The Soldier as Historian: F. R. Wingate and the Sudanese Mahdia

مارتن وليام دالي M. D. Daly
مقدمة: هذه ترجمة لشذرات من مقال لبروفيسور مارتن وليام دالي نشر عام 1988م في العدد السابع عشر من "مجلة تاريخ الإمبريالية والكومنويلث Journal of Imperial & Commonwealth History".
وبروفيسور دالي (1950 - ) حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1977م، وهو واحد من أهم مؤرخي السودان ومصر (خاصة فيما يتعلق بتاريخ عهد الحكم الثنائي) وله عدد من المؤلفات مثل "امبراطورية على النيل" و"السودان المستعمر، و"أحزان دارفور"، وكتاب "صور الإمبراطورية" و"تاريخ السودان" بالاشتراك مع ريتشارد هيل، وغيرها. ولدالي مقال مشهور نشر عام 1983م عن "رسائل وينجت".
المترجم
**** **** **** **** ****
لم يسبق لأحد أن أجرى بحثا تفصيليا في أرشيف الدولة المهدية السودانية قبل سنوات الخمسينيات من القرن العشرين. فقد كان الباحثون قبل تلك السنوات يكتفون بما ورد في التقارير والمطبوعات الرسمية، وما سطره الرائد فرانسيس ريجلاند وينجت في كتبه الثلاثة الضخمة، والذي كانت تعد – لعدم وجود أي كتب أخرى - هي الكتب المعتمدة الوحيدة في تاريخ المهدية. كانت تلك الكتب هي "المهدوية والسودان المصري Mahdiism and the Egyptian Sudan" الذي نشر في عام 1891م، و"عشر سنوات في أسر معسكر المهدي Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp" الذي نشر في عام 1892م، و"السيف والنار في السودان Fire and Sword in the Sudan" الذي ظهر في 1896م. ولم يكن وينجت في الواقع هو المؤلف الحقيقي لأي من هذه الكتب، ولا يعلم على وجه الدقة مدى مساهمته في إخراج تلك الكتب للقراء. وكتب المؤرخ بي. أم . هولت عام 1958م في ورقة له عنوانها "مصادر الأبحاث عن المهدية السودانية" أن تلك الكتب ينبغي أن تعد في الأساس محض "دعاية حربية"، وبالتالي لا يجب القبول بها دون نقد أو تمحيص. ويقودنا فحص أوراق ومذكرات وينجت المحفوظة في أرشيف السودان بجامعة درم إلى أن نستنتج أنه ينبغي إعادة فحص وتقويم كتب وينجت، إذ أنها لا تزال تستخدم بكثرة باعتبارها مصادر تاريخية بعد مرور أكثر من قرن من وفاة المهدي.
ولد فرانسيس ريجلاند وينجت في عام 1861م، وكان الابن الحادي عشر والأخير لوالده، تاجر الأقمشة في مدينة جلاسجو الأسكتلندية. وتوفي الوالد وهو في عمر صغير وترك عائلته في وضع اقتصادي عسير. دخل وينجت الاكاديمية العسكرية في 1878م وتخرج فيها في 1880م برتبة الملازم ثاني. وبعث للعمل في عدن والهند، وانتدب منها للعمل في الجيش المصري. وفي مصر أقام علاقة وثيقة بقائد الجيش المصري (السردار) سير ايفيلين وود، وعمل أمينا لسره، وأمين سر أيضا لخلفه سير فرانسيس قرينفل. ثم عين في عام 1887م مساعدا لمدير المخابرات، وفيها أسس لإدارة المخابرات العسكرية، التي يسند إليها الفضل في نجاح حملة الجيش الإنجليزي – المصري ضد دولة المهدية بين عامي 1896 – 1898م. وفي عام 1899م خلف وينجت لورد كتشنر في منصب سردار الجيش المصري وحاكم عام السودان، وظل في ذلك المنصب حتى عام 1917م، حين نقل للقاهرة في وظيفة المندوب السامي البريطاني في مصر. وأستدعي لبريطانيا في عام 1919م إبان الثورة المصرية، حيث تقاعد عن العمل واختفى من الحياة العامة. وعلى الرغم من علو كعب السير وينجت في قائمة كبار رجال العهد الإنجليزي المصري، إلا أنك لن تجد اسمه ضمن مؤرخي الشرق الأوسط البريطانيين.
