Fiscal and Monetary Systems in the Mahdist Sudan, 1881 - 1898
Yitzhak Nakash يتزاك ناكاش
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما جاء في مقال طويل للدكتور يتزاك ناكاش نشر عام 1988م في العدد العشرين من المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط "International Journal of Middle East Studies" ، تناول فيه الكثير من أوجه النظامين المالي والنقدي في عهد المهدية بالسودان بين عامي1881 و 1898م. والمقال مستل من دراسة أشمل قدمها الكاتب لجامعة حيفا بإسرائيل لنيل درجة الماجستير في عام 1984م، وكانت تحت اشراف البروفيسور والمؤرخ الشهير جبرائيل واربورج، والذي كتب الكثير عن تاريخ السودان في عهود المهدية والحكم الثنائي وما بعد الاستقلال.
عمل الكاتب لفترات مختلفة أستاذا وباحثا في بعض الجامعات والمراكز البحثية في الولايات المتحدة، منها مركز ويلسون بجامعة براندايس وغيرها.
وتجب الإشارة هنا إلى بعض من تناولوا شأن الاقتصاد في عهد المهدية مثل محمد سعيد القدال (في رسالته للدكتوراه والتي صدرت في كتاب عنوانه: "السياسة الاقتصادية للدولة المهدية" 1992م) وهدي مكاوي (في كتابها "البناء الاجتماعي في المهدية"، 2007م). وصدر عام 2014م كتاب "حكاية عملات مصر والسودان فى عصر أسرة محمد على" للباحث المصري محمد مندور.
المترجم
****** ******** ******
السياق السياسي
ضعفت سيطرة مصر على مقاليد الأمور في السودان في سبعينيات القرن التاسع عشر، بعد عزل الخديوي إسماعيل، وازدياد الاضطراب في غضون سنوات حكم ولده الخديوي توفيق، مما دعا بريطانيا لاحتلال مصر عام 1882م. ولذا ظهرت، للمرة الأولى بعد ستين عاما من الحكم، حركة محلية مناوئة ترغب في حكم البلاد. فقد أعلن محمد أحمد بن عبد الله في يونيو من عام 1881م أنه "المهدي المنتظر". وتواصلت معارك المهدي وجنوده ضد الحكومة، وتوجت بسيطرته على الخرطوم، عاصمة البلاد، في يناير من عام 1885م.
وعكس ظهور المهدية حالة استياء بالغ عند مختلف طبقات المجتمع السوداني من النظام المصري – التركي. ونتيجة لذلك ضمت الحركة المهدية مجموعات كثيرة من فئات الشعب السوداني تتباين خلفياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يكن ممكنا التقريب بين كل تلك المجموعات المختلفة إلا بشخصية كاريزمية مثل المهدي، وبرغبتهم المشتركة في الإطاحة بالنظام المصري (انظر المقال المترجم بعنوان "مهدي السودان: رائد أصولي" لجون فول، والذي لا يرى في المهدي قائدا كاريزميا بالمعني الأصلي للكلمة. المترجم). وظهرت منذ عام 1882م ثلاث مجموعات وسط أنصار المهدي:
المجموعة الأولى هي مجموعة أبكار المهدي، وهم أوائل الذين آمنوا بدعوته، وبمعارضته للنظام الحاكم بحسبانه نظاما فاسقا لا يحكم بشرع الله، ويسعون لإقامة نظام ديني أصولي تطبق فيها أحكام القرآن والسنة دون تحريف أو تعديل.
والمجموعة الثانية هي مجموعة من يسمون بـ "أولاد البلد" وهم أفراد القبائل المستقرة من أبناء البيروقراطية المدنية، الناقمين على النظام التركي – المصري، وغالب هؤلاء من الجعليين والدناقلة، وكانت تجارة الرقيق هي عصب اقتصاد حياتهم. وتضرر هؤلاء من سياسة الحكومة المحاربة لتلك التجارة والتي بدأ تطبيقها في نهايات سبعينيات القرن التاسع عشر. وبتأييدهم للمهدية كانوا يؤملون في استئناف طريقة حياتهم القديمة (يخالف كثير من المؤرخين الزعم بأن تثبيط الحكومة المصرية – التركية لتجارة الرقيق كانت سببا في انضمام كثير من السودانيين للدعوة المهدية).
