Notes on the Health of the Sudan Prior to the Present Government

جي اف اي بلوس J. F. E. Bloss

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لمقال عن الأوضاع الصحية بالسودان في عهد ما قبل الإستعمار بقلم الطبيب البريطاني جي اف اي بلوس. نشر المقال في عام 1941م بالعدد الرابع والعشرين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR".
التحق دكتور بلوس بخدمة مصلحة الصحة (Sudan Medical Service) في عام 1933م، وتنقل بين كثير من مناطق السودان، وكتب عددا من المقالات العلمية في عدد من مجلات طب المناطق الحارة عن الأمراض المنتشرة في مختلف البيئات (مثل الجزام عند الزاندي، والملاريا بالجزيرة وغيرها) وشارك في كثير من المؤتمرات الطبية وغيرها في السودان وبريطانيا. وهذا المقال هو تلخيص لما قدمه دكتور بلوس لفرع الجمعية الطبية البريطانية في مؤتمرها الذي انعقد بالخرطوم في عام 1936م.

المترجم

********* ******* ************ *************

ساهم إنشاء مدرسة كتشنر الطبية، وانتشار الخدمات الطبية في إحداث تحسن دراماتيكي ولكنه متدرج في الصحة بسائر أرجاء البلاد. وتحسنت مستويات العيش عند كثير من الأهالي مما وقاهم شر الأوبئة وانتشار الأمراض الفتاكة بفضل الوسائل الحديثة للوقاية والعلاج. ولا يتخيل الكثيرون فداحة تلك الأمراض التي كانت منتشرة قبل الاحتلال، ولا فظاعة مضاعفاتها. لقد سجل كثير من الرحالة والكتاب القدماء طرفا من الحالات المرضية التي شاهدوها منتشرة بين الأهالي.
يهدف هذا المقال لتلخيص وضع الأحوال الصحية بالسودان، وإعطاء القارئ صورة عن تلك الأيام من ناحية طبية، إذ أن معظم الرحالة والكتاب القدماء الذين سجلوا ملاحظاتهم عن أحوال البلاد الصحية لم يكن لدى غالبهم علم بالطب، خاصة "طب المناطق الحارة/ المدارية" كما نفهمه اليوم. ورغم ذلك فإن ما سجلوه يعطينا فكرة جيدة عن الأحوال الصحية في تلك الأيام.
ولجيمس بروس (1765 – 1777م)، الذي طاف بمناطق الحبشة والسودان ومصر كتابات دقيقة مثيرة للاهتمام عن الأحوال الصحية في تلك المناطق. فقد سجل وصفا للإصابة بدودة غينيا، والدودة نفسها، وما يفعله الأهالى لإخراجها من الجسم لا يختلف كثيرا عما هو مكتوب في كتب طب المناطق الحارة الآن. ولا بد أن نذكر أن بروس كان قد أتهم بالكذب و"خصوبة الخيال" بعد إصداره للكتاب الذي سجل فيه ما رأى في المناطق التي طاف بها. غير أننا نعلم الآن أن كل ما دونه هو صحيح ودقيق وسابق لمعاصريه من الناحية الطبية المتعلقة بطب المناطق الحارة. ورغم أن بروس يخلط بين الأنواع المختلفة للملاريا وداء الفيلاريات، إلا أن ذلك أمر مفهوم لأن الفرق بينهما لم يكن معروفا حتى بداية القرن الحالي.
ولما بلغ بروس سنار حتى ذاعت شهرته بحسبانه طبيبا ماهرا يصطف المرضى انتظارا لعرض شكواهم عليه. بل كثرا ما طلب منه شيخ عدلان أن يقوم بعلاج زوجاته، وكان يحبه ويقدره نسبة لما كان يعطيه له ولزوجاته من عقار إيبيكاكوانا ipecacuana السريع المفعول والنتائج المضمونة. وذكر بروس أنه في زيارته الثانية لأولئك النسوة قمن بخلع ملابسهن وطالبن بالكشف عليهن.
