عرض لكتاب: "قيود من حرير: العامل الإنساني عند الإدارة البريطانية للسودان"

Review of the book “Bonds of Silk: The Human Factor in the British Administration of the Sudan
جانيت جي ايوالد Janet J. Ewald
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة عرض لكتاب اشترك في تأليفه فرانسيس دينق ومارتن وليام دالي نشرته الأستاذة الأمريكية جانيت جي ايوالد في العدد الرابع والثلاثين من "المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط International J. Middle East Studies"، الصادر في عام 2009م.
صدر الكتاب بعنوان "قيود من حرير: العامل الإنساني عند الإدارة البريطانية للسودان "، في عام 1989م عن دار نشر جامعة ولاية ميتشغان الأمريكية. وكنا قد قمنا قبل سنوات بترجمة شذرات يسيرة منه في مقال قصير. ودكتور فرانسيس دينق (1938م - ) هو سياسي ودبلوماسي وكاتب من جنوب السودان، عمل في سبعينيات القرن الماضي وزيرا للدولة بالخارجية في عهد جعفر نميري، ثم دبلوماسيا بالأمم المتحدة. أما بروفيسور دالي (1930م - ) فهو أستاذ جامعي بريطاني/ أمريكي متخصص في الشأن السوداني وله عدد كبير من المقالات والكتب عن السودان منها الكتاب العمدة "تاريخ السودان منذ دخول الإسلام حتى العصر الحالي" بالاشتراك مع المؤرخ البريطاني هولت، و"إمبراطورية على النيل" وأخيرا كتاب "أحزان دارفور"، والذي كنا قد ترجمنا عرضا له قبل سنوات.
وتعمل الأستاذة الأمريكية جانيت جي ايوالد أستاذة للتاريخ الأفريقي بقسم التاريخ في كلية ترينتي للآداب والعلوم بجامعة ديوك في درام بولاية كارولينا الشمالية. والمؤلفة هي أول من وثقت بصورة موسعة لصراعات السلطة السياسية التي دارت بمملكة تقلي في القرن الثامن عشر، والتي كان المعتقد الديني هو أحد أسلحتها الايديلوجية. وسبق لنا ترجمة مقال لها بعنوان: " جنود وتجار ورقيق: العمل في سنوات التركية بالسودان".
وهنالك كتاب باللغة الإنجليزية مشابه لكتاب "قيود من حرير" عنوانه "المملكة المتحدة والسودان: خير الأعداء" حرره بروفيسور يوسف فضل ودكتور عوض الكرسني، وصدر لبروفيسور حسن عابدين في نهاية عام 2016م كتاب بعنوان "سودانيون وإنجليز" يتناول فيه (الوجه الإنساني للعلاقة التاريخية) بين السودانيين والبريطانيين إبان حكمهم للسودان.
المترجم
** ** **
اقتبس المؤلفان عنوان هذا الكتاب من مقولة عن البريطانيين لزعيم قبيلة سوداني جاء فيها: "عندما يقيدون يديك، يفعلون ذلك بخيوط من حرير، وليس بسلاسل من حديد" (صفحة 120). وهنالك الكثير من المقولات المماثلة التي ذكرها متعلمون سودانيون، وبريطانيون كانوا يحكمونهم، مبثوثة في أثناء (ثنايا) هذا الكتاب. ويدرك الحكام والمحكمون، على حد سواء، ازدواجية تلك القيود الحريرة الناعمة. فبالنسبة للسودانيين كانت تلك قيود نظام جلب لبلادهم سلاما كانوا يتوقون إليه، ولكنه رغم ذلك يظل حكما أجنبيا بغيضا. ووجد البريطانيون أيضا في السودان فرصة سانحة لفرض سلطانهم، وتحديد مسار الأحداث فيه. غير أن سكان البلاد التي أتى البريطانيون لحكمها كانوا يقفون في وجه تلك السلطة (الأجنبية).
