A Fiki’s Clinic

Eric Robert James Hussey إيرك روبرت جيمس هيسي
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لغالب ما جاء في مقال لإيرك هيسي نشر في العدد السادس من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR" الصادرة في عام 1923م.
وإيريك هيسي (1885 – 1958م) هو أول باشمفتش تعليم بريطاني في السودان، وقد عمل منذ تخرجه في الجامعة بمناطق مختلفة في شرق وغرب أفريقيا والسودان (حيث عمل في مصلحة التعليم وكلية غردون). وللرجل عدة مؤلفات في شؤون مختلفة عن اللغات والتعليم والتعليم العالي في أفريقيا، وصدر له أيضا كتاب مذكرات بعنوان Tropical Africa أفريقيا المدارية، 1908 – 1944م ". وبالإضافة إلى ذلك فهو عداء محترف شارك في أولمبياد صيف عام 1908م.
المترجم
*********** ************
سأتعرض في هذا المقال لطريقة علاج فكي من معارفي تخصص في حالات المَسّ / الجنون
) madnessلعل هذه الكلمة لم تعد تستخدم الآن في وصف المرض العقلي. المترجم).
لعل غالب قراء مجلة السودان في رسائل ومدونات على علم بالطرق السودانية التقليدية في العلاج. غير أن هنالك بالطبع اختلافات مهمة في أسس تطبيقات مختلف أنواع العلاجات التقليدية. وما سأورده ربما كان ينطبق فقط على طبقة الفكيا (الشيوخ) المعالجين.
ولنبدأ بتعريف من هو الفكي. كثيرا ما تترجم الكلمة على أن الفكي "رجل صاحب قداسة holy-man، أو قائد ديني religious leader"، وتستخدم الكلمة، دون تمييز، للدلالة على رئيس طائفة دينية، كبيرة أو صغيرة، أو قائم على قبة ولي صالح، أو شيخ (مدرس) في خلوة أو معالج. غير أن وظائف "الفكي" تتداخل إلى حد ما، ويبدو أن كل "فكي" يقوم بكل الوظائف المذكورة. وعادة ما تكون وظيفة المعالج الديني وظيفة متوارثة أبا عن جد، حيث يقوم كل معالج بالحفاظ على "تراث العائلة" بعمل "كرامة" خارقة للعادة. فقد أشتهر عن الفكي الذي أكتب عنه الآن بأن والده كان قد وضعه وهو طفل صغير في قطية من القش وقام بإشعال النار فيها. وبعد أن أتت النيران على القطية بأكملها، خرج الطفل، بعد أن خمدت النيران، سليما دونما أدنى أذى.
لذلك الفكي عيادة تقع في مديرية الخرطوم تتكون من منزل يسكن فيه الفكي، و"داخلية" لسكن طلابه (حيرانه) الذين يعملون أحيانا كمساعدين له في عمليات معالجاته. ويقيم مرضى الفكي في قطاطي منفصلة حول بيت الفكي. وقد علمت بأن أعداد مرضى الفكي في تناقص مستمر بسبب زيادة الخدمات الطبية الأوربية الطراز وتوفرها لغالب السكان. إلا أنه رغم ذلك فقد ترى عددا كبيرا من المرضى وطلاب الحاجات في "العيادة الخارجية" لذلك الفكي، مثل نساء ينشدن بركات الفكي ليحبَلن، وآخرين وأخريات يبحثون جميعا عن علاج لأمراض جسدية عادية. غير أن شهرة الفكي الأصلية هي في تَطْبِيبُ مرضى الأمراض العقلية. و"المجنون" بحسب الفهم المحلي هو الذي مسّه الشَّيطانُ (الجن). ومهمة الفكي هي طرد تلك الروح الخبيثة من جسد المريض ليعود صحيح العقل والحواس كما كان.