وكان من قائمة الأمراض التي وصفها بروس في سنار مرض الزُحَار (الدُوسِنْطاريَا)، والذي كان يصاحب بحمى. وكان ذلك مرضا قاتلا في غضون موسم الأمطار، وهو يكاد يكون بصورة قاطعة شكلا من أشكال الملاريا (مَلاَرْيا غِبّ، حمى تعاود كل ثلاثة أيام tertian malaria). وذكر بروس أيضا وجود حالات تشمع الكبد والصرع، والتي عزاها لإفراط الأهالي في مسح أجسادهم بالزيوت والشحوم. وكتب أيضا عن فشو الأمراض الجنسية في أوساطهم، وعن أن حالات تشمع الكبد سببها هو إما الزُّهْرِيّ (السفلس syphilis) أو الإدمان على الخمور (وهو أمر كان شائعا أيضا). وكان الجدري معروفا ومهابا عند الأهالي. وهو مرض يظهر بين كل حين وآخر، ويعتقد أن السواكينة وغيرهم من التجار هم الذين يجلبونه لسنار. ويمارس الشلك والنوبة والعرب نوعا من التطعيم يسمونه "تشتري الجدري؟ tishteree el jederee" تقوم فيه نساء من كل قبيلة بربط خِرْقَة حول عضد المجدور (المصاب بالجدري)، ثم يجلسن على الأرض ويبدأن المساومة بأصوات عالية حول ثمن تلك الخِرْقَة، التي تعد تعويذة (charm) فعالة. ثم تشتري إحداهن تلك الخِرْقَة المعدية لتقوم بربطها على ذراع شخص سليم، ليصاب بالمرض بصورة مخففة نسبيا.
وقدم بروس نصائح لمن يرغب في زيارة تلك المناطق، لا تزال تحتفظ بقيمتها حتى الآن، منها أن لا يقرب الزائر (الأبيض) الخمور المحلية والأطعمة المخمرة، وأن يتناول مع طعامه كمية كبيرة من البهارات الحارة (حتى لو سببت له نفطات / بثورا في حلقه). فهذا ما يفعله الأهالي لتقوية معداتهم. وذكر أن لحم الدجاج هنا (أي في سنار) رديء، والبيض أسوأ، أما الخضروات فهي غير صحية تماما. ويجب التقليل من أكل الفاكهة إلا قليلا، خاصة إن كانت مفرطة النضج. أما الأرز فهو أفضل طعام يقيم الأود هنا. ولا يخفى أن جل ما ذكره بروس بخصوص الأطعمة ليس بصحيح بحسب ما قرره العلم الحديث. ونصح بروس زوار مناطق سنار أيضا بعدم ممارسة أي نوع من الرياضة بصورة مفرطة، فالرياضة في هذه المناطق ليست ضرورية أو صحية، كما هو الحال في أوروبا. والتمشي ليلا في جو قليل الحرارة بعد العمل هو كل ما يحتاجه المرء هنا.
وما يجعلنا نثق في غالب ما سجله بروس عن الأمراض هو قدراته الفذة على الملاحظة، واهتمامه الشديد بتفاصيل ما يراه. وإن كان قد قدر لبروس أن ينال حظا من التعليم الطبي، فمن المحتمل أنه كان سيحتل مكانا متقدما في قائمة مؤسسي طب المناطق الحارة مثل لافاران ومانسون (المقصود هو الطبيب الفرنسي شارلس لويس الفونس لافاران الذي عاش بين 1845 – 1922م، أحد مؤسسي معهد باستير، والطبيب الأسكتلندي باتريك ميسون الذي عاش بين 1888 – 1922م وتخصص في علوم الطفيليات. المترجم).
