: Past and Present Anti-vaccinationists

 

تم نشر هذا المقال المترجم في سودانايل عام 2007،  ونعيد نشره الآن (مع قليل من التعديل) بعد ازدياد الرفض للتطعيم ضد أنفلونزا الخنازير.

___________________________________________________________

نشر الأمريكيان روبرت وولف وليزا شارب (من جامعة نورث ويسترن بشيكاغو) ورقة نشرت في المجلة الطبية البريطانية في عددها رقم 325 بتاريخ 24 أغسطس 2002 عن ماضي وحاضر الرافضين للتطعيم. ولما كان هنالك الآن اتجاه في السودان (خاطئ ومضر في نظري) يقوده الشيخ/ صادق عبد الله عبد الماجد ضد تطعيم الأطفال بدعوي أنه "مؤامرة يهودية صهيونية ماسونية ..." بحسب ما ورد في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة قبل شهور، رأيت أنه من المناسب ترجمة هذا المقال ونشره حتى نعلم أن الشيخ ليس وحيدا في رفضه للتطعيم وأن آخرين كثر (حتى في البلاد التي جاءت منها فكرة التطعيم) يرفضونها أيضا لأسباب متنوعة، تماما كما أن الشيوخ الذين يرفضون القبول بكروية الأرض ليسوا "أفذاذا متفردين" بل سبقهم – حتى في هذا الرأي المخطئ- جماعات عديدة في العالم الغربي!

ملخص الورقة:

1.  يعتبر الطبيب العمومي البريطاني إدوارد جينير (1749- 1823) هو أول من أدخل فكرة التطعيم في الوسط الطبي وانتشرت من بعد ذلك حملات التطعيم في بدايات القرن الثامن عشر

2.  سنت بين أعوام 1840 و 1854 قوانين تجعل التطعيم إلزاميا في بريطانيا. تلي ذلك مباشرة تكوين جمعيات لمناهضة التطعيم قامت بمعارضة تلك القوانين لانتهاكها الحرية المدنية.

3.  تم في عام 1898 تعديل قانون التطعيم ليستثني أطفال من يعارضون التطعيم لأسباب تتعلق بالضمير conscience)) وأدخل بذلك في القانون الإنجليزي مفهوم تعطيل نفاذ قانون ما لمخالفته ضمير معتقد في شأن يقع تحت طائلته.

4.  استمرت الجمعيات المناهضة للتطعيم في العمل حتى القرن الواحد و العشرين، ولأفرادها الآن وجود بارز في الشبكة العنكبوتية (الإنترنيت) ، وهم مستمسكون بعروة ذات الأفكار التي كان يستشهد بها من سبقوهم في القرن التاسع عشر.

يعد إصدار قانون التطعيم البريطاني لعام 1840 أول "تعد" من الدولة (بذريعة الصحة العامة) علي الحريات المدنية التقليدية، وتعتبر نشاطات الجماعات الحالية المناهضة للتطعيم امتدادا لنشاط من سبقهم من جماعات في أواخر القرن التاسع عشر دون تغيير يذكر في الآراء أو الحجج المساقة لرفض التطعيم. وينشط أفرادها – خاصة في مواقع الإنترنيت- في حملتهم المعارضة للتطعيم بكافة صوره مما قد يكون له آثار ضارة علي معدلات الذين يتلقون التطعيمات. و يعتقد الكثيرون أن هذه المعارضة أمر مستجد و حدث فقط مع ازدياد أعداد التطعيمات التي يتلقاها الفرد الآن. ولكن في الحقيقة بدأت مناهضة فكرة التطعيم بٌعيد وقت قليل من إدخال التطعيم ضد مرض الجدري و لم تخب نار تلك المعارضة إلي اليوم. لقد اختلفت وسائل نشر المعلومات عند الرافضة منذ القرن التاسع عشر بيد أن ما يحدثه رافضو التطعيم من تأثير في بريطانيا و الولايات المتحدة ظل على وتيرته قوياً نافذاً منذ ذلك التاريخ . كتب المؤرخ مارتن كاوفمان عن حركة المناهضين للتطعيم في أمريكا في القرنين التاسع عشر و العشرين فقال : "ومع تحسن الممارسة الطبية و مع القبول المتزايد لدور الحكومة الفيدرالية في الصحة العامة بدأ نفوذ الجماعات المناهضة للتطعيم في الخفوت والذبول و الانزواء إلي أن انهارت تلك الحركة بالكامل".

نأمل في هذه السطور عن تاريخ الحركات المناهضة للتطعيم أن ننبه العاملين بالحقل الصحي (و غيرهم...المترجم) للتطورات التاريخية التي لازمت قيام هذه الحركات و عما تستند إليه في دعواها في رفضها للتطعيم.