أما المجموعة الثالثة والأخيرة فقد مثلت العدد الأكبر من بين مناصري المهدي، وتكونت في الغالب من أفراد القبائل الرعوية (الرحل) مثل البقارة في غرب السودان. وكان هؤلاء – بطبعهم - يمجون الامتثال لإدارة حكومة مركزية، ودفع ضرائب ومكوس لها. وساهم في انضمامهم لحركة المهدي وجود واحد من أقربائهم في قيادتها (عبد الله بن محمد)، الذي غدا مقربا للمهدي وفاعلا في مجلسه.
توفي المهدي في يونيو من عام 1885م بعد وقت قصير من إنجاز مهمة ثورته الأولى وهي الإطاحة بالنظام المصري – التركي. وظهرت الخلافات عميقة بعد وفاته بين المجموعات الثلاث المذكورة، مفصحة عما كانت تتميز به كل مجموعة من ميل نحو ذاتيتها ومصالحها الخاصة. وتصارعت تلك المجموعات الثلاث على خلافة المهدي ووراثة تراثه. وكانت تقف خلف عبد الله قوة مسلحة من أبناء قبيلته بالقرب من أمدرمان، بينما كانت قوات "أولاد البلد" منتشرة في أماكن متفرقة من البلاد. أما "أبكار المهدي" فلم يكن لديهم ما يصنعونه بأيديهم. ووضح أنه لم يكن بمقدور المجموعتين الأولى والثانية فعل شيء مؤثر وهما يفتقران للقيادة مقارنة بالمجموعة الثالثة، فمالت الكفة نحو من بيده القوة، وتمت مبايعة عبد الله خليفة للمهدي. ولعل الصراع حول السلطة بين المجموعات الثلاث كان يعكس الصراع التليد المعهود في مجتمع الشرق الأوسط بين "المدينة / الحضر" و"الصحراء". وفي حالة المهدية، أدخل أيضا عامل القبيلة ذلك الصراع. غير أن الأيام وحوادثها قد أثبتت أن امتلاك (الخليفة) عبد الله لزمام الأمور بفضل السند القبلي والقوة العسكرية لم يكن كافيا للسيطرة على مجتمع مدني / حضري، وإدارة دولة. لذا لم يجد الخليفة أمامه سبيلا غير فرض هيمنته على المجموعات الحضرية (التي لم تؤيده) عبر معارك مستمرة، ومحاولة حيازة المزيد من مواقع السلطة عن طريق سلب تلك المجموعات ثرواتها وسيطرتها الدينية / الروحية التقليدية. وزادت محاولة حكام المهدية تحويل الاقتصاد المحلي إلى واحد من قواعد سلطتهم السياسية من حدة صراعهم مع العناصر الحضرية.
لقد مر اقتصاد المهدية بمرحلتين حددتا مسار تطوره. فالمرحلة الأولى كانت مرحلة "الدولة الحربية / المحاربة" والتي أحرزت العديد من الانتصارات تحت رايات المهدية في سنواتها الأولى. وفي تلك السنوات نشأ "اقتصاد الغنائم booty economy". وفي عهد الخليفة (وهو الأطول في عمر المهدية) تشكلت بنية الاقتصاد، إلى حد كبير، أولا بتقليل جهود الدولة الحربية، وثانيا بنجاح المجموعة الحاكمة في تحويل الاقتصاد المحلي إلى قاعدة سلطة سياسية بمقدورها الحفاظ على السلطة الأعلى لها، ولنظامها الأوتوقراطي. وكان الاقتصاد المهدوي بشقيه المالي والنقدي يتبع ذات النهج.
النظام المالي The Fiscal System
أدت محاولات محمد علي باشا ومن خلفه من حكام مصر لجعل السودان بلدا مربحا للخزانة المصرية إلى إخضاع النظام المالي في السودان تماما للخزانة المصرية. وكانت مصادر دخل البلاد في العهد التركي – المصري هي الضرائب والجمارك. وكانت الضرائب تجمع من المزارعين نقدا (العشور) وعينا (ضريبة الأنعام على الأبقار والأغنام)، وعلى الأبقار (نادرا ما تكون نقدا) على ملاك الحيوانات. وإلى ما قبل سبعينيات القرن التاسع عشر، حين ألغي الرق، كان من الممكن للأهالي دفع ضرائبهم بمن كانوا تحتهم من مسترقين. أما بالنسبة للجمارك فقد كانت تفرض فقط على البضائع المستوردة قبل رفع احتكار تصدير بضائع من السودان في أربعينيات القرن التاسع عشر. غير أنه تم فرض الجمارك من بعد ذلك على البضائع المستوردة والمصدرة أيضا. أما مصروفات الدولة فكانت تتمثل في المصروفات الإدارية (مثل صرف مرتبات الموظفين والجنود والضباط). ومع قيام الدولة المهدية نشأ نظام مالي مستقل، عكس طبيعته وتطوره المجهودات الحربية المكثفة خلال عهد المهدي، والاحتياجات العسكرية، والتطلعات الشخصية للمجموعة الحاكمة في غضون سنوات حكم الخليفة.
