هذا هو عنوان باب من كتاب الرجل الجميل مظهرا ومخبرا مولانا االقاضي حمزة محمد نور الزبير . وهذا الكتاب صدر اخيرا من 354 صفحة من القطع المتوسط ويحوي بعض الصور المهمة. وهو بلا شك كنز من الملومات فبجانب عمل الكاتب في القضاء كان باحثا في جامعة الخرطوم في جمع وتدوين العرف السودني . فالعرف جزء من القانون . و هو مهتم بالتراث والشأن السوداني وقد تنقل في الكثير من اقاليم السودان . الكتاب متوفر اليوم في جامعة الخرطوم، مركز عبد الكريم ميرغني ومكتبة عازة االخ . هذا الكتاب بعد الحصول علية لا يسلف ، لأن من يعيده ليس بعاقل. 

اقتباس
وجدت اثناء عملي في كردفان اناسا لا يزالون يعيشون في العصور المظلمة و خارج الزمن . لا علاقة لهم بابسط مقومات الحياة ومعطيات الحضارة والتمدن التي حققتها البشرية . خاصة الرعاة الذين يهيمون ببقرهم واغنامهم وابلهم في الغابات والصحاري والوهاد النائية . ومما يؤسف له وجود هؤلاء البشر في منطقة تقع في واسط االسودان . وكانت في يوم من الايام مهدا لتجربة فريدة في مجال تعليم لعرب الرحل ابتدره الاستاذ حسن نجيلة في دار الكبابيش في ثلاثينات القرن الماضي . وكانت ديارهم وجهة لكثير من العلماء المغاربة والشناقيط وغيرهم من الفقهاء الذين وفدوا االيها لتعليم اهلها القرآن والفقه ونشروا في ربوعها الطريقة التيجانية والمذهب المالكي وانتشرت فيها خلاوي تدريس القرآن في العديد من المناطق ... الزريبة ، خرسي والمنارة والنهد وغيرها .
ملحوظة ... للعم حسن نجيلة اجر نشر كتابه ، ذكرياتي في البادية . حسن نجيلة كان في لعشرين من عمره . من سن ارسال المدرسين للبادية هم البريطانيون امثال كري ويودل واعطي بابكر بدري اسميهما لفصلين في الاحفاد . انصار السنة والوهابيون ينتقدون الصوفية وهم يجرون خلف المال والمناصب في الخرطوم والمدن الكبيرة. لا يسكنون لعشرات السنين وسط المهمشين . اما اهل لانقاذ فكل نشاطهم فهو تركيز على المؤمرات والاستراتيجية ولاستثمار والسرقة واالفساد . ان دعوتهم هي لتمكين تنظيمهم الاخطبوطي العالمي . لم نسمع بكوز يهاجر الى الاحراش والصحراء لعلم النس امور دينهم وبالرغم من التشدق بالاسلام لا يعلمون الناس الدين الاسلامي والمعرفة . شوقي
مثالا لما ذكر اعلاه انني عندما وصلت الى النهود حللت ضيفا على القاضي الجزئي عبد الرحمن جمعة بصفة مؤقتة الى حين تجهيز المنزل المخصص لسكني . فوجدت ثلاثة ايفاع من ابناءالكواهلة تتراوح اعمارهم بين عشرة واربعة عشر عاما ويسكنون معه . ولما سألته عنهم علمت منه انه استضافهم لانه لا يوجد مكان آمن يمكن ايواؤهم فيه الى حين المحاكمة ، وذلك لان مسؤولية الشرطة قد انتهت بانتهاء التحريات معهم وتوجد مخاوف حقيقية من الاعتداء عليهم اذا اودعوا السجن مع عتاة المجرمين ، فضلا عن ان سلطات السجن غير مسؤولة عن ايواء الاحداث . وفيما يتعلق بقضيتهم اافادني بان ثلاثتهم متهمون بقتل مزارع كهل من قبيلة الكاجة التي تستوطن المنطقة االوااقعة بالقرب من صقع االجمل باقصى شمال دار حمر ، اعتدوا عليه لانه ضرب حاشيا ,, جملا صغيرا ,, دخل مع بعض الجمال مزرته فاعاقه .
نسبة لصغر سن هؤلاء الايفاع سميناهم ,,البذورة ,, لان العرب في تلك الجهات يسمون الاطفال بذورة. حاولت اثناء وجودهم معنا ان اتعرف عليهم عن قرب وعن طبيعة حياتهم في بادية الكواهلة وعن انطباعهم الذي خرجوا به من وجودهم معنا في المدينة ومجتمعها والحياة فيها . علمت منهم انهم اصيبوا بخوف وذعر شديدين عندما تم توقيفهم في الحراسة بصقع الجمل لان تلك اول مرة يدخلون فيه غرفة مشيدة من مواد ثابتة وبها باب ونوافذ تغلق عليهم ولاول مرة يركبون العربة التي سموها ,, الداهية المذعورة ,, حسب توصيفهم لها اثناء ترحيلهم من صقع الجمل الى لنهود . فكادو ان يموتوا من الخوف من الداهية التي تعلو وتهبط بهم بين كثبان الرمال بسرعة جنونية لا قبل لهم بها وهي غير عابئة بفروع اشجار الهشاب والطلح والكتر والسرو التي تصطدم بها ، وعن الاصوات المرعبة التي تصدر منها مختلطة بصفير الهواء وازيز الريح االتي تتخللها . كانت الدهشة الكبرى عندما وصلوا النهود وشهدوا اول مرة المباني الضخمة والناس في الاسوق باشكالهم وازيائهم المختلفة . كل شئ رأوه في المدينة كان غريبا ومخيفا وكانوا في حالة دهش متلازم كاهل الكهف . و كأنهم هبطوا من السماء .
