير . وقام بكتابة اخطار للرئاسة. وبعد ايام  استلم خطاب مكتوب على الآلة الكاتبة وباللغة الانجليزية. وكانوا يسألون عن رقم الحمار, فقد كان عنده عشرة حمير. ولكل حمار رقم وفايل. وصديقنا كان خريج المدارس المصرية التي كانت الدراسة فيها باللغة العربية, على عكس المدارس السودانية قديما. وبعد ساعات من التعب والجهد والاستعانة بالقاموس الانجليزي وموظف عجوز كان يسكن بعيدا, والمشوار يأخذ اكثر من ساعة في المساء. ارسل خطابا كان فخورا به. الرد من المصلحة كان استفسارا عن مرض الحمار وهل مات فجأة؟ وما هو نوع المرض؟ وهل عرض الحمار على البيطري قبل انتقاله للعالم الآخر, ام بعد وفاته؟ وهل هنالك شهادة من بيطري بموت الحمار؟........الخ.

 

وتواصلت الرسائل والفايل يكبر. والموظف العجوز الذي يذهب اليه في المساء يطمئنه بأن هذا روتين طبيعي . وهكذا تعمل حكومة السودان . وانه ليبس بمقصود.

 

 وفجأة  يضيق صديقنا بالاكل السئ وعملية الطبخ الممله.  ويحن الى طعام العاصمة والسينما والترام.  وفي يوم اشتد فيه الحر وخلص فيه الجاز الذي يستخدمه لمصباح الكيروسين . واضطر لإستعمال الديزل الذي كان ينفث غازات خانقة, ترك كل شيء وذهب الى العاصمة بعد ان بصق على فايل الحمار.

 

بعد اربع سنوات من دراسة القانون في القاهرة رجع صاحبنا والدنيا لا تسعه. ووقتها كان عدد المحامين لم يبلغ المئتين فى كل السودان. والدولة تحتاج للقضاة  وكل من له دراية بالقانون. فالبلد ستستمتع بالاستقلال . ويكتشف صاحبنا بانه لا يمكن ان يسجل كمحامي او ان يعمل في حكومة السودان . لأن اسمه قد سقط من الغازيته. فعندما ترك العمل بسبب الحمار المرحوم , بحثت الدولة عنه ولم تجده فأسقطوا اسمه من الغازيته . وبدأت مناطحة ثورة البيروقراطية والغازيته كانت محراب البيروقراطيين . بعد سنتين من العذاب والشقاء والعمل كمدرس في بعض الاحيان ,او العمل في المساء في مكاتب بعض المحامين او مع بعض الزملاء. تمكن المحامي ان يثبت اسمه في سجل حكومة جمهورية السودان.

و ارتبط بفتاة متفتحة لم تكن تطلب كثيرا. لم تكن من النوع الذي يحلم بالذهب والمنزل الفاخر. وكان في امكانه الآن ان يلحق بزملائه الذين عملوا كقضاة او سكرتيريين لوزراء  او محامين . وابتاعوا السيارات. وفجأة فرضت شهادة المعادلة على خريجي القاهرة. لأن المرافعات والمكاتبات والمراسلات كانت تدار باللغة الانجليزية. ولم تكن الفتاة على استعداد بان تنتظر اكثر من السنتين التي قضتهما في انتظار تثبيت اسمه في الغازيته. واستجابت الفتاة لضغوط الاهل . والعريس جاهز وله سيارة وعمل ومسكن. وشيوعي قانوني لا يزال في رحم الغيب لا يعني سوى المشاكل والاهل في هذه الاحوال احسن من يعرف.

 

بعد شهادة المعادلة وفترة التدريب عند احد المحامين والعمل كمتدرب عند احد الزملاء الذين كان يساعدهم ايام الدراسة, صار صديقنا محاميا معترفا به. ووالدته تطارده للزواج . وانها على استعداد ان تبيع ارضا ورثتها في الشمالية لكي تراه عريسا وهو الان محامي والعمر لن ينتظر. وكانت الخطوبة الثانية. وفي الدكتاتورية الاولى وفي سيارة مستلفة من صديق, قام بأخذ والدة الخطيبة والخطيبة وشقيقتها الى دكتور يعرفه . بسبب توعك حماة المستقبل. وتركهم لكي يرجع بعد ساعة لاخذهم. و لتزجية الوقت اراد ان يزور بعض الرفاق الذين يسكنون قريبا من عيادة الطبيب.

