badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

 

نشرت مجلة "نيو آفريكان" في عددها الصادر في سبتمبر 2009م ملفاً يثير الغضب والنقمة (والتفكير أيضا) عن ما اقترفه الاستعمار البريطاني في حق ثوار "الماوماو" الكينيين.

وتعرف موسوعة "ويكيبديا" الماوماو بأنهم مجموعة "متمردة" من المزارعين الكينيين تمردوا على الحكم البريطاني لبلادهم بين عامي 1952م و1960م. تضيف الموسوعة أن أولئك "المتمردين" كانوا في الغالب من عرق "الكيكيو"، مع قلة من جماعات عرقية أخرى هي "الأمبيو" و"الميرو"، وتفيدنا بأن ذلك التمرد العسكري قد فشل عسكريأً، بيد أنه أفلح في خلق هوة كبيرة بين وزارة الداخلية البريطانية والمستوطنين البريطانيين الذين اتخذوا من كينيا موطناً لهم، وهذا مما عجّل بمنح كينيا استقلالها في عام 1963م، وشجّع مواطني الدول الإفريقية الأخرى للمطالبة باستقلالهم أيضاً عن الإمبراطورية البريطانية.

 

ذكرت تلك الموسوعة أن اسم "الماوماو" ليس من صنع تلك الحركة، والتي كانت تسمي نفسها بلغتها "الحركة" أو "الفهم" أو "قسم الوحدة". لم ينس كاتب مقال تلك الموسوعة أن يظهر نفسه بمظهر المؤرخ المنصف، فكتب قائلاً إن "الأعمال الوحشية" قد ارتكبت في سنوات "التمرد" من قبل الطرفين، يعني المستعمر البريطاني و"الماوماو". فلقد أوردت مصادر كثيرة أن رجال الشرطة البريطانيين في كينيا أزهقوا أروح ما لا يقل عن عشرين ألفاً من "الماوماو"، وعذبوا عدداً (كبيراً) ليس معروفاً علي وجه التحديد من "الماوماو" المؤكدين، والمشكوك في أمرهم، والمتعاطفين معهم بالجلد والاغتصاب وإحداث العمى وفظائع أخرى منها إدخال العقارب والثعابين والسكاكين والبيض الحار والزجاجات المكسورة في أدبار الرجال وفروج النساء (وهنالك ما هو أفظع). بل إن المستوطنين البريطانيين "لم يقصروا" في أداء "عبء الرجل الأبيض" في تقديم العون لرجال الشرطة في تعقب "الماوماو" ومن يتعاطف معهم وفي استنطاق من يقع في يدهم من هؤلاء. ورد أن أحد هؤلاء المستوطنين البريطانيين ذكر أنه وبينا كانت الشرطة تستجوب أحدهم: "قطعت خصيتيه، ولاحظت أن أذنيه كانتا قد جبتا، وأن إحدى عينيه قد أزيلت من محجرها وتدلّت، يا للأسف... لقد مات الشقي قبل أن نستخلص منه أي معلومات مفيدة". وقال أحد رجال الشرطة بعد أن قبض علي ثلاثة من الرجال شكّ في أنهم ينتمون للماوماو: ""وضعت فوهة مسدسي علي فم أحدهم،وضغطت علي الزناد، فتطاير دماغه في كل ناحية، ثم التفت على الرجلين، وحذرتهما أنهما سيلقيان ذات المصير إن لم يخبراني عن مكان عصابتهما. لم ينبسا ببنت شفه فقتلتهما أيضا. عندما حضر رئيسي أخبرته بما حدث، فلم يزد علي القول بأن علي أن أقوم بدفن الجثث وتنظيف الحوائط مما علق بها من دم وقطع بشرية".

كل ذلك مذكور – وبتفاصيل أشد مرارة- في موسوعة الويكبيديا، مع تأكيدها أن "الماوماو" قابلوا العنف بالعنف، بل إنهم هم من ابتدروه.

