بقلم: جيفري ديل
تقديم: نشر الدكتور جيفري ديل هذه الدراسة المطولة في المجلة الأميركية الرصينة المختصة بعلم الأجناس American Anthropologist  في العدد  112 عام 2010م. يعمل المؤلف مديرا لمركز "دراسات علم الأجناس والمياه لصحة العالم" في كلية الطب بجامعة جنوب كارولينا بالولايات المتحدة.
اخترت من ذلك المقال الأكاديمي المعنون
Torture by Cieng: Ethical theory meets social practice among the Dinka Agaar of South Sudan
شذرات قليلة عن بعض ممارسات فرع من فروع قبيلة الدينكا (من أكبر قبائل جنوب السودان) هم دينكا اقار (والذين ورد في بعض المصادر أنهم ثاروا على المستعمر البريطاني قرب مدينة رمبيك في 1902م وقتلوا القائد البريطاني). أوردنا في الجزء الأول مقدمة تاريخية مختصرة للصراع بين شمال السودان وجنوبه، وكذلك لبعض صراعات الدينكا مع القبائل الجنوبية الأخرى، وثلاثة قصص توضح بعضا من طقوس قبيلة الدينكا. وفي هذا الجزء نستعرض قصصا (محزنة) أخرى عن ممارسات "عقاب جماعي" تنتهك حقوق الإنسان.     
القصة الأولى:
رجل برئ يجلد: كان القائد جون أويل هو من خطط وقاد الكمين (الناجح) الذي نصبه الجنوبيون في عام 1985م للجيش السوداني، وفيه تم تدمير كامل الفرقة الحكومية، ولم يبق منها إلا نحو درزينة من العربات العسكرية المدمرة والمحترقة، كانت مقدماتها متجهة نحو الشمال، وكأنها كانت في طريقها للهرب نحو الخرطوم. كان جون أويل – مع غيره من الجنوبيين المحاربين- يؤمن أشد الإيمان بأنه يحارب من مارسوا عليه العسف والظلم والاضطهاد طويلا. كان جون أويل يعد "بطلا قوميا" بين شعبه، حتى عين كحاكم في احدي الولايات الجنوبية. خاض في وظيفته الجديدة معارك أخرى... ليس ضد الشماليين هذه المرة، بل ضد بعضا من بني جلدته في حروب قبيلة صغيرة.
كنت في تلك الأيام التي قضيتها في الجنوب قد علمت عن مقتل 11 من الشباب الجنوبيين في صراع دموي بين فرعي قبيلة الدينكا من البنيار والنيوي. سمعت فيما بعد أن هنالك أعدادا أخرى (لم تحدد) قد قتلت أيضا. هجر الناس قراهم وفروا منها للغابة عبر طرق وممرات طالما ألفوها. تجمع من بعد ذلك بعض الشباب من "معسكر مالكي الأبقار" وحملوا السلاح وخرجوا لقتال "أعدائهم" في سلسلة من الحملات الانتقامية. كانت الحصيلة (الرسمية) لتلك المعارك هي 52 قتيلا. أسر لي نائب وزير الصحة الجنوبي إن الرقم الحقيقي للضحايا هو أضعاف ذلك الرقم، إذ أن قتلى شباب "معسكر مالكي الأبقار" لم يكونوا – كما هي العادة- يدخلون في الحساب!
كنا ذات يوم أنا وصديق لي في طريقنا من العيادة إلى خيام معسكر سكننا حين مرت بنا سيارة حكومية تحمل الوالي مع عدد من الضباط. مرت من بعد ذلك عدد من سيارات الجيش تحمل عددا كبيرا من الجنود. لمحت في المقعد الخلفي في سيارة SUV   في وسط الموكب العسكري القائد لام مالوك، صديقي الجنوبي الصدوق. كان الجند قد أتوا بصديقي من معسكر الجيش الرئيس بعد جلده. كان الضحية يجلد بعنف شديد بسوط أو عصا خشبية بعد أن يربط حول جذع شجرة بحسب عدد الجلدات التي تقررها المحكمة أو القائد العسكري. كانت تلك المرة الأولى التي يجلد فيها لام مالوك، وسيجلد من بعد ذلك مرتين أخريين.