وفي عام 1889م اقترح وينجت تأليف كتاب عن حملات الجيش الإنجليزي – المصري منذ عام 1884م، غير أنه لم يجد ناشرا يقبل بنشر مثل ذلك الكتاب. وحاول مجددا في العام التالي مبررا ذلك بأنه عثر على مزيد من الوثائق بعد هزيمة المهدويين في معركة "توشكي"، بل وزعم في خطابه للناشرين المحتملين بأنه عثر على "مذكرات المهدي" من ضمن تلك الوثائق. وكانت تلك في الواقع هي ما سمى "أوراق النجومي"، وهو قائد جيش الخليفة في تلك المعركة. ودخل وينجت في شراكة غير رسمية مع أي. آي. فلوير مفتش عام البرقيات في مصر، ليقدم له معلومات رسمية يضمنها في الكتاب. غير أن وينجت نفسه أقر بأن فلوير هو من قام بكتابة مؤلف عن "تاريخ مصر العسكري". وكانت ترتيبات كتابة ذلك المؤلف بالاشتراك بين فلوير ووينجت قد لقيت معارضة شديدة من رؤسائه من العسكريين والمدنيين للدرجة التي خشي وينجت فيها من أن يستبعد اسمه كمؤلف لذلك الكتاب، وكتب يقول بأنه "سيكون أمرا في غاية الشذوذ إن أبقي على اسم فلوير وحده كمؤلف لذلك الكتاب عن المخابرات العسكرية". وبعد قراءة مخطوطة الكتاب خلص قرينفل وسير ايفلين بارنق (كرومر) القنصل البريطاني العام في مصر إلى أن ذلك الكتاب يجنح إلى سرد وقائع سياسية مختلف عليها، ورفضا السماح بنشره. وانسحب فلوير ومنح وينجت كل حقوقه في ذلك الكتاب لوينجت، والذي وافق على أخذ ملاحظات سير ايفلين بارنق بعين الاعتبار، وتعهد بتعديل الكتاب وإكماله بنفسه، و"تحاشى ذكر بعض الاستنتاجات السياسية المختلف عليها، وتركها لفطنة القارئ وميوله السياسية". وظل وينجت يبعث لسير ايفلين بارنق بفصول الكتاب، فصلا بعد فصل، وبعث بالكتاب كاملا لقرينفل، وربما للورد وليسلي أيضا قبل أن تنشره دار ماكميلان للنشر في أكتوبر من عام 1891م تحت عنوان "المهدوية والسودان المصري Mahdiism and the Egyptian Sudan" باسم وينجت منفردا. وقام وينجت بإشارة عابرة وغامضة في المقدمة بشكر فلوير "على المساعدة والتعاون"، دون الدخول في أي تفصيل في نوع "المساعدة والتعاون" التي تلقاها من الرجل.