 

لكن ما ورد في مجلة "نيو آفريكان" يركز علي قصص إنسانية حقيقية بالغة البشاعة والقسوة حدثت على يد البريطانيين في كينيا ويحكيها من قدر له أن ينجو من "القوم الظالمين". تقول الكاتبة الصحفية زارينا باتل على لسان أحد الناجين من بطش المستعمر، وهو شيخ كبير فقد البصر يتوكأ علي عصاه ويقوده دليل، إنه لم يولد فاقداً للبصر، بيد أن رجال الأمن البريطانيين كانوا قد سكبوا علي عينيه مادة حارقة لشكهم في أنه يتعاطف مع "الماوماو". وحكى عجوز آخر أن البريطانيين أصابوه بطلقة في ساقه اليمنى أدت لبترها، ثم مضوا يجرونه جراً على أرض معسكر الاعتقال من رجله اليسرى. ومن القصص المحزنة عن تلك الفترة الوحشية التي تقصها السيدة جين مارا، أنها اعتقلت عندما كانت في الخامسة عشر من عمرها عندما كانت تعد الطعام وترسله سراً لأخيها المقاتل مع حركة "الماوماو"، ولما أبت البوح بمكان أخيها ورفاقه، قام أحد زبانية الأمن البريطانيين بملأ زجاجة بماء يغلي ودفع بها برجله في داخل فرجها وهي تصرخ من شدة الألم المبرح. وزادت بالقول أن الجنود أمروها مع ثلة من البنات اليافعات بالجلوس أرضا وأن يمددن سيقانهن، ومضي الجنود يمشون عليها بأحذيتهم الثقيلة. تركت ذكرى ذلك التعذيب الوحشي آثاراً جسدية ونفسية عميقة عند تلك السيدة، خاصة وأن أخاها لم يشاهد بعد ذلك حياً أبدا، وجعلت صورا مؤلمة لما حدث لها تتراءى أمامها كلما مسها زوجها.

 

أقام البريطانيون "معسكرات اعتقال وتعذيب" لمن قبضوا عليه من المتهمين بموالاة ومساعدة "الماوماو" مورست فيها أبشع وسائل التعذيب من الضرب واللكم والجلد المبرح في أي مكان في الجسم، والقعود والوقوف علي الركب علي حصى صغيرة في الصيف تحت شمس لاهبة، وحمل اسطال (جرادل) تفيض بالبول والبراز أو بالأحجار الثقيلة على الرأس. بل أن المستعمر البريطاني كان يدخل المعتقلين من "الماوماو" قسراً في أحواض ومغاطس مليئة بالمبيدات الحشرية مخصصة للأبقار المصابة بالحشرات والقراد! ويسبق ويتبع كل ذلك الضرب واللكم والضرب بالسياط. فقد كثير من رجال "الماوماو" خصوبتهم بسبب ما جرى، ومات كثيرون. وفي هذه المعسكرات الويل كل الويل لمن تسول له نفسه العصيان أو الاحتجاج. يؤمر المعتقلون العصاة بالزحف بركبهم على حصى صغيرة في منتصف النهار الحار وهم رافعي أيديهم لمسافات طويلة، وقد يؤتى بالمعتقلين الجدد وهم مقيدي الأرجل واليدين ويصب عليهم ماء مثلج أثناء "حفلات" الضرب واللكم والشتم.

 

كان ثوار "الماوماو" وهم تحت التعذيب يئنون أنيناً مميزاً عرف بـ"أنين الماوماو"، وعدوه صرخة لتحد رمزي لقهر جلاديهم. ما أن يبدأ أحد المعذبين في المعسكر في إطلاق ذلك الأنين حتى يبدأ جميع المعتقلين في المعسكر في "الأنين" معه تعبيراً عن الصمود والتضامن والتحدي. ويا ويل من يبدأ في "الأنين"، فقد يقوم رجال الفرقة الخاصة بالتعذيب بلوي رجله ووضعها على رقبته، وبحشو فمه بالتراب الحار، وضربه حتى يفقد الوعي. فقد كثيرون من أولئك الثوار عقولهم من هول ما تعرضوا له من تعذيب لا يحتمل، وغدت معسكرات التعذيب أشبه بالمصحات العقلية. ومن لم يمت منهم تحت التعذيب مات بأمراض منها الإسهال وحمي التيفود.

 

أقام البريطانيون ما أسموه بالقرى "الآمنة" خارج معسكرات التعذيب تلك، بيد أن ما سمي بالقرى "الآمنة" كان في الواقع مكاناً للقتل والاغتصاب والاعتداء علي الأجساد، بل والشنق.

