السودان الإنجليزي المصري

The Anglo – Egyptian Sudan
G. A. Sowash جورج أي سواش
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال للقس الأميركي جورج أ. سواش عن "السودان الإنجليزي المصري" نشر في العدد العاشر من مجلة "العالم الإسلاميThe Muslim World " الصادرة بإنجلترا في عام 1920م.
وكان القس جورج أ. سواش قد قدم للسودان مع زوجه عام 1900م وعمل بالسودان مع المصريين في مجال الدعوة والتعليم الكنسي. ويمكن معرفة المزيد عن ذلك القس بالاطلاع على كتاب The Christian Design لحسن مكي، وكتاب ثروت وهبة المعنون The Practice of Mission in Egypt
وكنا قد ترجمنا لذلك القس من قبل مقالا صغيرا بعنوان "السودان والحبشة" ورد في نشرة دورية للمجلس المسيحي للشرق الأدنى عام 1930م.
وقد لا يخفى على القارئ تطرف الكاتب (وربما سذاجته) في رؤيته للاستعمار، ورد دوافعه لواجب ديني. ويجب كذلك تذكر توقيت صدور المقال قبل قرابة قرن كامل، حين سادت الكراهية وسوء الفهم والعنصرية (البواح) والتعصب الديني (العلني) في الأوساط الغربية بأكثر مما هو حادث الآن. وظني أن هذه المجلة لن تنشر في سنواتنا هذه مقالا مثل هذا، فبحسب ما هو مبذول في موقعها بالشابكة العالمية تنشر هذه المجلة موضوعات غاية في الرصانة الأكاديمية لكتاب من مختلف الجنسيات والمعتقدات.
المترجم
---- ----- ----
دعنا نبدأ بالعنوان الصحيح. فكلمة "السودان" كلمة عامة وشاملة وغير محددة لا تشير فقط للمنطقة التي أقمنا فيها أصغر إرسالياتنا (التبشيرية) الخارجية، بل تشير لمناطق واسعة تشمل كل شمال وسط أفريقيا، وتمتد من المنطقة التي حول مدار السرطان إلى الشمال، إلى خط الطول 5 شمالا، ومن البحر الأحمر إلى المناطق القريبة من المحيط الأطلسي. وتشمل تلك المنطقة "الحزام الأفريقي الأسود الكبير"، إضافة إلى المساحات الصحراوية الشاسعة التي تقطنها مختلف القبائل العربية. غير أن الإرسالية الأمريكية في السودان تقع فيما يعرف – على وجه الدقة – بالسودان الإنجليزي المصري. وكثيرا ما نتلقى رسائل مكتوبا في ظرف عنوانها ".... السودان. مصر". وهذا بالطبع عنوان خاطيء، رغم أن الرسائل تصلنا بسلام إن كتب على الظرف بوضوح "الإرسالية الأمريكية".
في هذا الجزء من أفريقيا (السودان الإنجليزي المصري) يرفرف العلمان البريطاني والمصري جنبا إلى جنب. وحدود هذا البلد تمتد من مدار السرطان شمالا، والبحر الأحمر والحبشة شرقا، وأوغندا والكنغو البلجيكي جنوبا، وممتلكات (مستعمرات) فرنسا والصحراء الكبرى غربا. ولم يحدد بعد مدى امتداد حدود الصحراء في السودان المصري، والذي تبلغ مساحته الكلية ما يزيد على مليون ميل مربع. وتتولى حكم هذه البلاد بريطانيا العظمى عن طريق سعادة المندوب السامي المعتمد (المقيم في مصر) وسعادة السردار الحاكم العام للسودان الإنجليزي المصري (المقيم في الخرطوم، عاصمة البلاد) التي نالت نصيبا عظيما من الشهرة التاريخية بسبب الموقف البطولي الذي وقفه الجنرال شارلس غردون، في صحبة عدد قليل من جنوده السود الأوفياء في عامي 1884 – 1885م ، ضد جحافل الدراويش، الذين استولوا أخيرا على المدينة واستباحوها لثلاثة أيام، وقتلوا بطريقة غاية في الوحشية غردون ومن معه من الجنود السودانيين المخلصين، وبقية سكان المدينة في مذابح لم تستثن أحدا.