وقام كثير من النقاد والكتاب باستعراض كتاب "المهدوية والسودان المصري" في الصحف والمجلات، بالتركيز على نقطتين هما: تناول الكتاب لغردون في الخرطوم، وتاريخ الأحوال الداخلية في دولة المهدية. وعلى الرغم من خلو الكتاب من الأمور السياسية المختلف عليها (وهو ما أشار له قرنفيل في تقديمه الموجز للكتاب) فإن ذلك الكتاب غدا دليلا استخدم لاحقا للأغراض السياسية. فقد وصفته صحيفة "The Saturday Review" بأنه "هدية من السماء للقارئ العادي"، خاصة وأنه قد نشر قبيل الانتخابات العامة. ومن جانب مغاير قالت مجلة "The Athenaeum" بأن ذلك الكتاب هو بمثابة تحذير لبريطانيا من "الخوض مجددا في شؤون السودان"، بينما كتب صمويل بيكر في صحيفة The Anti-Jacobin”" بعد قراءة الكتاب داعيا لاحتلال السودان. ورغم اهتمام الصحافة بالكتاب واحتفاءها به، إلا أن مبيعات الكتاب كانت متواضعة جدا. فلم تبع منه سوى 300 نسخة حتى نهاية نوفمبر، ورفضت دار ماكميلان للنشر طلب وينجت القيام بإصدار طبعة ورقية / شعبية رخيصة من الكتاب بدعوى أنه لا يوجد طلب / "سوق" لذلك الكتاب
ومع اضمحلال الطلب على كتاب "المهدوية والسودان المصري"، لاحت لوينجت فرصة ذهبية لنشر كتاب آخر. فقد أفلح الأب / القس النمساوي جوزيف اورفالدر في الهرب من أسر الخليفة في أمدرمان والوصول لمصر. وسارع وينجت بعد أسابيع قليلة من وصول القس بالكتابة لدار نشر ماكميلان عارضا عليها نشر كتاب عما كابده اورفالدر في سنوات أسره. غير أن الدار ردت عليه بأن موضوع السودان "ليس جذابا بما فيه الكفاية للقارئ الإنجليزي العادي ... وأن قصة القس النمساوي قصة قديمة لا بد أن القراء قد نسوها الآن". غير أن ناشرا آخر (سامسون لو مارتسون) تلقف الفكرة ووافق على نشر الكتاب، ونشرت أخيرا المخطوطة التي قدمها وينجت بعنوان "أسرى المهدي" ولكن بعنوان آخر هو "عشر سنوات في أسر معسكر المهدي Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp" وذلك في أكتوبر من عام 1892م.
وفي صفحة غلاف ذلك الكتاب يجد القارئ اسم وينجت بحسبانه هو الذي قام بتأليف الكتاب. غير أنه شرح في مقدمته كيفية كتابة تلك المذكرات، وقال إنه اقترح على اورفالدر أن "يسجل ما مر به في غضون سنوات أسره من تجارب مريرة وقصص متنوعة" وذكر أنه "سيشرف" على صياغة تلك القصص.
وجاء في مقال صدر في مجلة J. Imperial & Commonwealth عام 1982م عن تلك المذكرات أن وينجت قال : "كتب اورفالدر مخطوطة كتابه باللغة الألمانية ، وقام السوري يوسف أفندي كتزي بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية بصورة تقريبية. وتوليت أنا إعادة صياغة كل المخطوطة بشكل قصصي. لذا يصح القول بأن هذا العمل ليس ترجمة حرفية للمخطوطة الأصلية، بل هو نسخة إنجليزية حاولت فيها بدقة كبيرة إعادة رواية ما أورده الأب اورفالدر وما قصده بصورة قصيصة مبسطة".
ومن ذلك النص الغريب استنتج الناس بالطبع أن ذلك الكتاب هو مجرد غطاء بيبليوغرافي لكتاب وينجت "المهدوية والسودان المصري"، وأنه عديم القيمة من ناحية إثباتية. غير أن "أوراق درم" تشير إلى أن في الكتاب أكثر من مما قاله وينجت، وان دوره في الكتاب أقل بكثير مما زعمه هو، وأن من قام بالترجمة للغة الإنجليزية هو يوسف أفندي كتزي. ويثبت فحص تلك الأوراق أن وينجت قد قام بتحرير ما ترجمه يوسف أفندي ولم يقم بإعادة كتابته كما زعم. وحتى تلك الجمل المشحونة بالبلاغة والإثارة (والتي كانت تخدم أغراض وينجت السياسية) ثبت أن من كتبها هو اورفالدر نفسه. فقد كتب القس النمساوي في أصل المخطوطة:
"حتام ستنتظر أوروبا، وقبل ذلك إلى متى ستنتظر تلك الدولة التي توجد الآن في مصر (وجُزْءاً من السودان) والتي تستحق ويجدر بها استعمار وتمدين الشعوب المتوحشة؟ انظروا إلى الفظائع التي ارتكبتها المهدية، وما أحدثته من خراب وتدمير لشعب السودان".
