Elections in the Sudan during the military Regime
B. S. Sharma ب. اس. شارما
ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال عن الانتخابات التي أجرتها حكومة الفريق إبراهيم عبود في عام 1963. تم نشر المقال في عام 1967م بالعدد العشرين من المجلة البريطانية "الشؤون البرلمانية Parliamentary Affairs" التي تصدر عن دار نشر "أكسفورد اكاديمك Oxford Academic"، بقلم دكتور ب. اس. شارما، الذي عمل أستاذا بقسم العلوم السياسية بجامعة الخرطوم في ستينيات القرن الماضي. وهو حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن، ومؤلف لعدد من الكتب (منها كتاب عن غاندي بحسبانه مفكرا سياسيا) ومقالات متنوعة، منها مقالين آخرين عن الانتخابات التي أجريت بالسودان بعد الاستقلال، وتلك التي أجريت عام 1965م.
المترجم
****** ******* *********
بعد فترة قصيرة نسبيا من استيلاء الطغمة العسكرية على السلطة في السودان في 17 نوفمبر من عام 1958م، أعلنت عن نيتها إدخال تغييرات دستورية كمقدمة لإنشاء "حكومة برلمانية". وأصدرت بالفعل عام 1960م ما أسمته "قانون إدارة المديريات"، أعقبته في عام 1962م بتعديل لقانون "الحكم المحلي"، ثم أصدرت في ذات العام قانون "المجلس المركزي".
ولعل الحكومة العسكرية في السودان كانت تحاكي بقوانينها تلك ما اتخذته حكومة الباكستان من إجراءات لإقامة "ديمقراطية أساسية /قاعدية basic democracy". غير أن النظام الجديد لم يكن يختلف كثيرا من الناحية الإدارية عما سبقه في الماضي، إذ أنه بني على أساس نظام الحكومات المحلية القائم، الذي أسس بناء على قانون الحكم المحلي الذي صدر لأول مرة في عام 1951م، عدا أن القوانين الجديدة أوجبت أن يتم اختيار أعضاء المجالس المحلية بالانتخاب. وكانت المجالس المحلية هي القواعد التي يتم منها انتخاب أعضاء المجالس في المديريات، والذين ينتخب منهم أعضاء مجلس مركزي. (جاء في الوثائق الأمريكية عن ثورة أكتوبر التي ترجمها للعربية محمد علي صالح ما نصه: " مؤخرا، تأسس نظام انتخابي يبدأ من القاعدة، ثم تنتخب المجالس ممثلين لمجلس ولائي لكل من الولايات التسع. وتنتخب الولايات 54 ممثلا إلى المجلس المركزي. بالإضافة إلى هؤلاء، يعين الفريق عبود 18 عضوا، ليصير عدد أعضاء المجلس المركزي 72 عضوا. وحسب ملامح خطة مستقبلية، يتوقع أن يجيز المجلس دستورا، يمهد لانتخابات عامة...".
قسمت البلاد إلى مجالس محلية ريفية (rural) وبلدية (municipal) بنسبة 8 إلى 4. وكان كل مجلس محلي يتكون من 16 إلى 45 عضوا. وكانت نسبة المنتخبين من أعضاء تلك المجالس إلى الأعضاء المعينين 2 إلى 3، أو 1 إلى 1 (بناء على "درجة النضج degree of maturity"). وكانت تلك المجالس المحلية تدير كل شئون الإدارة المحلية، تحت إشراف ورقابة وسيطرة وزارة الحكومات المحلية. غير أن الوزير المسئول عن تلك الوزارة كان يعهد دوما لمجالس المديريات التسع بالقيام بذلك الدور الرقابي. وكان عدد أعضاء مجلس كل مديرية لا يتجاوز 40 فردا، ويتكون من رؤساء أقسام يمثلون الحكومة المركزية (كأعضاء بحكم المنصب ex- officio)، وينتخب ثلثا الأعضاء من قبل المجالس المحلية، بينما يأتي الثلث الباقي بالتعيين. أما في القمة، فهنالك المجلس المركزي" الذي يتكون من الوزراء و72 عضوا – تختار كل مديرية من المديريات التسع ستة أعضاء، ويعين الرئيس ثمانية عشر -. وكانت لمجلس الوزراء الكلمة العليا والسلطة النهائية في رفض أو قبول ما يتخذه ذلك المجلس.