ويحكم السودان الإنجليزي – المصري الآن بطريقة جيدة. فعند دخول الجيش الإنجليزي – المصري بقيادة الجنرال كتشنر في عام 1898م للبلاد، كان السودان وسكانه في حالة مؤسفة بالغة البؤس. وكان الوضع في كثير من المناطق نَكِدا يفوق الوصف. فالأرض جرداء والناس جياع، وكل من كان بمقدوره العمل تم تجنيده محاربا في جيش الخليفة. وغاب القانون، وساد الظلم، وعمت البلاد الفوضى، ولم تعد لحياة الإنسان أدنى قيمة مع تفشي النهب والعنف والقتل في كل مكان. وعرفت البلاد الرشوة وأبشع صور العبودية. وأهلكت الأوبئة والحروب السكان، وتوقفت التجارة. وغدت بعض الأماكن مرتعا للحيوانات المفترسة، وسببت الذعر للسكان فأضطروا لهجرها إلى أماكن بعيدة أخرى. وبدأت أعداد السكان في التناقص السريع. وكانت الأراضي التي يسيطر عليها الخليفة أَراضٍ مقفولة، معزولة عن بقية الدول الأخرى، وعدها العالم أرضا عديمة النفع. وكان من الممكن أن يظل حال البلاد على ذلك المنوال إن لم تقم بريطانيا العظمى بأخذ زمام المبادرة بيد من حديد، وإعادة النظام للبلاد بديلا للفوضى.
غير أن تلك اليد لم تكن يد بريطانيا العظمى، بل يد الله سبحانه وتعالى. فقد كانت هنالك قوة عظمى أخرى تحاول دخول السودان من جهة الغرب في ذات الوقت الذي كانت فيه قوات الدروايش تخوض آخر حروبها على سفح جبل كرري. أكانت تلك محض صدفة من صدف التاريخ، تلك التي جلبت بريطانيا العظمى للسودان؟ لم يكن الأمر كذلك، بل إن الأمر هو أبعد ما يكون عن ذلك. لقد كانت تلك هي المشيئة الإلهية التي اختارت بريطانيا العظمى يدا مرشدة وهادية لتقود السودانيين من الظلام إلى النور، ومن نير العبودية إلى سُوح الحرية، ومن الجور إلى العدل، ومن المجاعة إلى الوفرة، ومن التوحش والجهل إلى التحضر والتنوير، ومن الركود إلى التقدم. لقد كانت تلك ذات اليد الإلهية التي فلقت مياه البحر الأحمر وفتحت الطريق لإعادة ميلاد أمة. وكما اختارت الإرادة الألهية قائد الخروج (من مصر) من العبرانيين، فإننا نؤمن بأنه – سبحانه وتعالى- قد اختار بريطانيا العظمى من بين كل أقطار الأرض بحسبانها قائدة وموجهة وحاكمة بالقانون، لتدير بلاد كوش، وتحرر المستعبدين لما يتجاوز 4000 عاما، وليس 430 عاما فحسب.
هل كانت مجرد صدفة، تلك التي حملت الجنرال غردون، ذلك الأسكتلندي النبيل، ليلقى حتفه في الخرطوم؟ كلا وأيْمُ اللهِ. لقد كان ذلك تدبيرا إلهيا لإيقاظ أمة عظيمة لتلتفت لواجبها في تخليص شعب مضطهد مستضعف، تماما كما انتصب القائد الأعظم (موسى) إِذْ رَأَى نَارًا تلوح إليه من جبال مدين.