 

الخطيبة عرفت بخبر إعتقاله بعد يوم. وكان عدم رجوعه اثار حيرتهم. واهلها وجدوا كل الاسباب لكي يتحدثوا عن زواج المكاتب . وعن البنات المتعلمات اللائي يرتبطن بالخطبة خارج إطار العائلة والتقاليد السودانية. وانه لا مستقبل مع احد مترددي الحراسات والسجون. فالصحف كانت تتحدث عن القبض على عصابة من الشيوعيين بعد ترصد طويل وان الخطيب كان العقل المدبر. ولم يكن هنالك من يصدق بأن الحظ السيء قد ساقه للدار في تلك اللحظة.

 لسؤ حظ المناضل كان سجن كوبر ممتلئا بالمدنيين والعسكريين الذين حاولوا الانقلاب ضد الدكتاتورية. وجد نفسه في محطة السكة حديد مكبلا بالاغلال مع بعض المجرمين المدنيين . وان كان رجال السجون يعاملونه ببعض التفهم والعطف.  وفجأة تظهر الخطيبة ومعها بعض  اهلها . وعندما شاهدته جالسا على الارض وسط المجرمين , عرف بأنها ستكون المقابلة الاخيرة . لان  كل حصون مقاومتها ورفضها الاستماع الى نصائح اهلها قد انهارت.

 وبعد الجلوس على مقاعد الدرجة الرابعة الخشبية والاكل السيء والقطار الذي يتوقف بمناسبة وبدون مناسبة, والبعوض الذي ينهش جسمه . وجد نفسه في سجن جنوب النيل الازرق المشهور.  و كان يمني نفسه بساعات طويلة من النوم في السجن لإراحة جسمه المرهق. الا انه وجد نفسه مربوطا الى  شجرة. واحد جنود السجون يجلس في مواجهته ويقبض على بندقيته . فلقد افهموه بأنه يحرس شيوعيا خطيرا . وعرف بأن اوراقه لم تصل وليس له مكان في السجن. فأستدعى ضابط السجن واخبره بأنه ليس بقرد لكي يربط الى شجرة . وانه مضرب عن الطعام من تلك اللحظة. وعندما ارجع الى الخرطوم كان اسبوعا قد انقضى وصار انحف عودا بالرغم من نحافته المعروفة.

 

بعد خروج المناضل من السجن في العاصمة , اراد اصدقائه الاحتفال به. وكان قد تقدم قبلها  بفترة للزواج لفتاة من اسرة محترمة وقبلوا به لانهم كانوا من بلدته في شمال السودان في الاصل. وذبح الرفاق خروفا واولموا لصديقهم المناضل في بيت العزابة. وبعد اكل المرارة والشطة الحارة والشواء. تحركت معدة المناضل . وطالبت بإخراج ما لا يلزمها. ولدهشته وجد ان منزل العزابة كان يخلو من المرحاض . لان المرحاض القديم قد انهار. ولم يكتمل بناء المرحاض الجديد. والعزابة كانوا يقضون حاجتهم عند الجيران. لان لهم مرحاض عند بوابة الشارع للضيوف. ولكن الجيران كانوا خارج دارهم لمناسبة عزاء وسيرجعون في نهاية المساء. وقاوم المناضل, فلقد تعلم في الاعتقال والقطارات لان يقاوم الطبيعة لأيام في بعض الاحيان. ولكن مع بداية العشاء لم يتمكن من المقاومة وعرف ان العزابة في الليل , لكي لا يزعجوا الجيران يقضون الحاجة في نهاية الزقاق في المنطقة المعزولة عند برميل الزبالة الضخم. وما ان جلس المناضل لقضاء الحاجة و احس بكل محتويات امعائه تخرج دفعة واحدة. حتى وقفت سيارة اجرة على بعد امتار منه  وانوارها مسلطة عليه. وفي السيارة كانت خطيبته وبعض النساء من اهلها وبعدها لم يتصل بهم ولم يتصلوا به.