وما نشره وينجت من نداء اورفالدر لم يكن غير تصحيح طفيف في ترجمة يوسف أفندي الإنجليزية. ومما يؤسف له أن المخطوطة الألمانية ليست موجودة الآن (ضمن أوراق درم)، غير أنه من شبه المؤكد أنها موجودة في مكان ما. وخلافا لما لاقاه كتاب "المهدوية والسودان المصري" من ضعف أقبال القراء، فقد لقي كتاب "عشر سنوات في أسر معسكر المهدية" رواجا كبيرا. فقد بيعت منه أكثر من 2000 نسخة في ثلاثة أشهر، بسعر جنيه لكل نسخة. وحصل وينجت على 228 من الجنيهات نظير حقوق ملكيته للكتاب (وهو ليس بالمبلغ الهين لرجل يعتمد على راتبه كرائد. ومن المؤكد أن اورفالدر لم يكسب قرشا واحدا من الترجمة الإنجليزية لمذكراته. وفي ديسمبر من عام 1894م بلغت حقوق المؤلف 323 من الجنيهات عن بيع 4000 نسخة. وطالب وينجت في خطابات متتالية للناشر بمبالغ إضافية كإكرامية نسبة لارتفاع مبيعات الكتاب. غير أن الناشر لم يستجب لتلك المطالبات. وأحس وينجت بأنه قد خدع وظلم، فأتخذ له وكيلا لأعماله الأدبية اسمه أ. وات لأنه قد سمع بأن قسا آخر (هو الأب الإيطالي باولو روسيقونيلي) قد هرب من السودان، وهذا قد يعني أن "قصة أسير" أخرى قد تكون في طور التشكيل. قال وينجت لوكيله وات بأنه إنه ليس على استعداد لبذل وقته الغالي إلا على كتاب سيدر دخلا ماليا مقدرا. ومثله مثل كرزون وتشرشل وآخرين كثر، كان وينجت يرى أن مذكرات شهود العيان على جبهات الإمبراطورية هي الطريق نحو إصابة الشهرة وتكوين ثروات صغيرة.
وتتضمن "أوراق درم" جزءا كبيرا من مخطوطة الأب روسيقونيلي، والتي اسماها "أنقذ من الخرطوم". وتمت مناقشة عقد النشر مع دار نشر "إيدوارد أرنولد"، والتي وافقت على منح وينجت 02 % من عائدات الكتاب (قد ترتفع إلى 25 %) ومقدما قدره 150 جنيها. ولم يأت أحد بذكر على روسيقونيلي المؤلف الأصلي. وقبل أن يكتمل الكتاب، ظهر أوربي آخر أفلح في الفرار من السودان. كان ذلك هو مسؤول كبير في الجيش المصري (في العهد التركي – المصري) وحاكم سابق لدارفور اسمه سلاطين باشا. وفكر وينجت في البدء بضم مذكرات روسيقونيلي مع المذكرات التي سيكتبها بلا ريب سلاطين. غير أنه أدرك لاحقا الصعوبات العملية في ضم العملين بين دفتي كتاب واحد. لذا آثر أن يضع مذكرات روسيقونيلي جانبا، وأبرم اتفاقا مع سلاطين لنشر مذكراته.
وعند ذلك غدا أمر نشر المذكرات الشخصية للآخرين صنعة لوينجت. وظهر كتاب "السيف والنار في السودان" وعليه اسم سلاطين كمؤلف ووينجت كمترجم. وبذكاء وبعض غموض كتب وينجت في صفحة سماها "مذكرة من المترجم" أنه "اتبع ذات النظام الذي كان قد اتبعه في كتاب الأب اورفالدر "عشر سنوات في أسر معسكر المهدي"، وهو بذلك يقول من طرف خفي بأنه ليس كاتب مؤلف الأب اورفالدر، أو أنه أكثر من مجرد مترجم لكتاب سلاطين. وعلى كل حال، لم يكن وينجت يتحدث اللغة الألمانية، فقام بإسناد مهمة ترجمة مخطوطة سلاطين الأصلية إلى اللغة الإنجليزية للآنسة جوشيم في لندن، وقام هو بتحرير ترجمتها. وأخبر وينجت وكيله وات بأنه قام بكثير من التعديلات في ترجمة تلك الآنسة، وأنه بذلك يستحق أن يكون هو بالفعل مترجم العمل. وتتالى بعد ذلك صدور العديد من ذلك طبعات مذكرات سلاطين باللغة الإنجليزية وترجمات من النسخة الإنجليزية إلى لغات عديدة منها الألمانية. وتولت الآنسة جوشيم نفسها إعادة ترجمة النسخة الإنجليزية من المذكرات للغة الألمانية، وهي التي كانت قد ترجمت لأول مرة مخطوطة سلاطين الألمانية إلى الإنجليزية! ولعل مرد تعجيل وينجت لنشر مذكرات سلاطين مترجمة إلى الإنجليزية هو خشيته من أن ينشر ذلك العمل باللغة الألمانية أولا، دون ذكر اسمه عليه. ومن المفارقات العجيبة أن مساهمة وينجت في الكتب الثلاثة التي أرتبط اسمه بها، بدت أوضح في كتاب واحد عد نفسه فيه مترجما، وكانت مساهمته محدودة جدا في الكتابين الآخرين التي ورد اسمه على غلافهما باعتباره مؤلفا رئيسا.