وسمعت بريطانيا العظمى النداء فلبته. أكانت أمريكا ستسمع نداء العالم لها وتستجيب؟ لقد دخلت بريطانيا السودان وكل العوامل تقريبا تقف ضدها. غير أن شجاعتها التي لا تقهر وتصميمها الذي لا يلين جلب الأمن والنظام لتلك البلاد التي لم تعرف قبل دخولها للأمن والنظام طعما. فقد أفلحت في إقامة العدل بصورة مذهلة، وألغت الرق بصورة كاملة تقريبا، دون إحداث كبير ضرر بالمسترق أو "سيده" السابق. وأنشئت المدارس وشجعت الأهالي على استصلاح الأراضي وزراعتها. وحجزت مياه النيل الأزرق تحضيرا لزراعة مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة لزراعة القطن. ولن تمر سوى سنوات قليلة قبل أن نرى انتاج السودان من القطن يفوق انتاج جنوب الولايات المتحدة من هذه المادة القيمة التي تؤثر بقوة على مجمل تجارة العالم. وأقامت بريطانيا العظمى كذلك السكة حديد، وأنشأت ميناءً حديثا على البحر الأحمر، وحسنت من وسائل النقل النهري. وأقامت كذلك معملا بحثيا عظيما جلبت له خير العلماء لدراسة الأمراض البشرية والحيوانية بالبلاد، وتصنيع الأدوية المناسبة لها. ويشهد الكثيرون بأن الخرطوم هي أكثر المدن نظافة (صحية)، ليس فقط في السودان، بل في سائر الدول الأفريقية. غير أن كل هذا لم يكن ليتحقق إلا بمجهود عظيم ومراقبة دقيقة من قبل السلطات، والتي كان رجالها يختارون من بين أفضل متعلمي أبناء الإمبراطورية المشهود لهم بالإخلاص في البذل والتفاني في العمل.
صحيح أنه ما زال هنالك الكثير من الأعمال التي تنتظر الانجاز. غير أنه يجب تذكر أن هذه البلاد كانت قبل عشرين عاما في حالة من الدمار الكامل والفوضى الشاملة. لذا فإن ما أنجزه الحكم الجديد في السودان يستحق الإعجاب. فلأول مرة في تاريخهم ينعم السودانيون بحكومة مستقرة، ومحاكم عدلية جديرة بهذا الاسم، ربطتهم بالعالم الخارجي، ووضعتهم على طريق التقدم. وبنيت الخرطوم الحديثة على أنقاض ما هدمته المهدية من مبان، وشيد من جديد القصر الذي قتل فيه غردون، ووضعت طاولة بنية صغيرة على الموضع الذي سقط فيه الجنرال شهيدا.
وربط السودان الإنجليزي – المصري مع مصر بخط للسكة حديد وخط نهري. وبذا ربط السودان بالموانيء العالمية في الأسكندرية وبور سعيد. غير أن أفضل وأسرع طريق للخارج هو ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهو ميناء بديع يبعد نحو 60 ميلا شمال المدينة القديمة سواكن.
ويحتل السودان الإنجليزي – المصري موقعا استراتيجيا مهما في قارة أفريقيا لثلاثة أسباب هي:
1. وجود الأنهار: ليس هنالك قطر في أفريقيا، بل ربما في العالم بأسره، يتمتع بمثل أنهار السودان الرائعة. النيل! ما أروعه... أي ذكريات حبيبة تجلبها ذكرى ذلك النهر العظيم. لم يسبق لأي نهر في العالم أن نال اهتماما من علماء التاريخ مثلما ناله ذلك النهر. ولا غرو، فهو مرتبط ببدء تاريخ الإنسانية. لقد شق مساره للبحر قبل ظهور الإهرامات، وقبل أن يرفع أبو الهول العتيق رأسه ليحيى الشمس وهي تشرق. لم يسبق النيل نهر من قبل في حمله للحضارة. ورغم أنه ينتهي في مصر، إلا أن غالب ذلك النهر وفروعه تقع في السودان الإنجليزي – المصري.
ومن أهم فروع النيل في جهة الشرق هي النيل الأزرق (الذي ينبع في الحبشة) ونهر أتبرا، وهما من أعظم هبات الله على السودان، ولكن فوائدهما على مصر أكبر، على حساب الحبشة. ولا ريب أن خصوبة أراضي مصر الزراعية إنما تعزى لهذين النهرين، وليس لسواهما. يقال دوما أن "مصر هي هبة النيل". وهذا صحيح بالطبع. غير أنه يصح أيضا أن نقول بأن "مصر هبة الحبشة"، بسبب ما يحمله الطمي القادم مع مياه النيل الأزرق من خِصْب مصدره جبال الحبشة. أما النيل الأبيض، والذي ينبع من البحيرات العظمى في وسط أفريقيا، فهو مصدر مائي عظيم لنهر النيل، وبدونه لا يمكن لمصر العيش. (توسع الكاتب بعد ذلك في جلب مقتطفات من التراث المسيحي وما ذكر فيه عن الأنهار الخ، وختم هذا الجزء بالقول بمقولة منسوبة للنجاشي حاكم مملكة هيرمت Hermit kingdom، تلك التي تعزل نفسها عن العالم، جاء فيها نبوءة تفيد بأن دعوة "الانجيل النقي" سوف تسود في سائر أرجاء الحبشة. المترجم).
