قصة إنشاء ميناء بورتسودان (1)
بقلم: كولن رالستون باتريسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
تقديم: في هذا المقال الذي نشر في المجلة البريطانية "دراسات السودان" (العدد 39 الصادر في يناير 2009) قام المؤلف البريطاني كولن رالستون باتريسون بالتوثيق لإنجاز قام به عمه المهندس رالتسون كينيدي في مجال تخطيط و تنفيذ ميناء بورتسودان بعد سنوات قليلة من الفتح البريطاني المصري للسودان. و الجدير بالذكر أن المؤلف كولن رالستون باتريسون كان يعمل و إلي حين تقاعده في 2002 بروفسيرا  للطب في جامعة دندي الاسكوتلندية، و لكنه في هذا المقال يكتب كمؤرخ محترف مدعما بحثه بالصور و الأشكال التوضيحية و المراجع.
و السطور التالية محاولة لتلخيص موجز لبعض ما كتب ذلك الطبيب عن إنجازات عمه المهندس
قبل عقود!
استعاد الجيش البريطاني المصري  بقيادة الجنرال هورايتو كتشنر  السودان من قوات المهدية في عام 1898، و غدا كتشنر بذلك الإنجاز بطلا قوميا. كان الرجل يختار معاونيه بعناية فائقة و كتب إليهم ذات مرة تعميما طمئنهم فيه علي أنه يثق في أنهم سيؤدون المهام التي ألقيت علي عواتقهم بكامل الإخلاص و التفاني و السرعة المطلوبة، و أنه لن يتواني عن عزل كل من يفشل في أداء مهمته، و أنه لن يتدخل كثيرا في طريق أداءهم  لعملهم إن أفلح في الوصول للهدف المنشود بصورة مشرفة و سريعة و فوق هذا و ذاك بأقل التكاليف.
لا بد من تسجيل حقيقة أن أعدادا صغيرة نسبيا من الإداريين و الضباط البريطانيين قد نجحت  في انجاز كثير من الأعمال في زمن قصير جدا، لعل ابرز هذه الإنجازات هو إنشاء ميناء بورتسودان علي ساحل البحر الأحمر. و سيسجل التاريخ أن ذلك الإنجاز كان و سيظل من أكبر إنجازات و ثروات السودان، بيد أنه سيسجل أيضا إن عملية إنشاء ذلك الميناء قد صاحبتها كثير من المشاكل و الخلافات الشخصية بين العاملين في ذلك المشروع الضخم. و في هذه الورقة سنحاول استكشاف بعض الجوانب غير المعلومة عن خلفيات بعض القرارات التي تركت أثرا علي الميناء حتى يومنا هذا.
كانت أولويات الجنرال كتشنر تحتم عليه أن يولي أمر إعادة بناء مدينة الخرطوم معظم اهتمامه، خاصة إعادة بناء قصر الحاكم العام حتى ينزع أي شك في قلوب السودانيين من أن الحكم الجديد قد أتي ليبقي. عين كتشنر أول مهندس في خدمة حكومة السودان و هو الملازم جورج جورنجي (و الذي منح لقب سير فيما أقبل من سنوات). استدعاه  كتشنر ببرقية بالغة الاختصار و الصرامة جاء في نصها الآتي: " احضر فورا للخرطوم لبدء الأعمار. لدينا 20000 جنيه. ابدأ بالقصر".  و ما أن بدأ شهر يناير من عام 1899 حتى كان 20000 من الرجال يجدون في صنع الطوب، و بعد مرور شهر واحد رصفت كل الطرق و غرست 7000 شجرة.
في أغسطس من عام 1899 انضم لفريق المهندسين الملازم ماكدوقال راليستون كينيدي و هو الحائز علي ميدالية لإشرافه علي مشروع هندسي في كانيدا بجزيرة كريت. كان ذلك المهندس لصيقا بكتشنر في مجال الإنشاءات. في ذات مرة كلفه كتشنر بالتخطيط لعمل مبني ما فقام الملازم الليل كله لإنجاز الخرائط و عرضها في الصباح الباكر علي كتشنر للحصول علي موافقته. نظر إليها كتشنر للحظات ثم فتح أحد أدراج مكتبه و أخرج منها خرائطا لا بد أنه قضي في عملها الساعات الطوال و رمي بها للملازم قائلا: "هذه هي فكرتي"!