أما الرحالة الآخر في الترتيب الزمني، فهو دبليو جي براون (1793م – 1796م) صاحب كتاب "رحلات في أفريقيا ومصر وسوريا" الذي صدر عام 1806م. سافر براون من مصر إلى الفاشر عبر "درب الأربعين" في عام 1793م (سبق لنا ترجمة مقال بعنوان "براون: أول من وطأت قدماه أرض دارفور من الأوربيين". المترجم). لاحظ بروان فشو مرض الحَثَر (التراخوما) في مصر وشمال السودان، وعزاها براون للغبار، والدهون المخرشة / المهيجة (irritant fats). ولاحظ براون أيضا أن انتشار ذلك المرض يقل مع إرتفاع مستوى الفرد في المجتمع. أما الطاعون فهو منتشر بصورة وبائية في مصر، وظل هكذا من أن اجتاح ذلك الوباء أوروبا في 1348م. وخلط الرحالة بين الطاعون وأمراض أخرى، ولا يوجد دليل قوي على وجود الطاعون في السودان رغم وجوده في مصر، وظل الجدري هو المرض الوبائي الأول في السودان. وذكر براون أيضا أن داء البثع / الإسقربوط scurvy (نقص فيتامين ج) منتشر في دارفور، خاصة في السنوات التي تنقص فيها الثمرات. وذكر أيضا أن الزُّهْرِيّ (المنتشر في السودان) لا يوجد في مصر، وقرر أن مضاعفات ذلك المرض التي ترى في أوروبا (مثل التابِس Tapes وأُمُّ الدَّم aneurysm والشلل والأعراض العصبية) لا تشاهد في المناطق المدارية. وذكر براون أن الجزام منتشر في دارفور كما هو الحال في مصر. وأشار أيضا لوجود تضخم الطحال (ربما بسبب البلهارسيا والملاريا) والديدان الشريطية، وأمراض الكبد واليرقان والفتوق والبواسير والأدرة (hydrocele) والنواسير. ويعالج الأهالي الفتوق بدعامات (trusses) محلية الصنع، والبواسير والنواسير بالكي. أما الولادة فأمرها يسير هنا. ولا يصاب الأهالي بضربات الشمس. أما داء الكَلْب فيكاد يكون مجهولا عندهم. ويشتد الطلب بين الأهالي على المنشطات الجنسية مثل النطرون والحشيش ومنقوع مغلي infusion التمرهندي.
وبعد نحو أربعة عشر عاما على ما سبق، سجل بيركهاردت الأمراض التي لاحظ وجودها في بربر وشندي. وسجل أن سكان بربر كانوا، على وجه العموم، يبدون في صحة جيدة، ربما بسبب وقوع مدينتهم على تخوم الصحراء. غير أن الحمى "الوردة" تصيبهم أحيانا عند فيضان النيل بشكل وبائي. وربما كان السبب في تلك الحمى هو مرض الملاريا. ولم يسمع سكان بربر بالطاعون ولا يعرفونه، تماما كل المناطق الواقعة جنوب شلال أسوان. وتصاب بربر مرة كل عقد من الزمان بوباء الجدري الذي ينقله إليهم تجار سواكن. وذكر أنه في عام 1812م اجتاح بربر وباء الجدري وظهرت معه مجاعة قضت على أكثر من ثلثي السكان. وعلم بيركهاردت أن أكثر من خمسين فردا من عائلة واحدة ماتوا بسبب وباء ذلك العام. وقال ذلك الرحالة أن الاصابة بالجدري أخف وطأة عند الأطفال منها عند البالغين. ويمارس سكان بربر طريقة للتطعيم ضد الجدري يسمونه "داك الجدري؟dak el jederee" تتلخص في جمع سوائل بثور الجدري ومسحها على جرح صغير يعمل في ساق الشخص الصحيح. كذلك توجد كثير من حالات الأمراض الجنسية وأمراض العيون، ولكن بصورة أقل من تلك الموجودة في مصر. وشاهد بيركهاردت حالة واحدة لمريض مصاب بدودة غينيا (في منطقة الصدر)، ربما يكون قد قدم للمدينة من منطقة موبوءة بذلك المرض الذي لا يوجد عادة في بربر وما حولها.