ولاقى كتاب "السيف والنار" نجاحا منقطع النظير عند النقاد والقراء على حد سواء، فور صدوره في بدايات عام 1896م. والتفت النقاد إلى المصلحة الحزبية (الكامنة فيه). وتلقف المحررون وكتاب الأعمدة وصف الكتاب لفظائع المهدية، خاصة مع بداية تحرك حملة الجيش الإنجليزي – المصري في مارس من عام 1896م. وكان الناشر إيدوارد أرنولد قد قال ساخرا لزوجة وينجت قبل صدور الكتاب بأنه تبادل طرفة مع شريكه بأن وينجت لم يشعل نار الحرب في السودان من خلال عملائه السريين إلا ليزيد من مبيعات "كتابه"! وكان ما سطره سلاطين (وونجت) في ذلك الكتاب من تعطش النظام المهدوي للدماء وعسفه واضطهاده وقهره لشعبه سببا للتسويغ (الشعبي) للغزو الإنجليزي المصري على السودان، والذي كان سيحدث على أية حال بالنظر إلى حلول المرحلة الأخيرة من "الاقتناء الاستعماري" واستراتيجية التوسع الامبريالي. ونشرت صحيفة Echo في عددها الصادر في الخامس من فبراير من عام 1896م أن المهدي قد "انغمس في الملذات بصورة مفرطة عجلت بوفاته. وجاء من بعده من هو أشر منه. غير أن ضربة سريعة من الخارج سوف تطيح بلا ريب بالحكم المهدوي. ولكن من الذي سيتولى أمر تلك الضربة؟"
كان كتاب "السيف والنار" آخر كتب وينجت الرئيسة. ولم يكن هنالك أسير له قيمة قد تمكن من الهرب من السودان قبل أن يكمل الجيش الإنجليزي – المصري استيلائه على السودان. وفي عام 1939م أبرم وينجت (وهو أخريات سبعينيات عمره) اتفاقا مع الناشر إيدوارد أرنولد لنشر مذكراته الشخصية. وصبر الناشر عليه طويلا، فلم يسأله عن "التقدم" الذي أحرزه في كتابة المذكرات إلا في عام 1951م (أي بعد أن مرت اِثنا عَشَرَ عاما). غير أن وينجت (السير ريجلاند الآن) كان قد بلغ التسعين من العمر، ولم يعد بإمكانه إكمال مشروع كتابة مذكراته. إلا أنه ترك عددا كبير من المخطوطات والمذكرات ليستخدمها ولده، السير رونالد وينجت في كتاب صدر بعنوان أقل تشويقا وهو "وينجت السودان"، تم نشره عام 1955م. ورغم أن السير ريجلاند وينجب لم ينشر كتابا بعد كتاب "السيف والنار" إلا أنه ظل مهتما غاية الاهتمام وراضيا كل الرضا عما قام بنشره من كتب. وغدا كتاب "السيف والنار في السودان" كتابا معياريا، وطبعت منه عدة طبعات (بلغات مختلفة). وبعد أربعة أشهر من نشر الكتاب لأول مرة بيعت منه ما يزيد عن 6000 نسخة، جنى منها وينجت نحو 12000 من الجنيهات كحقوق مؤلف. وفي عام 1898م صرح الناشر بأن كتاب "السيف والنار" صار من مقتنيات كل المكتبات العامة في بريطانيا، وكان يقدم كجائزة للطلاب في المدارس، تماما كما كانت تقدم مذكرات غردون في أيامه الأخيرة بالخرطوم. وعندما قال الكاتب دوقلاس سليدن لوينجت ذات مرة إنه قرأ كتبه الثلاثة كخلفية لكتاب (عن مصر والسودان) يعمل عليه، أجابه وينجت بالقول بأنه بالفعل قد قرأ أهم المراجع عن المهدية!
