badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 قدم الرئيس الأميركي يوم الثلاثاء 8/9/2009 خطابا لجميع طلاب المدارس الأميريكية من الصالة الرياضية لإحدي المدارس الثانوية في واشنطن. كان خطابا تحفيزيا للطلاب يحثهم فيه علي البقاء في المدارس وتحمل نكدها وصعوبتها من أجل الظفر بعلم نافع ووظيفة لائقة وعمل مستقر ومستقبل آمن. كل هذا عمل جيد لا يستطيع عاقل الإعتراض عليه...صحيح؟  أبداً لا، ففي أمريكا يمكن أن تعترض علي أي شئ وأن تمشي ضد التيار ولن تجد من يصفك بالخيانة العظمي أو الخروج علي "الثوابت". وهذا ما حدث بالفعل. فلقد هاج بعض "أولياء الأمور" كما كنا نسمي آباء وأمهات الطلاب قديما، وقالوا قبل القاء الخطاب الرئاسي إن الرئيس بنيته مخاطبة الطلاب "الأبرياء" إنما يرمي لزيادة شعبيته في أوساطهم (وهم من سيشاركون في الانتخابات القادمة أو التي تليها)، وإن هذا باب من أبواب استغلال النفوذ وفساد الحكم واساءة استخدام السلطة. بل وذهبوا إلي حد منع صغارهم من الذهاب إلي المدارس في صبيحة يوم الخطاب الرئاسي حماية لهم من "الاستغلال" وعملية "غسل الدماغ". مبلغ علمي أن أحداً لم يحاكم هؤلاء الطلاب أو أولياء أمورهم، أو يعاتبهم علي تخلفهم عن حضور تلك المناسبة السعيدة، التي خصهم بها رئيس البلاد (المفدى)! فحضر من حضر، وغاب من غاب، وسارت الحياة سيرها المعتاد.

رجعت بي الذاكرة (الخربة) وأنا أقرأ عن ذلك الخبر إلي ما كان عليه الحال عندنا وأنا تلميذ في مدرسة حي عبد المنعم الأولية، حيث كنا الرصيد الدائم لكل معدي الاستقبالات الشعبية لزوار البلاد من الملوك والرؤساء الأجانب (وأولاد البلد) كذلك. ففي عام 1960م مثلا أمرنا بالخروج من المدرسة في صف واحد اتجه نحو حديقة "عبود" (التي تغير اسمها بعد أربعة أعوام من ذلك التاريخ إلى حديقة "القرشي") لنكون في استقبال الرئيسين عبود وعبد الناصر عند افتتاح تلك الحديقة، والتي كانت بلقعا صفصفاً نسميه "ميدان الدومة". أمرنا كذلك في مسيرتنا التي خلناها ونحن صبية صغار مسيرة ألف ميل، بأن نهتف بحياة الزعيمين الكبيرين. لم يخطر ببال أحد من المدرسين(أو غيرهم من المسئولين) أن يتصل بآبائنا لإخطارهم بذلك الخروج العظيم من المدرسة وعما إذا كانوا يوافقون عليه أم أنهم له من المعارضين. في ذات العام أو الذي قبله جرت استعدادات محمومة للاحتفال بذكري "ثورة 17 نوفمبر"، فجمعت صفوفنا ووزعت علينا "عراريق" وسراويل قصيرة من الدمورية الخالصة، وحضر إلي المدرسة مدرب رياضي يتكلم بصوت عال أجش بلهجة مصرية قوية. ظللنا نخرج من الفصول صباح كل يوم و ونتدرب في حوش المدرسة علي ما أظنه يسمى الآن "مهرجان" أو "كرنفال" مدرسي بعمل حركات رياضية معينة، وترديد أبيات قصيرة من الشعر (باللهجة المصرية) أذكر منها: "عدي البحرية... يا ريس... بجنود أوية (قوية)". ظللنا نتدرب لعدة ايام ونتأسى بالمدرب في لهجته المصرية حتى اتي يوم نقلنا فيه عصراً بسيارات نقل كبيرة إلى استاد الخرطوم الرياضي، حيث انضممنا لمئات الصبية من كافة المدارس الأولية الأخرى في "كرنفال" فرح وحبور بمناسبة مرور عام أو عامين علي الثورة المجيدة. أدينا دورنا كالدمي، وحسب ما طلب منا، ويبدو أن وزير المعارف يومها (لعله زيادة أرباب) سر بما رأى فأمر بإعطائنا اليوم التالي كيوم عطلة (مستحقة). أشهد أني ما شهدت فرحاً في أعين الصغار كمثل الفرح الذي شهدته عند إذاعة ذلك الخبر السعيد. ظفرنا من ذلك "المهرجان" بيوم كامل تخلصنا فيه من عنت الدراسة وقسوة المدرسين  وملل اليوم الطويل، وظفرنا فوق ذلك بعراقي وسروال مجاني.