وكانت الأحوال الصحية بشندي - حسب ما شاهده بيركهاردت – تشابه الأحوال في بربر. وزار الرجل سوقا للمسترقين، ولاحظ أن هؤلاء كانوا أقل قوة من "سادتهم/ مالكيهم" رغم ما يشاع عن تحملهم للمشاق والاجهاد. فقد كان كثير منهم يلقون حتفهم قبل أن يبلغوا ذلك السوق. ولاحظ بيركهاردت، مثله مثل الرحالة الآخرين، السرعة التي يصاب بها المسترق بكثير من الأمراض بعد "اصطياده"، وشهد فشو حمى التهابية قاتلة في أوساط عدد كبير من المسترقين بالمدينة. وربما كان ما أصاب أولئك هو حمى التهاب السحايا (السحائي). وذكر بيركهاردت أن المسترق الذي أصيب من قبل بالجدري يباع بقيمة أعلى من الذي لم يصب (بعد). وإذا حملت المسترقة فلن يألوا "سيدها / مالكها" جهدا في إجهاضها. ويستخدم السيد في الإجهاض العديد من الأدوية التي تؤخذ بالفم، وقد يستخدم الضرب على البطن، أو يقوم بوضع قطعة من القطن المغموسة في مستخلص /عصير فاكهة فاسدة في فرجها. ويباع المسترقون الذين يشخرون (يغطون) أو يصكون أسنانهم أثناء النوم بأثمان أقل من غيرهم. وإن ابتاع أحدهم مسترقا مريضا، ولم يبرأ بعد فترة معينة، فيمكن للمشتري أن يرجع من اشتراه ويسترد ما دفعه.
وليس لدينا الكثير من الكتابات بين فترة بيركهاردت ورحالة الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، سوى ما سجله الجراح والضابط الحربي باركنز Parkyns هو الإنجليزي مانسفيليد باركنز، 1823 – 1890م، والذي طاف بمناطق الحبشة وسواكن والنوبة وكردفان في بداية أربعينيات القرن التاسع عشر، وله كتاب مشهور هو "الحياة في الحبشة Life in Abyssinia ". المترجم). وفي سواكن قام بالفحص على عدد كبير من المرضى، وسجل في كتابه أنه قابل طبيبا المانيا جاء إلى سواكن لاعتقاده بأنه سيكسب من ممارسته لمهنة الطب فيها أكثر مما سيكسبه في ألمانيا. غير أن آماله في الثراء باءت بالخسران عندما عالج عربيا مريضا أصيب بجروح خطيرة في إحدى المعارك كان من ضمن أوائل مرضاه. ورغم كل علاجات ذلك الطبيب فقد مات المريض. وحمل أقرباء المتوفى الطبيب الألماني مسئولية وفاة الرجل، وقاموا بحمل الألماني إلى خارج أسوار المدينة وقطعوا جسده قطعة قطعة إلى أن مات تعذيبا.
ونشر صمويل بيكر الكثير من الكتب عن المناطق التي زارها في السودان، غير أنه لم يذكر فيها الكثير عن الأمراض وعلاج الأهالي لها في المناطق التي زارها. ورغم ذلك فقد كان مشهورا في أوساط الأهالي بأنه طبيب، وكانت خزانته لا تكاد تفرغ من الأدوية التي كان يستخدمها في علاج مرضى الأهالي. وذكر بيكر في أحد كتبه أن "الأهالي كانوا يموتون بمرض الجدري كالذباب". وحكى أنه في عام 1866م عاد للخرطوم قادما من قوندكورو(محطة تجارية على الشاطئ الشرقي للنيل الأبيض على بعد 750 كيلو جنوب الخرطوم. المترجم) ولاحظ تخوف تجار قوندكورو من الوباء "الغامض" الذي انتشر في الخرطوم، والذي كان يشاع أنه يأتي مع القادمين بالمراكب. وقيل أن أكثر من 15000 من سكان الخرطوم ماتوا بسبب ذلك الوباء. وذكر بيكر أن خادمه أصيب بذلك المرض وأصيب بالحمى والهلوسة وبنزف أنفي، وعم جسده طفح جلدي. ويصعب من ذلك الوصف تشخيص ذلك الوباء، ولكن من المؤكد أنه لم يكن الطاعون المعروف في أوروبا، وأرجح أنه ربما كان التيفوس.
