اول من تغني بكسلا بطريقة عرفها الجميع ،هو الوالد توفيق صالح جبريل ابن امدرمان . و جعلنا هذا نتمني باننا على ضفة القاش . في بداية الخمسينات بعد اكتمال سوق حي الملازمين كان دكان العم سايمان الكسلاوي وظهر ابناء اخيه عبد الحليم وعبد الوهاب حريقة . وكانا من خيرة الاخوان . وكانا يحكيان يوميا عن كسلا والقاش وحفظت كل كلمة قالاها . وعندما ذهبت الى كسلا كنت احس انني في مدينة اعرفها فلقد وصف عبد الحليم وعبد الوهاب كل شبر في كسلا . 

كان كل السودان يتغني باغنية يوسف فتاكا طيب الله ثراه....

ييو بلدنا سودانو وطننا وكلنا اخوان .... ويقصد بلدة يي في جنوب السودان . ونهتز مع ...... قلت اسيبا مدني واجي اسكن معاك الخ . وعندما نعلن عن ولهنا وهيامنا بامدرمان يصاب الكثيرون بدوار البحر . اليس حب الوطن من الايمان . انا من مواليد الابيض وكلما ذكرت عروس الرمال اعتبر نفس احد اهلها .وحبي الاول هو رمبيك الجميلة حيث وعيت بالدنيا وملكال حيث درست وصادقت اجمل الناس لا تزال ذكراهم تنير حياتي وتسكن قلبي وثلاثة من ابنائي يحملون اسماء اخوة من اعالي النيل. ولقد كتبت وكتبت وكتبت كثيرا وبالتفصيل عن ملكال الحبيبة واسعد هذا اهلى في ملكال .
وقبلها كنا في مريدي جبيت وسنجا عبد الله حيث جلست في اول مدرسة . واهل والدي اتوا من الرباطاب واهل والدتي مشاويون ترعرعوا في جبال النوبة وتزوج خيلاني بنوباويات وكانت والدتي تتكلم دائما عن بلدها تلودي وكلوقي . وخالى محمد عبدالرحمن ابتر كان سر تجار كادقلي ونائبها البرلماني .
وكل ما يمس جبال النوبة يهمني ، يفرحني او يحزنني حسب الظروف .


. وعرفنا الدنيا وقلوب اهلنا معلقة برفاعة حتى بعد الانتقال لامدرمان ووجدوا رغدا من العيش والابناء والاحفاد ، لدرجة ان شقيقي الشنقيطي الساخر قال .... اهلنا ديل بتكلموا عن رفاعة وبيحنوا ليها ،


وكأنها اورشليم . والمقصود طبعا باورشليم هي القدس التي يحن اليها اليهود ويغنون لها لآلاف السنين . ورفاعة العظيمة جديرة بكل الاشادة . الا انني لا استطيع ان اكتب عن مدن لم اعرفها عن قرب .. . ولهذا اكتب عن امدرمان التي عرفتها جيدا واحببتها كثيرا .واحب كل السودان واعشق البسطاء ومن ارتبطوا بالارض وارتدوا جلباب التواضع وحب الآخرين وتقبلوهم بدون حواجز . وكل هذا تواجد في امدرمان .
من عاش في امدرمان وتركها بالرغم من بعد المسافة وطول الغياب لا ينساها . اليكم الدليل من اخي قارو مظلوميان او قاري كما كنا نناديه والذي غادر السودان لتصف قرن والآن في استراليا .
اقتباس
Izzayak ya Shawgi
I have come across your article about Omdurman and I am overwhelmed !!
I am Garo Mazloumian (brother of Artin) that you have mentioned in your article.
We were your neighbours fi Hay Al Mulazmin (Alsoor) and my Aunt Eugeine (Allah yirhama) and my cousins Hinazan, Anahid, Shoushig, Stepan and George are all in Hertfordshire/UK.