تطور نظام المالية المستقل
أنشأ المهدي بيت المال لأول مرة في (قدير)، ولكن لم يبدأ العمل فيه بصورة منظمة إلا بعد سقوط الأبيض عام 1883م. وجعل سقوط تلك المدينة مناطق واسعة من غرب السودان (التي كانت تحت سيطرة الحكم التركي – المصري) تؤول لسلطة المهدي، واستتبع ذلك تراكم كميات ضخمة من الغنائم عنده. وبإقامة بيت للمال في الأبيض، أمكن للمهدي حفظ كل ما غنم في مكان واحد، وسهل ذلك الوصول إليها عند الحاجة، وقلل من فرص التعدي عليها بالسرقة أو الاختلاس أو النهب، ولإزالة الطريقة القديمة في حفظ الغنائم، والتي كان فيها كل خليفة من خلفائه يحتفظ بما غنمه جيشه. وعين المهدي صديقه أحمد سليمان أمينا لأول بيت مال في المهدية. وأنشئ فرع لبيت المال سمي "بيت مال الخمس" كان مخصصا للمهدي دون غيره. وذكر سلاطين في كتابه "السيف والنار" أنه لم يكن هنالك نظام دقيق لتسجيل ما يورد للخزانة في فترة تولي أحمد سليمان إدارة شئون بيت المال، مما يعني أن الرجل كان بمقدوره – لو شاء - أن يفعل ما يريد بما هو موجود في بيت المال دون مراجعة. ولا نعلم التاريخ الذي أقيم فيه بيت للمال في بربر، غير أن منشورا للمهدي أرسل في أكتوبر من عام 1884م يوضح أنه كان هنالك بيت للمال في ذلك التاريخ. ففي ذلك المنشور أمر المهدي محمد الخير عبد الله خوجلي أمير بربر العسكري بتعيين أحد مساعديه أمينا لبيت المال ببربر، وأن يحتفظ فيه بالغنائم والزكوات.
أما في عهد الخليفة عبد الله فقد ضعفت النزعات الحربية في الدولة وأقيمت بها أوتوقراطية مركزية، وتوسع النظام المالي بالدولة، وركزت أهدافه من أجل مقابلة احتياجات النخبة الرئيسة core elite بالبلاد. وكان أول قرار يتخذه الخليفة بعد أن بويع خليفة للمهدي هو عزل أحمد سليمان من منصبه بسبب خلاف نشِب بينه وبين الخليفة في أيام حكم المهدي حول كيفية إدارة بيت المال. وعين الخليفة إبراهيم عدلان (والذي عمل لسنوات طويلة تاجرا في كردفان) بديلا له، وأمره بتنظيم ما يرد ويصدر عن بيت المال في دفاتر حسابات منظمة، وأن يعرضها عليه في فترات محددة. وأمره كذلك بحفظ سجل بأسماء جميع من تلقوا أجورا أو أموالا أو رواتب تقاعدية من بيت المال.
وأنشأ بيت المال (المركزي) في أمدرمان - التي نقلت إليها العاصمة من الخرطوم - عام 1885م. ولعل بيت المال في الأبيض كان قد فقد أهميته بعد تلك السنة بعد سقوط (فتح) الخرطوم في يناير من ذلك العام، ولم يَعُدّ يعتبر إلا خزانة إقليمية. وذكر يوسف ميخائيل (المولد القبطي الأصل الذي عمل كاتبا في بيت المال بأم درمان خلال سنوات حكم الخليفة) أنه بالإضافة لأمين بيت المال، فقد كان هنالك في تلك السنوات سبع وظائف قيادية أخرى ببيت المال، منها "أمين المبيعات" (أي مدير المشتريات)، و"صراف الخزانة" (أي رئيس الشؤون المالية) ، و"أمين دفتر خانة" (أي مسئول الحسابات)، و"أمين بيت مال الفيء" (أي رئيس الدائرة / الخزانة الخاصة بالخليفة)، و"أمين مبيعات الرقيق" (أي المسؤول عن شراء وبيع المسترقين)، و"أمين الشونة" (أي المسئول عن المخازن والغلال)، و"أمين سجن بيت المال" (أي المسؤول عن سجن الخزانة).
