تقديم: نشرت هذه الخواطر الساخرة في الصفحة الأخيرة من مجلة نيو يورك تايمز الصادرة في 31 يناير 2010م، وأترجمها هنا بتصرف، وتغيير في العنوان الأصلي الذي هو:

"The Dog who hates me". يمكن بالطبع قراءة هذه الخواطر على مستويات مختلفة من الفهم، وقد يشتط بك الخيال فتطبقها إن شئت على "دنيا الناس"!

-----------

 

لسنوات عديدة ظل أطفالي يطلبون إلي، ويلحفون في الطلب أن أسمح لهم باقتناء كلب في دارنا الصغيرة. كانوا يحاولون إقناعي بطرق شتي وأحابيل متباينة بأن عائلتنا لن تكتمل لها سعادة، ولن تهنأ بطيب عيش إن لم يكن في وسطها كلب أليف. وشاء حظي العاثر أن أستأجر شريطا (فيلما) اسمه "فندق للكلاب"، وهو شريط يعلم مشاهديه بأن لا سعادة لهم إلا في اقتناء كلب يصبح واحدا من أفراد عائلتهم السعيدة. وشاءت الأقدار أن يشاهد معي أطفالي ذلك الشريط، فثبت في عقولهم وعواطفهم أنهم بدون كلب في الدار ستظل حياتهم كدرة، وسعادتهم مفقودة. ظلوا يطلبون ويلحفون في الطلب المتكرر المزعج، والذي تسبقه وتعقبه آهات ودموع وحسرة حتى خشيت على نفسي وعقلي من التلف إن تماديت في تجاهل تلك الرجاءات اليومية المتكررة، فلم أحر غير الرضوخ والاستسلام كسبا لراحة النفس والبدن، وطبعا في كسب ود العيال (وهي غاية لا تدرك!). تعالت صيحات الإشادة والفرح والحبور، بل والنشوة وأنا أعلن الموافقة السامية علي اقتناء كلب يكون للعائلة مصدرا لسعادة لا تنضب، وهناء لا يزول، وحبور مستدام.

يجب أن أسجل اعترافي هنا بأن عدوى السعادة والهناء والحبور التي أشاعها نبأ مقدم كلب لعائلتنا قد أصابتني أنا أيضا! أدرك جيدا أن اقتناء كلب يعني بذل عمل شاق وجهد كثير، بيد أن المتعة والسعادة التي كنت أظن أنني سأجنيها – أنا وصغاري- سوف تجعل كل عمل وجهد نبذله في سبيل اقتناء كلب والعناية به سوف تتضاءل أمام كل تلك الفوائد المرجوة. من منا لا يرغب في أن تكون داره مثلا للسعادة والهناء والحبور؟ وهل تكتمل لعائلة سعادة، أو يسود حياتها الهناء والحبور إلا حول كلب يملأ حياتها وينثر السعادة بين أفرادها؟

قمنا جميعا إلي الجد والاجتهاد في البحث الجاد والمتصل في مظانه من صحف ومجلات وشبكة عنكبوتيه. وجدنا ضالتنا بعد بحث قصير افتقر إلي التجويد إلي أن هنالك كلباً يناسبنا تماما. كان هنالك إعلان عن "كلب يبحث عن مأوي"، وكان كلبا صغيرا من نوع "يوركشير تيرير" يقول تاريخ حياته القصير أنه تنقل عديد المرات بين بيوت كثيرة! اتصلنا بصاحب الكلب الحالي، واتفقنا علي أن نلتقي في مكان لبيع طعام الحيوانات الأليفة (بيت كو) في ضاحية من ضواحي مينسوتا لرؤية الكلب المعروض للبيع. كنت أظن – واهما- أن غرض ذلك اللقاء هو مجرد "إلقاء نظرة" على ذلك الكلب، ومعرفة إن كان يناسبنا أم لا. كنت واهما فعلا، إذ أن صراخ الأطفال الفرح وسعادتهم الغامرة عند رؤية ذلك الكلب الصغير كانت دليلا لا يتطرق إليه شك في أن ذلك الكلب كان لا بد من أن يرافقنا في رحلة العودة للدار...وهذا ما حدث بالفعل!