I am in Sydney/Australia since 1989. Prior to that I lived in Kuwait for 24 years. My Arabic is very good both written and spoken and my street lahja of Omdurman is very good too.
After reading your article I was so excited to contact you and I asked one of my good Sudanese friends Dr. Idris Ahmad Mahmood (brother of Dr. Nasreddin Ahmad Mahmood) to find me your address and he obliged. I hope we establish contact and exchange memories of the past.
If you are on wattsapp or Viber that will be a great help.
My Mobile number is : + .............
Best regards
Garo Mazloumian


اخي العزيز شوقي
كم كان شعوري عظيم عند تلقي ردّك السريع. صحيح انه نحن تركنا السودان منذ زمن بعيد لكن دمنا يحن دائماً الي ذلك التراب الذي فيه ولدنا وترعرعنا وقضينا اجمل ايّام العمر ومنها أيامنا ونحن واياكم اولاد الحارة الصغار فينا الشيطنة لكن فينا الأخ لآخوه عند الحاجة. اخر زيارة لي للخرطوم كانت في يناير ١٩٩٠ عندما توفت والدتي فيكتوريا في الكويت وذهبت أنا من استراليا الي الكويت وحملتها الي الخرطوم لتدفن بين ذويها واهلنا الذين سبقوها. وبعدها ب ٣ شهور وصلني خبر وفات اخي أرتين عن ٤٩ سنة. الله يرحم الجميع ويرحمنا نحن الأحياء. المهم انت كيف وعايش وين؟ أنا سمعت انك يمكن تكون عايش في لندن! كيفك وكيف الأهل جميعا. طبعا أنا كنت سمعت عن ابتسام رحمها الله وتولاها بواسع عطفه ورحمته. أرجو ان لا تقطع اخبارك عنا. لقد تحدثت عنكم مع بنت عمي اناهيد في إنجلترا وهي تذكركم كلكم بالاسم وزوجها الانجليزي مايكل الذي كان مدرسا بكلية الأحفاد. ذكريات وأيام جميلة. بالمناسبة ذكرت في مقالك عن دكان ارونت وانا علي اتصال بي أخوهم الوحيد المتبقي هرانت وهو كذلك ساكن في لندن. اعتقد انه اديتك اخبار كفاية الْيَوْمَ وفِي انتظار اخبارك ودمت .
نهاية اقتباس
بعد مذابح الارمن في تركيا ارمينيا وبلاد اخرى اتى الكثير منهم للسودان وكانوا من انشط واكثر الناس حبا للعمل والانتاج . الخالة اوجين كانت تحكي لنا عن مذابح واهوال الظلم الذي وقع على الارمن وكنا نجد صعوبة في تصديقها بسبب صغر سننا . وعرفت فيما بعد كيف اغتيل مراد باشا في سويسرا في عصبة الامم بواسطة شاب من الارمن . وقال له قبل اطلاق النار انا ابن احد الرجال الذين البستهم نعال الحديد . فعندما اشتكي رؤساء الارمن من السير الطويل وطالبوا بأحذية امر مراد باشا بتثبيت حدوة خيل على كل قدم .
سفريان ، قاروا فانيان، سركسيان ، وسركيس ازمريان ، ونظاريت ايمريان الذي سكن بالقرب من المجلس البلدي وله مصنع لليمونادة خلف الجامع الكبير وكان العم سعيد يحمل الليمونادة على حمار ابرق كبير . ثم صار محمد واحمد يوصلون الليمونادة بالعجلات . ولقد تطرق بابكر بدري لنظاريت في كتابه وقد عرفه منذ نهاية المهدية وبداية الادارة البريطانية .