وكان لبيت المال المركزي في أمدرمان فروع في الأقاليم. وذكر القس النمساوي اورفالدر أنه كان لبيت المال تسعة فروع في كل من بربر ودنقلا والقلابات وكركوج والجزيرة وفشودة وكردفان ولادو وجبل الرجاف. ويوضح لنا هذا المثال من كردفان الطريقة التي كان يراقب بها الخليفة عبد الله تلك الفروع. كان الخليفة يثبت نسب الضرائب من وقت لآخر ويخبر بها أمير (حاكم) كل منطقة. ويقوم كل حاكم بإخطار من تحته من العمال بالنسبة التي يقدرون بها الضرائب على المزارعين. ويبعث هؤلاء بدورهم بمحصلين ليجمعوا من سكان القرى الضرائب بمعرفة شيخ كل قرية. ثم يرسل المبلغ أو الحيوانات المجموعة كضرائب إلى الأمير أو حاكم المنطقة، والذي يقوم بإخطار الخليفة بما تم جمعه من ضرائب، وبما يتوقعه من مصروفات في أمارته، واحتياجاتها، حتى يحتفظ بما يكفي أمارته من أموال تلك الضرائب.
ولما لم يكن رجال القبائل المساندة للخليفة مؤهلين بما فيها الكفاية للأعمال المكتبية نسبة لطبيعتهم الرعوية (البدوية)، فقد عين الخليفة في بيت المال بأمدرمان بعض كتبة العهد التركي – المصري السابق. ووضعهم الخليفة – بحكم الضرورة – في مناصب عالية ببيت المال مع أنهم من طبقة اجتماعية لم يكن يثق بها أو يعتمد عليها تماما. وكان يعينهم لفترات قصيرة ثم يعزلهم، بل أعدم واحدا منهم. وفي عهد إبراهيم عدلان في أمانة بيت المال (بين عامي 1885 – 1889م) حدث تفضيل لـ "النخبة الرئيسة" على "النخبة المتخصصة" في مجال صنع القرارات في بيت المال. كان إبراهيم عدلان تاجرا بالغ الثراء في كردفان وله صلات تجارية بمصر (التي زار عاصمتها وأماكن أخرى عديد المرات). وذكر القس أورفالدر بأن عهد إبراهيم عدلان كأمين لبيت المال كان قد شهد استقرارا في الأسواق وثقة عند المتعاملين فيها. وفي حالات نقص السيولة بالخزانة، كان بمقدوره بسهولة أن يقترض 5 إلى 6 آلاف ريال من نحو عشرين تاجرا ثريا مقابل تعهدات خطية (كمبيالات) تعطى لهم من بيت المال. وأفلح عدلان في إعادة فتح التجارة بين بربر وسواكن، وبين بربر وكورسيكو، ونجح في تنشيط التجارة في البلاد بصورة عامة. وكان عدلان حريصا في سنة المجاعة (عام 1889م) أشد الحرص على ألا يفرغ مخزن الغلال ببيت المال. ورغم عسر الوضع فقد أفلح الرجل بصورة معقولة في تحقيق ذلك. وكان حريصا أيضا على الفقراء، وضمان أن ينالوا نصيبا من الغلال. ولما أمر بالبحث عن الغلال في المدينة، أدرك من بحثه أن مخازن أقرباء الخليفة كانت مملوءة بها. غير أن سياسة عدلان في خلال سنة المجاعة أوردته المهالك. فقد شب بينه وبين الأمير يعقوب (أحد اخوة الخليفة) - بحسب ما أورده يوسف ميخائيل – نزاع في عام المجاعة، حيث أمر يعقوب عدلان بالذهاب إلى الجزيرة وجمع الضرائب. غير أن يعقوب لم يقنع بما جلبه عدلان من هنالك، واستجوبه في هذا الأمر. ورد عدلان بأنه جمع بالفعل كل ما كان في وسعه جمعه من الأهالي. غير أن عدلان لم يتحسب لردة فعل يعقوب والخليفة لما عداه من اعتبار سلوك عدلان تهديدا لدولتهما، خاصة بعد أن جلب الخليفة أهله وأفراد قبيلته لأم درمان، وكان عليه إطعامهم. وأجبر الخليفة المزارعين على بيع ما كان عندهم من قمح بثمن بخس (ربما كان المقصود هي الذرة وليس القمح. المترجم)، بل وأجبر عدلان على الذهاب للجزيرة وأخذ ما عند المزارعين عنوة ومن غير مقابل. وعند رفض عدلان تنفيذ تلك السياسة أمر الخليفة بإعدامه. ولضمان سيطرته على بيت المال، قام الخليفة بتعيين محمد الزاكي عثمان (من قبيلة الخليفة) أمينا لبيت المال، وعوض المرضي (الذي عمل في العهد المصري – التركي كاتبا في كسلا) كمساعد له بحكم خبرته السابقة في الأمور المالية. وتوضح حالة عدلان في إدارة بيت المال علاقة العمل بين "النخبة الرئيسة" و"النخبة المتخصصة". وبما أن العلاقة بينهما لم تعرَّف أو تحدد سلفا على نحو واضح، فلا غرابة إذن في حدوث مشاكل بينهما في مدى الصلاحيات التي تمنحها "النخبة الرئيسة" لـ "النخبة المتخصصة". وكان إعدام عدلان إشارة واضحة لـ "النخبة المتخصصة" بأن تكتفي بلعب دور "التكنوقراط"، وألا تعارض مصالح "النخبة الرئيسة".
