بعد الاستقلال تكونت الخطوط الجوية السودانية وصار مطار الخرطوم اكبر . ولأن السودانيون كانوا يتهيبون ركوب الطائرات فاتجهت سودانير لمساعدة السودانيين للتعود على الطيران . وقاموا بدعوة الشخصيات المهمة لركوب الطائرة في جولات قصيرة حول العاصمة . واذكر ان ناظرنا الاستاذ عبيد عبد النور كان يحكي للتلاميذ عن تلك الرحلة وان الطيران مريح ويجلس الانسان ويرشف فنجان القهوة بارتياح . ثم سمع للجمهور بركوب الطائرة في تلك الجولة بخمسين قرشا . بعص زملاء الدراسة استمتعوا بتلك الرحلة مع اهلهم وحكوا لنا وكنا مبهورين . وكانت فكرة ناجعة . وصار الحجاج الذين يتهيبون الطيران يركبون الطائرات . اذكر ان تذكرة القطار والباخرة الي ملكال في الدرجة الاولي تساوي 5 جنيهات ، الرحلة تأخذ 5 الي سته ايام ومع اكل الباخرة في السنطور اصير التكلفة حوالي الثمانية الي عشرة جنيهات . والطائرة الداكوتا تساوي 17 جنيها فقط . وكان الناس يقولون تفطر عند امك تتغدي عند خالت عن رحلات بورسودان ،حلفا الجنينة الخ . ووقتها كانت الكومت معجزة الطيران . لقد نجحت فكرة الطيران لدرجة ان الانسان يحتاج لواسطة للحجز الداخلي .كمال ابراهيم بدري اراد السفر لملكال فلقد كان يمثل اعالي النيل في المجلس المركزي او البرلمان في بداية الستينات . وتعنت الموظف في التلفون وقال انه لا يوجد مقعد شاغر لاسابيع حتي في لستة الانتظار . فقال كمال ختني في آخر الاحتياط .اكتب كمال ابراهيم بدري فقال له زميل الدراسة وجارنا عبر الحائط وبيننا نفاج كبير مزمل محمود جبارة الله . انت اخو شوقي وشنقيطي ، شيل شنطتك وتعال على المطار طوالى . وكان كمال يقول ... انا مدير و نائب برلماني اركب الطيارة بي سبب اخواني الطلبة !!

فكرة اخراج المطار من وسط الخرطوم كانت تناقش كل الوقت وقبل اكثر من نصف قرن قامت طائرة بالاصطدام بأحد بيوت الامتداد او العمارات . وكانت حادثة مفزعة ، وبدا الكلام بجدية عن نقل المطار . وسمعنا ان الشركات العالمية قد اشتكت من موقع المطار . وكان هنالك نقاش في الصحف والاذاعة الخ . والبعض كان يقول ان المطار مكلف جدا وقد يكلف عشرة مليون جنيه . والرد كان ان امتداد الخرطوم الذي كان صغيرا وقتها قد كلف السودان اكثر من هذا . وكبار الموظفين وجدوا قروضا لبناء بيوت الامتداد . وان المطار اهم لماذا لم يمول المطار في المكان الاول ، ثم بناء البيوت . وهذا ما يقوله لنا الآخرون .... انتم تضيعون كل مدخراتكم في بناء بيت ضخم مكلف . من الممكن ان نجد المصلحة كما يقول الشوام ومن ظهر المصلحة نبني البيت المناسب . وكلما تطورت المصلحة نبني طابقا جديدا او نقوم ببيع البيت القديم ونشتري بيتا ارحب . ولكننا لا نعرف التجارة او الاستثمار . والمطارات هي استثمار مضمون . ومطار الخرطوم بحالته المزرية هذه يضخ مبالغ خيالية ، لكنها تسرق بواسطة الدولة والكيزان .