وأجريت بين إبريل ومايو من عام 1963م انتخابات المجالس المحلية، والتي منها يأتي أعضاء مجالس المديريات والمجلس المركزي.
وأصدر في عام 1962م قانون للحكم المحلي ينظم قواعد إجراءات الانتخابات المحلية، وأسندت مهمة الاشراف على عملية إجراء الانتخابات للجنة انتخابات (كونت من ستة أعضاء، يقوم أحدهم برئاسة لجنة التصويت returning officer ورئاسة لجنة الانتخابات بحكم المنصب، وهو من يقرر إن كانت الانتخابات قد أجريت بصورة سليمة أم لا، ويشرف بصورة عامة على مجمل عمليات إجراء الانتخابات).
وكان أول عمل لتلك اللجنة هو إعداد ونشر قوائم الناخبين، وأسندت تلك المهمة لمسجل اللجنة. وكان من حق أي مواطن رفع دعوى لقاضي المديرية إن كان يرى عدم أحقية أي مواطن مذكور في قائمة الناخبين في المشاركة بالانتخابات.
وشملت شروط تلك الانتخابات أن يكون الشخص المنتخب سودانيا ذكرا لا يقل عمره عن 25 سنة، وأن يكون من سكان الحي / المنطقة الانتخابية لفترة لا تقل عن نصف عام، وأن يكون قد دفع ما عليه من ضرائب وعوائد مفروضة في العام السابق، أو أن يكون مزارعا مسجلا في مشروع زراعي في المنطقة الانتخابية المعينة، أو مزارعا حرا (يعمل في مجال الزراعة المطرية). وتشابه هذه الشروط شروط انتخابات عام 1958م، فيما عدا شرط السن، والذي رفع من عشرين إلى 25 سنة. وقلل هذا الشرط الجديد بالطبع من نسبة المشاركين في الانتخابات المحلية مقارنة بانتخابات عام 1958م. ومثل شرط الإقامة في الحي / المنطقة لفترة لا تقل عن نصف عام مصاعب إدارية في بعض المناطق، حيث يكثر تنقل الناس بين المدن بحثا عن فرص للعمل، خاصة للمزارعين في موسم الجفاف، وكذلك عند رجال القبائل الرحل (التي تتنقل من منطقة لأخرى بحثا عن الماء والكلأ).
كان التصويت في انتخابات المجالس المحلية يتم في مرحلة واحدة بالاقتراع السري المباشر. وكان من شروط المرشح ألا يقل عمره عن 30 سنة. غير أنه يحق لوزير الحكومة المحلية أن يعين أي موظف في الحكومة المركزية يراه كعضو في المجلس بغض النظر عن سنه. ولا يجوز لمن حكم عليه بالسجن لأكثر من عام، أو من أدين بتهم فساد، أو إخلال بقوانين الانتخابات أن يترشح لعضوية المجلس. ويجب أن يحصل كل من يرغب في الترشح للانتخابات على تثنية خمسة من الناخبين المسجلين على الأقل. ويقوم رئيس لجنة التصويت بالتأكد من مؤهلات المرشح، ومن توقيعات من ثنوا ترشيحه. غير أن لوزير الحكومات المحلية رفض ترشيح أي شخص من أجل "المصلحة العامة" دون إبداء أسباب محددة، وليس على لجنة الانتخابات المحلية أو لجنة انتخابات المديريات تقديم أي تفسيرات لقرار الوزير الرافضة لترشيح أي فرد. ولعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة (أعلى سلطة بالبلاد) هدف من ذلك القرار إبعاد العناصر غير الموالية للحكومة من الترشح (وربما الفوز) في المجالس المحلية، وخاصة المجلس المركزي. ويتضح من ذلك أن الحكومة كانت ترغب في ألا ينتخب في مجالسها إلا "الموالين لها yes - men" وليس غيرهم.
وكانت الحكومة تتحسب من احتمال ألا تكون هنالك أعداد كافية من المتقدمين للترشيح في المجالس المحلية. وهذا ما حدث بالفعل في مديرية النيل الأزرق، حيث اضطرت سلطات المديرية لاختيار وترشيح بعض الأفراد الاضافيين لقوائم المرشحين المؤهلين. وكان هذا تصديقا لتخوف الحكومة من عدم وجود أعداد كافية من المرشحين في بعض المناطق التي تسود فيها "قلة الوعي السياسي undeveloped political consciousness “، أو بسبب عدم اكتراث السكان لتلك الانتخابات، أو مقاطعتهم لها. ولم تكن مثل تلك التحفظات منظورة أو متوقعة عندما أجريت انتخابات 1958م.