 

ومرت الأيام ودخلنا الخرطوم الأميرية الوسطى، حيث كثر خروجنا من الفصول لاستقبال رئيس ووداع آخر. كان هنالك شيخ كبير له شوارب بيضاء طويلة (لذا أسميناه "أبو شنب") يبيع لنا الليمون في فترة "الفسحة" من حلة معدنية ضخمة تطفو فوق ما تحتويه قطعة ثلج ضخمة. كانت من حيله إضافة قليل من بودرة الكاسترد الأصفر لعصير الليمون لتعطيه لوناً جاذباً. كعمل إضافي كان "أبو شنب" يسوقنا (لست أدري أكمتطوع أم كأجير) ويتقدمنا في مسيرات صاخبة عند سفر الرئيس "عبود" أو مقدمه الميمون من زياراته الخارجية، وكان يؤلف أبياتا من الرجز يحيي فيها الرئيس، وهتافات من نوع: "يا عبود..." فنصيح خلفه "نحن وراك"، وقد يجدد فيصيح :"نحن وراك" فنردد مجبرين "يا عبود". ثم نعود للفصول، وفي حصة اللغة العربية نكتب – حسب أمر الأستاذ- موضوعاً في الإنشاء عن "احتفالات البلاد بثورة السابع عشر من نوفمبر المجيدة". ما زلت محتفظا بكراسة الإنشاء التي كتبنا فيها عن تلك الاحتفالات، وكانت الجمل الواردة في ذلك الموضوع هي حصيلة ما اختزنته الذاكرة الغضة مما كنا نسمعه في الإذاعة من "مأثورات" محمد صالح فهمي، وما كنا نقرأه في جريدة "الثورة" (أو "البرش بي قرش") كما كان يسميها العامة لكبر جحمها مقارنة بغيرها من الصحف الأخرى، مما يكتبه الريفي وغيره، ومن حسن حظنا أن التلفزيون لم يكن قد أدخل بعد، وإلا لزادت جرعة "الإعلام الموجّه" علي عقولنا الصغيرة البكر. كان موضوع الإنشاء في مجمله وصف لفرحة الشعب بعيد ثورته "المجيدة" (وكانت تلك هي الصفة المحببة التي تقال في وصف تلك الثورة، وأتت فيما أقبل من أيام ثورة مايو "الظافرة")، وبالسعادة الغامرة والبهجة الآسرة التي عمت القرى والحضر بمقدم ذلك اليوم الأغر. وفي سبتمبر من عام 1964م أخرجنا -كالعادة- من الفصول تحت قيادة "أبو شنب" لاستقبال الرئيس المفدى عبود بعد عودته الظافرة من مؤتمر القمة العربية الثاني الذي انعقد في الأسكندرية (إن لم تخن الذاكرة). فرحنا لهذا "الخروج القسري" إذ به أفلتنا من عذابات الدروس المملة وسياط أستاذ "رستم" ضابط المدرسة بالغ الصرامة، شديد العنف. ذهبنا في صفوف طويلة عبر الشارع العجيب من المدرسة حتي كلية الطب مروراً ببيوت "سيئة السمعة" وبمقابر للمسيحيين كنا نحذر الاقتراب منها بزعم وجود محتالين و"رباطين" فيها. كان استقبالاً حاشدا، أكد "تلاحم الشعب مع قائده المفدى". مرّ شهر أو ما يزيد قليلا فإذا بثورة أكتوبر تندلع ونسمع من المذياع عن "الحكم الديكتاتوري البغيض" و"نير التسلط العسكري" وعن أن الصبح قد أصبح "فلا السجن ولا السجّان باق". فطلب منا الكتابة في حصة الإنشاء عن "هبة الشعب الأبي" وعن "ثورة شعب"، فكتبنا بما أمرنا وأشبعنا الحكم "البائد" الذي لطالما خرجنا في مسيرات تأييده، ذماً وشتماً ولوماً وتقريعاً، ونلنا من كل ذلك الدرجات العالية! ومن ثمار "ثورة اكتوبر" تلك غلبة السياسة والتحزب (في أشد صورهما فجاجة) في المدارس، فطلب منا أستاذ اللغة العربية في عام 1965م أن نكتب في حصة الإنشاء عن "حل الحزب الشيوعي السوداني". وكان ذلك الموضوع تلك الأيام هو حديث العامة والخاصة...صاحبه صراع وصدام وجدل عنيف. كان الأستاذ يصحح ما يكتبه الطلاب ويعلق عليه تعليقاً مقتضباً بخط أحمر كبير، مثل "بارك الله فيك" إن أعجبه المكتوب، أو "الشيوعية لا تخدم غرضاً للشباب" إن لم يوافق المكتوب هواه. وتختلف الدرجة المعطاة حسب هوى الأستاذ!