عادة ما يأتي أحد الأقرباء بالمريض لعيادة الفكي. وقد يكون ذلك القريب أمه أو جدته التي ترعاه في أيام مرضه في عيادة الفكي. ويقيم المريض القادم للعلاج مع غيره من المرضى في داخليتهم. وعادة ما يزور الفكي ذلك المريض بعد وقت قصير من وصوله، ويبادره بالضرب بجرِيدة (سعفة) نخل خطت عليها بعض الآيات القرآنية وبعض الحروف والأشكال "الصوفية" الغامضة (cabalistic). وإذا ظل المريض هادئا متماسكا، وصبر على الضرب، فسيتوقف الفكي بعد نحو 50 ضربة بالجرِيدة على ظهره وكتفيه. أما إذا لم يطق الضرب، وبدأ في المقاومة، فسوف يتدخل مساعدي الفكي (حيرانه) للإمساك به (أو شد وثاقه)، وسيتلقى من يد الفكي جرعة مضاعفة من ضربات الجرِيدة. ولعل الهدف من تلك المقابلة العنيفة الأولى هو التأثير على المريض وإشعاره بأن الفكي هو "المسيطر"عليه، وأن عليه أن يخشى بأس الفكي وأن يظهر له كل مظاهر الاحترام الواجب (مثل الوقوف أمامه حاسر الرأس، وطاعة أوامره، مهما كانت، دون تردد أو نقاش، وأن يعي أن كل بادرة عصيان أو تمرد أو سهو ستلاقى فورا بعقاب مؤلم من تلك العصا). وقد تستغرق أحيانا عملية إخضاع المريض تماما لسيطرة الفكي عددا من الأيام تتخللها جلسات مطولة من الجلد المبرح. بعدها يغدو المريض مِطواعا. وفي بعض الحالات قد يتحقق المطلوب من جلسة جلد واحدة.
وعادة ما يتم تقييد قدمي المريض بسلسلة حديدية طولها 8 أو 9 اقدام مثبتة إلى وتد مغروس في الأرض. وتقدم له يوميا ثلاث وجبات (نحو وقية من الكسرة المعجونة بالماء وقليل من الزيت). ويهدف الفكي من تقليل طعام المريض إلى كسر روحه المعنوية. ويقوم الفكي عند زيارته الثانية أو الثالثة بسكب خلطة عقاقير "سرية" مكونة من خلاصات أعشاب وبذور (منها الكمون والروبة ruba) في مِنْخاري المريض، تماما كما يفعلون في بعض مناطق السودان لعلاج نزلات البرد، حيث يسكبون السمن في مِنْخاري المصاب.
ويزور الفكي مريضه ثلاث مرات يوميا، ويستخدم معه واحدة من هاتين الطريقتين العلاجيتين أو كليهما:
الطريقة الأولى: يخط الفكي آيات من القرآن بالحبر على لوح صخري (من الإِرْدِوَاز)، ثم يغسل الصحن بالماء، ويجمع ذلك الماء في كوب ليتجرعه المريض.
الطريقة الثانية: يجلس الفكي بالقرب من المريض ويقرأ عليه ما تيسر من الآيات القرآنية. وعقب قراءة كل آية ينفث الفكي بُصَاقَه على جسد المريض دون تخصيص لعضو معين. ولا يلزم أن يصل رذاذ البصاق إلى جسد المريض، فالمقصود هو إيصال روح الكلمات (المقدسة) التي ينطق بها ذلك الفكي. ثم يسأل الفكي مريضه بعض الأسئلة ليختبر بها قواه العقلية، ويأمره بفعل بعض الأشياء التي تتطلب بعض التفكير. ويقدم الفكي تلك الأسئلة بطريقة متدرجة تتناسب وتحسن حالة المريض. ولا يسمح للمريض بالعودة لبيته إلا بعد أن يقضي فترة – قد تطول أو تقصر بحسب صعوبة الحالة- ويتم التأكد من أن حالة المس التي أصابته قد انجلت تماما.