2. الإسلام: يحتل السودان الإنجليزي – المصري موقعا استراتيجيا بسبب الإسلام. يمتد انتشار ذلك الدين العظيم في أفريقيا جنوبا حتى خط عرض 10 ش. ولا يعني ذلك أنه لا يوجد من يدين بتلك العقيدة جنوب ذلك الخط. فهنالك من أتباع نبي الجزيرة العربية حتى في كيب تاون بجنوب أفريقيا. ويعد الإسلام هو الدين الوحيد لكل سكان أفريقيا شمال خط عرض 10، بإستثاء غالب سكان الحبشة، وأقباط مصر (الذين يبلغ عددهم نحو 900000 نسمة). ولا يعرف على وجه الدقة عدد المسلمين في أفريقيا الآن. غير أن البعض يقدر عددهم بما لا يقل 45 مليون نسمة. وبذا يمكن القول بأن المحمدية قد تغلغلت في أفريقيا بأسرها، وهي مؤثرة في كل قبائل القارة. ولا تكاد تجد أي قبيلة في أفريقيا تخلو من الذين تحولوا إلى الإسلام. ويقدر عدد الذين أسلموا في القارة بعشرة مليون نسمة، إضافة إلى نصف مليون حبشي. ولم تفلح المحمدية في الانتشار بمثل تلك السرعة، وبتلك الأعداد سوى في أفريقيا. ويساهم الوضع الحالي في السودان الإنجليزي – المصري في انتشار الإسلام بأفريقيا. فقد تنقل الدعاة السودانيون المسلمون بالمراكب والبواخر وغيرها وبلغوا موطن كل القبائل السوداء في القارة. فهؤلاء الدعاة أكثر احتمالا لحرارة الجو من غيرهم، وهم عرب (أو تجري في عروقهم دماء عربية) من ذات القارة والقطر الذي يقومون بالدعوة فيه. وتتعدد الصور التي يتخذونها في سبيل عرض دعوتهم، فهم إما تجار أو جنود، أو باعة كتب، أو باعة متجولين (مُتسَبِّبٌين /"سبابة")، أو حتى متسولين. ولكن بغض النظر عن أي مهنة يتخذونها، وإينما ذهبوا، وأينما حلوا، تجدهم دوما يعملون في مجال الدعوة. ولن تخلو أبدا ملابس الداعية من كتابه المقدس، القرآن. فهو قد يخبئه في طيات ملابسه أو يعلقه بسَّيْر من الجلد كتعويذة للحفظ من المصائب ونوائب الدهر. وربما لم يكن بمقدوره قراءة كلمة واحدة من ذلك الكتاب، ولكنه يحفظه عن ظهر قلب دون نسيان كلمة واحدة فيه. وهو يؤمن أيضا بأن كل ما ورد في كتابه المقدس هو من الله، أنزله من الجنة paradise على جبريل أمين وحيه المقدس (في الأصل رسوله المقدس) الذي نقله بدوره إلى محمد بلغة الملائكة، التي هي العربية بالطبع.