ترك المؤلفان (دينق ودالي) السودانيين والبريطانيين الذين ساهموا في توفير مادة الكتاب يتحدثون عن أنفسهم. وقد قدم للكتاب بروفيسور بروسور قيفورد P. Gifford (رئيس البرامج الاكاديمية بمكتبة الكونجرس. المترجم) بينما مهد المؤلفان للكتاب بمقدمة من عشر صفحات، قسماها إلى ثلاثة أجزاء، تناول كل جزء منها حقبة تاريخية معينة تبدأ من عام 1930م إلى ما قبيل الاستقلال، وذلك من منظور جماعة معينة من المسئولين البريطانيين، وقادة السودانيين من شمال السودان وجنوبه. وسجلت المؤلفان ذكريات هؤلاء الرجال (31 بريطانيا و17 سودانيا*) مما أجابوا به شفاهة في مقابلات شخصية وتم تسجيله على شرائط ، أو كتابة في استبيان وزع عليهم، وذلك بين عامي 1973 و1981م. وجلب المؤلفان ما تضمنته المقابلات والاستبيانات من أسئلة بملحق في (آخر الكتاب) ليدرك القارئ أن المخبرين / الرواة informants يستخدمون مع كل من يقابلونهم أو يسألونهم ذات الأسئلة في نفس الموضوعات (مثل انطباعاتهم الأولى عن الطرف الآخر، وعلاقات العمل التي تربطهم، ونشوء وتطور الوطنية، واتصالاتهم مع الطرف الآخر بعد نيل الاستقلال). وأجاب المشتركون في هذا البحث – فيما يبدو- على كل ما تلقوه من أسئلة شفهية أوكتابية بصراحة غير عادية، وبإسهاب شديد، ربما لأن دينق ودالي كانا قد وعدوهم منذ البداية بعدم محاولة فرض أي تعديل أو رأي أو تحليل لما أدلوا به من أقوال.
تحدد طبيعة هذا الكتاب (خاصة مع غياب أي تحليل للمؤلفين فيه، وتمركز المساهمين في الكتاب في دائرة تجاربهم الشخصية البحتة) مَنْ مِن القراء سيلتفت له. ولن يجد القارئ للكتاب بالتأكيد أي سرد أو مسح متماسك للسودان وهو تحت الحكم البريطاني. ولا ريب أن بعض المؤلفات الأخرى عن السودان (ومنها بعض ما نشره مؤلفا هذا الكتاب) كانت أكثر فائدة في تقديم معلومات أكثر عن هذه البلاد، وسكانها، وحياتهم في غضون سنوات الاستعمار. ومن أمثلة تلك المؤلفات كتاب دالي المعنون "إمبراطورية على النيل" الصادر في 1986م، وكتاب فرانسيس دينق الصادر في ذات العام بعنوان "ذكريات بابو نمر" و"رجل يسمى دينق ماجوك".
كذلك لا يقدم كتاب "قيود من حرير" أي تاريخ شفاهي للإدارة البريطانية. بل ويزعم المؤلفان أنفسهما أن الكتاب ليس سوى "مصدر" لذلك التاريخ الشفاهي. ويمكن بذات المنطق أن نعد هذا الكتاب مصدرا لرواية عظيمة عن الاستعمار ونهايته، وستكون تلك الرواية نسخة سودانية من رواية بول اسكوت الشهيرة "رباعية راج The Raj Quartet" ("رباعية راج" هي رواية صدرت عام 1978م في أربعة أجزاء عن السنوات الأخيرة لحكم البريطانيين في الهند. المترجم). ولكن بسبب صراحة ووضوح المشاركين في الكتاب من سودانيين وبريطانيين عند الحديث عن "ثنائية العواطف “ambivalence وتعقيدات العلاقة بينهما، فكتاب "قيود من حرير" يسعى لينقل للقراء بحماس متقد ما أسماه دينق ودالي "العامل الإنساني" في الإدارة البريطانية. وهذا العامل الإنساني هو الذي يساعد القراء في البحث عن إجابات أسئلة أساس عن الاستعمار الأوربي في أي منطقة في العالم، وتحديدا في أثناء سنوات الحكم البريطاني للسودان.
ويكشف كتاب "قيود من حرير" عن كيف أن التوترات والتناقضات التي بدت واضحة في العلاقات بين الحكام والمحكومين لم تَوْهَنَ الاستعمار البريطاني، بل ساهمت في تثبيته واستمراره، ثم في خروجه بصورة تخلو من العنف – على الأقل بين الحكومة الاستعمارية ومن تحكمهم.