لابد من القول أن هنالك من أصحاب الضمائر الحية والوجدان السليم من البريطانيين من صرح بمعارضته لما كان يجري من مخازي. فلقد سمعت السيدة/ باربرا كاسل النائبة العمالية اليسارية

(1910 – 2002م) من دنكن ميكفيرسون مساعد قائد الشرطة البريطانية عن ما كان يجري من تعتيم علي ما يرتكب ضد ثوار "الماوماو" من فظائع وانتهاكات، وشكا لها ميكفيرسون من أن ما يحدث في كينيا أشد نكيرا مما حدث له هو شخصيا إبان اعتقاله عند اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية. أثارت السيدة كاستل تلك القضية، بيد أن صوتها ضاع وسط الزحام!

شبّه قاض كيني ما جري بأنه يفوق ما حدث في معسكرات الاعتقال النازية.

من الظلم البين أن يتعرض من يقاتل من أجل صون حق إلهي مقدس أعطي له ليظل حراً، بيد أن ترك هؤلاء المقاتلين بعد عقود من نضالهم في حالة فقر ومسغبة وإهمال أشد ظلماً، وظلم ذوي القربى أشد مرارة. وعلي الحكومة البريطانية (كما يقول معظم الكينيين) أن تواجه حقيقة أنها ارتكبت مجازر وحشية علي ثوار "الماماو" ينبغي أن تعتذر عنها وأن تقوم بتعويض المتضررين (أو أهليهم) تعويضات مجزية تناسب ما تعرضوا له من أهوال مرعبة.

 

مما لاحظته في الصور التي صاحبت ملف ثوار "الماوماو" أن رجال الشرطة الذين كانوا يعملون في تلك المعسكرات كانوا مواطنين كينيين، كان الواحد منهم يعرف بالعسكري (وهي كلمة متداولة بلغات كثيرة منها العربية والسواحلية والفارسية والصومالية والتركية). ولعل هذا كان سائداً في أفريقيا، إذ أنه من الثابت أن بعض الأفارقة شارك في تجارة الرقيق، مثلا بصيد "إخوانهم" وبيعهم لتجار الرقيق من البيض، مالنا نذهب بعيدا ولنتأمل صورة القائد المهدوي "محمود ود أحمد" وهو في قبضة رجال سود "شجعان".

 

يظهر موقف الحكومة البريطانية الممانع لفتح ملف التعويضات لثوار "الماماو" نفاقاً معهودا. فالكيل بمكيالين (أو أكثر)، واتخاذ مواقف انتقائية لا تنسجم مع مبادئ العدل الدولية معهود عند الحكومة البريطانية، والتي كثيراً ما تخضع قوانينها وتلويها لتتماشي مع "المصالح العليا" للبلاد، خاصة إن تعلق الأمر بدولة مؤثرة اقتصادياً أو سياسياً... بيد أن كينيا بلد لا نفط فيه ولا غاز، ولا يسمع الناس به إلا عند الحديث عن فوز عدّاء بسباق ماراثون، أو عند حدوث صراع قبلي علي نتائج الانتخابات، أو مجاعات، أو في الأفلام القصيرة والوثائقية عن المحميات الطبيعية، حين نرى العلماء البيض وهم يفحصون ويدرسون الحيوانات المفترسة المخدّرة، وحولهم "الفعلة من السود يحملون صناديق المعدات! لماذا تدفع إيطاليا مثلا تعويضات ضخمة إلى ليبيا جزاءاً وفاقاً عن فترتها الاستعمارية القصيرة نسبياً، وتأبى بريطانيا مجرّد الاعتذار عن مخازيها في حق ثوار "الماوماو"؟

 

قبل الختام، لابد من الإشارة إلي أن اسم "الماوماو" كان على ألسنة من كان صبياً أو شاباً في سنوات الستينات الباكرة، فلقد كان ذلك الاسم يتردّد علي شفاه محبي كرة القدم السودانية في عهدها الزاهر وهم يشجعون لاعب وسط المريخ الملقّب ب"ماوماو". ذلك عهد كان فيه كشك يبيع المجلات والصحف في ميدان الأمم المتحدة يسمى "مانديلا" وهو في معتقله...ترى كم من شبابنا اليوم سمع بكلمة "ماوماو"؟

نقلا عن "الأحداث"