لقد رأيت في إحدى المرات أحد أولئك الدعاة يقف أمام أحد الرجال السود البسطاء وهو يعظه في تعالٍ لا سبب له سوى أنه يحمل كتابه الرائع، القرآن. وابتلع الرجل الأسود المسكين تلك الكلمات (المؤثرة) ناسيا في يسر تاريخ أسلاف ذلك الرجل العربي (الذي يدعوه الآن للهداية) وممارستهم الخبيثة التي استعبدت السود لعقود متطاولة، ويتجاهل أن من يدعوه للهداية الآن يصك أسنانه غضبا ويعض أنامله من الغيظ لأنه لا يستطيع الآن فعل ذات الشيء معه (خوفا من القانون المحرم للرق). ويغري الداعية الرجل الأسود ويعده بالحصول في هذه الحياة الدنيا على كل ما من شأنه أن يثير غرائزه الحيوانية بأكثر مما تسمح القوانين القبلية، وبالحصول كذلك في الحياة الآخرة على كثير من الملذات الشهوانية التي تفوق أكثر أحلامه جموحا. ويؤكد الداعية للرجل بأنه إن أسلم فسيصبح فردا في خير وأعظم أمة /عرق /عنصر (race) على وجه الأرض، ستهزم غيرها من الأمم (المعادية) وتغنم كل ما عندها.
لا عجب إذن أن اعتنق الرجل الأسود الساذج (البسيط بساطة الأطفال) الإسلام. ومثله مثل طفل غرير، فهو يعجب بجمال الأفعى السامة الصغيرة دون أن ينتبه إلى أنيابها السامة القاتلة. دع عنك ما تسمعه دوما في كثير من مناطق الشرق الأدنى (ويتعاطف معه كثير من الرجال البيض!) من أن الإسلام يعد مدخلا / معبرا من ظلام أفريقيا إلى ضوء المسيحية. ولن ينطلي ذلك القول إلا على من لا يعرف الإسلام، ولا يعلم أي شيء عن المسيحية. فالدين الذي يهزأ من قولنا إن المسيح عيسى هو الابن الأبدي لله لا يمكن له أبدا أن يقود أي روح خالدة إلى مخلص البشرية الوحيد. إن ديننا هو "المنقذ الوحيد للبشرية، خالق السماوات والأرض، والإله الحق الوحيد". غير أن أخانا المسلم لا يكتفي بالدعوة إلى ديانته فحسب، بل يقوم هذه الأيام بتأليب السود علينا، وتحذيرهم من الرجال البيض، الذين يصفهم في أحسن الأحوال بأنهم "أجانب"، وبأنهم "كلاب نصرانية"، و"مشركون" لإيمانهم بالتثليث (الأب والابن والروح القدس) وأن مصيرهم إلى النار خالدين فيها أبدا. لا غرو إذن إن نظر الرجل الأسود للبيض نظرة شك وريبة، خاصة أفراد إرساليات البيض الذين أتوا ليعرضوا عليه دينا مملوء بالتضحيات والمشقة من أجل مجتمعه. لا ريب أن الجسد على استعداد دوما لتقبل ما يروقه (من شهوات مادية) بغض النظر عن المآل، ودون وازع أو كابح ديني. وهنا يكمن العائِق والحرمان من الميزات (disadvantage) الذي تجد فيه إرساليتنا التبشيرية نفسها عند المقارنة بمنافسيها من الدعاة الإسلاميين للظفر بقلب الرجل الأسود. فالأخيرة تهتم بالشكل الخارجي للإنسان ، بينما تركز الأولى على روحه.
وهنالك أيضا عامل الطقس. فالعاملين البيض في الإرسالية يعانون من سوء الطقس بالسودان، فهذه البلاد ليست مناسبة للبيض، رغم تحمل الكثير منهم لسوء مناخه وشظف العيش فيه. فليس في العيش فيه الكثير من المغريات عدا طقس معتدل نسبيا في ثلاثة أشهر في فصل الشتاء. غير أن سَوْءات الطقس ربما كانت مجرد أُحْبُولَة لعدم ذكر نقص المشروبات الكحولية بحسبانه أحد المنغصات في السودان!
غير أن الصليب سينتصر لا محالة في نهاية المطاف رغم كل ما ذكرناه من عقبات كأداء، وصعوبات دينية ولغوية وعرقية ومناخية، وعلى الرغم من التعصب الأعمى والتحامل والأحكام المسبقة. وسيعبر المبشرون به تيه المفازات، ويمخرون عُباب البحار، ويشقون المستنقعات الآسنة حتى تعلو كلمة الرب، من بحر إلى بحر، لتعم كل أركان البسيطة، وتضع كل أعدائها تحت قدميها.