أماعالم النباتات الألماني شفاينفورث Schweinfurt (1835 – 1925م) فلم يذكر إلا القليل مما له علاقة بعلم الطب، رغم أنه أكد تفشي مرض الجزام في المديريات الجنوبية. ولا يزال هذا المرض فاشيا في تلك المديريات إلى الآن، خاصة عند الزاندي (لدكتور بلوس ورقة علمية عن هذا المرض بين الزاندي. المترجم).
ما ذكرناه آنفا هو تلخيص لأهم المراجع التي تعرضت لأحوال السودان قبل فترة المهدية. ومنها نتبين أن صحة الأهالي كانت، بوجه عام، جيدة فيما بعض الأوبئة الخطيرة (مثل الجدري) بين كل حين وآخر. وكانت هنالك أيضا الملاريا والزحار وبقية الأمراض المدارية الأخرى، والتي تأتي أحيانا في شكل وبائي وتحصد أرواح الآلاف. ومن المثير للملاحظة هو قيام الأهالي في أفريقيا بالتطعيم ضد الجدري، وهم في ذلك قد سبقوا الأوربيين. ويتعامل الأهالي أيضا مع الجدري والأوبئة الأخرى بالعزل، ويفر بعضهم من المنطقة الموبوءة بالمرض، وهذا تدبير حكيم على مستوى الفرد، ولكنه طريقة مؤكدة لنقل المرض لمنطقة أخرى. ويوضع المرضى المعزولون (في حجر صحي "كرنتينة") تقوم عليها امرأة عجوز تعيش على طعام قليل. ويعزل كذلك المصابون بأمراض جنسية لمدة أربعين يوما يقضونها في التوبة عما فعلوه، ويحرمون من الأكل ليلا.
وكانت للقوات المصرية والتركية مؤسساتها الطبية الخاصة. وأحضرت كذلك بعض المنظمات التبشيرية بعض الأدوية الأوربية معها للسودان. غير أن تلك الأدوية تختلف تماما عما هو موجود الآن. وينسب السبق في تعريف الأهالي بتلك الأدوية لأولئك الجنود والمبشرين. وكلما زاد تأثير تلك الأدوية دراماتيكية، كلما تعلق بها السكان المحليين أكثر، بغض النظر عن فعالية علاجها لما يشكون منه من أمراض، أو عدمها.
ولما ظهرت الدولة المهدية كان للسلطات المصرية مؤسسات طبية محددة في الخرطوم وفي ميناء سواكن أيضا. وكان الرحالة الأجانب يشتكون من صعوبة نزولهم من مراكبهم إلى داخل سواكن بسبب لوائح الحجر الصحي التي كانت تنفذ بصرامة بالغة، خاصة في موسم الحج. وكان المصريون يخشون أكثر ما يخشون وباء الكوليرا الذي كان يصيب الحجاج القادمين من الهند.
وأتت الحملة البريطانية لسواكن في عام 1884م، وجلبت معها كمية كافية من الأدوية والمعدات الطبية. وبعد سقوط (فتح) الخرطوم في يناير من عام 1885م، أرسلت حملة بريطانية أخرى لسواكن في مارس من ذات العام، كانت تحمل معها أيضا كمية ضخمة من الأدوية والمعدات الطبية. واتخذت القوات البريطانية مبنى مستشفى سواكن القديم كمستشفى (عسكري) لها. وأنشات الحملة كذلك عددا من الشفخانات والمستشفيات الصغيرة في الميناء وفي سائر أرجاء المدينة. وكان بالمستشفى أنواعا من وسائل الراحة الطبية (medical comforts) مثل الثلج وشوربة اللحم (beef tea) ونباتات من الهند الغربية مثل الـ arrowroot والشمبانيا. وأرسلت إحدى المستشفيات العسكرية من بريطانيا ثلاث ممرضات لسواكن، يمكن أن نضعهن في مصاف فلورنس نايتقيل، كرائدات في تاريخ التمريض العسكري. وكانت ترسو على ميناء سواكن أربع بواخر عسكرية تستخدم كمستشفيات للجنود البريطانيين والهنود على حدا سواء. وأصاب المرض أو توفى من رجال الحملة البريطانية عدد من الرجال، ليس في ميدان القتال، بل من وخامة الهواء واشتداد الحر. وكانت أهم الأمراض في سواكن آنذاك هي الزحار وضربات الشمس وحمى التيفويد. وبسبب اشتداد الحر في الصيف مرض نحو 16% من الجنود البريطانيين، مما أثار بعض النواب في مجلس العموم، وبدأت الصحف في نشر بعض الرسائل المحتجة على بقاء الجنود تحت تلك الأجواء. وأوردت المجلة الطبية المرموقة (لآنست) أنه ما من ضابط بريطاني في سواكن لم يرقد على سرير المستشفى في شهور الصيف. ويعجب المرء من فشو ضربات الشمس في جو لا يختلف عن جو سواكن اليوم. وربما كان السبب هو سوء الثكنات، أو تناول أطعمة أو استخدام ملابس غير مناسبة. وربما كان ذلك الجيل من العسكر يتناولون كميات أكبر من المشروبات الكحولية مقارنة بجيل اليوم. ويبدو من صور أولئك الجنود أن ملابسهم لم تكن مناسبة أبدا لأجواء سواكن الحارة، بل تناسب الأجواء الشتوية.
