نستعمل تعبير "مخرجات التعليم" في عنوان هذه السطور هنا بكثير من التحفظ والأسف والأسى والامتعاض، فبالإضافة إلى إلى ما يتبادر إلى الذهن من ربط كلمة "مخرجات" بعملية "الإخراج" وكل ما يتعلق بها، فإن الحديث عن التعليم عندنا (وعند غيرنا) لا يمكن أن يتم تناوله بيسر وجزافية وعجلة في سطور قليلة، ولا غرو إذ أن التعليم هو ركيزة بناء الأمة وعماد مستقبلها، ويستأهل من الجميع (المتخصصين والعوام على حد سواء) النظر الفاحص المدقق والنقد المركز البناء، ويتطلب من القيادة السياسية قرارات شجاعة، تبدأ (ولا تنتهي) في حالة التعليم العالي عندنا بكبح جماح شهوة فتح المزيد من الجامعات، والنظر في ما هو قائم فعلاً بالضم أو الإغلاق أو غير ذلك من المعالجات. يجب كذلك النظر في التعليم من أساسه ووجهته وفلسفته ونظمه وأهدافه. قبل كل هذا وذاك يجب أن نعترف بأننا "أمة في خطر" أكثر من غيرنا، فالتعليم عندنا – باتِّفاق عجيب ونادر بين كل الأطراف - في حال لا يحسد عليها، وأي غض للطرف عن مشاكله أو تجاهل لحاله يعني تدمير مستقبل الملايين من الأجيال القادمة. أو لم تطلق أكبر وأقوى دولة في العالم صرخة فزع كبرى عندما أصدرت في عام 1983م التقرير الشهير الذي أسمته "أمة في خطر" منبِّهة لتدهور التعليم في الولايات المتحدة، وهي الدولة التي تهفو إليها قلوب وأفئدة الطلاب من مختلف بقاع العالم ويدرس فيها الآن نحواً من ثلاثة أرباع المليون من الطلاب الأجانب للدراسات العليا فقط... تلك الدولة التي خرجت من جامعاتها ومراكزها البحثية جل ما ننعم به – بفضل الله – من منتجات واكتشافات وأدوية وغير ذلك، تصرخ أن التعليم عندها في خطر ونحن عن كل ذلك في شغل فاكهين، نفتتح المدارس الخاصة الجامعات الجديدة وكأنها بقالات صغيرة، نبدأ بالإعلان عن فتح الجامعة، بل ونسميها باسم سياسي أو زعيم ديني، ثم نبحث من بعد ذلك عن مبنى، فنسطو على مبنى كانت تقوم عليه مدرسة ثانوية أو معهد للتربية، وبقدرة قادرة يتم قبول الطلاب على أن يدرسهم من تعلمون. لا تنقضِ سنوات قليلة إلا وبمزيد من الخريجين ينضمون لصفوف طويلة من العطالَى الذين لم يعطهم "التعليم العالي" الذي نالوه مهارات تذكر، أو معرفة تفيدهم في أعمالهم أو تسهل لهم فرصاً حقيقة للعمل المناسب لتخصصاتهم، وما سقوط عدد مقدر (كبير) في امتحان الالتحاق بوزارة الخارجية، وبامتحان القيد الصحافي، والفشل البائن في الأعمال الهندسية التي نفذت حديثاً كذلك النفق الذي غمرته مياه الخريف الماضي، إلا دليل حاسم وقوي على ما نقول.
هنالك الكثير من الأمثلة التي تشير بل وتؤكد أن "مخرجات التعليم" عندنا لن تخرجنا من حال التخلف الحالي والذي لا تخطئه عين. وهاكم بعض الأمثلة لما أقول: أولاً نسمع بين حين وآخر أن بعثة تلك الدولة الأوربية التي تنقب عن الآثار في بلادنا (والبلاد المجاورة) قد عثرت على أثر يرجع تاريخه لسبع آلاف سنة مما تعدون. وترى أفراد تلك البعثة لا يستخدمون آلآت ضخمة أو تقنية متقدمة بالغة التعقيد، ولكننا لا نكاد نسمع اكتشافاً ذا أثر لبعثة آثار من بني جلدتنا! وتسمع (وكثيراً جدا) عن توطين العلاج وأن المستشفيات تضارع بل تفوق "آخر ما توصل إليه العالم المتقدم"، وأن أطباءنا يفوقون نظرائهم في العلم والمهارة، فيطمئن قلبك وينشرح صدرك إلى أن يصاب مسئول كبير أو متنفذ خطير بعارض صحي صغير أو كبير فتقرأ أن الطائر المأمون قد طار به خارج الحدود مستشفياً أو مستجماً، فتعجب لما قيل عن "توطين العلاج" ورفده بالخبراء في علوم المختبرات والتشخيص وبكوكبة ضخمة من الاختصاصيين والاستشاريين، فتكذب ما يقوله الإعلام، وتصدق ما يسمعه ويراه ويلمسه المواطن البسيط من سوء تأهيل كثير من العاملين في الحقل الصحي وضعف المستشفيات على كافة الأصعدة تقريبا.