بدأ التطعيم في الانتشار في بدايات القرن التاسع عشر بعد أن قام الطبيب العمومي الإنجليزي إدوارد جينيرز بتقديم مقال للجمعية الملكية في لندن عام 1796 مفصلا فيه نجاحه في حماية ثلاثة عشر فردا من مرض الجدري وذلك بحقنهم بسائل أخماج حية (live infectious) مأخوذ من قروح وقشور مصابين بالجدري البقري. تسببت تلك العملية في إحداث مرض الجدري البقري (وهو مرض حمي (فيروسي) خفيف الوطأة) و إعطاء مناعة ضد مرض الجدري. أسمي إدوارد جينيرز المادة التي قام بحقنها "vacca " وهي مأخوذة من الكلمة اللاتينية والتي تعني بقرة، و أسمي العملية كلها vaccination (و تترجم بكلمة تطعيم أو تلقيح أو تحصين، ويسميها أهلنا أحيانا القروحة...المترجم).

رغم كل ذلك فإن المجتمع العلمي الطبي لا يعتبر أن إدوارد جينيرز هو الذي "اكتشف" التطعيم ، بل يعد أول من أعطي دليلا علميا علي فائدة التطعيم وله الفضل في جعله منتشرا ومقبولا لدي العامة.

قانون التطعيم (1840 -1898) ومقاومة التطعيم:

نص قانون التطعيم في المملكة المتحدة لعام 1840 علي أن يكون التطعيم بالمجان للفقراء و منع ما كان يعرف ب (inoculation / varilation) وهو ما كان يمارس من حقن لمادة الجدري في مكان مخبوء في الجسم (حتى لا يحدث تشوها خلقيا في مكان ظاهر من الجسم عند حدوث المرض). نص قانون تطعيم آخر صدر في عام 1953 علي جعل التطعيم إلزاميا لكل الأطفال في شهور حياتهم الثلاث الأولي، ونص علي سجن أو تغريم الآباء الذين لا يقومون بتطعيم أبنائهم. ثم صدر قانون آخر في عام 1867 رفع سن التطعيم الإجباري إلي سن أربعة عشر عاما مع فرض عقوبات تراكمية علي المخالفين. مثلت هذه القوانين "ابتداعا" سياسيا من الحكومة لتوسيع دائرة سلطاتها و نفوذها بذريعة الصحة العامة علي مناطق كانت محمية تقليديا بسياج من الحريات المدنية.

بدأت حملات مناهضة هذه القوانين مباشرة بعد أول إصدار لها في عام 1853 وقامت مظاهرات معارضة في إيبسويش وهنلي و متفورد ومدن أخري. تم في ذات العام تكوين رابطة مناهضة التطعيم في لندن وعدت هذه الرابطة مثابة لرافضي التطعيم و مركزا حيويا لهم. تلي إصدار قانون عام 1867 قيام المناهضين للتطعيم بتركيز جهودهم علي أن تلك القوانين تنتهك الحرية الشخصية و تحرم الفرد من حرية الاختيار، و كونوا رابطة لمناهضة التطعيم. قام هؤلاء بنشر بيان مكون من نقاط سبع ثبتوها علي رأس صحيفتهم المسماة

National Anti- Compulsory Vaccination Reporter تبدأ ب:

1. يجب علي البرلمان تولي حماية كل حقوق الإنسان

2. لقد أدي البرلمان دورا معاكسا لما كان ينبغي أن يقوم به عند إصداره لقوانين التطعيم التي تنتهك حق الأبوين في حماية أطفالهم ضد الأمراض

3. بدلا من أن يحمي البرلمان حرية الفرد فلقد قام بالعدوان علي هذه الحرية بجعل الصحة الجيدة جريمة يعاقب عليها القانون أبوين مخلصين في تربية أبنائهم بالسجن أو الغرامة المالية. إن ذلك لما يستوجب الإدانة و الشجب.

 

ويليام هيوم روزري. رئيس رابطة مناهضي التطعيم. 1878.

ظهرت في أعوام السبعينات و الثمانيات من القرن التاسع عشر العديد من الكتب و المجلات التي تتحدث بلسان مناهضي التطعيم و من تلك المجلات The Anti-Vaccinator التي أسست في عام 1869 و National Anti-Compulsory Vaccination Reporter الصادرة في 1874 وVaccination Inquirer الصادرة في 1879. و ظهرت بعد ذلك عدة حركات مشابهة في دول أوروبا الأخرى. ففي مدينة ستوكهولم السويدية مثلا رفضت غالبية السكان التطعيم و عند حلول عام 1872 كان عدد الذين تم تطعيمهم لا يزيد عن 40% من السكان، بينما كانت نسبة المطعمين في مناطق السويد الأخرى تفوق التسعين في المائة. دعا ذلك الوضع الذي كان ينذر بحدوث أوبئة وشيكة الطبيب المسئول عن الصحة د/ جرهاس كي ينادي باتخاذ إجراءات أكثر حزما مع رافضي التطعيم. وحدث ما كان يخشاه الرجل، فلقد وقع وباء ضخم في عام 1874 هز المدينة فهرع الناس إلي مراكز التطعيم و بذا تحاشوا حدوث المزيد من نوبات الوباء.