لا نحتاج إلى تأكيد على أن كتابي "السيف والنار" و"عشر سنوات في أسر معسكر المهدي" قد أصبحا من أهم الكتب في تاريخ المهدية العسكري، وأهم من ذلك، في التاريخ الداخلي لدولة المهدية. وظل هذا الوضع مستمرا لوقت طويل. ولمعرفة السبب في ذلك يجب أن نذكر ببعض الاختصار الدوافع التي حدت بونجت لنشر تلك الكتب. لقد كانت تلك الكتب إحدى وسائل الدعاية الحربية بلا ريب، ولكن ذلك كان مجرد وصف لتأثير تلك الكتب، ولكنه لا يوضح دوافع وينجت في نشرها. ولم يرض أي ناشر بنشر كتابه الأول الذي كان يدور حول حملات ثمانينات القرن التاسع عشر، ولم يصب كتابه عن المهدوية (وهو كتاب ضخم من 600 صفحة) أي نجاح يذكر، ولم يكن موجها أصلا لدائرة واسعة من القراء. غير أن ذلك الكتاب لفت أنظار قادة الجيش والساسة في بريطانيا لذلك الرائد المغمور، مما منحه هيبة ومكانة في الدوائر البريطانية – المصرية. ووزعت نسخ من الكتاب إلى شخصيات رفيعة المقام منهم الملكة فيكتوريا وخديوي مصر. ولم يغضب ذلك الكتاب بارينق (كرومر)، مما فتح لونجت أبوابا للترقي. وينبغي عند تقويم الأخطاء العديدة والفادحة في الحقائق التي وردت بذلك الكتاب، وما صاحب تحليله من تطرف (مثل حادث مقتل غردون) تذكر أن ذلك الكتاب كان قد خضع لمراجعة وتدقيق (سنسرة) من بارينق وغيره من القادة العسكريين. وورد حديث عن اعتماد السلطات الرسمية لذلك الكتاب تاريخا رسميا. ولا ريب أن محتويات ومضمون الكتاب قد "عبث" بها إذ أتت مختلفة عن المخطوطة الباكرة التي سطرها فلوير.
وكانت لوينجت مصالح ذاتية (ومالية) عديدة في إعداد مذكرات أورفالدر وسلاطين للنشر، فقد كان رجلا فقيرا. ويثبت إلحاحه وانشغاله الدائم بالعقود وحقوق المؤلف أنه هدفه كان ماديا وليس موضوعيا. وأتضح له بأن تحرير مذكرات الآخرين عمل مربح، وخاصة وهو يدرك تماما رغبة القراء البريطانيين في قراءة قصص المغامرات المثيرة وليس تاريخ الحملات العسكرية.
وكان وينجت مولعا بالشهرة. فقد كان يحتفظ بقصاصات كل ما كتبه النقاد والكتاب عنه وعن أعماله، إضافة إلى ما كان يتلقاه من خطابات أو تعليقات، حتى ما كتب منها بلغات لا يفهمها، وكان يضع كل ذلك في ملفات خاصة. وورد ذكر الرجل وهو في مقتبل الثلاثينيات من العمر في كبريات الصحف البريطانية، ودعي لإلقاء كلمات ومحاضرات في الجمعيات المهنية المحترمة، ولمقابلة كبراء القوم في بلاده. وتثبت الوظائف التي منحت له لاحقا شدة طموحه.