ولا بد للمريض من زيارة أخرى للفكي بعد نحو شهر حتى يطمئن أن كل شيء على ما يرام. وفي تلك الزيارة يقدم المريض أو أهله هدية مناسبة للفكي تمثل "مصاريف العلاج". وبعد تلقي تلك الهدية يمنح الفكي مريضه السابق حجابين شديدي الفعالية ليضعهما (على عضديه) طوال حياته من أجل الحماية من عودة ذلك المس الشيطاني. ويقوم الفكي أيضا بحرق جرِيدة النخل التي ضرب بها مريضه السابق.
وعادة ما تفسر عملية ضرب المريض بأنها ليست موجهة للمريض (الذي يزعم الفكي أنه لا يحس بالضرب على كل حال) بقدر ما هي موجهة في الأساس لذلك "الجن" الذي تلبس المريض. ويتبنى الفكي تلك النظرية رغم أنه قال لي شخصيا ذات مرة أن الغرض من جلد المريض هو إجباره على الطاعة العمياء لمعالجه. وعلى كل حال، فالنتيجة النهائية واحدة، سواء أكان ذلك الكبح /الطرد للجن قد جعل المريض مطواعا، أو أن المريض قد غدا كذلك بسبب ما ناله من عقاب. ولا بد من ذكر أن بعض هؤلاء (الفكيا) لا يضربون المريض بشدة، بل يمسون أو يطرقون جبهته على الجانبين برفق بتلك العصا التي كتبت عليها بعض الآيات.
ويعد الضرب الشديد أو المس الخفيف بجرِيدة النخل من الأشياء المخصصة للفكي دون سواه من (الحيران) أو غيرهم.
ويقوم الفكي بمداوة الصغار والكبار من الذكور والإناث على حد سواء. وقد رأيت ذلك الفكي يقوم بمعالجة فتاة صغيرة لا يزيد عمرها عن 13 سنة، وقيل لي إنها شفيت على يد ذلك الفكي. بل رأيت جماعة من الأقباط (المسيحين) يأتون بواحد متعلم منهم لذلك الفكي. وعلمت منهم أنهم يثقون في قدرات ذلك (المعالج المحمدي).
وعلمت كذلك أن ذلك الفكي يعالج سنويا أعدادا كبيرة من مرضى الأمراض، ويقال إنهم يعودون لمنازلهم بعد فترة العلاج وهم على أحسن حال، أو بعد أن تتحسن حالتهم تحسنا ملحوظا. لقد تحدثت شخصيا مع عدد كبير من الذين شفوا على يد ذلك الفكي، ولم ألمس من حديثهم أي اختلال عقلي. بل كانوا يضحكون ويسخرون مما كانوا عليه من حالة عقلية مختلة، ومن تصرفاتهم (الغريبة) قبل عودتهم العالم "العقلاء".
غير أن الشفاء على يد ذلك الفكي ليس مضمونا في كل الحالات. فقد عرفت شابا عمره 25 عاما تلقى العلاج على يد الفكي لشهرين متتابعين، ثم أعيد لبيته بحسبانه قد شفى تماما. ولقيت ذلك الشاب بعد فترة من ذلك، وكان أحسن حالا بالتأكيد من حاله قبل العلاج، ولكنه – في نظري- لا يمكن أن نعده صحيح العقل تماما.