يرفانت مارقوسيان كان له اكبر متجر او سوبر ماركت في امدرمان و عرف ب ،، ارونتي ،، وكان شقيق الخالة اوجين يعمل معه وهو نسخة منها . وكانوا يعرفون كل اهل امدرمان . ويدفع الجميع في نهاية الشهر , ابنه هرانت لا يزال عائشا . قالت له اختي نضيفة طيب الله ثراها قبل سنوات في نمرة اتنين ... بعد ما انتو طلعتوا البلد خسرت . فالكثير من الارمن الاغاريق الايطال الخ تم طردهم ومصادرة اموالهم في زمن نميري . وكانوا يمثلون الطبقة الوسطى التي يحتاجها كل المجتمعات . مارقوسيان قال لي في الخمسينات ... قول لابوك .... الولد ده بيجي لسة وبيشيل ويسكي وجن وحاجات وبيقول ....لابراهيم بدري . فأخبرت والدي بأن .... ابن اكبر الزعماء الدينيين يقوم بهذا العمل . وكان والدي يقول اعمل شنو ما دا برضو ولدي . وتلك روح امدرمان . واشتهر ذلك الشاب طيلة حياته بأخذ اشياء واستلاف فلوس ولا يدفع او يرجع الديون . وتوقف والدي اخيرا من شراء الخمر من يارافانت مارقوسيان . ولم يكن في امكان الشاب ان يمارس نفس الشء مع محلات اليوناني ليمنيوس لأن موسي ناصر المشهور بود نفاش يعمل معهم .

يقول البعض ان ما نكتبه قد وجد في اغلب المدن . ولكن الفرق ان امدرمان كانت اكبر مدينة في القطر ومن اكبر مدن افريقيا ولكن كان لها عشائرية وقلب القرية . وهنا الفرق . لقد كان الجميع يعرفون بعضهم البعض . ويتآخون ويرتبطون بعلاقات تستمر الى القبر . ولا ينسون ابدا امدرمان . وقارومظلميان خير مثال . من منا حضر من استراليا لأخذ جثمان والدته لتدفن في السودان ؟ ابن رجل البر والاحسان كونت ميخالوس قابل الاديب السفير الدكتور اخي علي حمد ابراهيم خارج السودان وبكي وقال له .... النميري طردنا وقال انحنا ما سودانيين انا مولود في السروراب .
عندما تقرر حضورنا من الجنوب والعيش في امدرمان ، لم يكن لابراهيم بدري منزلا . المنزل الذي ولد فيه في ود نوباوي وهبه لخيلانه و تعمل لساعات طويلة منزله الفاخر وهو الاول من الجهة اليسرى بعد تقاطع شارع العرضة من الاربعين ويلاصق منزل صديق عمره محمد على شوقي والمنزلان فدان اقتسماه . وقام ببناء البيتين بنفس الخرطة خضر بدري المهندس . ولتمويل جريدة الرائد والحزب الجمهوري الاشتراكي بيع المنزل ب 5 الف جنيه لبعض رجال الانصار . وهذا مذكور في كتاب قطار العمر للاعلامي العالمي محمد خير البدوي .واستأجر لنا ابن رفاعة الدكتور محمود حمد نصر منزل الياس دفع الله الكبير المواجه لمنزله في حي الملازمين. وبعد فترة رحلت الخالة اوجين للمنزل المواجه لمنزلنا من ناحية الغرب والذي يواجه سوق حي الملازمين من الناحية الجنوبية . وصرنا كاسرة واحدة . الخالة اوجين كانت خياطة رائعة وامرأة مقاتلة . كتبت عنها موضوعا تحت عنوان محاربات امدرمانيات الخالة اوجين . ولقد كتبت عن نساء امدرمانيات مكافحات تحت نفس العنوان . الخالة اوجين لفترة كانت تبتاع الاسرة والدواليب وبعض الاثاث من الحكومة وتقوم ببيعها . كانت لوحدها تدير منزلا يضم اربعة من البنات وهن هنازان اناهيد وشوشيق ذات الشعر الاحمر .وابناء عمهم آرتين الذي كان يكبرني قليلا وله جسم قوي لا يتوقف من مجادلة شقيقي الشنقيطي . وشقيقه قاري الذي كان اقل حجما وفي عمري لا تفارق الابتسامة شفتيه يحبه الجميع لا يتوقف من حكاية القصص والنكت . واستفان كان صغيرا جدا وتبعه جورج كما عرفت .