و في ديسمبر من عام 1899 حل كينيدي محل جورج جورينجي و الذي انتقل للعمل تحت إمرة الجنرال كتشنر في حملاته في  جنوب أفريقيا. عين كينيدي كمدير للأشغال العامة في ابريل من عام 1904 و مضي في عملية الإنشاء و التعمير بوتيرة لا تعرف الكلل. تم بناء القصر علي نفس قواعد القصر القديم الذي عاش فيه غوردون باشا، و بعد بناءه سكن فيه كتشنر لوقت وجيز في خريف 1899. افتتحت مكاتب الحكومة في عام 1901. و منذ ذلك التاريخ بدأت الحكم الثنائي تحت إمرة سير ريجلابد وينجت (و الذي خلف كتشنر) في التفكير في إقامة خط سكة حديدي من النيل عند أتبرا إلي سواكن علي ساحل البحر الأحمر. ظلت سواكن مدينة عتيقة تحتضن ميناءا هاما لتصدير الصمغ العربي و منفذا بحريا للحجاج المتجهين نحو مكة. كان من المأمول أن يسهم وصول خط السكة حديد إلي سواكن في تسهيل عمليات تصدير محاصيل نقدية جديدة مثل القطن.
كلف كينيدي في عام 1903 بمراجعة أمر إقامة الخط الحديدي و أن يكتب تقريرا عن مدي تقدم سير العمل فيه، فركب البحر الأحمر علي سفينة كانت تقل الحجاج من السويس و سمع من قبطان السفينة خلال الرحلة كلاما كثيرا عن المشاكل التي سيواجهها في سواكن. أخبر ذلك القبطان كينيدي بأمر هام جدا ستكون له آثارا هامة علي اقتصاد البلاد، إذ اخبره بوجود مرسي أفضل من سواكن و لا يبعد أكثر من خمسة و ثلاثين ميلا (56 كيلو) شمال مكان يسمي "شيخ برغوث" (يسميه الهدندوة حتي اليوم حسب ما أنبئنا به صديق خبير "برؤوت". المترجم)  تيمنا بإسم شيخ صالح دفن هناك و له قبة تزار، و أراه ذلك المرسي فوجد فيه كيندي  مكانا منسبا جدا لميناء جديد يبز سواكن. كانت سواكن جزيرة ذات فتحة ترتبط مع البحر بواسطة قناة ملتوية ضيقة. كانت تلك الفتحة من الضيق بحيث لا تسع دخول سفينة حمولتها تزيد علي 5500 طن، و   لا تتسع تلك الفتحة لأكثر من خمسة أو ستة سفن في آن معا، بل لا يمكن لتلك السفن من أن تدور حول نفسها في ذلك الممر المائي الضيق. و شهد كيندي مثالا علي ذلك بنفسه عندما رأي احدي البواخر علي اليابسة تحاول الالتفاف و دخول الماء.
و بالإضافة إلي نقائص سواكن كميناء، فلقد لاحظ كيندي أن سواكن كمدينة تعاني من قصور عظيم. كانت سواكن جزيرة ضيقة تعج بالمساجد العتيقة. كانت الأراضي المحيطة بتلك الجزيرة (عدا منطقة واحدة كان يعمل فيها مهندسو السكة حديد) تعج بفرائس (quarries) تحتاج إلي أن تملأ. و باختصار، توصل كيندي إلي أنه من الصعوبة إنشاء ميناء حديث في سواكن دون بذل أموالا طائلة لا قبل للحكومة وقتها بها. و علي النقيض من ذلك فإن الفتحة في "شيخ برغوث" كانت أوسع و أعمق و أفسح تتيح للسفن المناورة و الدوران في كل الاتجاهات. كانت المنطقة حول ذلك الميناء المقترح مهجورة مقفرة لا يسكنها احد مما يجعل استملاك الأرض لإنشاء الميناء و المدينة زهيد التكاليف.
لم يكن كيندي هو أول من أشار إلي مشاكل مدينة سواكن. فلقد كتب الملازم مهندس شيبندل (و كان يتجول في سواكن هو و زميل له يدعي واطسون في إنتظار تجهيز قافلة جمال تأخذهما عبر الصحراء) متسائلا عن الحكمة من اختيار سواكن كميناء في المقام الأول، إذ أن مدخل الميناء مغطي بالشعب المرجانية لدرجة تمنع السفن من الدخول ليلا للميناء. كان ذلك الرجل (و ربما آخرين كذلك) علي علم بوجود مرسي آخر أكثر ملائمة من سواكن يقع شمالا.
