في السبعينات تم تلجين صهريج للماء ضخم على مرتفع مبني بالطوب الاحمر من الخارج لكي يتماهى مع بقية المباني . ورفض اهل مدينتنا مالموفي السويد هدمه لانه جز من تراث المدينة . انصاعت السلطة وتحول المبنى لشقق رائعة . على بعد مئة متر هنالك مبني ضخم بلون اقرب الى البياض يشبه القلعة وبجانبه مبني آخر جميل من نفس الطراز ، كان مكتبا ومسكننا لمدير السجن . والآن المبنى خال من السكان . وسيتحول المبني التاريخي لسكن فاخر لسكان مالمو . بعد ان طالب السكان بالقرب من السجن برحيله . والمبني بضخامته كان مسكنا لمئة من النزلاء فقط . وقديما كان شارع السجن العريض يضم اعظم الشركات خاصة معارض السيارات . ولكن كل شئ قد انتقل لمناطق جديدة لأن المنطقة صارت داخل المدينة . وفي الدول الديمقراطية تتغير المدن لراحة المواطن ولا يجبر المواطن على التأقلم على قرارات السلطة المزعجة . ورفض السكان وجود سجن وسط مساكنهم . وتسكن ابنتي فاطمة بدري مع زوجها واثنين من اطفالهم في فلة جميلة بالقرب من السجن القديم الذي صار في خبر كان . وهي على قدر غير مسبوق من حب المعارك . وتعتز بافريقيتها . وتدافع كراعية اجتماعية عن حقوق الاجانب .

تقرر بناء ثاني اكبراكبر سجن في السويد ، يسع 300 نزيلا .وحددت مساحتة ب30 هكتارا حوالى70 فدانا لبناء السجن بالقرب من المطار العالمي ,, استوروب ,, الذي يبعد عن وسط المدينة حوالى نصف الساعة بالسيارة. وهذه المساحة الضخمة بسبب حقوق الانسان ... ففي سجن ,, كوملا ,, شمال غرب العاصمة اسطوكهولم يسكن 420 من السجناء لهم غرف مريحة وحوض للسباحة وميادين لكرة القدم ، كره السلة والتنس ومناشط داخلية مثل رفع الاثقال البيلياردو تنس الطاولة وكثير من المناشط منها فرق المسرح والمسرح والمكتبات العامرة و قاعات المحاضرات والدراسة عيادات للاسنان والامراض البدنية والنفسية واطباء وممرضات ، مسؤولين اجتماعيين وكل ما يتمتع به المواطن خارج السجون الخ . فمن المفروض ان يعود السجين الى المجتمع بدون ان يفقد التواصل مع المجتمع . وللسجناء حق قضاء اجازة سنوية مع اسرهم خارج السجون وقد تكون في منتجعات تشرف عليها الدولة . فمعاقبة الاب يجب ان لا تمتد للاسرة والاطفال .

كل شئ كان يسير بسلام ولكن تم طرد السجن من المنطقة التي حددت بالرغم من فرح رئيسة البلدية والكثير من السياسيين . غلطتهم انهم لم يفكروا في الساكن الاقرب . انها سيدة ترجع اصولها للسودان ولقد عرفت السودان ومشت في شوارع امدرمان فهي ابنتي سابينا ولهن شقيق يحمل اسم توأم الروح طيب الله ثراه جاك او بله فارس العباسية . وتجاورها في منزل قريب والدتها السويدية التي ولدت وترعرعت في المدينة مالمو وجدودها من سكان جنوب السويد قبل ان تنتزع السويد كل المنطقة من الدنمارك في القرن السابع عشر . والام قد انتقلت لخارج المدينة حتى ينعم الاحفاد بحياة وادعة بعيدا عن ضوضاء المدينة ومخاطرها . الغرض كان التمتع بسكن الريف والتواجد قريبا من الطبيعة . ويجد الاطفال رعاية الجدة

وبالقرب منهم بحيرتان جميلتان . ويسع منزلهم بحيرة صغيرة تسبح فيهاالاسماك وبعض القشريات الخ وفجأة عرفوا ان بناء ضخم سيشيد في مواجهة منزلهم والذي تعبوا في تحسينه لاكثر من عقد من الزمان ولا تزال الاصلاحات مستمرة .