2/ الانتخابات
كانت الحكومة العسكرية قد حلت الأحزاب السياسية التي ربما كان بمقدورها اقناع وحث الناخبين المؤهلين على تسجيل أسمائهم في قوائم الانتخابات. إلا أن تلك الحكومة كانت شديدة الحرص على تسجيل نسب عالية من الناخبين، وعلى أن يقوم هؤلاء بالإدلاء بأصواتهم بحسبان ذلك دليلا على ثقة المواطنين فيها. غير أن الحكومة أصيبت بإحباط شديد من لامبالاة / زهد apathy المواطنين في الانتخابات. وكان الإحباط أكبر عند النظار والعمد والمشايخ الذين كان يتوقون للترشح لعضوية تلك المجالس. فلجأ بعض هؤلاء أحيانا لتهديد وتخويف المواطنين.
كانت نسبة الذين قاموا بتسجيل أسمائهم في قوائم الناخبين قد تناقصت من 77% في انتخابات عام 1958م إلى 56.6% في هذه الانتخابات. وكانت نسبة الناخبين المسجلين في انتخابات 1963م بكل المديريات تقارب من المتوسط القومي (56.6%)، عدا مديرية دارفور، والتي تناقصت فيها النسبة إلى 40% (بلغت تلك النسبة بدارفور في انتخابات عام 1958م 60%). وكانت هنالك دوما مشكلة بالمناطق الجبلية الوعرة بمديرية دارفور تتعلق بصعوبة وصول الناخبين لأماكن التسجيل والانتخاب.
غير أن موقف أعضاء الأحزاب السياسية (السابقين) من انتخابات 1963م لم يكن موحدا ولا منظما بسبب حل الحكومة العسكرية لتلك الأحزاب رسميا. فعلى سبيل المثال كان أعضاء الحزب الوطني الاتحادي يعارضون – بصورة مبدئية- المشاركة في انتخابات النظام العسكري، غير أن ذلك الحزب لم يتخذ أي إجراءات لتنفيذ سياسته تلك، وحظر على أعضائه المشاركة في تلك الانتخابات. كان موقف ذلك الحزب تجاه الانتخابات مربكا لأعضائه. فعندما طلب الحزب من أعضائه الذين قرروا الترشح لتلك الانتخابات أن يسحبوا ترشيحهم، استجاب البعض، بينما تحدى البعض الآخر قرار الحزب وشارك في الانتخابات. ففي إحدى الدوائر بأتبرا مثلا أصر أحد أعضاء الحزب الوطني الاتحادي على الترشح، فانتقم منه أعضاء الحزب بالتصويت لمنافسه، وساهموا بذلك في إسقاطه. وكان رد الحكومة العسكرية هو تعيين ذات المرشح – رغم سقوطه في الانتخابات - في المجلس. غير أن أصوات الناخبين – على وجه العموم – كانت تعطى في تلك الانتخابات على أساس شخصي أو قبلي. ولعل هذا يفسر الارتفاع (النسبي) في نسبة التصويت في المدن، حيث كان ذلك الحزب يظفر بنسبة تأييد عالية.
أما أعضاء حزب الأمة (أتباع المهدي / الأنصار) فقد استجابوا بنسبة عالية جدا لتوجيه حزبهم (الأكثر صرامة في الأمور التنظيمية) بمقاطعة انتخابات1963م. وربما يفسر هذا تدني نسبة التصويت في مديرية كردفان (التي يحظى فيها الحزب بنسبة تأييد عالية) إلى 50%، مقارنة بنسبة 69% في انتخابات عام 1958م.
وكان موقف حزب الشعب الديمقراطي (الوجه السياسي لطائفة الختمية بزعامة السيد / علي الميرغني) هو التأييد التام لانتخابات 1963م والمشاركة فيها. ولذا بلغت نسبة المشاركين في تلك الانتخابات في المديرية الشمالية (معقل الختمية) نسبة 87%، وهي نسبة تقارب تلك التي تحصل عليها الحزب في انتخابات 1958م (90%). (مما أذكره وأنا صبي ترشح أحمد سليمان (المحامي) لعضوية المجلس المركزي في دائرة كانت تضم السكة حديد والخرطوم 3، وتعهده في "ليلة سياسية" أقيمت في وسط حي السكة حديد بأنه سيتنازل عن مقعده لمنافسه (الختمي) إن استطاع الأخير القول بما يقوله هو في ذم الحكومة. وفاز المرشح (الختمي) بتلك الدائرة في نهاية المطاف. المترجم).
