عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
من "رفاعة" بلد العلم و النور و حيث سجل التاريخ لبابكر بدري سبق انشاء أول مدرسة لتعليم البنات في السودان، يأتيك خبر نكد و محزن و اليم. في مدرسة سميت بإسم من أسماه الرسول الكريم (ص) "باب العلم" علي بن أبي طالب ضرب مدرس تلميذا عنده اسمه "محمد عمر بلة" ضربا مبرحا أصاب الرأس فيما أصاب من الجسد النحيل المريض فأغمي عليه و نقل للمستشفي حيث سارع طب "آخر ما توصل إليه العلم الحديث" بالتشخيص المعتاد من أن الصبي مصاب بالملاريا. و تلقي والد الطفل مكالمة من "المربي الفاضل" مدير المدرسة تفيد بأن طفله "اغمي عليه" أثناء الدرس. و كان من الممكن أن تفيض روح الصبي لبارئها و هي تشكو من ظلم ذلك المعلم و يظن الناس أن "صاحب الوداعة" قد أخذ "وداعته" بسبب الملاريا اللعينة، و تتعدد الأسباب و الموت واحد، لولا أن أراد الله كشف سر ذلك المعلم " القاتل" بمكالمة من "فاعل خير" تحكي ما حدث في الفصل في تلك الساعة المشئومة، و كيف أن الصبي كان يستعطف "الأستاذ" و يقول له "أنا عيان يا استاذ" و هو يتلقي وابلا من السياط علي الرأس و كيفما إتفق... و من لا يرحم يجب أن لا يرحم!
مر الحادث الفاجع مرور الكرام و لم تتناوله بالكتابة الإ قلة قليلة من الكتاب من سليمي الوجدان، منهم الأستاذة سارة حسبو في موقع "سودان فور أوول" و في مواقع أخري متفرقة. حسب علمي تنازل والد الطفل عن حقه الخاص، و لا أدري ما حاق بمعلمنا الغضوب. و ليس ذلك بغريب علي مجتمعنا السوداني الذي يبدو أنه منشغل دوما بعظائم الأمور من قبيل السلام العالمي، و الحرب بين الفرقاء في بلاد تبعد الآف الفراسخ، و متابعة مباريات دورة الخليج و غارات غزة (في آن معا)، و يبدو أن فاجعة مثل قتل صبي علي يد معلمه (حتي و إن كان خطأ) ليست من أولويات الحكام أو المحكومين علي حد سواء، ففي اليوم الواحد يموت عشرات بل مئات بل الوف الناس، و من لم يمت بالسوط مات بغيره! فعلام الضجة الكبري علام؟! الرد هو إن لم يثرنا مقتل صبي علي يد معلمه ضربا في الفصل، فلتكن باطن الأرض خير لنا من ظاهرها. ليس أكثر من ذلك و لا أقل.
 يثير الحادث أمر حقوق الإنسان (و الطفل بخاصة) و أمر التعليم و التربية (أو قل عدمها) و أمر الصحة و العلاج و أمر الأخلاق وأمور أخر متشابهات إن لم تكن هي من أوليات الحكام و المحكومين فقل علي الأرض السلام. السؤال البدهي هو لماذا حدث ما حدث؟ و لماذا لم نقرأ بيانا من وزارة "التربية و التعليم" بخصوص الحادث و بخصوص سياستها حيال العقاب البدني في المدارس. و لم لا يتحدث خطباء المساجد و الدعاة و رجال الدين المسيحي عن مثل هذه الحادثة و يبينوا للناس موقف الدين منها، و لماذا لا تنهض جمعيات و مؤسسات حقوق الإنسان (و خاصة الطفل) بواجباتها في مثل هذه "النوازل المستديمة" إن صح التعبير؟ عندما يتعلق الأمر بحقوق الأطفال فهنا يجب أن يبدأ "الخط الأحمر" ، فهم فئة مستضعفة لا تحمل سلاحا لتثور (أو تتمرد) فيتفاوض معها و تنال نصيبها من "الكعكة"، و هم "زغب الحواصل" و  "فلذات الأكباد" و هم "رياحين ديارنا" كما نقول بلساننا (هراء كالكلام بلا معاني)، بيد أننا لا نفرغ فعليا حتي لمجرد التفاكر في مثل تلك الأمور "الصغيرة" مثل أمور صحة و سلامة و تربية و تعليم الأطفال عندنا.