وشقيقتهم التي كانت فتاه كبيرة في سن المراهقة تساعد كثيرا في العمل المنزلى وهي فتاة مؤدبة وهادئة . والبنات صرن بمثابة الشقيقات لشقيقاتي آمال وابتسام . وكان المنزلان مفتوحين للجميع نتنقل بحرية . ويجمعنا شاي العصر في منزلنا او عند الخالة اوجين. وفي احد الايام نظم لنا والدي ابراهيم بدري مسابقة في الجري حول المربوع . ووضعنا في اماكن متفرقة حسب العمر . فاز بالمسابقة اخي ايمان وشوشيق الصغار. وتم استبعاد الشنقيطي وآرتين لانهما قد فازا بالغش فلقد دخلا عن طريق القراش لتقصير المسافة .وكنا بحق اسرة واحدة .
كانت لنا سيارة فورد كبيرة بسائق فقد كان في امكاننا ان نذهب للنزهة في الخرطوم في المساء . وفي نهاية الاسبوع نذهب للسينما في الخرطوم . ومن العادة ان اجلس انا وقاري وارتين والشنقيطي بجانب السائق . ويجلس الفتيات الخمسة في المقعد الخلفي ويقف خليل على الارتفاع في ارضية السيارة ويقف بالقرب منه شقيقي ايمان .وفي بعض الاحيان تشاركنا الامهات امينة و اوجين ويضطر اثنين من الصفار للاستلقاء تحت الزجاج الخلفي . وكان مسموحا للخالة اوجين استلاف السيارة والسائق والذهاب مع اسرتها لزيارة اهلهم في الخرطوم . وكنا نتعامل معها كوالدتنا ونكن لهم حبا صادقا . وفي احد الايام لم يقبل السائق الجديد محمد الذي كنت اعجب به كثيرا طلبات الوالدة اوجين بالانتظار واسمعها كلاما اغضبها . وكان يسكن معنا في المنزل ونعتبرة كاخونا الكبير . ولامه والدي لأن اوجين احد افراد الاسرة . واضطر محمد الذي اتي من الجزيرة وكان له شعور غير مرحب بالخواجات لترك المنزل وكان وداعه ثقيلا على .
الجميع كانوا يتكلمون اللهجة السودانية حتى في المنزل بينهم . الا ان بعض الكلمات الريفية كانت تظهر في كلام البعض وربما هذا بسبب سكنهم في شرق السودان وبلدة الحواتة حيث كان يعمل ويسكن آل مظلوميان وكوركجيان وارمن آخرين الخ . . قبل عيد الاضحي في الخمسينات شاهدت زوج الخالة اوجين الذي حضر من الحواتة بشاحنة محملة بالفحم . واشترت كل الاسر جوالا من الفحم بخمسين قرشا بدلا عن السعر العادي 65 قرشا . والاطفال ارسلوا للدراسة في المدرسة الارمنية ثم مدرسة كمبوني وكان البص ياتي لاخذهم كل صباح . وبعض افكار آرتين والخالة كانت غريبة بالنسبة لنا فقد كانوا يؤمنون بالسحر والفكي وكثير من الاشياء الغريبة. وربما بسبب سكنهم في الحواتة . وكان هذا مرفوضا عند اغلبية اهل امدرمان ، فالوعي والاستنارة كانا كبيرين جدا .