تلقي كيندي في عام 1904 أمرا من السير وينجت ببحث إمكانية تعديل و توسيع القناة المؤدية لميناء سواكن. بحث كيندي الأمر و كتب في تقريره أنه حتى إن أمكن تنفيذ ما طلبه وينجت فإن ذلك سيهلك مالا لبدا، و ستظل عيوب الميناء الأخري كما هي. فصل كيندي في تقريره المرسل في ابريل من عام 1904 كل عيوب ميناء سواكن و الفوائد المرتجاة من إنشاء ميناء جديد في "شيخ برغوث". أكد كيندي في تقريره  أنه و تنفيذا للأوامر الصادرة إليه  فلقد قام بوضع خطط إعادة بناء و تعمير ميناء و مدينة سواكن و المباني الحكومية فيها، بيد أنه يقترح التروي و عدم التسرع بصرف أموال طائلة في ذلك المشروع قبل أن تدرس لجنة مختصة أمر "شيخ برغوث".
لم يتسرع السير وينجت في البت في الأمر و ظل حائرا يقلب الأمر من كل النواحي. كانت يعتقد – مخطئا- أن البحرية الملكية تؤثر سواكن علي ما سواها، و كان محرجا بعض الشيء أمام تجار سواكن و الذي قطع لهم وعدا بضمان رفاهيتهم و نمو تجارتهم و ازدهارها عند وصول خط السكة حديد إلي منتهاها في مدينتهم، و كان الجميع منذ عام 1901 يتنبئون لسواكن بمستقبل واعد و بأن تنمو تجارتها و تربو . كذلك كان السير وينجت يخشي من تغيير خططه بعد أن قطع العمل في مد خط السكة حديد شوطا مقدرا.
ظل كيندي يلح علي السير وينجت بأن يكون لجنة تشمل خبراء من البحرية الملكية كي تعاين الموقعين (سواكن و "شيخ برغوث" ) بيد أن الأخير ظل أسيرا لتردده و شكه مما دعا كيندي – بعد أن عيل صبره-  إلي تخطيه و الكتابة مباشرة إلي رئيس وينجت في مصر اللورد كرومر. علي إثر ذلك كونت لجنة لبحث أمر الميناء كما اقترح كيندي، و لكن وينجت أسرها في نفسه و لم يغفر لكيندي فعلته المخالفة للعرف العسكري المتبع، و سادت بينهما أجواء من العداء و الكره و ظلال من التوجس و الريبة. كونت اللجنة التي تدارست أمر الميناء الجديد من ثلاثة مهندسين و قبطان في البحرية الملكية و قدمت تقريرها في أكتوبر 1904 و الذي أتي مفضلا "شيخ برغوث" علي سواكن كميناء جديد مقترح. أضاف التقرير أيضا أن تحويل نهاية خط السكة حديد من سواكن للمدينة الجديدة لن يؤخر إكمال مد خط السكة حديد إلي النيل، فلسوف يكتمل بناء الخط الحديدي في خلال ثلاثة أو أربعة أعوام، بينما يمكن أن ينتهي العمل في إنشاء الميناء الجديد في خلال عام و نصف تقريبا.
رحب كيندي بالتقرير بيد أنه تحفظ علي ما أوصت به اللجنة من أن يكون مساحة المدينة المقترحة تعادل خمسة مرات و نصف مساحة حدائق القصر في الخرطوم. كان كيندي يعتقد أن مساحة المدينة المقترحة ينبغي أن لا تقل عن أربعة أمثال ما أوصت به اللجنة. كان الرجل يتحسب لإمكانية التوسع المستقبلي في المدينة المقترحة، و كان يصر علي أن المباني لا بد أن تكون علي بعد لا يقل عن 140 ياردة من رصيف الميناء الجديد. تم أخذ ملاحظات كيندي في الاعتبار عند وضع الخطط النهائية للميناء الجديد، و التي قام كيندي نفسه بعملها في خلال اسبوعين اثنين. كان كيندي مهموما أيضا بتأمين مصادر مياه شرب للمدينة، و فكر في حفر آبار ترتبط بأنفاق تصب في وحدة تجميع للمياه  يمكن توزيع المياه منها. كان الرجل يدرك أن مياه الآبار في سواكن و "شيخ برغوث" ستكون في الغالب مالحة، لذا فلقد نصح بحفر الآبار بأعماق بعيدة أو حفرها في مناطق بعيدة عن البحر.
نقلا عن "الأحداث"