بله او جاك من اشهرسماسرة المباني ، وكانت صورتة بقامته التي تفوق المترين منتشرة في لافتات الاعلان في كل المدينة . ولا يتفوق عليه في كمية المبيعات سوي زوجته السويدية ووالدة اثنين من احفادي . وجاك صياد محترف وخريج مدرسة البيئة . قبل ان يدرس في معهد تجاري متخصص في سوق العقارات الخ . وهذا يجعله صديقا للكثيرين من اماكن بعيدة ، فرياضة الصيد محبوبة جدا في السويد وتجمع الكثيرين . ويصطادون 300 الف من وعول الشمال العملاقة التي تزن طنا . وعدم الحفاظ على القطعان في كميات معقولة يهدد البيئة لانعدام العدو الطبيعي . هذا بجانب الغزلان والوعول الاخرى . وفي خارج مدينتنا يوجد سياج لمنع الحياة البرية من دخول الطرق السريعة . والبيئة في السويد قد تكون سببا في نجاح الحكومة او اسقاطها .

وتشارك كل اسرة سابينا كعادة سكان اوربا في مساعدة البناء والنجار العجوز الذي قام بتحويل الطابق العلوي لشقة كبيرة رائعة تجعل سهول جنوب السويد الرائعة مأدبة للعين . . فالجميع قد تعلموا في المدارس ابجديات استعمال الادوات وصيانة مساكنهم الخ .

عند شراء المسكن الضخم وبحدائقه الضخمة كان السعر منخفضا . وهذا قبل ارتفاع الاسعار بسبب بناء الجسر المعجزة والذي يربط السويد بالدنمارك وبقية اوربا ، ولانه لا يسمح بالبناء الحديث في المنطقة . فقط يسمح بتجديد المنازل بنفس المساحة او اعادة بناءالمساكن الآيلة للسقوط فقط . والسبب هو القرب من المطار . والمطار قد يتطور بعد خمسين سنة او مئة سنة . ووقتها قد يشترون المساكن حول المطار ، لبناء فنادق او مخازن ومكاتب جديدة الخ . وقبل بضع سنوات احتجنا لبناء مخزن صغير في مساحة جدة الابناء الكبيرة ، ولكن لم يسمح لنا الا بثلاثة امتار للعرض والطول والارتفاع . وهذا لحفظ ادوات ومقاعد وطاولات الحديقة . وساعدني اثنين من الاخوة اليوغوسلاف في البناء بالخشب .

بعد ان استرخت البلدية في بلدة ,, سفيدالا ,, التي تتبع لها كل المزارع والقرى القريبة . زلزلت الارض تحت اقدامهم . ودعوني اقدم لكم المتسبب .

لقد كتبت من قبل ان ابنتي سابينا كانت كل حياتها تواجه المشاكل وتنظم الآخرين مضحية براحتها ووقتها . وهي بالرغم من كل هذا تتمتع برقة والدتها السويدية وتتحدث همسا ولا ترفع صوتها ابدا . وتبحث عن الجميل عند الآخرين وتسعد عندما تقدم اية خدمة . وتلاطف من تعرف ومن لا تعرف . ومنزلها يحتوي على منضدة ضخمة يزيد طولها عن الاربعة امتار . تمتلئ كثيرا باهلها واهل زوجها والجيران ومعارفها الكثيرين .