هل رأيتم على شاشة التلفاز أخبار الكوارث الطبيعية (مثل الزلازال والحرائق) والمصائب البشرية (مثل النزوج الجبري) عندما تحل على بلاد العالم الثالث. ألا ترى جحافل الفرق الطبية والإغاثية بآلاتهم وخيامهم وكلابهم (أيضاً) من البلدان التي اهتمت بالتعليم والعلم الذي ينفع، وهي – بحول الله - تغيث وتطمع وتأوي؟ هل شغل مثل هؤلاء أنفسهم مثلنا بتعليم يؤثر التلقين على التفكير، ويشجع الحفظ (الصم) ولا يحض على البحث ولا على الابتكار، ولا يفيد المرء شيئاً في حاضره أو مقبل حياته، وبالقطع لا يعطيه فرصة لتعلم مهارة أو خبرة بالحياة ومستجداتها.
وقبل أيام سمعنا عن ما حدث في دولة شقيقة مجاورة – نهاجر إليها زرافات ووحدانا لطلب العلم، ويغشى سواحلها الدافئة المشهورة الآف السواح الهاربين من صقيع بلادهم - عن التهام  سمكة قرش لسائحة وإصابة آخرين، فلا يجد البعض منا تفسيراً للظاهرة غير النظرية المؤامراتية المسجلة حصرياً للشعوب العربية، والتي تلقي اللوم على "بلد آخر" دون تثبت وتقول إن تلك السكة المتوحشة إنما بعثها عدو مغتصب بهدف تخريب السياحة وتهديد الأمن الاقتصادي لتلك الدولة الشقيقة! يدب الفزع والرعب في أوساط الجميع، فيلجأون في نهاية المطاف لآخر المعاقل الحصينة.. معقل العلم، وهو سلاح ليس من ما يتوفر عندنا، فيقدمون التفسيرات العقلانية. أفاد أحد هؤلاء الخبراء (والذي أتى من بلاد آمنت وعلمت وعملت على أن التعليم الجيد هو خير استثمار) بأن السبب في توحش تلك السمكة هو أن أحداً من الأغبياء (من الذين لم يتلقوا تعليماً حقيقياً يجابهون به الحياة) ظل يرمي بالحيوانات النافقة في ذلك الموضع من الساحل الذي كانت توجد فيه تلك السمكة، فتعودت على ذلك المصدر السهل للطعام. ثم توقف ذلك المصدر لسبب ما، فجاعت السمكة وأضر بها الجوع حتى لجأت لما هو أمامها من السابحين والسابحات!
من أمثلة فقر التعليم عندنا التي أذكرها ما حدث لطائرة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قبل نحو عقدين من الزمان، والتي قامت من الخرطوم قاصدة الجماهيرية الليبية المجاورة،  فتاهت ثم سقطت في مكان ما في الصحراء فشل خبرائنا العرب كلهم في تحديد مكانها، حتى أتى الفرج – بعون الله - ممن أدركوا أهمية العلم والتدريب، فحددوا بدقة متناهية مكان سقوط الطائرة، وتم إنقاذ الزعيم وجماعته!
لا تقتصر أمثلة فشلنا في استخدام العلوم التي نتعلمها ونعلمها على ما ذكرنا من أمور تقنية معقدة، بل تمتد حتى تشمل مسائل يخجل المرء من تكرارها، مثل فشل الأطباء البشريين والبيطريين عندنا في تحديد مسببات كثير من الأوبئة والنوازل الطبية التي تفتك بين حين وآخر في بعض المناطق بالبشر والبهائم، فنلجأ إلى المعاهد الأجنبية والمنظمات العالمية، ونحن الذين نفتخر دوماً بأننا من "الرواد" في تلك الضروب من العلوم الصحية والطبية بمختلف صورها.
قد يقول قائل إنه من التبسيط المخل إلقاء اللوم فقط على "التعليم ومخرجاته" كسبب لفشلنا وخيبتنا في حل المشاكل التي تواجه المجتمع، فهنالك جملة من الأسباب والقضايا المتعلقة بالمقدرات المالية والسياسات الخاطئة وبسوء تقدير في تحديد الأولويات العاجلة، وبالفساد أيضا. كل هذا صحيح، ولكن تتضافر جميع تلك العوامل وغيرها على إضعاف التعليم وعلى تخريج أرتال من المتعلمين في كافة المهن من الذين لم يتلقوا تعليماً مفيداً يؤهلهم لمجابهة المشاكل وإيجاد الحلول لها. لن ينصلح الحال إن استمرت ساقية التعليم عندنا تدور في ذات الدائرة التي أوصلتنا إلى ما نحن نكابده الآن، ولن تحل مشاكل التعليم إن أوكل أمر حلها لذات الذين سببوا المشكلة في الأساس. نحتاج لعقول ودماء جديدة لإحداث ثورة في مجال التعليم، وإلا فإن الحال سيبقى كما هو عليه.  
نقلا عن "الأحداث"               
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.