وابتدع الخليفة حلا للصراعات التي قامت بين من عينهم سابقا في بيت المال، فأعاد تنظيمه وفقا لقاعدة "فرق تسد divide et impera"، حيث عمل على الحد من سلطات أمين بيت المال (المركزي) بإقامته "هيئات مالية fiscal bodies" إضافية، سماها أيضا "بيت المال / الخزانة"، تعمل باستقلالية تامة عن بيت المال (المركزي)، ولها مصادر دخل خاصة تصرف على أهداف حددها الخليفة بوضوح. ورغم عدم علمنا بالتواريخ المحددة التي أنشأ فيها الخليفة تلك الهيئات المالية الإضافية، إلا أننا نعلم أنه كان في سنة 1892م على الأقل خمس هيئات مختلفة تعمل في أم درمان هي "بيت مال العموم"، و"بيت مال الملازمين" و"بيت مال ورشة الحربية والترسانة" و"بيت مال زبطية السوق" و"بيت مال الخمس والفيء" (والأخيرة هي الخزانة الخاصة بالخليفة). وكان إنشاء بيوت مال عديدة محاولة من "النخبة الرئيسة" إبعاد أمناء بيت المال (المركزي) من عملية اتخاذ القرار، ولمنع قيام أي محاولة لعمل مستقل قد تفكر "النخبة المتخصصة" في تنفيذه إزاء "النخبة الرئيسة". ومنحت خطوة الخليفة تلك الحكام المهدويين سلطة مطلقة على دخل الدولة.
مصادر الدخل وأوجه الصرف
شكلت الغنائم المصدر الأساس للدخل في عهد المهدي، وكانت تتكون من الأسلحة والذخائر والرقيق والأنعام والبضائع وسبائك الذهب والفضة، والحلي والمجوهرات والنقد. وبُعَيدَ سقوط الأبيض أمر المهدي كل البدو الذين انضموا لجيشه بإحضار كل ما غنموه للأبيض. وخصص خمس تلك الغنائم لنفسه، بينما ترك الباقي كدخل رسمي لبيت المال. وبعد عامين من سقوط الأبيض فتح المهدي الخرطوم، وأمر تارة أخرى كل من غنم شيئا من المعارك السابقة أن يعيده لبيت المال، وحذر وأنذر الأمراء والأنصار من مغبة إخفاء ما غنموه، وتوعدهم بعذاب أليم في الدنيا والآخرة. ورغم أن البعض ظل يخفي ما غنمه، إلا أن بيت المال تكدس بالذهب والفضة والنقد. وأصدر المهدي منشورا للكافة أوضح فيه طريقة تقسيم الغنائم، مفرقا بين الجنود النظاميين، والمتطوعين الذين لم يكن الجهاد هو مهنتهم الرئيسة.
وبعد فتح الخرطوم، غدت الضرائب مصدرا مهما لبيت المال. وشملت تلك الضرائب الزكوات والعشور والصدقات و"الغرامات". وأرسل المهدي عدة منشورات لعماله في الأقاليم لتوضيح عمليات وتواريخ جمع الضرائب، بأثر رجعي من سبتمبر 1883م (أي عند هزيمة هكس في شيكان)، وعين لجمعها محصلين متخصصين، مثلما كان عليه الحال في العهد السابق. وكانت غالب الضرائب تتكون من محاصيل وأنعام، وحدد نسبتها بـ 10%. وغنمت الدولة كل ما تركته الحكومة المصرية والمصريون والمسيحيون من أراض في الخرطوم والحلفايا، والفتيحاب، وبربر، والكاملين ودنقلا بحسبانها غنائم وفيء، وقامت بتأجيرها في مزادات مفتوحة، وصادرت الدولة أيضا المحلات التجارية والوكالات والأسواق التي كان يملكها المصريون والمسيحيون وقامت بتأجيرها بأعلى سعر يمكن الحصول عليه. وشملت مصادر دخل بيت المال الغرامات التي كانت تفرض على اللصوص وشاربي الخمور ومستخدمي التبغ بأنواعه. ولا يعرف الكثير عن أوجه الصرف من بيت المال في عهد المهدي في أم درمان.
