قد لا تصدق إن قلت لك أن اسم أول شهيد سقط برصاص الشرطة في 21 أكتوبر 1964م قد سقط من ذاكرة ثلة من شباب هذا الزمان...وأين؟ في ذات المكان الذي سقط فيه مضرجا بدمائه! لم أصدق نفسي وأنا أشاهد قبل أيام قليلة حلقة من "الشروق مرت من هنا" من تقديم الفنان الكوميدي محمد موسي قدمت من جامعة الخرطوم. والبرنامج لمن لا يشاهده برنامج خفيف الظل يهدف إلي تعريف المشاهد (الكريم) بشيء من تاريخ السودان والحياة فيه، وبضروب متنوعة من ضروب الثقافة العامة. وكثيرا ما أشاهد ذلك البرنامج إذ أن إجابات بعض المشاركين (وحتى المتعلمين منهم تعليما "عاليا") تدعوا المرء ليعيد النظر في كثير من المسلمات التي لطالما ظللنا نرددها، ونفخر بها، ونباهي الآخرين من "الجهلاء" من سائر أهل المغرب والمشرق، ممن نصمهم في يسر وجزافية بالغين بالجهل المطبق، خاصة في مجال التاريخ والجغرافيا والسياسة الدولية. فلقد شاهدت قبل أيام شاب بريطاني يدرس في أحد الجامعات الشهيرة في برنامج بريطاني مشهور يسمي "الحلقة الأضعف" يجيب عن سؤال عن اسم  بلد أفريقي عربي يطل علي البحر الأبيض المتوسط ويحكمه القذافي، فأجاب الطالب بثقة عجيبة: "زيمبابوي"! لم تقل صدمتي عند سماع تلك الإجابة العبقرية عن صدمتي عند سماع إجابات شبابنا من من تم سؤالهم عن اسم "شهيدنا الأول" في ثورة أكتوبر، رغم محاولات مقدم البرنامج المستميتة لجعل ضيوفه يأتون بالإجابة الصحيحة، مستعينا في ذلك بأبيات من شعر الأناشيد والمقولات المشهورة.

جاءت إجابة الرجل الأول عجيبة غربية تنبئ عن جهل مركب بتاريخ السودان الحديث وبتاريخ "الإنقاذ" التي ما زالت على سدة الحكم لم تبرحه. أجاب (لا فض فمه) بأن أول شهيد في ثورة أكتوبر 1964م هو الشهيد الزبير محمد صالح! لم يحر مقدم البرنامج ما يقول. فالإجابة – على ما فيها من غرابة وجهل- أخذت مقدم البرنامج على حين غرة، فانتقل سريعا على غير عادته إلى متسابق آخر مؤملا جبر ما لاقى من صدمة شنيعة، ولم يقل بما قال به من قبله محمد سليمان في برنامجه الشهير الذي مط فيه عبارة: "يا رااااجل" فسارت بذكرها الركبان. لم يكن المتسابق الثاني بأفضل حالا من المتسابق الأول، وبعد كل متسابق ترزلون، وبعد أن حبسنا أنفاسنا خوفا من صدمة جديدة، وطمعا في أن يفرج الله كربتنا جميعا، أجاب الشاب الثاني في ثقة عجيبة وطمأنينة يحسد عليها (بعد تبادل السلام وبعض الضحكات) أن الإجابة هي: "عبيد ختم"...يا راااجل حرام عليك... لم يحر مقدم البرنامج ما يقول، ومجيبه يذكر اسم شهيد لعله لم يكن مولودا في عام الثورة تلك ...عام 1964م، وكدت أراه وهو يقذف بمكبر الصوت في وجه المتسابق المركب الجهل، بيد أنه كتم غيظه، ومضي مؤملا العثور على من يقيل العثرة ويستر الفضيحة. بيد أن ذلك لم يكن ليكون! كيف لا وقد أتى الثالث بما هو أشنع وأقبح! أجاب صاحبنا والثقة تملأ جوانحه، والعلم يكاد يقفز من عينيه المتقدتين بالذكاء الحاد أن الشهيد هو "علي عبد اللطيف"! صحت بما يصيح به "يوسف وهبي" في أفلام منتصف القرن الماضي عندما يستفظع أمرا أو يستنكر حديثا! "يا للهول". من بين كل من ماتوا في السودان من أجل قضية ما، وعلى اختلاف ميولهم السياسية والدينية والعرقية لم يجد صاحبنا اسما غير على عبد اللطيف. نحمد الله أن مقدم البرنامج لم يطل الحديث مع ذلك الشاب ولم يسأله مزيدا من الأسئلة (المحرجة) عن من هو علي عبد اللطيف، وعن نشأته وميلاده، وما السبب الذي بموجبه عده شهيدا، وإلا لكنا قد سمعنا العجب العجاب.