 

المناضل كان يقول وهو ضاحك ..كل هذا يبدو كلا شيء .ولكن اكبر نحس عشته في حياتي هو انني بعد سنين من العمل كونت لنفسي اسما وصرت رجلا محترما . وكان من الممكن ان اتزوج بسهولة بالرغم من انني اقترب من الاربعين. وبعد دفع المهر وكل التحضيرات قرر الاصدقاء عمل حرارة او قيدومة. وهي الحفلات التي يقيمها الاصدقاء للعريس واقترح صديقي الطيار ان يأخذنا بالطائرة الصغيرة التي يطير بها الى جوبا اسبوعيا. واخذنا معنا اثنين من الاصدقاء. وتقرر ان نقضي ثلاثة ايام في مدينة جوبا . سيقوم اصدقائنا من الموظفين وضباط الجيش بتنظيم حفله عظيمة. بعد حفلات جوبا كان العريس في طريقه الى العاصمة لإكمال مراسم الزواج التي تقرر ان تكون مناسبة لإنسان متحضر ويحمل افكار تقدمية وسيكون كتاب العقد والحفل وكل شيء في يوم يواحد . ثم يذهب العروسان الى اركويت.

الطائرة التي كان يعرفها الطيار جيدا والرحلة التي قطعها عشرات المرا ت انتهت في احدى سهول كردفان لأن الطائرة اجبرت على الهبوط الاضطراري . وعندما كنا نسأل المحامي عن كيفية نهاية القصة وكيف تركته الخطيبة الاخيرة . كان يقول ان النحس وعدم الحظ هنا كان اكبر. فعندما تنمر واالد العروس وغضب لإستهتار العريس وارغى واذبد واصر ان يعقد قران ابنته على ابن خالها. ثارت العروس التي عرفت بالوداعة والادب. وصفعت ابن خالها وقالت لوالدتها بأنها يمكن ان تتزوج هي ابن اخيها اذا ارادت . ولكنها ستعقد قرانها على العريس المفقود واذا كان ميتا فستعتبر نفسها ارملة. ولكنها لن تخون وعدا قطعته للرجل.

وعندما هللنا وقلنا للمحامي اخيرا تركك النحس ولازمك الحظ . كان يقول هذا هو النحس الاكبر فأنا اذكر بهذه الحادثة كل مرة . ولأقل مشكله يقال لي  غلطة انت لم تحضر الى زواجك  . فضلت المجون والذهاب الى الجنوب وقلة الادب . وتبالغ زوجتى فى جعلى ادفع الثمن فى كل لحظه . والجميع حتى اهلى يذكرونى بوفاء زوجتى ويطالبونى بان اقبل باى وضع .

 

المناضل كان يقول لخال صديقي , تظن انك منحووس ..دعني احكي لك هذه القصة..فالمحامي  دخل في شراكة مع احد رجال الخليج الذي كان قد ربطته به صداقة جميلة في ايام الدراسة في القاهرة. عندما كان اهل الخليج يعيشون على الكفاف وخريجى الجامعات يحسبون على الاصابع . وفي ايام الفورة الاقتصادية وارتفاع اسعار البترول في الخليج كونا شركة سويا . وبدأ المال يتدفق وكان الخليجي يتحدث عن توثيق الشراكة عند كاتب العدل.  وصديقنا يؤجل الموضوع ويقول ان كل شيء ملحوق. في بداية الثمانينات ابتاع الخليجي سيارة فاخرة وزودها بتلفون وكان يتحدث من تلفون السيارة الفارهة مع السوداني . وهو يقود السيارة بسرعة 200 كيلومتر ويقول انه لا يحس بأن السيارة متحركة بالرغم من السرعة العالية وفجأة تنقطع المكالمة..

 

احد الجمال التي كانت  قديما تجوب الصحراء ولا تعترف بالسيارات كان يطالب بحقه الشرعي حتى في ذلك الطريق السريع. بعد موت الخليجي استلم شقيقه الشركة.  كان على اقتناع كامل بأن السوداني لا دخل له بالشركة ولا حقوق . وانه كان موظفاً . بالرغم من ان السودانى قد كون الشركه ولم يكن للخليجى سوى الاسم ....

 

سألت صديقي بعد فترة ماذا حدث لخاله سيء الحظ  . ولدهشتي عرفت انه قد تعافى وتوقف عن الشكوى وبعد عن الإحباط.  وانه يعمل في سفارة عربية.. وكان لا يكف الحديث عن المحامي سيء الحظ الذي قابله والذى لا يوثر عليه شئ ...

 

شوقي ,,,,,

 

2010/02/17

Shawgi Badri [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]