وقرر المتعاطفون مع الحزب الشيوعي المشاركة في انتخابات 1963م، غير أن مشاركتهم لم تكن ناجحة في أي دائرة انتخابية. وكانت الحكومة تنظر بعين الشك والريبة والحذر لمشاركتهم في انتخاباتها (ربما كان ما جاء به كاتب هذا المقال في هذا الصدد يفتقر للدقة، فمشاركة الحزب الشيوعي في تلك الانتخابات معلومة للجميع، وعدها بعض قادة الحزب لاحقا من بعض أخطاء الحزب التاريخية. راجع ما ورد في بعض المواقع الاسفيرية في وثيقة "متى أخطانا وكيف ولماذا؟ وماذا فعلنا من بعد" التجانى الطيب بابكر - القاهرة، 4 – 6 يوليو 1993م. المترجم).
ويجب هنا أن نذكر أن الحكومة العسكرية كانت حريصة على أن تتم تلك الانتخابات بعد منافسات حقيقة بين المرشحين. وكانت تعلن عن تمديد فترة التصويت عندما تجد أن نسبة المشاركين فيه قليلة، بل كان المسؤولون يحثون (وفي بعض الأحيان يجبرون) المواطنين على التصويت. وكان بعض المواطنين يخشون (دون سبب أو دليل مادي) من رميهم في السجن لعدم مشاركتهم في الانتخابات. فعلى سبيل المثال قام المواطنون في واو وما حولها بالفرار من المدينة عندما سمعوا بقرب وصول لجنة الانتخابات لمدينتهم وأخذوا أدوات زراعتهم معهم ولجأوا للمناطق الريفية متعللين بضرورة عملهم في الحقول.
ولا يجب أن نعزي ارتفاع نسبة التصويت في بعض المناطق بأي صورة من الصور لحماسة المواطنين للحكومة، بل لأسباب شخصية متنوعة. ولنضرب مثالا لذلك بدائرة الجريف غرب (مجلس الخرطوم الريفي)، والتي بلغت نسبة التصويت فيها 96.3% (1730 من 1806). وكانت تلك أعلى نسبة تصويت في السودان قاطبة. وأشادت الحكومة بتلك الدائرة بحسبانها أكثر دائرة متقدمة سياسيا بالبلاد. غير أن الواقع يقول بأن الدائرة كانت تتكون من قريتين هما كركوج والجريف. ولم يستطع كبراء القريتين الاتفاق على مرشح واحد، لذا رشحوا شخصا واحدا من كل قرية ليتنافسا على الفوز بالدائرة. وغدا الأمر أمر هيبة وشرف شخصي. وفاز مرشح كركوج (والذي كان الوحيد في القرية الذي ينتمي لحزب الشعب الديمقراطي)، بينما كان غالب سكان الدائرة من المؤيدين للحزب الوطني الاتحادي. وهذا أحد الأمثلة والأدلة على أن الانتماء الحزبي (السابق) لم يكن يؤثر دائما على نتائج الامتحانات، إذ أن الانتماء القبلي والموقف الشخصي كانا هما سيدا الموقف.
وكان مما حفز الكثيرين للترشح للانتخابات في عام 1963م هو أملهم في نيل فوز يسير، في غياب مرشحين ذوي خبرة سياسية سابقة قاطعوا تلك الانتخابات، إضافة لرغبتهم في الحصول على المزايا المادية والمعنوية التي تمنح لعضو المجلس المحلي أو المجالس الأعلى.
ولم يكن لطبقة الناخب أو المرشح أي أهمية في عملية الانتخاب سوى في منطقة الجزيرة (بمديرية النيل الأزرق) حيث كان التنافس بين طبقتي التجار والعمال (الزراعيين). ولعلها كانت المرة الأولي التي يبرز فيها التفاوت الاجتماعي والاقتصادي كعامل مهم يبذ الانقسامات التقليدية المعتادة. أما في بقية المناطق الريفية الأخرى فقد كان الانتماء القبلي هو أهم عامل يحدد اختيار الناخبين لمرشحهم، خاصة في المديرية الشمالية، ومديريات الجنوب الثلاث. وفاز بمقاعد المجالس المختلفة في الجنوب زعماء القبائل التقليديين، وليس صفوة المتعلمين، حتى في المدن الجنوبية الكبيرة مثل جوبا وملكال وواو.