أول ما قرأت الخبر النكد طافت بذهني صور و مشاهد اليمة من أيامي في المدرسة الأولية (و كانت للمفارقة في منطقة "راقية" لا تبعد كثيرا عن سوق الخرطوم 2) في بداية الستينات، و هي مشاهد و صور لا تختلف كثيرا – فيما احسب- عن تلك لتي كابد أيامها الثقيلة المتطاولة معظم من تخطوا عتبة نصف قرن من العمر في بلادنا الحبيبة. ذكرت ذلك الأستاذ – غفر الله له حيا أو ميتا- الذي كان مغرما بسياسة "العقاب الجماعي"، فما أن يسمع من علي البعد "هرجلة" أو يقرر أن طالبا ما في الفصل أصدر صوتا أو إرتكب "موبقة" حسب تقييمه حتي ينادي علي "عم حسن" الخفير طالبا جلب افرع ضخمة من شجر النيم (اللئيم)، و ما أن تصله حزمة السياط، حتي يتخير أغلظها و يقفز في رشاقة علي الأدراج التي كنا نكتب عليها و يطوف علينا جميعا يصلي اجسادنا المرتعشة بضربات سريعة موجعة كيفما اتفق، و التلميذ منا في أشد حالات الكرب و الضيق و الخوف خاصة أولئك الذي لم يبلغهم "الأستاذ" بعد، و هم ينظرون بعيون زائغة في رعب راعب إلي من يضربون بلا رحمة أو شفقة. و من عجب أن ذلك "الأستاذ" المرعب اصيب ذات مرة بداء أقعده في داره بالخرطوم ثلاثة، فأمرنا بمعاودته فمشي فصلنا إليه في صف طويل و سلمنا عليه و هو طريح الفراش، و يعلم الله وحده ما كان يجول في صدورنا من أحاسيس حينها! و هنالك من القصص و المآسي فوق ما ذكرت، بيد أني أذكر مشاهد أخري من تلك الأيام للتدليل علي ضراوة "العنف النفسي" الذي كان يمارسه بعض "الأساتذة". أذكر أنني في السنة الأولي بالمدرسة الأولية كنت في فصل يضم تلاميذ لأسر متيسرة منعمة و أخري فقيرة معدمة و غلبة غالبة من "متوسطي الحال". و كان "الأساتذة" في ذلك الزمان الغابر يعيرون إهتماما (محمودا) بالنظافة الشخصية حتي أننا كنا نرفع جلابينا في الطابور الصباحي ليتأكد "الأستاذ" من نظافة ملابسنا الداخلية، و نمد أيدينا ليري "الأستاذ" طول أظفارنا، و هو يحمل مسطرة خشبية غليظة، و كثيرا ما تسمه صوت "فرقعة" حين يهوي "الأستاذ" بسلاحه الخشبي الغليظ علي الأصابع الرقيقة المدودة إن لاحظ أن الطفل المنكود قد نسي أن يقلم اظفاره في ذلك الصباح! و في ذات يوم لاحظ المشرف علي الطابور أن صبيا فقيرا ( أتي أهله من منطقة "مهمشة" بلغة اليوم) لن أنس أنه كان الوحيد في المدرسة الذي كان يرتدي دوما جلبابا من الدمورية الرخيصة، لم يغسل جلبابه فأمره في الفصل و بصوت غاضب قبل بدء الحصة بالصعود علي الطاولة الموضوعة أمام السبورة، ثم طلب في صوت حليم و بنبرة ودية من طالب تبدو عليه نضرة النعيم إذ كان والده طبيبا غنيا (و سياسيا مشهورا) أن يصعد بجنب صاحب جلابية الدمورية، ثم صاح " الأستاذ" فينا أن قارنوا بين نظافة هذا التلميذ و قذارة الآخر! أدمي قلبي ذلك الموقف و رغم صغر السن و قلة الحيلة أدركت خطأ ذلك المدرس و أن ما فعله لا يجوز، و أسررتها في نفسي، و كان ذلك "أضعف الإيمان"!