 

مرت الأيام ودخلنا ثانوية الخرطوم الجديدة، وكان ذلك في أيام "الديمقراطية الثانية" وكانت المدرسة بفضل الله ثم ناظرها (مديرها بلغة اليوم) المرحوم شورة واحة للديمقراطية الحقّة، وحقلاً للتجنيد من قبل زعماء اليمين واليسار علي حد سواء. لا تسعفني الذاكرة بذكر فرض رأي سياسي علي الطلاب خلا ما شهدناه ذات يوم وبـ "لوري" وزارة التربية والتعليم (علي أيام يحي الفضلي) يقف أمام المدرسة وتحمل منه عشرات الرزم من كتيب صغير تم توزيعه علينا لاحقاً، وكان الكتيب (باللغتين العربية والإنجليزية) هو الخطاب الشهير الذي القاه المرحوم محمد أحمد المحجوب في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد هزيمة يونيو 1967م إنابة عن وفود الجامعة العربية. لم ندر ما الحكمة من الصرف علي إعداد وطباعة ذلك الخطاب وتوزيعه علي طلاب الثانويات. على أنه ينبغي الاعتراف بأني شخصيا قد استفدت من النسخة الإنجليزية لذلك الخطاب ببضع كلمات عصية أذكر منها  erratic وfluctuations .ثم أتت مايو فلم يفتها استغلال الصغار في العمل السياسي فأنشأت "كتائب مايو" وأتت بالفنانين من كوريا الشمالية لتنظيم الكرنفالات والمهرجانات الزاهية الألوان والإشادة والتعظيم للثورة "الظافرة ورئيسها القائد!

 

طاف بذهني كل ما تقدّم وأنا اقرأ عن مخاطبة الرئيس أوباما لطلاب بلاده، وما لقيه ذلك من ترحيب شديد من البعض ومعارضة شديدة أيضاً من قبل آخرين. وسألت نفسي إن كان من الممكن تصور سؤال آبائنا عن رغبتهم (او رفضهم) في مشاركة فلذات أكبادهم في هذا المنشط  المدرسي أو ذاك، علماً بأن السائد عند هؤلاء الآباء أن للمدرسين "اللحم" ولهم (فقط) "العظم"...وغير ذلك فأفعلوا بعقولهم البكر ما تشاءون! قارن هذا بالمدرسة التي لا تستطيع أن تعالج الممرضة فيها ابنتك أو ولدك بغير إذن كتابي منك في بداية العام، ولا يدخل الطالب لحصص معينة تدرس "الثقافة الجنسية" دون إذن كتابي من "ولي الأمر"، ولا يستطيع الطالب المشاركة في منشط خارج اسوار المدرسة دون "إذن كتابي" ...كل ذلك حذر المساءلات القانونية والمشاكل المترتبة عليها. وعلي ذكر هذه المدارس، سمعت قصة لا تخلو من الطرافة من مهاجر سوداني للأراضي الجديدة قال إن أمه العجوز زارته في مهجره البعيد، ولم تعجب من شئ قدر إعجابها بكبر وعظم المدارس الإبتدائية في بلدة إبنها المهاجر، وتعجبت من إهمال أبنائه للدراسة وإعراضهم عنها، فقالت لهم ما معناه أنها لو درست وهي صغيرة في تلك المدارس الضخمة لما رضيت بغير الدكتوراة بديلا!

 

ختاما أقول أنه رغم كل "غسيل العقول" التي تعرض له "تلميذ السودان" علي أيامنا (ولا أدري ما يدرسه هذا الجيل، فكلما نسمعه الآن هو محاولة إنجاز "إجلاسهم" ورفعهم من جلوس القرفصاء) فيجب القول أن هؤلاء – علي وجه العموم- قد نجحوا عند بلوغهم سن الرشد في التخلص من جرعات غسيل العقول التي خضعوا لها عبر العهود السياسية المختلفة، واستقلوا بآرائهم يسارا أو يمينا، كل حسب ما أملته عليه اتجاهات تفكيره ومبادئه. وتلك من نعم الله عليهم.

نقلا عن "الأحداث"