ومن التناقضات التي لاحظها المؤلفان في السودان هي قلة عدد الموظفين البريطانيين في البلاد، خاصة في المناطق الريفية. فعلى سبيل المثال كان مفتش أحد المراكز ومساعده يحكمان ربع مليون من "الأهالي"، يعيشون على مساحة من الأرض تساوي مساحتى إنجلترا وويلز معا. واستلزم حكم البريطانيين لتلك الأراضي الشاسعة تعاون الزعماء المحليين. وأفضى ذلك حتما لقيام علاقات خاصة وحميمة (تقارب الاعتماد الكامل) بين المسئولين البريطانيين وبين من كان يعدونهم زعماء "تقليديين". وكان البريطانيون يمثلون بالنسبة لهؤلاء الزعماء "الحماية والمساندة والدعم" (صفحة 9)، بل كان البريطانيون هم من صنعوا هؤلاء الزعماء ابتداءً. وذهب واحد من أولئك الزعماء إلى أن علاقته مع البريطانيين كانت علاقة "أخذ وعطاء"، حيث كان الإداريون البريطانيون، بحسب ما ذكر، يستمعون لنصحه (صفحة 121). ولأن "الأهالي" كانوا يحملون أفكارا متعددة، ومتناقضة أحيانا لأفكار البريطانيين، فقد كان لزاما عليهما التحلي بقدر كبير من المرونة والتسامح عند التعامل مع بعضهما البعض. وكانا يدركان بأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم قد تتغير سريعا، والبلاد في طريقها لنيل الاستقلال التام. وشهد أحد الإداريين البريطانيين ذلك التحول بأم عينيه. فقد تحول كل من عملوا تحت إدارته في الثلاثينيات إلى رؤساء له في بداية الخمسينيات. أما في الجانب السوداني، فقد كال رجال مثل داؤد عبد اللطيف (من شمال السودان) واندرو ويو (من جنوب السودان) النقد الحاد للحكم الأجنبي، ولكنهم حصلوا في ذات الوقت على ترقية (سريعة) في سلم وظائف الإدارة البريطانية، إلى أن توليا مناصب عليا في الحكومة السودانية المستقلة.
وانفجرت الأوضاع الأمنية وساد العنف (في الجنوب. المترجم) في العام الذي سبق إعلان الاستقلال، أي في عام1955م. غير أن سبب ذلك الانفجار لم يكن التمرد على استمرار الحكم الاستعماري، بل كان بسبب خشية الجنود الجنوبيين من أن يستقل السودان ويتحكم الشماليون في شطري البلاد. ورغم أن الشماليين والجنوبيين تمكنا من الاتفاق على تأييد استقلال السودان في عام 1956م، إلا أن حربا أهلية نشبت عندما أدرك الجنوبيون تقاعس الحكومة السودانية الجديدة عن الاستجابة لمطالبهم وأهمها نيل حكم فيدرالي. وتوقفت تلك الحرب في عام 1972م، غير أن نيرانها اشتعلت من جديد في عام 1983م.
