شذرات من مقال عن بعض الطقوس الاجتماعية عند الدينكا
بقلم: جيفري ديل
عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: نشرت الدكتور جيفري ديل هذه الدراسة المطولة في المجلة الأميركية الرصينة المختصة بعلم الأجناس American Anthropologist  في العدد  112 عام 2010م. يعمل المؤلف مديرا لمركز "دراسات علم الأجناس والمياه لصحة العالم" في كلية الطب بجامعة جنوب كارولينا بالولايات المتحدة.
اخترت من ذلك المقال الأكاديمي المعنون
Torture by Cieng: Ethical theory meets social practice among the Dinka Agaar of South Sudan
شذرات قليلة عن بعض ممارسات فرع من فروع قبيلة الدينكا (من أكبر قبائل السودان القديم) هم دينكا اقار (والذين ورد في بعض المصادر أنهم ثاروا على المستعمر البريطاني قرب مدينة رمبيك في 1902م وقتلوا القائد البريطاني). مما يبعث على الرثاء ويثير الغيظ أن كثيرا من أهل التخصص (وحتى غيرهم) من السودانيين لا يقومون بمثل هذه الدراسات، ويؤثرون "السلامة" والقعود في المدن الكبيرة وممارسة هوايتهم المعتادة في التنظير الشفاهي، ويتركون "الرجل الأبيض" يؤدي عبئه القديم (الأبدي، فيما يبدو) في البحث في شئون البلاد وشعوبها.    
نبذة تاريخية مختصرة:  منذ أن نال السودان استقلاله في عام 1956م كانت كل من الحكومة السودانية في المركز، والقوات المتمردة في الجنوب تحتفظ بنظم قانونية واقتصادية وقوات مسلحة وهوية ثقافية منفصلة. وظل السودان فعليا يعيش كدولتين منفصلتين، اقتصرت تداخلاهما على الصراع (وليس التعاون لمصلحة شعبيهما) والذي امتد ليغدو أطول حرب أهلية في التاريخ الحديث. استمرت الجولة "الأخيرة" من الحرب بين الشمال والجنوب ما يزيد عن 21 عاما، قتل فيها ما يزيد عن مليون ونصف من البشر بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية في عام 2005م. لأغراض هذا المقال سيستعمل تعبير "جنوب السودان" ليعني الولايات العشر التي أعطيت حق الحكم الذاتي بموجب اتفاقية الحكم الذاتي الموقعة في عام 2005م. يجب تذكر أنه، وبالإضافة للحرب الأهلية التي كانت قائمة بين القوات الحكومية الشمالية والقوات الجنوبية، فلقد كانت هنالك أيضا حروبا صغيرة عديدة أخرى تدور بين الأعراق المختلفة في جنوب السودان والتي ظلت لقرون في حالة عداء مستمر. كانت تلك الحروب القبيلة تستعر في الغالب بين قبيلة الدينكا وبين غيرها من العرقيات الصغيرة الأخرى مثل النوير والأتوت. تدخلت أحيانا قوات الحركة الشعبية لفض تلك النزاعات المسلحة، بيد أنها لم تصب إلا نجاحا قليلا في ذلك. في تلك الحرب ارتكب الجيش (لم يحدد المؤلف من/ما هو المقصود هنا. المترجم) أعمالا وحشية ضد السكان، فسطا على أبقار الدينكا (وهي تعد عملتهم التي يتعاملون بها) وأخذها كبار الضباط كغنائم شخصية. جعلت الحملات المتكررة للقوات المسلحة الهادفة لإخماد النزاعات الإقليمية في أوساط الدينكا من استعمال القوة العسكرية ضد المدنيين شيئا معتادا، وساهمت في توطيد دعائم سطوة قادة الجيش على المواطنين، وعلى حكومتهم المدنية الأخرى (أشار المؤلف هنا لمؤلف د/ فرانسيس دينق المعنون: "حرب الرؤى" الصادر في عام 1995م).