وأنا أقود السيارة عائدا في رفقة ذلك الصاحب الجديد، رأيت أن أقوم بعملية تصويت ديمقراطية لاختيار اسم لذلك الكلب. عدلت عن ذلك – كمشتري ومالك للكلب- ورأيت أن لي الحق في اختيار الاسم فأطلقت عليه اسم "ديف" (وهو اختصار اسم ديفيد) لسبب قد ترونه عجيبا... لم يسبق لي أن صاحبت فردا من بني آدم اسمه ديف ولم يكن صاحبا مخلصا أمينا! وعشما في أن يكون هذا قدري مع "ديف" الكلب مارست الترغيب والترهيب مع عيالي حتى وافقوا على اسم "ديف" لضيفنا العزيز الجديد.  وصل صاحبنا لداره (الجديدة)، وكان الأطفال في غاية السعادة ومنتهي الحبور وهم يتنافسون فيما بينهم على من يكون له شرف التخلي عن سريره للكلب المدلل "ديف". امضي كلبنا الجديد ليلته تلك متنقلا بين تلك الأيادي الصغيرة والأحضان الدافئة. ولم يفت على صغيرنا الذي لم يتجاوز عمره عاما واحدا شرف المشاركة في مهرجان الفرح ذاك، إذ ألقم فم الكلب الصغير قطعة صغيرة من لحم "الهام" اللذيذ. انتهي بالكلب المطاف تلك الليلة ضيفا على سرير ابني ذي الثمانية من العمر...تماما كما كان يحلم دوما!

يبدو أن كل شئ يسير كما ينبغي له...على الأقل حتى طلعت علينا شمس اليوم التالي. عدت في اليوم التالي من العمل مع مغيب الشمس مكدودا. ما أن رآني الكلب حتى طفق ينبح وينبح وينبح! ظل ذلك الكلب ينبح حتى كاد رأسي أن ينشق كلما رآني أسابق العيال أو ألاعبهم أو أصارعهم أو أراقصهم كما يحلو لي دائما. قد تجد له بعض العذر عند رؤيتك للطريقة التي أرقص بها، بيد أني لم أجد تفسيرا لنباحه المزعج المستمر كلما وقعت عيناه علي! جربت الترهيب مرة فصرخت فيه مهددا، وحاولت الترغيب مرات أخري، فأطعمته مما أطعم من لذيذ اللحم...كل ذلك دون جدوى. كان ذلك الكلب اللعين يأكل ما أعطيه إياه ثم يعود للنباح من جديد وبصورة أشد قوة!

كلما رويت أفعال تلك الكلب معي عدها الناس شيئا مسليا لا خطر منه. لم أكن أعدها كذلك بالطبع، فلقد فتحت أمامي أبوابا للتفكير. لقد جرح "ديف" بأفعاله تلك مشاعري. جرى العرف أن يتوقع المرء من كلبه حبا صادقا غير مشروط، وتحريكا للذيل دلالة الخضوع والمسكنة والامتنان. بيد أن ذلك الكلب تعود أن "يكسر قلبي" كلما رآني عائدا للدار بعد يوم عمل مرهق من أجل كسب عيشنا وعيشه بنباحه في وجهي وكرهه للقائي.

فكرت في سبب ذلك الكره. لعل أحدا من أصحابه القدامى كان يسئ معاملته كلما آب للدار في ذات الساعة ألتي أعود فيها للبيت. لم تثبت تلك النظرية إذ جربت أن أدعو رجالا كثيرين من أصدقائي ليدخلوا للدار في ذات تلك الساعة التي أعود فيها من العمل ولم ينبس الكلب بذات شفه! إنه يكرهني...أنا بالذات ولا أحد غيري!