ضقنا ذرعا بالثلاثي الجاهل (وليس المرح)، وبدأ اليأس يتسلل إلي نفوسنا وكدنا نؤمن بمقولة سعد زغلول المتشائمة من أنه "مفيش فايدة"... وذكرى أكتوبر تطوف في ذاكرتنا، وكلمات أناشيد فضل الله محمد وهاشم صديق ومحمد المكي إبراهيم وغيرهم مع ألحان وأصوات الكابلي ووردي ومحمد الأمين وصلاح مصطفي تطرق آذاننا..."وكان القرشي شهيدنا الأول" و"من دم القرشي وأخوانه" وغير ذلك من مأثورات تلك الثورة الشعبية التي أحيا ما خمد من ذكراها كتاب "يوميات ثورة أكتوبر" للبروفسير الأمريكي كلايف تومسون والتي نشرتها صحيفة "الأحداث" العام الماضي (ككتاب في جريدة)، والذي قيل أن كل نسخه قد نفذت حال صدورها! مع ما يصاحب ذكري تلك الثورة التي لم يمل الحديث والكتابة عنها من شهدها كبيرا وصغيرا، ومن غير هؤلاء من المهتمين بشئون بلادهم وشعبهم. وبعد أن كاد اليأس أن يغمر نفوسنا أتانا الفرج وأتى من بين المتسابقين من نجح في ذكر اسم "القرشي" دون التمكن من ذكر الاسم كاملا...والطشاش ولا العمى! وفي بلد العميان يعد الأعور ملكا كما كان يقال قديما قبل ظهور عهد "الصحة السياسية"!

وعلى ذكر القرشي وثورة أكتوبر، فلقد طفت على عدد من المنابر الإليكترونية بحثا عن آراء بعض شباب اليوم من الذين أتاحت لهم التقنية الغربية التواصل مع غيرهم في أركان العالم بسير عجيب، ووجت في موقع ما الآتي نصه كما ورد:

 " لقد قرأت استطلاعا في احد الصحف قبل عامين وسط طلبة الجامعات عن ثورة أكتوبر وكانت المحصلة النهائية مخجلة جدا ...الغالبية لا يعرفون ولم يسمعوا عنها !!!! من نلوم ؟" الجيل الجديد ؟ الإعلام ؟ الجيل السابق ؟" وتوالت ردود المشاركين، فقال أحدهم:

 "أذكر مره كنا جالسين نتجاذب أطراف الحديث كعادة أهل الريف وكان من بيننا طالب

بجامعة الجزيرة ووالده، وأراد الطالب أن يوصف لنا مكان ما في المنطقة، وعندما عجزنا أن

نفهم وصفه قال: "يا أخوانا جنب قبر الفقير المدفون قدام قرية القراصة فما كان من والده الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة إلا أن رمقه بنظرة احتقار قائلا له يا ولدي ده ما قبر فقير ده قبر الشهيد أحمد القرشي". أتى بعد ذلك من خلط بين "مجزرة القصر في 1964م، ومجزرة بيت الضيافة عام 1971م، وكلو عند "الشباب" صابون، وكلها مجازر والسلام!

يحزن المرء علي هذا الحال بالطبع، وعلى ما حاق بنا من تردي في كافة ضروب العلم والتعليم والثقافة والغناء والرياضة وكل شئ تقريبا (مع استثناءات قليلة لا تتعدى التطاول في البنيان القبيح، وامتطاء الفاخر من المركبات، والكسر والهبر وما أنتم به أعلم)، بيد أن السؤال الهام هو لماذا حدث هذا؟ طبعا من السهولة (بل الاستسهال المريع) أن نشير إلي هذا النظام أو ذاك، وهذا الوزير الذي خرب التعليم وسلمه (المسلم به) أو ذاك الذي عرب المناهج، وأبدل لغة الفرنجة بلغة الضاد، أو الرجوع إلي "الأقوال المأثورة والأبيات المكرورة من نوع : كل في السودان في غير موضعه...".  لا يمكن تناول الأسباب وشرحها في مقال أو مقالين، أو محاضرة أو محاضرتين. الأمر معقد، ولا توجد حلول بسيطة (أو قل سحرية) لأمر معقد. مشكلة التدهور البادي في ما ذكرنا هي أمر ينبغي أن تقام له المؤتمرات المتخصصة، والورش وحلقات النقاش، وأن لا يكون التعرض لمثل تلك الأمور تعرضا موسميا ، بل  ينبغي أن يكون عملا دؤوبا مستمرا لإصلاح التعليم وطرق التدريس وبقية الأمور المتعلقة بهذا الشأن.ولكن لنعلن الظلام ونوقد شمعة صغيرة. فلنكتب صفحتين أو ثلاثة عن ثورة أكتوبر ضمن منهج سنة من السنوات في الثانوي العالي علنا نزيل بعض الجهل بهذه الثورة التي  بلغ من شأوها أن تدرس كمادة في جامعة من أفضل الجامعات الأميركية. أعلم أن هنالك محاذير كثيرة في هذا الأمر (أغلبها سياسي) يخشي معه "تلميع" قيادات وأحزاب سياسية بعينها. بيد أن التاريخ لا ينبغي أن يكتب حسب (المزاج)، ولكن يمكن – رغم كل ذلك- كتابة سطور قليلة  "محايدة" عن تلك الثورة الشعبية تزيل جهل الجاهلين دون تمجيد لشخص أو تلميع لحزب.  

نقلا عن "الأحداث"               

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]