عن عمل المؤلف: عمل د/ ديل منذ عام 2003م حتى بداية عام 2008م كطبيب وباحث مستقل في قرية تكاجوك Ticagok في جنوب السودان وفي ما حولها. أتى الرجل في بادئ الأمر للعمل في الجنوب كطبيب بدعوة من إحدى المنظمات غير الحكومية لمدة سبعة عشر شهرا، وجمع خلال عمله الحقلي كثيرا من القصص عن حياة الناس في المنطقة التي عمل بها، وقام بعمل استبيانات عن معرفتهم وسلوكياتهم وممارساتهم (تعرف مثل هذه الدراسات اختصارا ب- KAP Knowledge, Attitudes and Practices. المترجم( وكذلك استبيانات عن القرابات، وجمع كذلك صورا وتسجيلات كثيرة عن أحوال السكان في تلك المنطقة. سجل كذلك إفادات من أفراد وعائلات تعرضت للتعذيب، ومن القادة المحليين ومسئولين حكوميين وقادة في الجيش، وكذلك من "مخبرين" وأفرادا عاديين من قبيلة الدينكا. ذكر المؤلف أنه قرأ لهؤلاء الناس ما كتبته، واستعان بكثير من تصويباتهم وإضافاتهم ونفاذ بصيرتهم. جمع د/ ديل نحوا من 443 تسجيلا لمقابلات مع السكان المحليين، وللاجتماعات وللطقوس الممارسة، وجمع كل ما تحصل عليه في جداول وأشكال بعد أن أخضعها لعمليات إحصائية مناسبة. يقول المؤلف أنه (بالإضافة إلى هذه الأعمال "الجانبية" فقد نفذ – مع آخرين- وبعون سخي من متبرعين (لا ريب أنهم من غير بني جلدتنا. المترجم) بناء مستوصف صحي كبير، وساعد في بناء مدرستين وعدد من مشاريع المياه.
القصة الأولى: بعد مرور خمسة أيام من افتتاحنا لعيادتنا في تكاجوك تلقيت دعوة مكتوبة للمثول أمام كبير القوم وقاضيهم. امتثلت للأمر وذهبت إلى حيث كان الزعيم تحت شجرة ضخمة من أشجار التين مع ثلة من شيوخ القبيلة الذين بدأوا في التقاطر على مهل. تمت مسألتي عن أشياء من قبيل: لماذا لم أعين أناسا بعينهم، ولماذا لم أقم بذبح  ثور عند افتتاح العيادة الطبية للظفر ببركات الرب "نيهلاك Nhialac (وهذا طقس من الطقوس التقليدية المعتادة عند قبيلة الدينكا)، وسئلت كذلك عن سبب حرقنا لمراتب قديمة بينما كان من الممكن إعطائها لبعض السكان. كان كبير القوم يخاطبني عند طرحه لأسئلته تلك باسمي الدينكاوي. رددت بالقول أننا عينا من نراه أهلا للمهمة، واتفق معي كل الحضور في أن هذا من حقي. كذلك شرحت لهم أننا قمنا بحرق المراتب لأنها كانت ملوثة بأمراض من كان ينامون عليها – دون غطاء-  من المرضي. هز الجميع رؤوسهم دلالة التفهم والموافقة. أخبرتهم أيضا بأننا كنا قد خططنا لإقامة احتفال بمناسبة افتتاح العيادة الطبية، بيد أن نزاعا دمويا كان قد شجر بين طرفين مسلحين على بعد أقل من 400 متر من بوابة العيادة، ورأينا أنه سيكون من عدم الحكمة أن نجمع عددا كبير من الناس في مثل تلك الأجواء. وافق الجميع على ذلك التفسير. يبدو أنهم لم يكونوا معترضين على أي من القرارات التي اتخذناها. كل ما في الأمر هو أننا لم نجلس مسبقا مع كبار الشيوخ في القبيلة للتشاور قبل أن نقدم على ما أقدمنا عليه. أحس هؤلاء الشيوخ ببعض الضيق من حالة أننا كنا نقوم بأعمالنا بصورة مستقلة عنهم، وهم يريدونا أن نعمل جماعيا مع أفراد المجتمع المحلي، وليس بمعزل عنه. للدينكا كلمة تفيد معاني مثالية للوحدة والقرارات الاجتماعية المتخذة جماعيا هي كلمة "سينق cieng ".  تعني الكلمة حرفيا "العيش في ود وصداقة مع بقية أفراد المجتمع" أو "العيش في مكان واحد، أو حي" أو "شخص يمكن تبادل الآراء (السياسية) معه". ذكر المؤلف أيضا تعريفا مطولا للكلمة أتى به د/ فرانسيس دينق في كتابه الصادر في 1972م عن الدينكا.
خلصت إلى أنني استدعيت لمقابلة زعيم القوم وكبرائهم، ليس نتيجة لقرار اتخذته، أو عمل قمت به، بل لتفسير عملية (process) اتخاذ هذا القرار أو تنفيذ ذلك العمل. كان القوم يعتقدون أن ما قمنا به يفتقد إلى "السينق cieng"، وهو بالتالي عمل غير صالح، بغض النظر عن ما أفضى إليه ذلك العمل من خير عميم.