عندم كان الجميع يسألونها عن سبب تفانيها وتصدرها لمواجهة مشاكل منطقتها ، وتواجد اصدقاء اطفالها في منزلها ، تكتفي بالقول ..... كان والدي يحضر في بعض الاحيان من اسفاره ومع اناس لقضاء الليل معنا . وفي الصباح نكتشف انه لا يعرف اسماءهم .، وقد التقطهم في الطريق السريع او في الشارع في يوم بارد مطير . وانا قد تعودت ان يشاركنا الاهل والاصدقاء من السودان السكن لفترات وبدون اخطار مسبق . ولقد شاهدت في السودان كيف يعيش الناس متحابين ويقدمون الدعم لبعضهم البعض لدرجة ان الانسان يحس ان الجميع اسرة واحدة . وعرفت منذ طفولتي ان والدي يناطح السلطة والبوليس وكل من يتعرض للسود والافارقة . وكانت تلك المواجهات في الاعلام السويدي .

في لمحة عين تحول منزل سابينا الى خلية نضال وشاركتها امها وهي متدربة على العمل الجماهيري ويكفي الخطابات والاستئنافات التي كانت تحرها للسودانيين وغير السودانيين . وانهارت كل قلاع البلدية . ففجأة كان امامهم الآف التوقيعات من سكان المنطقة . والسؤال الاول .... لماذا لم تحدث دراسة كاملة معلنة واستشارة للسكان ؟ ولماذا لم يعلن عن المشروع قبل اجازته ؟ ولماذا لا تبني الدولة بعيدا عن المنطقة التي هى سلة غذاء السويد وتحتوي على اخصب الاراضي في اوربا . ولماذا تريد الدولة ان ترغم مزارعا لبيع 70 فدنا والقانون يقول يمكن الشراء اذا كانت الدولة تحتاج للارض وليس هنالك امكانية اخرى ن مثل طريق سريع جسر الخ . والحقيقة انه في العادة ان يرحب الناس بالشراء فالدولة تشتري بأعلى من سعر السوق حتى لا يظلم المواطن . واليوم يطالب اهل ضحايا الارهابي اوكيلو والذي

دهس البشر بشاحنة مسروقة قبل سنة في اسطوكهولم بتعويضات يشملها القانون السويدي لكل من تعرض لجرم .

هنالك الكثير من الفرص للبناء في اماكن اخري تمتلكها الدولة . وتقول سابينا اذا لا يكن في امكاني ان اتصرف في ارضي وان ابني منازلا لاطفالي او احفادي ، ولا يمكنني بيع قطعة من الاض الضخمة التي امتلكها ، كيف يسمح ببناء مبني ضخم لا يناسب البيئة ولا يتماهي مع الطبيعة او المنازل التي تجاوره ؟ ويكون دفاع البلدية كعادة البيروقراطيين في كل العالم هو تحويل المسؤولية للغير ، لأن قرار المنع قد حددته منظمة الطيران في حكومة اسطوكهولم ، ولا دخل للبلدية بالقرار . ويكون الرد المباشر اين منظمة الطيران الآن ؟ هل اصيبت بالعمى والصمم عندما يتعلق الامر بالسلطة ؟ وتقول ....عندما اشترينا هذه الارض كنا نريد ان نمد نظرنا في كل الاتجاهات . نحن مالكي الارض ونحن نأتي في المقام الاول قبل السلطة .

وعندما تقول البلدية ان المبنى سيكون له عائد افتصادي ، يكون ردها هل تتوقعون ان السجناء سيتنزهون في المنطقة ويبتاعون اغراضهم ؟ ام تتوقعوني ان افتح متجرا لبيع المبارد وحبال التسلق والسلالم لهروب السجناء ؟ به1ذه المناسبة ليس في قانون السويد مادة الهروب من السجن لأن هذه غريزة انسانية طبيعية . نعم سيكون هنالك 200 من الموظفين منهم من يحضرون في الصباح الباكر، و لن تكن المتاجر مفتوحة وقتها والوردية الثالثة ستستلم والمتاجر والمقاهي والمطاعم قد اغلقت ابوابها . ولن يدفع اي شخص ضرائب للبلدية ، لانهم يسكنون في المدينة وسيدفعون ضرائبهم للمدينة الكبيرة . ومن يفكر في الرحيل لبلديتنا قد يغير رأيه عندما يعرف ان عندنا ثاني اكبر سجن في كل اسكندنافية . لماذا لا تشجعون السياحة لهذه المنطقة الجميلة . وهنالك فندق ومطعم صغير عند البحيرة الكبيرة يمكن تطويرهما .