أما في عهد الخليفة فقد زادت مصادر الدخل من ذات المصادر التي سبق ذكرها. وكان مما زاد من الدخل هو تقليل إنفاق الدولة الحربي، وفرض ضرائب وجمارك على البضائع المستوردة للبلاد (نسبتها 22.5%)، وتلك المصنوعة بالبلاد (نسبتها 12.5%). وكان النور الجريفاوي هو أول من أدخل تلك الضرائب المستحدثة. وكان بيت المال يتلقى دخلا إضافيا من التجار، حيث كانوا يجبرون على تسليف الدولة مبالغ (سميت تبرعات) قلما كانت ترد، وهي أشبه بما كان يمارسه المماليك عندما حكموا مصر.
وكانت أوجه صرف بيت المال (المركزي) في عهد الخليفة تتمثل في مرتبات "الجهادية" وتكاليف نقل القوات، ودفع الزكوات لمستحقيها، وامداد الإقليم بالمواد التي تحتاجها. وبحسب ما أورده وينجت باشا في كتاب أصدره عن تلك الفترة وجه الخليفة في سنة المجاعة (1889م) كل موارد بيت المال لأفراد قبيلته، وصادر بعض الأراضي الخصبة في الجزر الواقعة قرب العاصمة وعلى ضفاف النيل إلى بربر ومنحها لهم، وأعطاهم أيضا نصف محصول منطقة الجزيرة عندما أيقن أن دخل بيت المال (المركزي) لن يكفي حاجتهم. وخصص الخليفة بيت مال خاص للصرف على مرتبات "الملازمين" (وهم نحو 9000 من حرسه الخاص على رأسهم الأمير عثمان آدم) من دخل أراض خصصت لهم في الجزيرة، ودخل المناطق الحدودية المجاورة للحبشة.
النظام النقدي The Monetary System
كان النظام النقدي قبل دخول الأتراك والمصريين للسودان يعتمد على المقايضة، إذ لم تكن هنالك عملة مسكوكة. وكانت المقايضة تتم بالحبوب والملابس والحديد والملح للمشتريات البسيطة، وبالذهب للمشتريات الأكبر. ووجدت بعض العملات الإسبانية والنمساوية طريقها إلى السودان، حتى في بعض قرى سنار، حيث كان الأهالي يستخدمونها بحسبانها سلعا، ويحتفظ بها البعض كحلي ومجوهرات، لجمالها وأيضا للحفاظ على قيمة ما يملكون. أما في الشرق (في سواكن ومصوع) فقد كانت العملة السائدة هي الطالر thaler (ماريا تيريزا). وساد أيضا هنالك استخدام قطع صغيرة من الذهب وسبائكه.
وزاد استيلاء الحكم التركي – المصري للسودان من حجم تجارته الخارجية، مما استلزم سك عملات فضية وذهبية، جنبا إلى جنب الجنيه المصري والعملات الأوربية، التي شاع استخدامها في المدن الكبيرة. وأدخلت أيضا العملات المعدنية مثل القرش والبارا والتعريفة. وأدخلت أيضا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر عملة اسمها "خيرية" لم يقبل الأهالي استخدامها إلا على مضض.
سك العملة في العهد المهدوي ومعدلات التحويل
مع قيام الثورة المهدية لم يعد المتعاملون في الأسواق المحلية يعتدون بمعدلات التحويل (سعر الصرف) التي كانت الحكومة المصرية – التركية قد حددتها. ويبدو أن كميات الذهب التي غنمها الأنصار في معاركهم ضد تلك الحكومة ساهمت في تقليل قيمة العملات الذهبية. وتنبه المهدي باكرا (في ديسمبر 1884م) إلى تلك الظاهرة فأصدر منشورا حدد فيه معدلات التحويل (قدم الكاتب جدولا بتفاصيل معدلات التحويل للفرج الله، والجنيه المصري، والإفرنجي، والمجري، والجنيه البتو (الفرنسي)، والجنيه المسكوبي (الروبل الروسي)، والمجيدي (جنيه السلطان عبد المجيد) وغيرها من العملات الأجنبية. المترجم).
