عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   

 

 حفزني مقال صديقي الذي لم أره في حياتي فتحي الضو عن الحسد عند الساسة السودانيين (غفر الله لهم جميعا أحياء و أمواتا) لمحاولة الكتابة عن "الحسد" من نواحي أخري لا علاقة لها بالساسة والسياسة (و هي عند البعض "مركب سفهاء"). و الحسد من الصفات التي لطالما ظللت أسمع عنها (و أحسها) بكثرة مفزعة في مسيرة ترحال طويل في بلدان كثيرة في "عالمنا العربي" حيث وجدت الناس في كل بلد يصفون مواطنيهم بأنهم "أحسد الناس" ! تكرر ذلك في أكثر من ثلاثة بلدان مختلفة! و لا عجب أن علمت أن بالعالم العربي ما لا يقل عن ربع مليون ما بين عراف وساحر و متشعوذ أو دجال يقنعون أكثر من 55% من النساء (و نسبة "مقدرة" من الرجال) بأنهم "محسودون"... فتأمل! معلوم أن كلمة "الحسد" وردت كثيرا في لغتنا في محوري الدين و الدنيا، فلقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالي: (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمنكم كفرا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). وكذلك في الآية الأخرى( أم يحسدون الناس على ما ءاتهم الله من فضله ...)، وقال تعالى:( قل أعوذ برب الفلق ... ومن شر حاسد إذا حسد). و جاء في الحديث الشريف: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق؛ ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها ) متفق عليه." و هنالك إشكال أزلي حول كيفية أن يحسد المرء شخصا آخر في أمر محمود بينما تقول الآية: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ..."  (النساء:32)، وقد فُسرت الآية الكريمة بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما أُعطيَ أخوه من نعمة، بحيث تنتقل تلك النعمة إليه؛ و فسر ذلك الإشكال بأن المقصود هو أن العلماء قسموا الحسد إلى قسمين، أحدهما: محمود؛ والثاني: مذموم؛ فأما الحسد المحمود، فيسمى حسد الغبطة، وهو أن يتمنى الإنسان أن يكون له مثل ما للآخرين، من غير أن تزول تلك النعمة عنهم؛ أما الحسد المذموم - وهو المراد عند الإطلاق - فهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن الغير، سواء عادت تلك النعمة إليه، أم عادت إلى غيره. و من حكمنا الأزلية "كل ذي نعمة محسود"، و "اللهم لا حسد" و فلان أحسد من ..... و و المبدعون العرب علي وجه العموم ( و الشعراء في مقدمتهم) مهوسون – إلي حدود متفاوتة-  بالحسد، و الأمثلة علي ذلك لا تكاد تعد. فلقد سار بين الناس بيت المتنبئ الشهير:لو سركم ما قال حاسدنا-----   فما لجرح إذا أرضاكم ألمو حكمة الآخر حين انشد:وكلٌ أدوايه على قدر دائه------- سوى حاسدي فهي التي لاأنالها
وكيف يدواي المرء حاسد نعمة------- إذا كان لايرضيه إلا زوالها
و سمعت من طالب سابق لبروفسير عبد الله الطيب أنه قال –  و لعله صادق-  أن "العلماء أحسد من التيوس"، و معلوم أن  البروفسير كان لا ينفك عن الشكوى شعرا و نثرا  من حساده من كل صنف و لون، و له في ذلك أبيات من الشعر عديدة. و في أحد استطراداته المحببة في "العين" (و هي من أبواب الحسد عند العرب) يكتب البروف عن سيارة له حمراء فاقع لونها تثير الناظرين لمحها رجل شديد السواد فألتمعت عيناه وسأل البروف أن يبيعها إياها فأبي، و ما هي أن لحظات حتى أتت سيارة مسرعة و اصطدمت بسيارته الحمراء الأثيرة فأحيط بها!أما في تراثنا المحلي فإننا ننتمي أن تكون "عين الحسود فيها عود"، و أما جيراننا شمالا فإنهم يستغربون من حسد المرء لمن ليس من عنده ما يحسد عليه فيقال استغرابا في مثل (مبتذل؟) أن القرد قد حسد لاحمرار مؤخرته... كل ما سبق هو في شرقنا الحبيب. أما في الغرب (الحبيب ايضا) فإن الحسد (envy) يعد من الموضوعات الجديدة نسبيا التي تجد إهتماما متزايدا – يحسد عليه!- عند الباحثين في علوم النفس و السلوك و الاجتماع و غيرها. نشر قبل عامين باحثان من قسم علم النفس جامعة كنتكي الأميركية هما ريتشارد إسمث و سينج كيم مقالا جامعا في مجلة النشرة السايكولجية Psychological Bulletin عن "فهم الحسد". تكرم الباحث الأول – كما هي عادة البحاث و العلماء- ببعث المقال االيكرونيا إلي كاملا بعد ساعات من طلبي له، فالله در من اخترع تلك التقنية البديعة! لخص الباحثان نتائج معظم الدراسات الجديدة الهامة التي أجريت حول سايكولجية الحسد. و الحسد يعرف عند هؤلاء العلماء ( كما يعرفه العامة أيضا) بأنه تلك العاطفة غير السارة التي تثور عند الفرد عندما يحس بنقصه عند المقارنة مع الآخرين، و يجب التأكيد علي أن الحسد "عاطفة عدائية" تحفز الحاسد علي القيام بسلوك عدواني. وأمثلة الجرائم التي كان مبعثها الحسد لا حصر لها و لا عد، فهي قد شملت الكثير من الاغتيالات و القتل و التخريب و غيرها، و قصص التاريخ و الأدب علي ذلك شاهدة ناطقة.