وتفكر رئيسة البلدية انها قد أتت بالسبع من ذيله وتقول ان التحرك بين السجن والمدينة قد يساعد في ايجاد مواصلات عامة ثابتة . ولم تعرف ان عقلية الرباطاب لا تقهر .... ويكون الرد الذي اضحك الجميع . المطار العالمي الذي شيد في سنة 1973 لم يستطع ان يوفر مواصلات عامة للمنطقة . هل سيوفر هذا ,, الباستيل ,, مواصلات عامة لمنطقة سكانها من الموظفين في المدينة والاغلبية من المزارعين لا يذهبون الى المدينة الا مرات متفرقة .

وبعد ان تدحرجت كرة الثلج اذدادت ضخامة واكتسحت ما امامها . المزارع صاحب الارض اعلن جاهزيته لخوض حرب في المحاكم رافضا البيع . وبناء السجن لا ينتظر . ورفع شعار الارض للانتاج وليس الاستهلاك . والتقط القفاز الموسيقار المغني العالمي ,, بني اندرسون ,, المعروف عالميا من فرقة ابا العالمية . وهو قد تقاعد منذ سنين ويسكن بالجوار مع زوجته وله خيول . وهذه المنطقة منطقة الخيول . واكثر من 50 % من السويديين يمتلكون خيولا ويعشقون الخيل . واخرج بيني اندرسون فيلما عن تلك المقاومة والتي اخرجت عددا لا يحصي من الصور والخرط والمعلومات . وانهزمت الدولة . والغى السجن . وكنت اقول لابنتي ببعض بقايا عدالة . اين سيوضع السجن ؟ وربما وضعوه امام منزل شخص آخر . وكانت ترد على.... ان مسؤليتي ان احمي حقي وحق جيراني واطفالي . وعند الآخرين المقدرة الآن في السير في طريقنا . وعلى البيروقراطيين التعب قليلا وايجاد الحلول المرضية . بدلا عن الحلول ,, سلق بيض ,,والتفرغ للمشكلة الاخرى بدون حرق اعصاب والعرق .

اتذكر في سنة 1964 اننا تضايقنا من الكوشة امم منزلنا في العباسية وكان يشاركنا السكن مولانا وزوج شقيقتي محمد صالح عبد اللطيف وهو من ابكار ضباط بلدية امدرمان ، وطلبنا منه نقل الكوشة . رده كان .... انا ممكن انقلها بكرة لكن حيودوها وين ؟ مش قدام بيت زول تاني حيتضايق زينا كده ؟ ولم نتطرق للأمر مرة اخرى . تصور تصرف اى معتمد كوز اليوم .

قبل ان احضر للسويد كنت اسمع بسجن تيداهولم لأن اثنين من الاخوة من السودان كانا يمران علينا في براغ في بعض الاحيان وانتهى بهما الامر في ذلك السجن في الستينات . وهذا السجن به 146 نزيل اليوم . وتمكن احدهم في فترة السنة والنصف التي قضاها في السجن من الحصول على شهادة في اللغة الانجليزية . ساعدته في عمله كرجل اعمال ناجح فيما بعد . هنالك سجنان للنساء في السويد احدهم في مدينة ايستاد التي لا تبعد كثيرا من مالمو وبه 76 نزيلة . السويديون لا يستعملون ابدا كلمة سجن او سجين . وهنالك سجن آخر حديث يشبه هوتيل فاخر عبارة عن مزرعة كبيرة وبه 93 نزيله وهو في بلدة هينسابيرق . والسجن من الحجم الضخم جدا حسب فهم السويديين يشمل اليوم 234 نزيلا في بلدة شينينقة . وهنالك ما عرف بألمستعمرات او السجون المفتوحة ، بدون اسوار. وهذه عبارة عن مزارع وورش صغيرة خارج المدن الصغيرة . وهي لمسجونين لا تزيد مدتهم عن ثلاثة شهور . ويمكن ان يذهب الانسان لعمله ويحضر في المساء لقضاء الليل في المستعمرة . ويسمح بقضاء عطلتين من نهاية الاسبوع كل شهر مع الاسرة . ويمكن للسجين ان يتعلم الكثير من المهن او ان ينتسب لكليات . ولقد قال الاخ بشير مالك بشير مدير السجون السودانية ..... ان البعض يظن ان السجون لتعذين البشر ، ولكن السجون لتهذين وتعليم المواطن . ولقد طبقت الانقاذ العكس بجدارة . واظن ان كل نزلاء سجون السويد لا يزيدون عن نزلاء سجن كوبر وربما سجن امدرمان .