كانت سواكن هي المدينة السودانية الوحيدة التي لم تستسلم للدراويش (الأنصار). وظل الجنود البريطانيون والمصريون والهنود في حاميتهم بميناء سواكن إلى أن أتت معركة كرري. وتم حصار تلك الحامية في مرات عديدة، غير أنها قاومت كل حصار. وضربت أوبئة ومجاعة شديدة شرق السودان في 1889م، وهي نفس السنة التي تعرضت فيها قوات عثمان دقنة لخسائر عظيمة تفوق كل ما تعرضت له من قبل. ونظمت الحملة البريطانية في سواكن حملات إغاثة للسكان المتضررين. ولكن في ذات العام بدأ عثمان دقنة في إعادة تجميع قواته المبعثرة وعاود الهجوم علي الحملة البريطانية بسواكن. غير أن المدينة وما حاولها أصيبت بداء الكوليرا (المنقولة من الجنود الهنود)، وهي بالطبع لا تفرق بين الأصدقاء والأعداء. ولعل ذلك الوباء كان آخر وباء كوليرا يصيب السودان. وتميزت سواكن بحسن تنظيم الإدارة الصحية والطبية، فقد تم فيها تعيين عدد كبير من مفتشي الصحة ومساعديهم، وموظفين وعمال مسؤوليتهم نظافة وإضاءة المدينة، ورجال شرطة لمراقبة آبار المياه، ومنع محاولات افسادها. بل كان رجال الشرطة يخضعون أسبوعيا لفحص الأمراض الجنسية، وتخضع العاهرات كل يوم خميس لذات الفحص. وأصيبت المدينة بوباء الأنفلونزا في يوليو من عام 1892م، واستمر ذلك الوباء لثلاثة أسابيع، وساهم الأطباء المدنيين والعسكريين في التعامل مع ذلك الوباء. وقسم الميناء إلى أقسام أربع، على رأس كل قسم طبيب عسكري.
لقد كانت سواكن أفضل حظا من باقي السودان، فقد كانت تحت الحكم البريطاني، وبالتالي حظيت بمنافع بخدمات طبية متحضرة تقوم على حل مشاكلها. وهذا في وجود حصار من جنود العدو، وقلة في ماء الشرب والمحاصيل، وندرة وتقطع للإمدادات الغذائية، ووجود عدد قليل فقط من الجنود البريطانيين. ورغم كل ذلك فقد كان حال المدينة أفضل مما كان في الخرطوم.