عندما قرأت ما حاق بالتلميذ الضحية في رفاعة تذكرت كل ذلك، بيد أني تعجبت من أن ما لمسته – أنا و الآف التلاميذ من جيلي- من عنف نفسي و لفظي و مادي في المدارس حدث قبل أربعة أو خمسة عقود، و لم يخطر ببالي أن مثل ما حدث في مدرسة "علي بن أبي طالب" تلك يمكن أن يحدث في عام 2009. أقول ذلك و في بالي تطور وسائل التدريس و طرق التعليم و التربية ووسائل العقاب و زيادة الشعور بأهمية الحفاظ علي حقوق الإنسان و بخاصة الأطفال. بيد أنني أعود فأقول أن ما شهدناه من كل المساوئ التي ذكرت في ذلك الزمن البعيد كان يصاحبه إهتمام غير منكور من قبل الأساتذة بمهنتهم التدريسية و الإخلاص لها و العمل الجاد علي أدائها بصورة حسنة. و ليس هذا من باب ذكر "الزمن الجميل" فذلك الزمن المزعوم لم يكن "جميلا" بالتأكيد لفئة التلاميذ في المدارس الأولية، إذ أن رؤية "الأستاذ" للتلميذ في ساعة العصر و هو يلعب في الشارع كانت كفيلة بإيقاعه في صباح اليوم التالي تحت طائلة العقاب البدني، و الذي تفتقت عبقرية التلاميذ عن ترياق مضاد له بترديف السراويل (أي بلبس سروالين أو أكثر في المرة الواحدة) تخفيفا لعذاب السياط اللاهبة.
ذهب صحافي أفريقي اسمه كاميرون دودو في مقال حديث له بعنوان "لماذا يختلف الأساتذة بعضهم عن بعض" في عدد فيراير 2009 من مجلة "نيو أفريكان" إلي التساؤل عن السبب في إختلاف الأساتذة بعضهم عن بعض في نوعية التدريس الذين يقدمونه لتلاميذهم،  ينما هم درسوا نفس الدراسة و نالوا ذات التدريب، و حكي عن الإختلاف بين الأساتذة الذي لحظه و هو بعد في عامه الأول في المدرسة. بالطبع يسهل الرد علي تساؤل ذلك الصحافي بالقول أن الأطباء مثلا يتلقون ذات التعليم و التدريب، بيد أنهم ما ان يلتحقوا بالعمل حتي تتباين قدراتهم العملية و تتفاوت نظرة المرضي لهم، فيحظي بعضهم بقبول الناس و لا يجد آخرون غير اللعن و الشتم. حكي السيد الصحافي كاميرون عن استاذ له أسمه "أكوا" فاته شرف الإلتحاق بالجيش اثناء الحرب العالمية الثانية فقرر أن يستبدل فرصته (الضائعة) في الجش بالتأمرعلي الصبية في المدرسة الأولية، فكان يحمل عصاه في الفصل و يجود بضرباتها المؤلمة علي أجساد الصبية في فصله التعيس من الذين خالفوا أوامره الصغيرة بالحفاظ علي نظافة الكراسة و عدم المسح بالبصاق (أو حتي بالمساحة/ المحاية)، و كان مدرسا جيدا بيد أنه كان يتقمص أحيانا شخصة القسيس فيلقي علي مسامعه التلاميذ خطبا دينية مؤثرة تحضهم علي عمل الصالحات و إجتناب الموبقات! ونقل صاحبنا إلي الفصل التالي فوجد أستاذا مختلفا تماما لا يهتم بالتدريس و يترك أمر تعليم تلاميذه لعصابة من تلاميذ الفصل كان يؤثرها! من رواية الصحفي الأفريقي عن أيام التلمذة في أكرا يتضح أن الشكوي من التعليم (خاصة الإبتدائي) لا تنقطع، و أن "مصائبه" مما عمت به البلوي، بيد أن المؤلم حقا أن لا أحد من كبار مسئولي قارتنا – فيما يبدو- علي استعداد لوضع قضية التعليم حيث ينبغي لها أن تكون... في الصدارة من سلم الأولويات. ألا يعلمون أن دولا كبري تبحث بصورة دورية في أمور تعليم أبنائها، و تعتقد أنها "أمة في خطر"، فعندما سبقت روسيا أمريكا في الصعود إلى الفضاء رفعت الولايات المتحدة مستوى الخطر إلى اللون الأحمر وكأنها في حالة حرب وقامت بتغيير المناهج التعليمية، وقبل سنوات قليلة عندما تراجع مستوى الطلبة الأمريكيين في المواد العلمية والبحث العلمي، عدوا أنفسهم في حالة خطر "لقبولهم بالوسطية مقابل التميز"، وعلى إثره قاموا بتعديل مناهج الرياضيات والفيزياء وغيرها من المواد العلمية، و عندنا يموت تلميذ علي يد أستاذه ضربا... أفلسنا "أمة في خطر"؟!          
الرسالة العاجلة التي ينبغي أن يعيها و يعمل بها الجميع هي: يجب تحريم و تجريم العقاب البدني و النفسي و اللفظي في المدارس.
نقلا عن "الأحداث"