قبل عقدين شاهدني مدير فندق الشيرتون في مالمو فغير مقعده وجلس بعد ان حياني واخبرني بانه وزوجته الشابة قد تبنيا طفلا اسود ويري نصيحتى في المشاكل التي سيواجهها الطفل . فقلت له .... عليك الابتعاد عن الدلع واجابة كل الطلبات . زارجوا ان تعطيه فرصة للاعتماد على نفسه ومواجهة الصعاب بدون تدخلك الزائد عن الحد والمهم جدا هو ان تعطيه اكبر كمية من الاعتماد على النفس والثقة بمقدراته . وستهون كل الصعاب .

ابنتي فاطمة على عكي جميع اطفالي ليست طويلة القامة . اخذت شكل امي ضحكتها وعيونها . ولها قوة شكيمة والدتي التي كانت تدير منزلين مكونين من اطفالها الخمسة عشر واطفال ابنتها البكر والكثير من الضيوف الدائمين والمتغيرين . وكان المنزل بسير كالساعة السويسرية .وهي في العشرينات كانت فاطمة نائب رئيس منظة انقذوا الاطفال . وكمسؤولة اجتماعية ارغمت لاول مرة البلدية على ارسال 1550 طفلا وطفلة الي المعسكرات الصيفية . وهذا حق لكل الاطفال . ولكن اطفال المسلمين والاجانب لا يتمتعون بهذا المنشط لانهم لا يسمحون لبناتهم من السباحة بلباس البحر الاوربي . وفرض لباس البحر الاسلامي وعندما اشتكى بعض السويديين ان هذا امر مقرف ، قالت فاطمة .... ان المقرف هو اجسامكم العارية . واللباس الاسلامي سنغسله يوميا . ولا اعرف متى تغسلون انتم اجسامكم . ويمكنكم البقاء في منازلكم اذا لم يعجبكم الحال ولكن هؤلاء الاجانب الذين حرموا لسنين عديدة سيكونون في المعسكر . واحتاج الامر لعشرين بصا لترحيل ابناء الاجانب .

فاطمة واخوتها كانوا مرتبطين بجدهم اسفن وجدتهم كارن . جدهم عمل ل 47 سنة في نفس مخزن اكبر شركة مباني في السويد ,, اسكانسكا ,, وكان يوزع المعدات على العمال . لم يتأخر يوما واحدا او يتغيب حتى لمرض . زوجته كانت في المنزل تقوم بخياطة الاعلام السويدية وبعض الاغراض في ماكينة خياطة ضخمة . لم يشتكوا ابدا ولم يعرفوا ما هو الكذب والغش . وهم الجيل الذي خلق السويد .

ذهبت لفاطمة في المساء فقالت لي .... انت ابي والا لما فتحت لك الباب ان معي طفلة بوسنية اقوم بتدريسها لانها من الاسر التي بدون اوراق وهي متعثرة في دراستها . وما تشاهده هنا يجب ان يبقى هنا .هل فهمت ؟ وفي احد الايام طلبت حضور بالسيارة الكبيرة لأن دراجتها قد اصيبت بخرم وهي في معسكر المهاجرين الاطفال بدون والدين . وعندما سألتها عن مهمتها قالت انه امر ليس للنقاش . ولكن احسست انها ذهبت للعراك مع المسؤولين . بعضهم كان متضايقا من تصرفات المراهقين خاصة بعض الافغان الذين كانت لهم ممارسات يصعب تخيلها .