وبحسب المعلومات التي استقيتها من البمباشي حسن أفندي زكي المفتش الطبي لمدينة الخرطوم قبل سقوطها (فتحها) فقد كان بالخرطوم مستشفى كبير يديره الجيش المصري، وكان بالمدينة أيضا عدد كبير من الأطباء المصريين، كان أشهرهم هو نسيب سالم. وكان هنالك أيضا من الصيدليات التي كان يديرها بعض التجار الأغاريق. وكانت هنالك إرسالية نمساوية بها عدة صيدليات. وفي أثناء حصار المدينة صادر الجيش جميع محتويات تلك الصيدليات، بتعاون كامل من الإرسالية. وكانت الأدوية تصل مهربة لداخل الخرطوم – رغم حصار المدينة- من سواكن على ظهور الإبل. وكان الدكتور نسيب سالم يجري عمليات مختلفة، مثل استخراج الحصى البولية، وقدم مادورا madura، وفتح الخراجات وغير ذلك، باستخدام مادة الكلوروفورم كمخدر (والذي كان الأهالي يخشونه في بدء الأمر). وكان غردون يحرص دوما على زيارة ذلك المستشفى بانتظام، وقيل بأن زياراته تلك كانت تمنح "البركات" للمرضى معنويا وماديا (هكذا!). وكانت أهم الحالات التي يستقبلها ذلك المستشفى هي الزُّهْرِيّ والترخوما والبلهارسيا والزُحَار. أما الأطفال فقد كان يصيبهم مرض الحصبة بشكل وبائي، مما يتسبب في وفاة نحو 10% ممن يصيبهم. ومن ينجو من الموت منهم يتأثر بعقابيلها من عمى، أو حَوَل.
وساءت الأحوال بعد سقوط (فتح) الخرطوم، فقد تجمع عدد كبير من جنود المهدي في العاصمة الجديدة (أم درمان) إضافة للمدنيين مع مسترقيهم. وتناقصت الأراضي الزراعية. ونفد كل ما جلب من الخرطوم من أدوية ومعدات طبية. وغدت أمدرمان أرضا خصبة لتفشي الأوبئة، واحتمال حدوث مجاعات. وحدث بالفعل تعرضت البلاد لتفشي بعض الأوبئة ولمجاعتين في عامي 1885م و1889م، وتوفي المهدي نفسه في وباء اجتاح أم درمان في 1885م. ولم يحدد قط سبب وفاته على وجه الدقة. وقال لي حسن أفندي زكي، وهو من أشرف على علاجه، إنه توفي بمرض الالتهاب السحائي، بينما يزعم وينجت وسلاطين أنه مات بمرض التيفوس. وسبق لصمويل بيكر أن ذكر أن مثل ذلك الوباء كان قد حدث في أيام وجوده بالسودان. وأميل شخصيا لتصديق أن المهدي توفي بسبب التيفوس، غير أننا يجب أن نعير رأي من قام على تطبيبه الاحترام الواجب.
ويصعب على الناس وهم في حالة طبيعية تخيل مقدار معاناة البشر وهم في حالة مجاعة. وكانت المجاعات تجتاح السودان كل 8 أو 10 سنوات. ومما يزيد الوضع تعقيدا في أيام المجاعات تزامن حدوثها مع فشو الأمراض الوبائية وغير الوبائية. فالجوع الشديد يضعف جسد ومناعة الفرد ويجعله أكثر عُرْضة لكافة أنواع الأمراض. ويضطر الناس لأكل كل ما تقع عليهم أيديهم من لحوم الكلاب والكلاب والجرذان، بل الجلود. وصار الصمغ العربي طعام الكثيرين. ولجأ الميسورون لدفن مخازن (مَطَامِير) الحبوب في الصحراء خوفا عليها من اللصوص. وكثيرا ما يموت صاحب المَطْمُورة دون أن يعلم ورثته مكانها. غير أن درب النمل كثيرا ما يقود المحتاجين للوصول لتلك المطامير!