لا شك عندي في أن طريقة علاج ذلك الفكي هي في الحقيقة طريقة نفسية / سَيْكولوجيّة، وأعتقد أنها توازي طرق المداواة التي يستخدمها المعالجون الدينيون في كل أرجاء العالم عبر كل العصور. ومعلوم أن القدرة على علاج الأمراض وعمليات إخراج الشيطان / الشياطين (والأخيرة هذه لا بد أن تترجم إلى لغة الأفكار الحديثة إلى القدرة لعلاج بعض أشكال الأمراض العقلية) لم تنسب للمسيح فحسب، بل لعدد ليس بالقليل من القديسين النصارى في القرون الباكرة من العهد المسيحي. وفي ذلك كتب المؤرخ البريطاني إيدوارد قيبون (1737 – 1794م) التالي: "كانت عملية إخراج الشياطين من أجساد أولئك التعساء الذين يكابدون العذاب بسبب ما حاق بهم بمثابة إشارة (بشارة) وانتصار للدين، وكما قال (الاعتذاريون) القدماء مرارا بأن ذلك هو أقوى برهان وأعظم دليل على حقيقة صحة الدين". واستخدمت نفس الفرضية لتفسير المعالجات الإعجازية/ المعجزة في عهد ما قبل المسيحية وفي العهد المسيحي أيضا، وعند الشعوب غير المتمدنة وشبه المتمدنة، كما هي عند العلماء المسيحيين والمعالجين النفسانيين. والفرضية الأساس عند كل هؤلاء هي بالطبع الإيحاء (suggestion). غير أن هنالك صعوبة بينة في نسبة كل حالات "الجنون" التي يمكن علاجها أو التخفيف من أعراضها بالإيحاء فقط، خاصة عند من اعتلت صحتهم العقلية ولم يعودوا ضمن العقلاء compos mentis.
تقسم الأمراض العقلية عادة إلى نوعين بحسب العلة العقلية: كمية ونوعية. وأشهر نوع من أنواع العلل العقلية الكمية هي الحماقة / البلاهة imbecility، وهي حالات يولد بها المولود وهو يحمل عقلا غير طبيعي (congenital lunatic)، ويندرج تحت هذا النوع ما يسمى بالخرف (dementia)، والذي يكون المرء فيه في تمام الصحة العقلية، ومع تقدم العمر يبدأ عنده التدهور المستمر في الحالة العقلية. وتصاحب هذه الحالات تغيرات فيزيائية في الدماغ يمكن لعلماء الأمراض (وليس خبراء علم النفس) التعرف عيلها.
أما الأمراض العقلية النوعية فهي تحدث عندما يختل التوازن العقلي، ولا تنال بعض جوانب الحياة العقلية البروز الذي تستحقه. وكثيرا ما ترى واحدا من هؤلاء يبدو طبيعيا لا أثر للمرض العقلي على حديثه أو منطقه أو ملاحظته أو ذاكرته، إلا في موضوع معين. وهذا هو النوع الذي ينجح في علاجه أطباء علم النفس، بواسطة "التحليل النفسي" السائد في أوربا الآن (أي في عشرينيات القرن الماضي. المترجم). وهذا التفريق بين نوعي الأمراض العقلية معلوم في السودان. فكلمة "مجنون" تطلق على من أصيب بعلة عقلية نوعية، أما من أصيب بالحمق والبلاهة فهو عندهم "معتوه"، والنوع الأخير هذا مما لا يستجيب لعلاج الفكيا، كما ذكر لي ذلك بنفسه ذلك الفكي. ويفسر ذلك بأن "المعتوه" لم يتلبسه الجن، لذا ليس هنالك مجال لطرد ما ليس موجودا أصلا. وكذلك الحال بالنسبة للشخص الذي أصابه الخرف.
وهنالك حالة غريبة حكاها لي ذلك الفكي عن رجل فقد كل ثروته فجن. وليس هنالك للرجل من علاج – بحسب تشخيص الفكي – غير أن يسترجع الرجل ما فقده من مال.
لا بد أن نذكر هنا أن إعطاء الفكي الحجبات لمن أبل من مرضه (العقلي) يمثل حماية للمريض من تناقص الإيحاء الذاتي auto – suggestion عند المريض مع مرور الوقت، ويمنع انتكاسته لحالة المرض تارة أخرى. وهذا أمر مشاهد ومعروف.
لا شك بأن ذلك الفكي كان قد أفلح في علاج حالات كثيرة أتت إليه. ولكني أثق في أن طرق العلاج النفسي (الحديثة) يمكنها علاج عدد أكبر من تلك الحالات.
وأختم بالقول بأن علاج الأمراض العقلية لم يرد في القرآن، ولكنه أتى في بعض الأحاديث النبوية.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.