القصة الثانية:
وصول الجنرال وموت شجرة مانجو: يعترف القادة المحليين والإقليمين بأن قرية تيكاجوك Ticagok في جنوب السودان وما حولها منطقة عصية على الحكم، إذ أن سكان تلك المنطقة من دينكا اقار معرفون بأنهم محاربون يعتزون بأنفسهم وبقدرتهم على خوض الحروب والقتل من أجل أي قضية تقريبا، والقتال هو الطريقة (الوحيدة) لرجال تلك المنطقة من رعاة الأبقار لنيل سمعة طيبة وشهرة واسعة في الشجاعة والرجولة (الحقة). لقد شاهدت بأم عيني رجال تلك المنطقة من المعتقلين وهم يسبون جلاديهم ويزدرون بمن يقيدهم بالسلاسل الحديدية. لم يسمحوا لجلاديهم قط بتحطيم روحهم المعنوية. كان ذلك يثير غضب جون أويل ويدعوه لمزيد من العنف ضد المعتقلين. قرر أويل أن لا بد من تعيين قائد عسكري للمنطقة يكون غاية في الشدة والصرامة والقسوة حتى يتمكن من فرض السلام في تلك المنطقة المضطربة. وقع اختياره على الجنرال ملوال كوات، وهو دينكاوي من فرع مختلف ومنطقة أخرى. ما أن حط الجنرال رحاله في عاصمة المنطقة (والتي كانت تبعد بنحو 40 كيلومترا من معسكرنا) حتى بدأ في العمل ليثبت أنه بالفعل "الرجل المناسب في الموقع المناسب"، وذلك بقطع شجرة المانجو. كان تعبير "قطع شجرة المانجو" هو التعبير المحلي لمثل ما قام به ذلك الجنرال. كانت هنالك شجرة مانجو كبيرة على جانب الطريق في طرف المدينة الجنوبي يستخدمها الأهالي – ومنذ سنوات- كمقر للاجتماعات، وللعب الورق (كونكان 14) وللدردشة حول "ساس يسوس" وسماع آخر الأخبار من المحطات العالمية، خاصة هيئة الإذاعة البريطانية، حتى أن رجال تلك الشجرة  من مختلف الأعمار والاتجاهات كانوا يسمون شجرتهم "البي بي سي". كانت تسود بين جل مرتادي تلك الشجرة روح من الحرية والانطلاق والتحرر من الخوف. كان بعض "الخواجات" (غالبا من البيض ومن غير رجال الدينكا) يغشون أحيانا تلك الشجرة، بيد أنه ليس من المؤكد إن كانوا يشاركون في ما يدور من نقاشات سياسية تحت ظلها الظليل. تشقق الحديث (السياسي) عند البعض وتفرع حتى طال صراحة بعض الضباط، وعن كيف أن الحال كان سينصلح لو تم عزل بعضهم عن مراكز القوة والقيادة والسلطة. وصلت أنباء تلك الانتقادات التي كان يجهر بها بعض مرتادي تلك الشجرة لمسامع القائد جون أويل فقام بعمل ناجز وعلني لا يخلو من غرابة. قاد بنفسه موكبا عسكريا مع ثلة من الجنود المدججين بالسلاح إلى تلك الشجرة وأحاط بها. خطب في المحاصرين تحت ظل الشجرة من لاعبي الورق بالآتي: "إن كان من بينكم أحد أعلى رتبة مني فليظل جالسا، ولتقف البقية ". هب بالطبع الجميع وقوفا. مشى القائد يتوكأ على عصاه بهدوء وتمهل نحو الرجال الواقفين وتفحص في وجوههم. أمر بأحد "الخواجات" فأخرج من وسط رجال الدينكا وأوسعه ضربا مبرحا. ما أن فرغ منه حتى أمر جنوده بضرب كل الموجودين ففعلوا، ثم اعتقلوا بعضا منهم وأودعوهم السجن. لم يغادر المكان إلا بعد أن أصدر أمره بقطع الشجرة، وتم في نهاية ذلك اليوم تنفيذ الأمر باجتثاث الشجرة. حتى يوم كتابة هذا المقال ظل جزع الشجرة الضخم المقطوع ملقي على الطريق، ربما لتذكير كل من تسول له نفسه نقد الحكومة بالأخطار المترتبة على فعلته!