وذكر دكتور حسن أفندي زكي في تقرير معمل ويلكم عند الحديث عن فنون المداواة التي كانت تمارس في عهد المهدي والخليفة عبد الله ممارسات جراحية مثل تلك يستخدمها "البصير" في علاج الكسور وغيرها. أما أطباء ذلك العهد (ويسمون في السودان بالحكما) فقد كانوا يستخدمون خليطا غامضا من الوسائل الطبية والجراحية أيضا. وكان هنالك ما يمكن تسميته بـ "الجراح الحلاق barber surgeon"وهو يستخدم مشبك الختان circumcision clamp وقرن النزف/ الحجامة bleeding horn عندما يقوم بزيارة الزبائن في بيوتهم. وكان من المعتاد أن يقوم الرجل بالحجامة مرة كل ستة أسابيع أو نحوها (تماما مثلما كان يحدث في إنجلترا قبل قرن كامل). ويعالج "البصير" الجروح بغسلها أولا، ثم يضع عليها مسحوق البن و/ أو البارود أو الزبد. أما الكسور فيعالجها البصير بوضع أغصان شجر النخيل عليها، ثم ربطها بإحكام قد يؤدي في بعض الأحايين إلى حدوث غنغرينة (غرغرينا). وعندما يضطر البصير لقطع طرف من أطراف المريض، يدخل الطرف عبر فتحة في جدار المنزل ثم يقطع الطرف بضربة سريعة من سيف حاد، وتغمس الجدعة (النهاية القاصية من الطرف المبتور) في زيت حار لإيقاف النزف. أما علاج الصداع فكان هو سكب الودك المذاب في داخل المنخرين. ويتألف علاج الأطفال من الإسهال الذي يصيبهم عند التسنين بخلع الأسنان وكي مكانها. ويتضح مما تم ذكره أنه لم تكن هنالك حماية للسكان من غوائل الأمراض والأوبئة إلا في بعض الأماكن القليلة التي توفرت فيها أدوية أوربية. وكانت كل مناطق السودان في القرن التاسع عشر أرضا خصبة لمختلف أنواع الأوبئة بسبب تردي الأوضاع البيئية والصحية والطبية. ولم تكن هناك أيضا حماية ضد المجاعات.
إن مقارنة الأحوال الطبية بين تلك الأيام وأيامنا الحالية أوضح من أن تحتاج لتأكيد، ولا يحتاج تفسيرها لأي جهد فهي بائنة جدا. ولم يكن "طب" في البلاد في تلك الأيام غير "الطب العلاجي". ولكن يجب الاعتراف بنجاعة قليل من طرق العلاجات الشعبية التي كانت تمارس في العهود السابقة، بل إن بعض ممارساتهم العلاجية يمكن أن تقارن بما نستخدمه الآن. غير أن طريقة علاجنا الآن أكثر علمية، رغم تشابه أساس الطريقتين. كذلك غاب "الطب الوقائي" غيابا كاملا في عهد المهدية، إلا في سواكن، وفي الخرطوم عندما كانت في يد البريطانيين. ومن اليسير جدا تصور ما كان سيؤول إليه الحال إن لم يكن هنالك تخطيط للمدن وخدمات بيئية وصحية وطبية وغير ذلك من وسائل الوقاية. وكثيرا ما تتعرض شعوب الدول المدارية للأوبئة، مما يتطلب الاعتناء بالغذاء وضمان وصول الإمدادات الغذائية للسكان. لذا عمد العهد الحالي لتنويع مصادر الغذاء ونوعيته وكميته، وتحسين العادات الغذائية عند الأهالي بحسبان ذلك أمرا مهما في الطب الوقائي. وتيسر وصول الخدمات الطبية العلاجية لأعداد أكبر من المواطنين في غالب مناطق البلاد، وسهلت مهمة مكافحة الأوبئة.
لا أزعم الأصالة فيما أتيت به هنا، فغاية مقصدي هو عقد بعض المقارنات بين القديم والجديد في تاريخ الخدمات الطبية بالسودان خلال 150 عاما. وهنالك أمر لا بد من ذكره في الختام، وهو متعلق بالتغييرات التي قد تحدث في جيولوجيا البلاد إما بسبب الزحف الصحراوي أو تآكل التربة، مما سيضطر معه السكان لتغيير طريقة حياتهم وعاداتهم. وهذا يعني حدوث تغيرات في الأمراض الوبائية وفي الهوام (مثل الحشرات وغيرها) المحدثة للأمراض. ويجب أن ندرك جميعا أن صحة السكان لا تعتمد على نشاطات مصلحة واحدة في الحكومة، بل على جميع المصالح فيها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.