و لجرائم الحسد أصول تاريخية ذكر كتاب المسيحيين المقدس طرفا منها ، منها قصص عن طبيعة إبليس   (Lucifer)الخبيثة، و قتل قابيل لأخيه هابيل و "صلب" المسيح. و جاء النهي عن الحسد في المرتبة الثانية في وصايا "العهد القديم" العشرة الشهيرة.عرف بعض العلماء الحسد بأنه الرغبة في تدمير الأشياء الجميلة إن كانت ستؤول للغير، و بأنه غريزة مدمرة تنكر الحياة تتميز بموجة غضب عارم، و بالإحساس بنشوة خبيثة عند شعور المحسود بالمعاناة أو الفشل. يعد الحسد سببا رئيسا – في زعم بعض فلاسفة اليمين المتطرف - في ثورة الجماهير من أجل العدالة الاجتماعية، بل و يعدون عصرنا هذا هو "عصر الحسد" بلا منازع، ذلك العصر الذي يكره الناس فيه الناجح لأنه ناجح، و الطيب لأنه طيب. و زعم فيلسوف مسيحي حديث هو أوكارو أن الحسد هو العاطفة الرئيسة المسببة لكل سلوك آثم، و من أجل هذه العاطفة الخبيثة جاءت "الوصايا العشرة" لمكافحة هذه الآثام و الذنوب,  يزعم الفيلسوف نيتشه (1887 - 1967) أن الحسد هو السبب الرئيس خلف فكرة "الفناء العادل" المتأصلة في المسيحية، و التي مفادها هو انتصار الضعيف علي القوي باستعمال المبادئ الأخلاقية الدينية. يقسم بعض علماء النفس الحسد لقسمين: الحسد الصحيح/ المطلق (سيد الاسم envy proper) و الحسد الحميد (begnin envy) و الحسد الحميد لا يحمل ضغينة و لا مشاعر عدائية، بل هو إلي "الإعجاب" أقرب منه إلي الحسد (و هنا نتذكر الفرق في تراثنا بين الحسد و الغبطة و هي الإعجاب بما لدي الغير دون تمني زوال نعمته). و الحسد الحميد قد يكون إيجابيا بناءا يدعو إلي التقليد و المحاكاة و ليس للتخريب و التدمير. و من أمثال الغربيين المشهورة أن "التقليد أعلي مراحل الإعجاب". من المفاهيم الملتبسة هى التداخل بين "الحسد" و الشوق و التوق (longing) لما عند الغير، و الأخير غالبا ما يتضمن التوق و الشوق لنيل ما عند الآخر دون اهتمام أو اعتبار لمالك الشيء ذاته. و هنالك التداخل و الالتباس بين الحسد و بين الغيرة (jealousy)، بينما هما مختلفان تماما. فالحسد يكون بين أثنين يملك أحدهما شيئا لا يملكه الآخر، و يستهدف الحسد شخصا أو مجموعة ما، بينما تكون الغيرة بين ثلاثة أشخاص، و يكون الشخص الأول (الغيور) خائفا من فقدان الشخص الثاني بسبب مزاحمة شخص ثالث. و ينبع الحسد و الغيرة من مواقف مختلفة تماما، و يولدان تقييمات متباينة و ينتجان تجارب عاطفية متميزة. و لعل الالتباس بين الغيرة و الحسد (خاصة في اللغة الإنجليزية) هو التباس يتعلق بدراسة معاني الكلمات (semantic)، رغم أن الغيرة ترتبط غالبا بأمور عاطفية، إلا أن الغيرة قد يصاحبها الحسد أيضا. هنالك التباس أيضا بين الحسد و الاستياء (resentment) و الاستياء عاطفة تثيرها المقارنات الاجتماعية مع احد الأفراد أو المجموعات التي تتمتع بما يفتقده الشخص المستاء. فعند الحسد (و ليس الاستياء) يحس الحاسد بأن من يحسده لا يستحق فعلا النعمة التي يتقلب فيها، أو يري الحاسد أنه لا يستحق حرمانه من تلك النعمة التي يفتقدها. قد يتأتي الاستياء من الشعور بأن المعاملة التي لقيها تفتقر إلي الإنصاف. و أفضل مثال لشرح مفهوم "الاستياء" هو ما نراه عند الطفل عند شعوره بتفضيل طفل غيره عليه. وو في القرآن الكريم ورد "استياء" أخوة يوسف (أو حسدهم له) حين قالوا (لَيوسف وأخوه أحب إلى أبينا منّا ونحن عصبة إنَّ أبانا لفي ضلال مبين).و كما تري أيها القارئ فإن "الحسد" ... تلك الكلمة البسيطة التي نكثر من استعمالها (و الشكوى منها) قد جعل منها الناس عامة (والعلماء بخاصة) موضوعا للدراسة المكثفة و التشريح المتخصص و التحليل المطول، و لا غرو، فالحسد غريزة متأصلة ليس هنالك من اتفاق حتى علي تعريفها و تفكيك خباياها و توضيح المتشابه منها. و بقي علي الأستاذ فتحي الضو أن يعيد النظر في أمر "حسد ساسة السودانيين" أهو بالفعل  "حسد" أم "غبطة" أم "استياء" أم "اشتياق و توق" أم "غيرة " أم كل ذلك معا؟ أم أن الأمر "كله عند العرب صابون"!  نقلا عن "الأحداث"