اناهيد التي كانت تميل للطول كانت تمتاز بالشيطنة وتعاكس الجميع وتغيظ ابن عمها آرتين طيب الله ثراه الذي كان يستجيب لاستفزازاتها . وفي احد الايام ادخلت اصبعها في ثقب في ردائه الكاكي . وعيرته فانفجر باكيا وكان يقول لها اذا انت مرة ليه ما خيطتي القد ؟ ولا يزال ردها في ذهني .... وليه النسوان البخيطوا ؟
اناهيد تزوجت مدرسنا الشاب البريطاني في الاحفاد مايك الذي اتى به يوسف بدري مع شاب آخر في عمره وسكنا في منازل المدرسين في الاحفاد . وذهبت معه في شهر عسل لانجلترة . وعندما عادت . كانت تشتكي من سكن اهل مايكل في لندن ومن لندن التي كانت سيئة حسب قولها مقارنة بالخرطوم وامدرمان . والشقة افتقدت الحمام كالكثير من منازل لندن قديما . والارمن كان لهم اندية في الخرطوم مثل الايطال واليونانيين وبستمتعون بحياة رائعة . ولانها قد تعودت على الاستحمام في الصباح والمساء في امدرمان ، فلقد كانت مجبرة على تسخين الماء والاستحمام يوميا في طشت وعندما كانت تحكي عن هذا في منزلنا كان مايكل يتهرب .
ابنة شقيقتي حنان الصغيرة شاهدت مايكل وصديقه واصيبت

بالرعب وبدأت في البكاء . فقالت لها الخالة اوجين . ليه خفتي من مايكل ... انحنا ما برضو خواجات . فقالت لها اختي ... خواجات شنو يا اوجيبن انتو سودانية اكتر مننا .

كانت جدتهم تسكن في ود اورو وترتدي الثياب السوداء دائما مثل ارامل الارمن حدادا على اهلها ، وهي امرأة قليله الكلام وكنا نتشائم ونتضايق من تلك الملابس السوداء. الغريبة ان جدتي بت الحرم المشاوية التي كانت ارملة كعادة النوبيين تلبس القنجة والدمورية التي تغسلها بماء الشاي حتى لا تكون زاهية وترتدي شبشبا بسيطا بنعل من اطارات السيارات . ولا تمسح جسمها بزيت او تستخدم العطور ولا تشرب السكر او تأكل الحلويات ، حداد على زوجها سر التجار واستمرت في ذلك الحال الى موتها طيب الله ثراها . وكان نساء حي الملازمين يستغربن لمظهر جدتي المشاوية مقارنة بمظهر اسرتنا . وكانوا يستغربون على اصرار جدتي الرباطابية على اغتناء الغنم في منزلنا لانها ترفض لبن صاحب الحمار او كافوري . وكانت تصر على صنع القفاف , وعندما يكتمل العدد الى 6 تطلب مني اخذها لدكان سليمان الكسلاوي في سوق حي الملازمين الذي يبيعها بخمسة قروش للقفة ويدفع لجدتي اربعة قروش . وكنت اجد صعوبة في غرابة العملية فهي ترسل العربه مع السائق لاحضار الزعف من عمنا محمد ود بدري في شارع التمارة وتتعب وتشقي وكان والدي يصرف المال بسخاء ويكرم عشام الاهل والقبيلة. وله مرتب كمؤسس مشروع امهاني . ومشروع امهاني له دخل كبير وله مرتب من مجلس الشيوخ ومعاش ضخم ومنزل كبير في المقرن له مردود يكفي لاعاشة اكثر من اسرة كبيرة صار المركز الثقافي السوفيتي . ولكن جدتي استمرت في صنع القفاف كل حياتها , واغتناء الاغنام . الكثير من نساء امدرمان كن معتدات بانفسهن ولا يغيرن طريقة حياتهن .