3. الحبشة: يحتل السودان الإنجليزي – المصري موقعا استراتيجيا بسبب جواره للحبشة. فلهذا القطر حدودا مع الحبشة يزيد طولها على 500 من الأميال. ويمكن الوصول للحبشة من الروصيرص بالسودان عبر النيل الأزرق، أو عبر النيل الأبيض أو نهر سوباط إلى قامبيلا. ويمكن الوصول إليها كذلك عبر نهر أتبرا عند فيضانه. ويمكن الوصول إليها بالبر من كسلا أو القضارف أو القلابات. وكان من الطبيعي أن تسعى الإرسالية الأمريكية بالسودان للتبشير في الحبشة بأعجل ما تيسر. وتقع أقرب نقطة للإرسالية الأمريكية من الحبشة في "الناصر". ونتطلع أن نرى الحبشة ذات يوم قريب وقد تحولت للكتاب المقدس، وغدت من المبشرين به، عوضا عن محاولاتها (الحالية) لصد الناس عنه. وعندما يأذن الله بذلك، فأني أهيب بالكنائس الأمريكية بأن تسرع بالاستجابة، وأن تبعث بمبشريها لإكمال تنصير البلاد.
أما فيما يتعلق بنشاط الإرسالية وانجازاتها بالسودان، فيكفي القول بأنها قامت على أساس قوي، وتمضي الآن حثيثا في تنصير السكان من عرب وسود. ولم يكن نشاطنا التبشيري أكثر جاذبية أو أهمية مما هو الآن عليه (يجب التذكير هنا بأن الحكومة في تلك السنوات كانت لا تشجع، بل تمنع تنصير المسلمين في شمال السودان، لأسبابها الخاصة بالطبع. ويمكن الاطلاع على المزيد في هذا الجانب في مقال هيذر شاركي المترجم بعنوان "الجهاد والحروب الصليبية في السودان من 1881م – الآن". المترجم). وهنالك فرص متاحة لنشاطنا في مجالات التعليم للبنين والبنات. نحتاج لبذل المزيد من الجهد، وفوق ذاك فإننا ندعو الله أن يكرمنا بمزيد من المبشرين والآلات (المساعدة). إننا نؤمن في الإرسالية الأمريكية بأننا نستمد قوتنا من اسم السيد المسيح في طريق الانتصار على الجهل والخرافة، وضد الوحشية والوثنية وضد المحمدية، وضد التعصب الأعمى والأصولية... وباختصار: ضد قوى الظلام المدمرة للأرواح. إن أفريقيا تناديكم يا أبنائنا وبناتنا.
الدعوة موجهة لكم يا رجال الأعمال. لقد حانت فرصتكم لتستثمروا في دنياكم. أتدركون ما ستجنونه (في دنياكم وآخرتكم) من أرباح هائلة بإخراج ألف، أو حتى مائة من السودانيين من ظلام الجهل إلى نور الإيمان. ستكون إجابتكم مسطرة عبر قرون لا حصر لها وباقية إلى يوم الدين.
يا شباب أمريكا: هل سمعتم المنادي يدعوكم لأرض النيل؟ إن ذلك النهر القديم يدعوكم للإقامة على شواطئه. أقبلوا عليه، وأنصتوا له وهو يهمس في آذانكم ويحكي لكم قصة شعبه المحزنة. لكلمة "أمريكا" وقع السحر في نفوسهم. إنهم يؤمنون بأن لكم من القوة ما يكفي ويزيد لهزيمة جهلهم وعلاج أمراضهم. سيثقون فيكم بحسبانكم أصدقاء لهم، وعندما تنالون – عن تجربة وجدارة – ثقتهم، سيقدمون أرواحهم دفاعا عنكم. إنهم ينتظرونكم ويترقبون مقدمكم. من منكم على استعداد لتدريب صبي أسود قد يغدو يوما ما "بووكر واشنطن" قومه؟ (المقصود هو الأمريكي Booker Taliaferro Washington من أصل أفريقي الذي عاش بين عامي 1856 و1915م، ويعد من أوائل قادة حركة تحرر السود من ربقة سيطرة البيض على سائر شؤونهم. المترجم).
جورج أي سواش أم درمان – السودان المصري
******** ************ *******
الشكر موصول للبروفيسور عبد الوهاب الأفندي لتكرمه بمدي بصورة من المقال.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.