كانت الصورة التي رسمها وينجت في مخيلة القراء عن المهدي موافقة لما يرغبون في قراءته وسماعه. وظل الرجل يحتكر الحديث عن السودان باعتباره "حجة" في شئونه وشئون من يحكمه في ذلك الوقت، بحسبان أن كل ما كتب عن ذلك من كتب مهمة كانت قد نشرت بالتعاون والاشتراك معه. ولم يكن هنالك تأكيد في عام 1891 أو 1892م على قرب تسيير مصر وبريطانيا حملة لاسترداد السودان، أو أن وينجت سيكون له دورا رئيسا في تلك الحملة عندما تسير بالفعل. بل كان وينجت يطلب من قيادته نقله بعيدا من مصر. ولكن عندما تقرر بالفعل بدء الحملة والزحف على السودان، ظهر وينجت في الصورة، كأمر طبيعي ومتوقع، بالنظر إلى شهرته كحجة في "المهدوية". وظل موقعه في قيادة تلك الحملة مؤمنا مضمونا.
لم تثر المصادر (الأصلية) المتنوعة لكتب وينجت، أو حتى دوافعه في نشرها الانتباه، ولكن كان ما أثار الانتباه بالفعل هو أن تلك الكتب ظلت، لأكثر من نصف قرن، تعد هي "الكلمة الأخيرة" في المهدية. ولعل السبب الأقرب للصحة في هذا يعود إلى عدم وجود أرشيف للمهدية، وتأخر ظهور مؤرخين للسودان (ولفترة المهدية على وجه الخصوص). ومعلوم أن غالب الأعمال شبه التاريخية التي نشرت عن السودان لم يكتبها مؤرخون، بل كان قد سطرها إداريون حكوميون أو مسئولون سابقون كانت لهم مصلحة في تبني آراء وينجت وسلاطين، ولا رغبة ولا مصلحة لهم في كتابة تاريخ عن السودان إلا بالقدر الذي يسجلون فيه مآثر مهنهم وما أنجزوه إبان عملهم الرسمي، وما شاهدوه ولمسوه في سنواتهم في مناطق البلاد المختلفة. ولا تكاد مذكرات أي من هؤلاء تخلو من تعداد ما جلبه الحكم الإنجليزي – المصري من منافع للبلاد وسكانها، وتصوير المهدية على أنها فترة بربرية معيبة ومتوحشة، وأن عهد المهدي كان عهد ظلام كالح السواد، وأنه عديم القيمة التاريخية. وبعد أن نال السودان استقلاله في عام 1956م، تغيرت تلك الصورة، ولكن بصورة طفيفة جدا. وتوالى صدور المذكرات، وكتابها سعداء بتجاهل بدايات المنهج النقدي لآرائهم. ولم يكن من الغريب أن تكون الأعمال الشعبية / الشعبوية عن تلك الفترة في السودان أكثر تحيزا مما سواها. ولأسباب غير معلومة تجاهل غالب المؤرخين الأوربيين السودان، ربما باعتباره بلدا منعزلا قليل الخطر. وظلت الفكرة السائدة عن المهدي نفسه هي أنه عدو رجعي وبربري لغردون، وأفريقي أيضا.
وطال تجاهل مؤرخي الشرق الأوسط للسودان في فترة الحكم الإنجليزي المصري – كما حدث للمهدية- ويبدو أن الوقت قد حان لإعادة تقويم "الروايات الشخصية" التي ما زالت تمثل غالب تاريخ ذلك العهد. وقد يقول قائل بأن كتب وينجت لم تخرج عما كان سائدا ومألوفا من تقليد في الكتابة التاريخية عن السودان. غير أن تلك الكتب كانت قد انتهجت نهجا يجدد البدهيات عن أهداف الاستعمار ومراميه، ويختار بعناية ما يوافق ذلك النهج من الأدبيات المنشورة سلفا.
ولكن من حسن الحظ أن وينجت وغيره لم يتركوا لنا كتبهم المنشورة فحسب، ولكنهم تركوا لنا أيضا ثروة من الوثائق التي كونت أرشيفا يمكن للمؤرخين الاعتماد عليه كمصادر لكتاباتهم. ولا ريب عندي أن من قاموا بتدمير أرشيف المهدية هم الذين سمحوا لكتابات مثل ما نشره وينجت أن تقرأ في سياق تاريخي. وكما قالت صحيفة Echo:" من الذي سيتولى أمر تلك الضربة؟".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.