تزايد الضغط الشعبي من قبل المناهضين للتطعيم في بريطانيا العظمي. اضطرت السلطات لفتح ملف التطعيم في 1885 و ذلك بعد أن قام معارضو التطعيم بمظاهرة ضخمة في مدينة ليستير أمها بمائة ألف شخص. عينت الحكومة لجنة تحقيق ملكية لبحث مظالم المناهضين للتطعيم و لسماع آراء المؤيدين و المناهضين للتطعيم. ظلت لجنة التحقيق تعمل لسبع سنين متصلة لسماع كل الآراء.خرجت اللجنة في تقريرها الصادر في 1896 بخلاصة مفادها أن التطعيم يحمي من مرض الجدري، بيد أنها ، و كبادرة حسن النية و إرضاء لمعارضي التطعيم، فلقد أوصت اللجنة بمنع العقوبات التراكمية. أدخل في قانون التطعيم لعام 1898 بندا يمنع العقوبات التراكمية و أدخلت بندا يتعلق بأن يعمل المرء بما يمليه عليه ضميره (conscience clause) ويسمح للآباء والأمهات الذين لا يؤمنون بفعالية التطعيم أو سلامته بالحصول علي شهادة إعفاء من التطعيم. أدخل هذا القانون مفهوم المعارض بوحي من الضمير ((conscientious objector)) في القانون الإنجليزي.

أمريكا الشمالية:

مع نهاية القرن التاسع عشر بدأ النشاط المعارض للتطعيم في الازدياد رغم أن حملات التطعيم الضخمة في بداية ذلك القرن كانت قد نجحت في كبح انتشار وباء الجدري، وتوقفت التطعيمات ولم يعد هناك ما يمكن التطعيم ضده. ولكن في بداية سبعينات القرن التاسع عشر انتشر الوباء مرة أخري فقامت الولايات بإعادة تفعيل قوانين التطعيم وسن قوانين جديدة للتطعيم. أثار ذلك حملات احتجاج عنيفة علي قوانين التطعيم. جاء وليم تب كبير مناهضي التطعيم في بريطانيا لمدينة نيويورك في عام 1879 و ساهم في تكوين الجمعية الأميركية لمناهضة التطعيم، و توالي من بعد ذلك تكوين الجمعيات في مختلف الولايات. قامت هذه الجمعيات بحملات احتجاج أثمرت عن سحب العقوبات المنصوص عليها في قوانين التطعيم في ولايات كاليفورنيا و إلينوي و إنديانا و مينيسوتا و غرب فيرجينيا و يوتا وويسكنسون. قامت جمعيات مناهضة التطعيم بالتقدم للمحاكم بشكاوي ضد الحكومات المحلية و وزارات الصحة الولائية ، و أشعلت نيران المعارضة ضد قوانين التطعيم فاندلعت المظاهرات في مونتريال و ملواكي.

رافضو التطعيم بين قرنين:

أدي ازدياد الموجات المناهضة للتطعيم في القرن العشرين إلي ازدياد اهتمام وسائل الإعلام بالحركات المناهضة لتطعيم الأطفال. عند المقارنة بين حجج المناهضين للتطعيم قبل قرنين و حججهم الآن لا نري كبير فرق، مما يدلل علي اعتقاد عميق لا يتزحزح وولاء مطلق لا يتبدل و تتداوله الأجيال جيلا بعد جيل حملا لذات الأفكار التي كان يحملها من ابتدروا معارضة تطعيم الأطفال. تدعوا هذه المقارنة إلي أن تتفهم المؤسسة الطبية أن مناهضي التطعيم شديدو الإيمان بمبادئهم و غالبا ما تكون أفكارهم المعارضة مبنية علي أسس فلسفية أو روحية، و أن هذه الأفكار المعارضة لم تتغير أبدا لنحو قرنين من الزمان. و تشمل أفكار هذه الجماعات المناهضة للتطعيم نظريات المؤامرة، و أيضا تشمل أفكارا مركبة لمتعلمين له خبرة و دراية ناقدة بالأدب الطبي و العلمي و يحملون معتقدات معينة في أمور الطبيعة و البيئة و الشفاء ووسائله.

يعد التطعيم من بين كل المتطلبات الطبية في العصر الحديث أمرا فريدا، إذ يتطلب من المرء أن يقبل بأن يحقن بدواء أو مادة طبية في داخل جسمه، وبأنه أثار موجة معارضة نشطة. بدأت تلك المعارضة مع أول تطعيم ضد الجدري منذ قرنين ولم يخب أوارها إلي اليوم وربما لن يفعل أبدا. وهنا توجد معضلة أمام الوسط الطبي حول كيفية مجابهة الرافضين للتطعيم. إن تجاهل هؤلاء الرافضين سوف يعرض صحة المجتمع للخطر، بينما ستحدث خروقات وتعديات خطيرة علي قيم الحريات المدنية وحرية التعبير إن واجهت الدولة معارضي التطعيم بالقوة. لن يبرح هذا التوتر الخلاق مكانه بيننا ولن تفلح القوة وحدها في القضاء عليه.