من حسن حظي أن ما زال في يدي "كرت أخير" لألعبه...كان ذلك "الكرت" هو كرت الصحة والسلامة. تعلمون أن هنالك انفجارا سكانيا في أواسط الكلاب، وأن الحد من تلك الزيادة أمر في غاية اليسر. لم أكن أرغب في أن احرم "ديف" من جزء عزيز من أعضائه، ولم أشأ أن أفعل به شيئا لم يكن بمقدوره أن يفعله بي. بيد أنه قد بدأ والبادئ أظلم كما يقولون. كان "ديف" كلبا بالغا "مكتمل الرجولة" حين تبنيناه (ولا أقل اشتريناه)، بيد أن سلوكه العدواني تجاهي (أنا من أطعمه بيدي) لم يترك لي خيارا غير أن أزيل خصيتيه على أمل أن يتعافي من تلك العدوانية التي يزعم العلماء أن مصدرها الهرمون المفروز من الخصيتين. ذهبت بالكلب "ديف" صباح جمعة مشرق إلي الجراح البيطري، والذي استأصل خصيتيه في دقائق معدودة. تركته تحت الرعاية الطبية البيطرية، ثم عدت للبيت آخر النهار على أمل أن يكون قد أعيد لداره. توقفت بالسيارة أمام الدار، وأنا في غاية القلق والخوف. أدرت مفتاح الباب الخارجي وأنا احبس أنفاسي والقلق يكاد يعصف بي! ماذا تري سيفعل ديف؟ كنت أتوقع بالطبع أن يسود قدر من الهدوء في المنزل بعد طول غياب، بعد أن أزيل مصدر "الشغب" عند كلبنا العزيز! توقفت قليلا بعد أن خطوت الخطوة الأولي في داخل الصالة الأمامية لأشعر "ديف" ومن معه بوجودي...تلك كانت لحظات عصيبة! فجأة انطلقت عقيرة الكلب بنباح عال وقوي ومزعج لم أعهده من قبل! كل ذلك وهو لم يزل في حالة أشبه بالسبات من تأثير المخدر القوي الذي استعمل في عمليته الجراحية غير الكريمة.

يبدو أن "ديف" فشل في الإيفاء بمتطلبات وظيفته الأولي، ألا وهي إرضاء مالكه وإظهار الحب والتودد والامتنان أمامه! فشلت أنا كذلك في الحصول على كلب يوفر لي كل ذلك، وتبدد حلمي في أن أعثر على كلب – كبقية كلاب الناس- صديق مخلص ومؤدب ومطيع. بيد أن فصول تلك التراجيديا قد علمتني أن اقتناء كلب – مهما تكن النتيجة- تعلمك دروسا نافعة. تعلمك كيف أن الحب والبساطة والتآزر تؤمن للمرء راحة من كبد الدنيا ومشاغلها ومتاعبها التي لا تنتهي. تعلمك أن تقبل الآخر كما هو. فلقد قبلت "ديف" كما هو. بالطبع لازلت آمل أن يبدي نحوي بعض التعاطف والقبول (ولا أقول الحب)، ولا زلت أتمني أن لا ينبح كلما رآني. لا أعتقد أنه يجد متعة ما عندما ينبح في وجهي، بيد أن تلك طبيعته التي فطره الله عليها. تماما مثلنا نحن البشر! لقد اخترت لذلك الكلب اسما بشريا هو "ديف"، ولم يدر بخلدي حينها أنه سيتصرف مثل البشر تماما!

كانت هنالك علاقة حب عميق بيني وبين ذلك الكلب. لكنها علاقة عرجاء...يقوم فيها فرد (عديم الخصيتين) بالنباح الشديد كلما وقعت عيناه على الآخر( الذي ما زال يتمتع بهما) دونما سبب واضح!

نقلا عن "الأحداث"

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]