في بداية الستينات اغلق المطار لتصليحات وكانت الطائرات العالمية تنزل في مطار وادي سيدنا الذي كان قاعدة عسكرية للبريطانيين والامريكان في الحرب العالمية .. ومن سكان تلك القاعدة كان ماكنمارا وزير دفاع امريكا في ايام كينيدي ، ثم صار رئيسا للبنك الدولي . ولماكنمارا صداقات حميمة مع كثير من السودانيين منهم ابن رفاعة العم ادريس الهادي الذي درس في امريكا في الثلاثينات . ورجع الى السودان وقام بتشييد الجملونات في القاعدة . ماكنمارا هو من طلب من الوفد السوداني عند زيارة عبود لامريكا اعطاءهم حلايب كقاعدة امريكية واحجم السودانيون خوفا من عبد الناصر الذي كان عميلا للامريكان في البداية .
حكي لنا استاذنا في الاحفاد الثانوية المناضل الجاك عامر انه رجع الي السودان في بدايىة الستينات وكان بجانبه امريكي في الطائرة اعجب بافكار الجاك عامر . واستغرب الامريكي لوضاعة المطار فافهمه الجاك عامر انه المطار المؤقت . وبعد الخروج من المطار صدم الخواجة بالرواكيب والعشش في الطريق ، فطمأنه الجاك عامر انهم خارج المدينة وسيصلون الى ,, السيتي ,, قريبا . وعندما وصلوا الي السوق الجديد وودنوباوي قال الجاك عامر نحن الآن في الستي ,, . فكادت عيون الامريكي ان تخرج من محجريها وقال .... ذيس بوكسز اوف ماض . هذه الصناديق من الطين ؟ والجاك عامر كان يقول انه شعر بالكثير من الخجل . ونحن لا نزال بعد كل هذه العقود من السنين نشعر بالخجل كلما قابلنا اجنبيا كان في السودان .ويستغرب كيف يكون لبلد كبير كالسودان مثل هذا المطار الفضيحة . والمطارات عادة هي احسن استثمار . وتعيد الاستثمار في وقت لا يتعدي العشرة سنوات ، اذا احسن استخدامها .
اظن ان فترة عبود كانت الاقدر على بناء المطار فلقد اكملت مشاريع عملاقة وقتها . وكان الجميع يخطبون ود السودان . ولكن نظام عبود الذي قدم للسودان الاكثر بعد الادارة البريطانية انتهى زمنه . وضاعت الاموال في الصرف على الانتخابات والبرلمانات حيث يغير النواب مواقفهم بعد الدفع . لا بديل للديمقراطية ، ولكنها سلاح ذي حدين قد تكون مضرة في الايدي الغير امينة . واكبر عدو للديمقراطية هو الطائفية .
اقرب فرصة كانت لبناء مطار الخرطوم الدولي كانت في الثمانينات . وكما عرفت من العميد ادريس فضل الله مدير امن المطارات والمواني ان الفكرة نوقشت بجدية . وكانت هنالك دراسات ونقاشات شارك فيها . كانت هنالك شركة مقاولات يمتلكها ابناء احد الايطال المولودين في الخرطوم وهم من اتى بشركة استشارية عالمية بسبب المطار الجديد . وما عرف باولاد النجار الايطالي كانوا على معرفة كبيرة بكل ركن في الخرطوم . ووالدهم بدأ حياته كنجار في الخرطوم . عندما استلمت ارضا كبيرة خلف مصنع النسيج الياباني في المنطقة الصناعية بحري . اتصل بي الاخوة الايطال وحضرا لي في مكتب المالبورو في شارع الجمهورية . وبعد اول نظرة للموقع في الاوراق قام احدهم بتنويري عن كل تفاصيل المنطقة وكل المباني حولها . وقال ان التربة هنالك تعتبر ,, كوتون سويل ,, غير ثابتة لانها على الحدود الغربية من مزرعة كافوري وكانت لفترة تستخدم لحرق النفايات . واحسست انهم على دراية عالية بالبلد والبناء .