عند وصول الجنرال ملوال كوات لقريتنا أمر بالقبض فورا على عشرات الأفراد من لهم أدنى صلة بالرجل الذي اغتال شيخ القبيلة في مؤتمر للسلام سبق الإشارة إليه. شهد الكثيرون ما حدث ذلك اليوم، وكان القاتل رجلا معروفا بين الناس. رغم ذلك أصر الجنرال ملوال كوات على اعتقال كل فرد في أسرة القاتل. كان القاتل قد فعل فعلته تلك ثم ذهب لمنزل أخته حيث حلق شعر رأسه (ليعطيه ذلك كما قال بعض الذكاء) وليتدبر في أمر تفادي القبض عليه. سمع الجنود بتلك القصة فاعتقلوا أخت الرجل وأوسعوها ضربا وتعذيبا. خلال التعذيب أقرت الأخت أن أخاها القاتل زار والدته لمدة قصيرة وكان يتحدث عن تسليم نفسه للسلطات. زعمت الأخت أن والدة القاتل أثنته عن تسليم نفسه، وأخذته إلى كاهنين لعمل سحر يقيه شر الاعتقال. تم على أثر ذلك اعتقال الأم كذلك وجلدت بالعصا – وعلى فترات-  ما مجموعه 300 جلدة (أفادت بعض المصادر أن والدة القاتل جلدت نحو ألف جلدة)، وهذا اكبر رقم سمعت به في حياتي. تم كذلك اعتقال الكاهنين وجلدهما. رأيتهما في السجن، بيد أني لا استطيع تأكيد حالتهم الصحية بعد الجلد، ولا علم لي بأنهما استطاعا تحمل الجلد، وعاشا بعده. صرح الجنرال ملوال كوات بأنه لن يتوقف عن الجلد والتعذيب إلا بعد أن يسلم القاتل نفسه للسلطات. سبق لي أن لاحظت أن السكان كانوا في حالة شكوى دائمة من الجنرال ملوال كوات لأنه كان يداوم غزو ديارهم ويسلب أبقارهم ويعذبهم بوسائل بشعة منها على سبيل المثال أن يحفر للضحية حفرة يرمي فيها وتشعل حولها نار متقدة، أو أن يحصر الضحية في مكان بالغ الضيق ثم يرش عليه رماد روث الأبقار. لم تسلم عيادتنا الصغيرة من شرور ذلك الرجل وجنوده، الذين كانوا "يغزون" عيادتنا طلبا للسيارات والأدوية.
كان "مخبرينا" يتفهمون سلوك الجنرال ملوال كوات على أنه سلوك رجل شديد القسوة قد كلف بمهام عسيرة، وأنه كان يقوم بمهمة عقاب جماعي لجريمة ارتكبها فرد واحد من فرع للقبيلة، ويرون ذلك أمرا "معقولا" يسهل تفسيره عندهم.
القصة الثالثة:
ذنب المؤتلفين: قام الجنرال ملوال كوات باعتقال كل من فر من مكان جريمة القتل التي حدثت في "مؤتمر السلام" الذي دعا له كبير القوم. فر من المنطقة أحد الرجال من دينكا البينار (كان يعمل ممرضا) عندما سمع بأن دينكا النيوي ينوون الانتقام لمقتل كبيرهم. تم اعتقاله بدعوى أنه فر مع رجل يحمل بندقية رغم أن كثير من أصدقائه ومعارفه أكدوا للسلطات أنه لا يملك سلاحا. قابلت والد الرجل في مركز للشرطة، وكان في غاية الضيق وهو يحكي أن ولده بريء مما نسب إليه، وأنه يلقى أسوأ معاملة في السجن. حاولت التوسط لإطلاق سراحه، ولكن دون جدوى. بعد شهور من السجن والجلد المتواصل وافق الجنرال ملوال كوات على إطلاق سراح الممرض المسكين، وتركه في عهدتي الشخصية. دبرنا له وظيفة كممرض في عيادتنا لنضمن إطلاق سراحه. طالبني كثير من المسجونين بالتوسط لإطلاق سراحهم كما فعلت مع ذلك الممرض، بيد أني لم أنجح في ذلك إلا في حالات قليلة فقط. اكتشف الممرض عند إطلاق سراحه أن رجال الجيش قد استولوا على كل أبقاره وأكلوها، وبذلك نجحوا في القضاء عليه فعليا، إذ أنه فقد كامل ثروته ولم يعد له في الزواج من أمل. 
كان موقف والد ذلك الممرض غريبا. فمن ناحية كان يؤمن ببراءة ولده ويدافع عنه، وطلب مني التوسط لإطلاق سراحه، ومن ناحية أخرى كان يؤمن أيضا أن فرع القبيلة التي ينتمي لها القاتل  مسئولة – بصورة جماعية- عما جرى. هذا ما اسميه "ذنب المؤتلفين".