اسرة سابينا يعرفون بالاسرة السودانية وسط الجيران ،لأن المنزل كان دائما يضم اصدقاء اطفالنا . بعضهم كان شبه ساكن دائم احدهم فيليب صديق جاك الذي لم يكن مرتاحا في منزل زوجة والده واطفالها . وسابينا وزوجها اسسا شركة ناجحة للكمبيوترات اسمها انكا . ومعهم موظفون منهم الشاب كوفي الغاني كموظف لسنوت عديدة . وتعمل والدة سابينا معهم وهذا حدث غير مسبوق في السويد . ووظفت سابينا شقيق زوجها في الشركة وهو بدوره قد تزوج بفتاة مغربية سمراء قبل سنوات . وتسير الامور بايقاع السودان . وجدة سابينا كانت تتواجد معهم بكثافة الى ان انتقلت لجوار ربها . ولم تكن للجدة علاقة حميمة بابنتها الاخرى واولادها .وقررت سابينا من انه لا يصح العمل مع الزوج بالرغم من التناغم والفهم لأن الانسان يجب ان يعطي الآخر فرصة لكي يفتقده . ووجدت وظيفة تناسبها في بلدية مالمو وفي قسم الاسكان . وهذا القسم كان قد تعرض للفوضي لأن البلدية قررت ان توظف موظفين من قارات ودول مختلفة عن طريق الكوتات . وقام العرب بعمل المحن كعادة اغلبيتهم في تلقي الرشاوي والتلاعب . واعيد التشكيل وتم عمل نظام لا يوجد فيه تسريب .وتحملت سابينا الكثير من العنت والالم في ايام الفوضى . وكان الاجانب يفضلون التعاون معها لاحساسهم بانها منهم .

في مالمو حوالى 116 الف شقة مستأجرة لأن الاغلبية يمتلكون مساكنهم في السويد . وثلث تلك الشقق ملك للبلدية حتى لا ينفرد الملاك بالسيطرة على الايجارات والتوزيع . وخوفا من وجود جزر معزولة في المجتمع ففي كل منطقة جديدة بغض النظر عن موقعها لابد ان يكون هنالك مباني تمتلكها البلدية وتعطيها من لهم حاجة اكبر ، مثل الاسر بعدة اطفال صغار . كما يجبرون الشركات لاعطاء البلدية نسبة خاصة من الشقق حتى تقوم البلدية بتوزيعها بنفسها ، ولكي تحصل عملية خلط للسكان . والشركات تحاول دائما تفادي اعطاء البلديت حصة . ولكن البلديات يمكن ان تضغط على الشركات لانها من يعطي الاذن بالبناء . وهنا يأتي دور الموظفين الذين يقدمون مصلحة المستهلك . ولهذا يكون انتخاب روساء البلدية كل اربعة سنوات . ووقع هذا الجزء على عاتق تيم من اعضاءه سابينا . وكانت الشركات تخشى بأسها . ولقد قالت لي قديما عندما استشرتها بخصوص طريقة الحصول على الشقق . انا لن اساعدك او اساعد احد اصدقاءك لانني لا استطيع ولا اقبل ان اساعد في هذه الامور .

بعد المعركة التي ادارتها سابينا ووالدتها باسم كل الكميوناوالمنطقة والتي انتهت بهزيمة الدولة قرر السكان ان تتقدم سابينا للترشح للدورة القادمة .

كثيرا ما يخطر ببالي انني قد اجرمت في حق اطفالي . فهذا الطريق قد يجعل الانسان يحترق بسرعة . ولا يسبب هذا الراحة والبعد من المشاكل . ولكن نحن قد تعلمنا قديما ان نضحي بمالنا وجهدنا وراحة بالنا للآخرين كما كان يعمل الكثيرون قديما في سوداننا . والحياة لا قيمة لها اذا لم نقدم وهذا ما تعلمناه قديما من المجتمع السوداني .