وبعد سقوط (فتح) الخرطوم، أي بعد شهرين من صدور ذلك المنشور تراكمت كميات كبيرة من المعادن النفيسة والحلي والمجوهرات، وعملات الذهب والفضة والعملات الأوربية التي غنمها الأنصار وخزنت جميعها في الخرطوم. وعوضا عن أن يطلق المهدي تلك العملات للتداول، قرر أن يسك عملته (الوطنية)، ربما رغبة منه في تنظيم النشاط النقدي الوطني في دولته الوليدة، وللتأكيد على أنه غدا الحاكم الجديد الذي لا سلطة فوقه إلا الله. وأصبح المهدي هو أول حاكم في وادي النيل لا يضع اسم السلطان العثماني على العملات التي أصدرها.
وأمر المهدي أحمد سليمان باستدعاء صاغة الخرطوم ليبنوا له مصنعا لسك العملة، وعين الساعاتي الياس عبد الله الكردي مديرا له. وأتفق على سك جنيهات ذهبية وريالات فضية وأنصاف ريالات فضية. وأتخذ من الجنيه الذهبي المصري والريال المجيدي الفضي نموذجين (models) لسك الجنيه والريال الجديدين، على التوالي. ولتشجيع الأهالي على استخدام العملة الجديدة تم طبع كلمة "مصر" على وجه منها، لتجعلهم يظنون أن هذه عملة مصرية مثل تلك التي تعودوا على استخدامها. وكان الذهب المستخدم في سك العملة الجديدة مما يستخرج من منطقة سنار، وكان من عيار 23، مقارنة بعيار الجنيه الذهبي المصري من عيار 21. وكان الريال الفضي الجديد يزن 23 جراما، ونسبة الفضة فيه مشابهة لتلك الموجودة في الريال المجيدي. وسك المهدي فيما بعد عملة نصف ريال، وكانت تشابه الريال فيما عد أن ما ختم عليها كان "بأمر المهدي" وليس "محمد المهدي" كما في الريال.
ومن المشاكل التي أثارتها العملات الجديدة هو أن نسبة الذهب أو الفضة الذي صنعت منه تفوق نسبتها ما هو موجود في العملات الأوربية وغيرها مما كان متداولا بين الأهالي، مما عجل باختفائها من الأسواق. فقد كان الصاغة يذيبونها، ويجعلونها سبائك يقومون بتصديرها لمصر. وكانت تلك العملات سهلة الكسر باليد ومسكوكة بطريقة سيئة، مما أثر سلبا على متانتها وبقائها قيد التداول. وجعل ذلك التجار يقبلونها بأقل من قيمتها الحقيقية.
ومع تناقص الوارد من الغنائم، بدأ مخزون بيت المال من الذهب يغيض شيئا فشيئا، وأضطر المهدي إلى إيقاف سك النقود الذهبية لعام كامل (حتى نهاية عام 1886م). وبدأ ما كان متداولا بين الناس من عملات المهدي والعملات الأجنبية في النضوب، حتى أضطر الناس لاستخدام قطع الذهب والفضة عوضا عن العملات المعدنية. وصار هنالك شح بالغ في العملات الصغيرة، مما أضطر الخليفة في عامه الأول لجعل قطع الدمور عملة مبرأة للذمة. (للمزيد حول سك العملة في ذلك العهد يمكن النظر في المقال المترجم "سك العملة في عهدي المهدي والخليفة لأتش اس جوب، والمنشور في مجلة "السودان في رسائل ومدونات"ز المترجم). وأعاد الخليفة عمليات سك العملات المعدنية في أم درمان بعد أن عاف الناس استخدام الدمور كعملة بديلة عنها، ولظنه بأن ذلك الإجراء سيزيد من دخله. وبدأ إبراهيم عدلان في نهايات عام 1886م في سك ريال فضي جديد، أطلق عليه اسم "مقبول"، كانت نسبة الفضة فيه أقل مما كان في ريال المهدي. ورفض معظم التجار قبول "مقبول" رغم تهديد الخليفة ووعيده. وأمر الخليفة بتقليل كمية الذهب والفضة في عملاته المعدنية بعد أن فشت في عهده محاولات تهريب سبائك الذهب والفضة إلى مصر، وتزايدت رغبته في رفع دخل بيت المال. وواصل النور الجريفاوي في ما بدأه سلفه عدلان فسك عملة سميت "أبو صدر/ سدر" كانت أصغر حجما وأقل وزنا للفضة من عملة "مقبول". وفي عهد عوض المرضي سك بيت المال عملة أخرى سماها الناس "أبو كبس"، كانت نسخة سودانية من العملة التي سكها الخديوي توفيق في مصر عام 1888م، وعملة أخرى في عام 1893م أطلق عليها المتعاملون "أم جدادة".