بعد شهور من وقوع الحادثة وأسابيع من إطلاق سراح الممرض، وفي يونيو من عام 2007م سلم القاتل نفسه للسلطات. كان الرجل قد أصيب بطلق ناري في ساقه قامت بنتي الكبرى بعلاجه. وجدته حيث كنا نقوم بتطعيم الجنود والمساجين ضد داء التهاب السحايا (السحائي)، ذلك المرض الذي كان قد انتشر في المنطقة قبل شهور وقضى على المئات من الأطفال. استخدمنا الوباء كغطاء للوصول للسجناء، وحررنا بعضهم، ودافعنا عن آخرين. في يوم من الأيام كنت في السجن أقوم بالتطعيم حين شهدت مساجين يجلدون. لعل تلك كانت رسالة من السلطات لي لتذكرني بمن بيده القيادة. وبناء على نصيحة من منظم عالمية للدفاع عن السجناء سجلت خلسة في ورقة مخصصة للتسجيلات الطبية أسماء المساجين، وأريت المسئولين ذلك السجل آملا أن تسهم معرفة العالم الخارجي بأسماء أولئك المساجين في حمايتهم على الأقل.
بعد ثلاثة أيام من القبض عليه، نجح ذلك السجين المتهم بالقتل في الفرار رغم أنه كان مربوطا بسلسلة حديدية إلى مسجون آخر. ما زال ذلك السجين فارا بعد مضي 3 سنوات من القبض عليه أول مرة. أقامت الحركة الشعبية قاعدة دائمة لها في قريتنا "تيكاجوك"، وأمر قاضي هناك بإطلاق سراح جميع السجناء هنالك. لم تدفع أي تعويضات للأبرياء الذين تمت مصادرة ممتلكاتهم وجلدوا ظلما دون ذنب جنوه. تم نقل الجنرال ملوال كوات لمنطقة أخرى لمدة عام، ثم استدعى مرة أخرى لمنطقتنا بعد حدوث مزيد من الصراعات القبيلة المسلحة. قال لي أحد أبناء الجنرال: "إن المنطقة تحتاجه لأنه يعرف كيف يتعامل مع هؤلاء الناس" .     
أطلق سراح لام مالوك أخيرا بعد ثبوت براءته مما نسب إليه، وبعد أن شفيت الجراح التي نتجت عن الجلد المستمر. رحل الرجل إلى جوبا حيث بدأ في عمل تجاري متواضع. ظل كثير من دينكا النيوي يطالبون بقتل لام مالوك الدينكاوي البنيار جزاء على جريمة اغتيال كبير دينكا النيوي. رحل غالب دينكا بنيار من قرية "تيكاجوك" بعد الأحداث طلبا للسلامة، وانتقلوا لمنطقة بعيدة أقاموا فيها قريتهم الجديدة. تواصلت الحملات الانتقامية بين فرعي القبيلة، واستمرت معدلات القتل في التزايد. وفي هذا الأثناء نشب قتال عنيف بين دينكا اقار والأتوت لأسباب تشابه ما ذكرنا من قبل.
خاتمة: اختتم المؤلف مقالته بنقاش فلسفي عن "حقوق الإنسان" من وجهة نظر عدد من الفلاسفة من أمثال سيكتس امبريكس وديفيد هيوم ونيشتة وهيجل، وبين الفروقات في مفهوم "حقوق الإنسان" عند أولئك الفلاسفة، وعن علاقة كل ذلك بالأحوال السياسية والواقعية العملية، وطرق التعامل مع "حقوق الإنسان" في ظروف وأوضاع مختلفة في أرجاء العالم. ناقش كذلك مفهوم الدينكا للعقاب، ومسئولية الفرد (البريء) عن أخطاء فرد أو أفراد من قبيلته. يقول الكاتب أنه يجب تحليل وفهم "العنف" الوارد في القصص المذكورة ضمن فهم شامل لرؤية الدينكا لمفهوم "العقاب الجماعي" والأوضاع السياسية غير المستقرة وحالة الحرب التي تمر بها البلاد، وكذلك مفهوم "السينق Cieng " الذي سبقت الإشارة إليه، وهو مفهوم عند الدينكا يختلف عنه عند جيرانهم النوير. 
نقلا عن "الأحداث"   

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]