كانت الشاحنات الضخمة واللواري التجارية والبكاسي وغيرها من انواع السيارات باحجامها واشكالها االمختلفة والدراجات البخارية عصية على فهمهم لها او تفسير ما شاهدوه . فظنوها كائنات حية تتنااسل كالبشر واالحيوانات . كان لدي سجن النهود سيارة لوري زيتية اللون ماركة بدفورد اعتبروه انثى لان الدفرنش ظنوه كفلها فسموها ,, الغبيشة ,, ولانروفر المحكمة حسبوه فحلا لانهم اعتبروا العادم عضوه االتناسلي فسموه ,,الفحيلة ,, . اما الدراجات البخارية التي تستعملها شرطة المرور استعصى عليهم تصنيفها . فوجدوا لها بعد لأي اسرة واصل وفصل ، حيث حسبوها طفلا خديجا انجبته ,, الغبيسة ,, قبل ان تكتمل مدة حمله ، وذلك لانها عندما كانت حبلى به من الفحيلة استخدمهاا المسؤولون في نقل الحجارة من الجبل ااثناء ما كانوا يشيدون مبنى االسجن فقطعو ضهرها ,, ظهرها ,, فباشت ,, جاءها الم المخاض ,, وطرحت ,, اجهضت الدراجة البخارية .
كنا نرسلهم مع المضمون الى بعض الاماكن كالسينما و المسجد عند صلاة الجمعة والاستاد لمشاهدة كرة القدم ، وحلقات الذكر بمسجد مكي الخليفة , ثم نسجل ردود افعالهم وانطباعتهم عما شاهدوه . كان كل شئ بالنسبة لهم مربك وعصي على الفهم فالمسجد يسمونه ,, الداهي ابو خبيرة طويلة,, المصيبة ذات العنق االطويل ,, لم يستوعبوا الآذان واقامة الصلاة لانهم لم يروا او يدخلوا مسجدا من قبل او يحضروا صلاة الجمعة ، ولذلك كان الآذان النسبة لهم مجرد زعيق ، والذكر نوع من الرقص االغريب يؤديه رجال شيبة ,, شياب ,, ما عندهم شغلة لا عرس لا طهور ولا بوش ,,.
كنت اتمنى ان تتاح لي الفرصة لاكمل العمل لذي بدأته في تأسيس محكمة المديرية حسب تصوري لها ولكني فوجئت ببرقية من مولانا عبد الرحمن فرح سنادة تفيد بصدور قرار بالموافقة لى انتدابي لمؤسسة التنمية السودانية.
كان خبر سفري محزنا وصادما لاهلي واصدقائي وبوجه خاص للبذورة لانهم كانوا يتوقون ان تتم محاكمتهم على يدي كما وعدهم القاضي عبد الرحمن جمعة . ولذلك فارقتهم وانا مكسور الخاطر واغالب دموعي، خاصة ساعة وداع صغيرهم جمعة وهو يعانقني ويعدني والدموع تختلج في مآقيه بانه اذا اطلق سراحه فسوف يذهب الى الضعينة ,, الظعينة او السعية ,, ويحضر معه ضبية ,, رسن ,, ليادب الفحيلة لانها مي طايعة ... فتقفز اثناء سيرها .
نهاية اقتباس
البذورة كانوا من الكواهلة وهؤلاء من قبائل قد وجدت بعض المتعلمين ، وهم خيلان الصادق المهدي واخوته واصهار السيد عبد الرحمن وابنه الصديق ، وبالرغم من هذا همشوا واجرم في حقهم بواسطة كل الحكومات وما رواه مولانا حمزة كان في الديمقرطية الاخيرة .. وحالهم قد يكون خير من الكثيرين. ارجو ملاحظة اهتمام الناس الصادق بوضع البذورة . واليوم عدد الشماسة في الخرطوم لا يحصى .
اخي الغالي البروفسر بيتر نجوت طيب الله ثراه والذي سبق مولانا حمزة بسنة في جامة الخرطوم كان يقول لي انهم لم يكن ليصدقوا انه في شمال السودان بشر يعيشون اسوأ من اهل الجنوب . وكان يظن ان الجميع يتكلمون العربيبة . وهو في طريقه للشمالية طلب منه زميله البروفسر في جامعة الخرطوم ان يأخذ جوال سكر لوالدته في الشمالية لانعدام السكر واكتشف ان الوالدة لا تفهم سوي اللغة المحسية ، واحتاج لمترجم واهل القرية حالهم يغني عن سؤالهم .


وهنالك بشر من مترددي المحاكم وهؤلاء يخشاهم لقضاة وهو متسببون يبحثون عن المشاكل ويقدمون العرائض . ويفتحون البلاغات بمناسبة وبدون مناسبة والقضاة البريطانيون كانو يتجنبون الرباطاب ويستفسرون اذا كان الشاهد، المتهم او الشاكي رباطابي لكي يستعدو له . وفي الكتاب هنالك الغلطات القانونية التي ارتكبها النميري ونظامه خاصة في حق اتفاق اديس اببا وادى هذا لمصائب السودان .
ونواصل


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.