ويقر مؤلفا كتاب "قيود من حرير" بأن الإدارة البريطانية كانت بمثابة "استراحة" أمن وسلام في تاريخ البلاد الدامي، ولكنها أيضا فاقمت من الفوارق بين الشمال والجنوب، وضاعفت من أسباب الانفصال بينهما. لقد هزم البريطانيون في عام 1898م النظام الثيوقراطي المسلم الأصولي الذي أقامه المهدي في شمال السودان. وبقي على حدود الشمال السودان الجنوبي، بسكانه الذين يدين معظمهم بدياناتهم التقليدية الخاصة، والذين لم يكونوا قط دولة واحدة. وقبل تأسيس الدولة المهدية كانت تأتي لجنوب السودان عبر حدوده مع الشمال، بصورة مستمرة، حملات عسكرية قوية التسليح هدفها القبض على رجال ونساء وأطفال الجنوبيين واسترقاقهم. لذا لم يمكن غريبا أن يعد الإداريون البريطانيون شعب الجنوب في حاجة ماسة للحماية من الشماليين. غير أنه بالإضافة لسياسة الحماية (protectionism) تلك، سادت عند البريطانيين روح تعالٍ وغطرسة ثقافية ترى أن الجنوبيين أشد تخلفا من الأوربيين والسودانيين الشمالين المسلمين. وبالإضافة لذلك، فإن الدافع والحافز لحماية الجنوبيين أدى في الواقع إلى سياسة عازلة للجنوب، أفضت بدورها إلى إعاقة تقدمه في مجالي التعليم والنمو الاقتصادي، وتركت، للمفارقة، الجنوب أكثر عرضة للهيمنة الشمالية عندما حان استقلال البلاد. ولم تفت مفارقات الحكم البريطاني للسودان على المشاركين في الكتاب من الجنوبيين، بأكثر مما فعل الشماليون. غير أنهما اتفقا على وصف خروج الحكام البريطانيين من البلاد بأنه كان "حلو مر"، بمعنى أن هؤلاء الحكام كانوا قد خلطوا أعمالا صالحة بأخرى سيئة، وبذا يصعب وصف حكمهم بوصف واحد. جاء في وصف أحد الجنوبيين للاستقلال التالي: "لم أشعر بالأسف لرحيل سادتنا (الطيبين)، بل شعرت به بسبب ... ورحيلهم سيفضي بلا شك إلى حرب بين الشمال والجنوب" (صفحة 202).
(ومما جاء في الكتاب أيضا ما ذكره الناظر بابو نمر من أنه حزن حزنا شديدا عندما غادر البريطانيون البلاد، ليس حبا في الاستعمار، بل لشعوره بـ " حزن يصيبك عندما تفارق صديقا عزيزا"، بينما ذكر داؤود عبد اللطيف أنه كان لا يحب البريطانيين كثيرا حتى قَيَّضَ الله له السفر لبريطانيا حيث التقى بفتاة لندنية أفلحت في تغيير نظرته لذلك الشعب، فلم يعد يؤمن بأنه شعب بارد الإحساس ومتعجرف متغطرس". المترجم).
تمثل العلاقة بين الشماليين والجنوبيين نوعا من الطباق / المزاوجة (counterpoint) للموضوع الأساس المتعلق بالعلاقة بين البريطانيين والسودانيين. وبالنسبة لتفاعلات وتداخلات (interactions) السودانيين مع البريطانيين ذكر المؤلفان أن السودان يمثل "انتصارا للعامل الإنساني" (صفحة 10)، ويمثل أيضا حكاية "ما هو ممكن فيما يتعلق بالقيم الانسانية ... في حالات التفاعلات والتدخلات بين الأعراق والثقافات المتباينة" (صفحة 7). غير أننا لا نرى أثرا لأي انتصار في حالات التفاعل والتداخل الثقافي بين الطرفين. لذا يترك هذا الكتاب من يقرأه في حيرة من أمره بخصوص نجاح أو إخفاق ذلك "العامل الإنساني".
لقد مهد الحكم البريطاني (والمفترض أنه خير مثال لانتصار "العامل الإنساني") الطريق لقيام حرب أهلية بين الشمال والجنوب. ولعل هذا ما دعا بروفيسور بروسور قيفورد ليذكر في مقدمته للكتاب أن المرء قد "يأمل في القيام بعمل طيب، غير أنه لا يمتلك المعرفة ولا القوة ليضمن أن ما فعله أو انْتَوَى فعله سيؤدي للنتيجة التي يرجوها" (صفحة xiv).
سيكون كتاب "قيود من حرير" بلا شك إضافة مهمة لمكتبات الأفراد والمؤسسات التي تهتم بالسودان. غير أن الكتاب سيكون مفيدا أيضا لدائرة أوسع من القراء، مثل الأكاديميين الذين يرغبون في فهم أفضل لديناميكيات وتراث الحكم الأوربي على شعوب أفريقيا وآسيا.
- ------ ---- ----- ------ -----
*شملت قائمة السودانيين الذين استطلعت آرائهم في الكتاب رجالا مثل غوردون مورتات، وجمال محمد أحمد، وأندرو ويو، وداؤود عبد اللطيف، وبابو نمر، والزبير حمد المك وبينجامين لانق جق ومحمد أبو رنات وسرور رملي وسانتينو دينق ومحمد أبو سن وجير ريان ويوسف بدري.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.