وهنالك بعض القبائل في السودان التي لم تكن تعرف حتى معنى كلمة "انتخابات" أو فكرة "الاختيار من بين عدة بدائل". فعندهم يقوم زعماء القبائل (عندما لا يرغبون في ترشيح أنفسهم) باختيار مرشحين بعينهم، ليقوم الأهالي بالتصويت لهم دون معارضة أو تفكير في بدائل. ولا يحمل زعماء القبائل أي تعاطف أو تأييد حقيقي لفكرة تكوين مجالس محلية أصلا. وهذا هو نفس التفكير عند الشرطة، التي كانت ترى في تكوين تلك المجالس انتقاصا من سلطتها. وفي الوقت الحالي تقوم السلطات المحلية بالتوجه للمواطنين عن طريق زعماء قبائلهم. وهذا من شأنه بالطبع أن يجعل من أمر إدخال مبدأ "الحكومة المحلية" أمرا عسيرا، ويصعب من عملية التحول السلس عن النظام القبلي.
3/ بعض التأثيرات على الناخبين
لم تبد أعداد كبيرة من الناخبين حماسا للمشاركة في الانتخابات. فقد كان الذين لديهم بعض الوعي السياسي يدركون بأن الأعضاء المنتخبين لن يكون بمقدورهم فعل شيء، إذ أن القرار النهائي في كل الأمور هو دوما بيد الحكومة. أما الذين صوتوا بالفعل للنواب المنتخبين فقد كانوا في حالة من الزهد / اللامبالاة وأحيانا العداء (للنظام القائم). وعبرت عن هذه المشاعر المعارضة ممثلة في “الجبهة المتحدة United Front"، التي أصدرت منشورا مضادا للحكومة في الشهر الذي أجريت فيه الانتخابات (مايو 1963م) بتوقيع "صوت الشعب / الجماهير Voice of the People". هاجم ذلك المنشور الحكومة لديكتاتوريها خلال السنوات الأربع الماضية، ولخلفها للوعد الذي قطعته على نفسها عند استيلائها (تسلمها؟ المترجم) للسلطة بأن تعيد الجيش لثكناته، وترجع الديمقراطية للبلاد، ولتوسعها في إصدار "قوانين طوارئ" أضاعت حقوق المواطنين وسلبتهم حرياتهم. وشبه المنشور حال الشعب السوداني بالخراف "التي يقودها راع غبي يجهل دروب المرعى". ووصف المنشور المجلس المركزي بـ "الدمية في يد الحكومة"، وبأن السلطة الفعلية ستكون – رغم وجود ذلك المجلس – في يد السلطة التنفيذية. ومما ورد في ذلك المنشور أيضا إبقاء الحكومة لقانون الطوارئ، وغياب الحريات الصحفية، ومنع نشاط الأحزاب السياسية، وحظر التجمعات، وإعطاء وزير الحكومات المحلية سلطة منع من يرغب منعه من ترشيح نفسه في الانتخابات، وقصر حق التصويت على من تعدوا الخمسة وعشرين عاما من العمر، ومد فترة المجلس المركزي. وأختتم المنشور بدعوة جماهير الشعب السوداني لمقاطعة الانتخابات.
كانت الحملات الانتخابية للانتخاب في المجلس المركزي تجرى على أساس العلاقات الشخصية، وكان على منظمي تلك الحملات أن يحصلوا مسبقا على موافقة سلطات الحكومة. ولم يستفد من تلك الموافقات الحكومية سوى بعض أعضاء الحزب الشيوعي في بعض المدن كالخرطوم وود مدني. غير أن سلطات الأمن سرعان ما فضت تجمعات أعضاء ذلك الحزب ومناصريهم بالقوة، واعتقلت منظميها بعد أن تبين لهم أنها كانت تهدف لإثارة الشعب ضد الحكومة. وتم إطلاق سراح هؤلاء – دون تقديمهم لمحاكمة - بعد فترة قصيرة من الاعتقال.