عندما تزوجت شقيقتي آمال بمولانا محمد صالح عبد اللطيف وقيع الله ضابط بلدية امدرمان وقاضي الجنايات في 1958 . اتى الكثير من المشاركين من رفاعة . وكان يسكن معنا ثلاثة من الطلاب الذين لم ينقطع سيلهم . وكان البعض يستغرب عن ،، الخواجية ،، التي تدير كل شئ حتى جلوس العروسين على الكوشة التي لم تكن معروفة وقتها . وكانت تعود كل مرة لتذكر العروس بالابتسام . وعرف الجميع انها خالة العروس اوجين . وبعدها كان كل الاهل يستعينون بالخالة اوجين في تزجيج حواجب العروس وزينتها وتنظيم الحفل ، وهى تقوم بواجبها كامدرمانية كاملة الدسم . وللخالة اوجين الشكر اجزله لتغيير مراسم العرس القديمة .

في 1978 ذهبنا الى لندن لعلاج والدتي وطاب لنا المقام وقضينا كل الصيف في لندن . وكان اللقاء بالخالة اوجين مهيبا فلم تتوقف الدموع لمدة ساعة كاملة الا لفترة بسيطة ثم تبدأ الدموع مع الذكريات . وما عرفت من شقيقتي ان الخالة اوجين كانت تقول ان والدتي كانت اقرب اليها من شقيقاتها . ولم يختلفا ابدا ولم تفش والدتي لها سرا او ترفض لها طلبا كن كالشقيقات الحقيقيات . انا اظن انه سحر امدرمان القديمة .
كانت الخالة اوجين في لندن تبدو كعادتها صغيرة السن وكانها لم تتغير منذ الخمسينات . وكانت قد تزوجت بانجليزي لطيف يكن لها الكثير من الحب والاحترام . ويقدم الكثير من خدماته لاسرتنا الكبيرة والكثير من السودانيين . وربما بسبب الخالة اوجين كانت والدتي تتواجد في لندن بعد شراء بيت في لندن .
كما اوردت في كتاب حكاوي امدرمان هو انني وجدت مضيفة سودانية من المسالمة ومعها ابنتها . ووالدة المضيفة تناشد ابنتها لارجاعها للسودان والبنت تقول لها خليك مع مدام اوجين المرة الجاية حترجعي معاي . في زول بيضايق من لندن . والوالدة تقول .... لندن شنو يابتي . ما في حتة ذي امدرمان انحنا هناك بين اهلنا وامرنا بهم كل زول . انحنا يا بتي كان ما المطرة صبت وشمينا ريحة الزبالة ما بنرتاح ما بنرتاح ...يا بتي الدنيا ما امدرمان .
في 1957 انتقلنا الى السردارية العباسية . واستأجرنا منزل العم محمد مصطفي الكمالي الذي كان الحاكم العسكري بعدها بسنة في ملكال ثم ياورو الرئيس عبود . واستاجرنا منزل قريبه الاستاذ عز الدين الحافظ الذي صار وزيردولة للتربية في حكومة عبود . وفتحنا نفاجا بين البيتين . وكان يجاورنا من الحائط الجنوبي اسرتان رائعتان . وهما اسرة الطيب جبارة الله وشقيقه محمود جبارة الله . والضابط جبارة الله كان من كبار الضباط وترك ذلك المنزل الضخم لابنائه . والعم محمود كان يسكن ويعمل خارج امدرمان ، واظن في النيل الازرق . ولكن ابنه مزمل كان يدرس في الاحفاد الثانوية ويسكن في المنزل . وتقبلنا اهل الحي باريحية كاملة ولم يأخذ الامر الا ايام معدودات وصرنا نحس اننا وسط اهلنا . وفي هذا الحي وبقية العباسية عشت اجمل، اسعد فترة واغنى ذكريات في كل حياتي .