القصة الثانية: تتلخص القصة الثانية التي حكاها المؤلف عن نزاع مسلح شجر بين فرقتين من أفراد دينكا اقار هما البنيار والنيوي. بدأ النزاع في حفلة رقص شبابي. جرت العادة أن يأتي الشاب حاملا عصا صغيرة ويتقدم نحو الفتاة التي تعجبه ويدعوها للرقص معه بمسها مسا خفيفا بعصاه على كتفها.  حدث قبل عام كامل من ذلك النزاع أن قام  شاب من النيوي باختيار فتاة من البنيار للرقص معه، لكن الفتاة رفضت العرض، وكررت رفضها عندما طلب منها الرقص معه في رقصة تالية، فأسرها الشاب في نفسه وقرر الانتقام لكرامته التي أهدرت أمام الآخرين. بعد مرور شهور على ذلك الحفل، صادف الشاب الدينكاوي من فرع نيوي وهو مع أبقاره رجلا دينكاويا آخر من فرع بينار يمت بصلة قرابة لتلك الفتاة، فعالجه بعصاه بضربة شجت رأسه. قام الشاب البيناري المضروب فيما بعد برد الهجوم عليه وانتقم لنفسه بضربات متتالية على ذلك الشاب النيوي أطاحت به أرضا وأسلمته سرير المستشفي أياما عديدة. ما أن شفي الشاب النيوي حتى قرر الانتقام، فدعي الشاب البينارى للقتال. رفض الأخير الدعوة للنزال بذريعة أنه لم يعد يحس بغبن تجاهه، وأن لا داعي للقتال في أمر مضى. أصر الشاب النيوي على الانتقام، وتصاعدت الأمور وزادت تعقيدا عندما حملت فتاة أخرى من البينار من رجل من النيوي. معلوم أن الخطاب في قبيلة الدينكا يحبون الطول في الرجل ويقدرونه، لذا فإنهم لم يقبلوا بالرجل النيوي زوجا وصهرا لهم، إذ أنه كان قصير القامة لا يصلح زوجا لفتاتهم. تعقدت الأمور أكثر عندما تنازع البنيار والنيوي على مرعى للأبقار، فحدثت المزيد من الصراعات الدموية. حكي المؤلف باستفاضة عن قصة أخرى تلت القصة الأولى أدت لمزيد من التعقيدات في الموقف عن خطبة رجل (آخر) من البنيار لفتاة من النيوي، قادت إلى مزيد من سفك الدماء، وعن فظائع وحشية منها أن رجلا قصيرا من رجال النيوي قتل رجلا طويلا من رجال البنيار. اصر رجال البنيار أن قتل الجاني النيوي وحده ليس كافيا، إذ لا يستوي الرجل الطويل والقصير عندهم، وطالبوا بقتل رجلين من رجال النيوي كعقاب "تعويضي" لما فقده ذلك الفرع القبلي.
القصة الثالثة: تقول القصة هذه والتي عنوانها "قتل في مؤتمر للسلام" إن لام مالوك (وهو زعيم محترم من البنيار)  حاول أن يصلح بين فرعي القبيلة، فدعا لاجتماع لكبار القوم من الفرعين المتصارعين. سرت إشاعة (شائعة) مفادها أن البنيار يدبرون مكيدة لقتل كبار رجالات فرع النيوي عند قدومهم لذلك الاجتماع، وذلك انتقاما من مقتل عدد من أفراد فرعهم. تجاهل لام مالوك التهديدات والشائعات واستخدم نفوذه وسلطته لإجبار كبراء فرع النيوي لحضور ذلك الاجتماع. مضى الاجتماع بسلام، ونحرت الذبائح، وعبر شيوخ الفرعين عن ضرورة إيقاف ذلك الصراع الدامي. عند قرب نهاية الاجتماع (في ذات الشجرة الضخمة التي أحضرت للمثول أمام كبار القوم تحت ظلها بعد أسابيع)  برز من بين العشب الكثيف المجاور رجل من البينار كان يراقب المشهد منذ بدايته، ومعه صاحب له، وانتزعوا بسرعة فائقة بندقية من يد جندي كان موجودا في المكان، وأطلقوا النار على شيوخ من النيوي، فقتلوا احدهم، وأصابوا آخر إصابة بالغة، ثم اختفوا في سرعة البرق في دغل مجاور.
حدثت هذه القصة بعد نصف عام من حمل الفتاة من البنيار من رجل من النيوي، وحدثت بعدها حوادث قتل عديدة. من اللافت للنظر في هذه الحوادث أن رجال القبيلة لا يذكرون اسم قاتل بعينه عند رواية الأحداث، بل يذكرون أن "بنيارا" قتل "بنيويا". ليس هنالك من يلتفت لبراءة (أو إدانة) شخص بعينه، وإنما يذكر فقط فرع القبيلة كلها عند الحديث عن ما حدث من قتل أو جرم. وهناك مزيد من القصص في مقال قادم ...
نقلا عن "الأحداث
"badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]