بعدها بفترة سمعت ان الشيخ زايد كان يريد ان يطلق اسمه على مطار عالمي وكان يكن شعورا طيبا نحو السودان . ولقد رصد الشيخ زايد مبلغ 300 مليون دولار لمطار الخرطوم الدولي . لان السودان اجبر على حزف كلمة عالمي من مطار الخرطوم لوضاعته وعدم بلوغه مستوي المطارات العالمية . ولكن بعد سقوط نظام نميري تغيرت نظرة الامارات نحو السودان . ولقد كان الاماراتيون يقولون لنا بسبب فرحتنا برجوع الديمقراطي ... ان نميري كان احسن وعن الصادق انه قد طلع شيعي . فالصادق قد بدا بمغازلة ايران بالمكشوف في وقت كانت الامارات وكل المنطقة ملتهبة . وخلاف الحدود الايرانية الاماراتية على المائدة .
السفير الماراتي محمد مصبح عاش في السودان في بداية حياته الدبلوماسية وتربطه صداقات عميقة مع مئات السودانيين . وهو متزوج من ابنة الخال شادية عبد المجيد ابنة العباسية وعلاقتهم قصة اسطورة من الحب ولهم مجموعة كبيرة من الاولاد والبنات حوالى العشرة احدهم صورة من جده عبد المجيد . تحدث محمد عن السودان الذي يحبه كثيرا وعن ضياع فرصة بناء المطار . وعرفت منه اين ذهبت ال 300 مليون دولار . فبعد موت السادات تحسنت العلاقات بين الخليج ومصر . ومحمد مصبح كان يحكي عن غضب السادات فلقد اسمعوه جملة ....الرئيس المصري قد اتى ,,يشحت ,,. وربما هذا احد الاسباب التى دفعت السادات لمصالحة اسرائيل وفتح قناة السويس التي كانت تعطي 4 بليون دولارا . وهذا اكثر كثيرا من ما اعطاه العرب بعد المرمطة . ونفض يده من العرب . ومن النكات الخليجية . ان الشيخ زايد قد قال لمبارك عند حضورة للامارات ,,نروح ,, الخزنة . فقال مبارك مباشرة ممكن تديني الشيك هنا في المطار . والخزنة هي احد القصور . وعندما اخذ مبارك الشيخ زايد الى توشكا او توشكي كما نقول في السودان كان احد المهندسين يتحدث ويشرح الموضوع ويقول انه يحتاج ل 300 مليون دولار وسيكون مشروعا عظيما ، ويرد الكلام والمبلغ . وبدا الشيخ زايد حسب كلام محمد مصبح في الاحساس بارهاق الشديد بعد الجولة الطويلة . فالتفت لمبارك وقال له ..... اعتبرها وصلت يا مبارك . هل هذه هي ال 300 مليون التي رصدت لمطار الخرطوم في بداية الثمانينات ؟ اما توشكا فهي المعركة التي قتل فيها ود النجومي الذي كتب الى الخليفة .....ان المصريين الذين كان يتوقع انضمامهم اليه في محاربة الانجليز قد حاربوا ضد السودانيين . ولقد قتل جدودنا وجداتنا وبناتهن واطفالهن وقعن في الاسر ووجدوا اسوأ معاملة من المصريين .
كم دفع السودان لقيام السدود التي لا تنتج سوي النكد . ان رسوم المطار وايجارت المطاعم والمقاهي ومكاتب الطيران والصيانة ، الاسواق الحرة ورسوم الهبوط والقيام والهوتيلات والسياحة والخدمات لكافية جدا لاعادة المبلغ المستثمر في وقت وجيز . وهذا يعطي فرصة لما لا يقل عن 10 الف موظف . فمطار دبي يوظف 70 الف موظف .
الانقاذ مجموعة من اللصوص ، واللصوص لا يزرعون او يستثمرون . انهم يستمتعون او يدفنونه الاسلاب بعيدا عن عيون الآخرين ولا يصرحون بالمال المنهوب . البترول والذهب خير مثال . والمطار استثمار لا يعرفه الكيزان وهم ليسوا على قلب رجل واحد . وكل كوز يريد ما ينفعه هو وعدو الكوز الاول هو الكوز الآخر . و شعارهم .... انا وليذهب الآخرون الى الحجيم .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.