ابنتي فاطمة وزوجها في بداية حياتهم الزوجية دفعا 20 الف دولار للذهاب للعمل كمتطوعين في في ملجأ للأيتام في غانا لمدة ستة اشهر . ومنظمات التطوع تلزم الشباب بهذه المبالغ حتى لا يكونوا عبئا على المشروع او يغادرون قبل نهاية البرنامج . وقد يفكر البعض لماذا لم ينفقا هذه الاموال في الملابس والاكل والشرب ، والرحلات لشواطئ السياحة الخ ؟ فاطمة كانت تريد ان تتعرف و تساعد افريقيا بلد والدها .

عندما انتقلنا لحينا الحالي كنا اول الافارقة . وتعرض ابني فقوق نقور لمضايقات عنصرية من بعض الطلاب في اكثر من ضعف عمره . واغضب هذا المدرس الرائع كوني وخاف ان ينكمش اطفالي او ان يصابوا بالعقد . فطمنته قائلا .... لا يستطيع اية كائن من كسر ابنائي . وعن قريب سيكونون نجوم هذه المدرسة وسيتركون بصماتهم على كل شئ . وبعد سنين استدعتني مسؤولة التعليم السيدة افا قرين لأن الآباء قد جأروا بالشكوي ، لان اطفالهم قد تأثروا باطفالي الاربعة . وصاروا يطالبون بتوضيح لقرارات الاهل والمدرسين . ولا يتقبلون كل شئ بدون اعتراض ونقاش . وليس عندنا ... كدة ...لانه انا بقول كده . والاطفال لآخرون يريدون ان يحضروا اصدقائهم للمنزل وان يشاركونهم الشراب والطعام ويحسون ان المنزل منزلهم مثل الافارقة . وعندما تكررت الاجتماعات قلت حاسما الموقف .... بما ان اطفالي لا يكذبون او يسرقون اغراض الآخرين كما تفضلت ولا يحضرون بملابس غير متسقة او قذرة وهم جيدون في دروسهم فلا يهمني اذا كان الآخرون يسمحون لهم بقيادتهم . واطفالي ملوك في منزلهم . وتعودوا على الثقة بالنفس وعدم الخنوع والانكسار . وهم افارقة في مجتمع لا يتقبل السود في كل الاوقات ولن يكونوا ابدا اتباعا لاحد. واهلنا قد سلحونا لمجالدة الدنيا . ونحن نهيئ اطفالنا لمواجهة الدني .

ولكن اتذكر ان الاغبياء والخاملون هم السعداء والمرتاحون .

https://i.imgur.com/KJpOnJd.jpg

هذه الوجوه البريئة تعلمت القتال متذ نعومة اظافرها ولن يدوس عليها بشر .

https://i.imgur.com/HVy3ylS.jpg

من هذا المطبخ الذي يمتد لعشرة امتار تمت هزيمة السلطة .

https://i.imgur.com/wQ35HzD.jpg

هذه الحديقة الخلفية كانت مليئة بالاحراش والاشجار العشوائية . والبحيرة مليئة بالماء الآين والاعشاب المتوحشة . تم يجريفا ونظافتها . وربطها بخور يحمل مياه الامطار النقية ويجدد الحياة . ولقد شاركت في بعض العمل .

كركاسة

ليس هنالك اروع من الديمقراطية ، وكل الدول التي تمارس الديمقراطية الحقيقية تتقدم . والمواطن القوي هو خير سند لمجتمعه وحكومته . لقد شاهدنا السويد امام اعيننا تتطور لبلد بسيط لقوة اقتصادية رائعة .

https://i.imgur.com/usUjaMA.jpg

طابق الاعلى الذي تكامل بعد 3 سنوات من مجهود الاسرة . وابنة الاخت الاستاذة منار الجمري التي شرفتنا بزيارة م مع ابنها المهندس الجمري . كل زيارات الاهل تسعد الابناء والاحفاد وتذكرهم بجذورهم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.