دار الرياضة كانت على مرمى حجر وكنا ندخل الربع ساعة الاخيرة . ومركز البوليس والمحاكم كانت مليئة بالمفارقات . والمجلس البلدي يستقبل الالاف . وهنالك الاطفائية ورجالها . والترام والبصات تأتي لكي تنام.هنالك ميدان بيت الخليفة مكان للكثير من النشاطات وهنا كان المولد وسوق الزلعة . ومستشفي امدرمان كان كفستفال في ايام الزيارة كما قال الشاعر عبد الرحمن الريح في اغنية الكاشف . وقبة المهدي تشهد الكثير من الاحتفالات . ومستشفي الدايات يستقبل الناس حتى بعيدا من الاقاليم . لقد كان الحي مليئا بالحركة .
ومع زواج شقيقتي امتلأ المنزلين بالضيوف وبعضهم من رفاعة . وبكل بساطة ازال آل جبارة الله جزءا من الحائط الذي يفصلنا وصارت اربعة حيشان متصلة . وصرنا اهلا . اهل والدتي اتو من مشو واهل والدي من الرباطاب وآل جبارة الله الذين رحبوا بنا وهم اهل الدار ،اتو من جنوب السودان . التقينا في امدرمان وصارت نعيمة الطيب جبارة الله صديقة شقيقتي ابتسام التي ذكرها قاري في رسالته والتي غرقت من ثلاثة من اطفالنا . وكن يبتناقشن ويرتفع صوتهن وكانهن سبتعاركن وهن يناقشن روايات احسان عبد القدوس . وصرت لا افترق عن جعفر الطيب جبارة الله والتصق اخوتي الصغار بابناء العم الطيب جبارة الله . وكانت الخالة حليمة حسين تتواجد مع والدتي اغلب الوقت . وكنا عندما نري العم الطيب جبارة الله بقامته الطويلة وملابسه الانيقة في الطريق نقف له تأدبا . وكان رجلا ملئ هدومه يستحق الاحترام .
في احد الايام شاهد العميد يوسف بدري مزمل يتسلق سور المدرسة . فقام بطرده وطلب منه احضار ولي امره او عدم الرجوع للمدرسة . وشاهدت مزمل محمود جبارة الله في غرفة ابي . ثم سمعت والدي يقول ليوسف بدري في التلفون ... الولد ده ولي امره انا . ثم طلب من مزمل الذهاب الى المدرسة .
بعد حادث طرد مزمل باربعة سنوات اراد كمال ابراهيم بدري السفر للجنوب بالطائرة وكان الموظف يقول له انه لا توجد اماكن شاغرة . وصار كمال الذي كان نائبا يمثل جنوب السودان يطلب من الموظف وضع اسمه في قائمة الانتظار . والموظف يرفض لعدم جدوى الامر . فقال كمال ياخي اكتب كمال ابراهيم بدري ورقم التلفون ، اذا في زول اتخلف انا بجي طوالي فقال الموظف ...انت اخو شوفي وشنقيطي ، شيل شنطتك وتعال طوالى . وكان الموظف مزمل محمود جبارة الله . وكمال كان يقول لي . فاكر نفسي عضو برلماني مهم ولقيت حجز بسبب اخواني الصغار .
كركاسة
لقد اثرت على بقوة مراسلات اخي قاري . وارجعتني لزمن عظيم . قد يظن البعض ان هذا لا يخصهم . ولكن هنالك من يهمهم الامر . وقد نسمع ان الظروف التي تمر بها البلاد يعتبر هذا الامر انصرافيا . ان الظروف السيئة التي تمر بها البلاد من اسبابها ان تشريد الارمن اليونانيين والايطال وبعضهم احب السودان اكثر منا .
لقد الحقنا الضرر بانفسنا والوطن . والآن يقوم الكيزان بطرد الآخرين ، كما حدث في ما عرف بالصالح العام ، لكي ينعموا بالسودان لوحدهم . لم نعترض على طرد من اعتبرناهم اجانب والآن يعتبر الكيزان كل من ليس بكوز اجنبيا . ولقد انتزعوا بترولنا وذهبنا وحولوا الديون الخارجية لمصلحتهم لاننا اجانب في نظرهم .



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.