وأفضت التغييرات التي أحدثها المهدي وخليفته في الاقتصاد المحلي والسياسات النقدية إلى خلق عمليات تضخمية وانكماشية (inflationary and deflationary processes) في النقد. أما التضخم فقد كان سببه تراكم كميات كبيرة من سبائك الذهب والفضة والمجوهرات والحلي والعملات المعدنية النفيسة، ثم تخفيض قيمة العملات الذهبية في عام 1884م. فقد كان الجنيه الإسترليني (وذهبه فيه يفوق 90%) يتبادل (أو يصرف) بريالين ونصف مجيدين (كانت نسبة الفضة فيهما تعدل نحو 80%)، بينما كان ذات الجنيه الإسترليني في العهد المصري – التركي يعادل 6 إلى7 ريالات مجيدية. ولعل هذا ما كان يحدث في مدينة الأبيض الغنية بالتجارة بعد سقوطها في يد القوات المهدية.
وبعد أن سيطر المهدي على العاصمة ومعظم مناطق السودان بدأت تلوح مظاهر انكماش في الاقتصاد كان مرده سك وإدخال عملات جديدة، تأبي الأهالي على استخدامها في معاملاتهم. فرغم ارتفاع كمية الذهب والفضة في تلك العملات التي سكها المهدي باكرا مقارنة بالعملات الأجنبية، إلا أنها كانت قابلة للكسر باليد، وسيئة الصنع، مما جعل الناس يحجمون عن استخدامها، ويفضلون إذابتها وتحويلها لسبائك. وبهذا تناقصت قدرة الدفع في اقتصاد الدولة. وأدى توقف المهدي عن سك عملة جديدة إلى خفض حجم الكتلة النقدية المتداولة بين الناس. وبليت العملات الأجنبية من كثافة الاستخدام. وبالإضافة إلى ذلك أفضى تخفيض كمية الذهب والفضة في العملات التي سكها الخليفة لتناقص قيمتها الحقيقية. ولم تفلح محاولاته إدخال عملات نحاسية (مثل الريال أبو جدادة) في السوق لأن الأهالي لم يكونوا على استعداد لتقبل فكرة العملات النحاسية أصلا.
لقد كان قرار المهدي سك عملته المستقلة محاولة منه لعلاج الخلل في النشاط النقدي المحلي الذي سببته الحرب، والذي أفضى لفصل السودان عن اقتصاد مصر. وشهد عهد الخليفة تدخلا مكثفا لـ "النخبة الرئيسة" في النظام النقدي بالبلاد، ومحاولة للسيطرة على موارد البلاد، مع استبعاد "النخبة المتخصصة" من اتخاذ القرارات الاقتصادية المهمة بالبلاد. وحاولت تلك النخبة (الحاكمة الفعلية للبلاد) جعل ذلك النظام مربحا لها بتقليل كميات الفضة في العملة المتداولة، وتخفيض قيمتها، والسيطرة على سعر صرفها.
لقد أدخل تحول المهدية (خاصة في عهد خليفة المهدي) من حركة دينية – سياسية إلى دولة عامل سلطة القبيلة في الصراع بين الجماعات البدوية والجماعات الحضرية، وساند الخليفة جماعته البدوية لتثبيط المعارضة الداخلية لحكمه، وللسيطرة الكاملة على الاقتصاد. وسعى بعض من تسنموا مواقع عليا في الدولة لزيادة ثرواتهم الشخصية ونفوذهم السياسي. ونجح هؤلاء في عزل البيروقراطية الحضرية التقليدية، وفي حرمانها من المشاركة في اتخاذ القرارات المهمة في الدولة، وكذلك وفي السيطرة التامة والمباشرة على قيادة الجيش. وأتاح لهم كل ذلك سلطة مطلقة على دخل الدولة، وعلى تحديد نتائج صراعاتها الداخلية في داخل الدولة. غير أن نجاح هؤلاء الحكام في تجيير النظامين المالي والنقدي (بل على كل جوانب الاقتصاد في الدولة) لصالحهم لم يكتمل بسبب ظهور عوامل خارجية (أوربية) استعمارية في أواخر القرن التاسع عشر، كانت تفوق قوتهم بما لا يقاس، وتعادي وجود دولة أوتوقراطية مستقلة في أفريقيا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.