أما الاجتماعات والحملات الانتخابية التي سبقت التصويت في المناطق الريفية، فقد كانت تجرى على أساس قبلي وشخصي ودون تنظيم رسمي. ولم تجر في جنوب السودان أي حملات انتخابية لعدم وجود رغبة عند السكان في مثل تلك التجمعات، إذ أنهم كانوا يعادون – منذ سنوات – السلطات الحاكمة بالخرطوم، ويرتابون في كل خطوة تخطوها بسبب الاختلافات العرقية والثقافية، ومطالبتهم بنوع من الاتحاد الفيدرالي (federation).
4. مقارنة نتائج انتخابات 1958م و1963م
تأثرت انتخابات عامي 1958م (البرلمانية) و1963م (التي أجريت في عهد الحكم العسكري الأول بالسودان) بعوامل مشتركة مثل جهل الناخبين، وفشو التعصب القبلي، وصعوبة الأوضاع الجغرافية. غير أن هنالك بعض الاختلافات بينهما عند مقارنة نتائج تلك الانتخابات. فقد قلت نسبة المصوتين بنحو 20%، وزادت نسبة الذين فازوا بالتزكية بنحو 32% في انتخابات عام 1963م. وتميزت انتخابات 1963م أيضا بغياب (قسري) للأحزاب السياسية. ولعل هذا ما دعا بعض من لديهم اهتمام ومعرفة بالسياسة للعزوف عن المشاركة في تلك الانتخاب لعلمهم بعدم جدواها السياسية وفائدتها العملية في تغيير أو إصلاح الأوضاع. وحرم غياب الأحزاب السياسية الغالبية العظمى من الناخبين من التجربة التعلمية / التربوية السياسية التي كان يمكن أن توفرها لهم وجود الأحزاب السياسية في الساحة. وكان من نتائج غياب الأحزاب السياسية في بلد تسود فيه قلة الوعي السياسي هو عدم اكتراث المواطنين وزهدهم في المشاركة في الانتخابات، رغم زعم الحكومة أنها "تقود مواطنيها نحو الديمقراطية".
ورغم ما ذكرناه آنفا، فإن هنالك بعض المزايا للانتخابات غير المباشرة لبرلمان مركزي في بلد كالسودان. ولا يجب النظر للانتخابات غير المباشرة على أنها لا تتوافق مع الديمقراطية. وإن لم تحبذ الفيدرالية كوسيلة للحكم (لأي أسباب) فمن الأفضل إعطاء بعض المناطق ن حكما ذاتيا، خاصة في بلد واسع كالسودان. فهنالك في هذه البلاد لغات عديدة، وأعراق مختلفة، وعادات متباينة. وكل هذا يفضي إلى قلة الصلة والاتصال والشعور القومي / المجتمعي الواحد بين مختلف مكونات الشعب، ويؤدي بالضرورة إلى عدم قدرة الناخب (العادي) إلى اختيار ذكي لواحد من المرشحين. ولهذا السبب فإن الانتخاب عبر كلية انتخابية (electoral college) سيعوض عن غياب أو نقصان الوعي السياسي عند الناخبين. وقد أجريت حتى في عام 1953م انتخابات برلمانية غير مباشرة في بعض الدوائر. وإن أريد لنظام الانتخابات غير المباشرة أن ينجح، فلا بد من إعطاء المجالس المحلية مسئوليات وسلطات حقيقية، وألا يكون مجرد أداة أو مطية للسلطات التنفيذية.
ولا بد من الاعتراف بصعوبة الإجراءات الإدارية والتنظيمية المطلوبة لإجراء أي انتخابات في السودان بسبب كبر مساحته ووعورة جغرافيته (صحارى وغابات ومستنقعات)، وتوزع سكانه على مساحات كبيرة متباعدة، وعمل بعضهم بالرعي المتنقل بين مديريات مختلفة. ومن شأن كل ذلك أن يجعل عملية تسجيل الناخبين أمرا عسيرا.
كان من أكثر نتائج انتخابات 1963م غرابة هو فوز عدد كبير من المرشحين بالتزكية (502 من مجموع 1581). بينما فاز فردان فقط (من مجموع 173) بهذه الطريقة في انتخابات 1958م. وفاز في دائرة "أبو حجار" بالنيل الأزرق كل المرشحين بالتزكية، وفي دائرة دار كبابيش فاز 31 مرشحا من مجموع 35 بالتزكية.
*** **** ***
أشكر الأستاذ صديق محمد عثمان لجلبه لي هذا المقال للترجمة.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.