دور بريطانيا في قيام وتطور الأحزاب السياسية في السودان

بقلم:  د. صفوت صبحي فانوس

ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي

 

تقديم : هذا المقال هو ترجمة لبعض ما جاء في مقال باللغة الإنجليزية عن دور بريطانيا في قيام وتطور الأحزاب السياسية في السودان، وبالمقال الأصلي جزء آخر يتحدث عن دور بريطانيا في قيام وتطور المجتمع المدني في السودان، قمنا بترجمة أجزاء مختارة منه في مقال سابق. تم نشر المقال الأصلي في كتاب صدر باللغة الإنجليزية من دار النشر بجامعة الخرطوم والمجلس البريطاني عام 2002م عن "العلاقات السودانية البريطانية"، حرره البروفسيران يوسف فضل وعوض السيد الكرسني. الشكر موصول لبروفسير إبراهيم الزين صغيرون الذي دلنا على ذلك  الكتاب.

 للمزيد عن تاريخ نشأة وتطور الأحزاب السياسية في السودان يمكن الإطلاع على كتاب الأستاذ المرحوم / بشير محمد سعيد والمعنون: "في السياسة السودانية".

 تجب الإشارة إلي أن ترجمة العمل بالطبع لا تعني تأييد كل أو بعض الأفكار الواردة فيه.

---------------------------

مقدمة:

لعبت بريطانيا بلا شك دورا مهما جدا في إعادة صياغة الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في السودان عقب إعادة استعماره في عام 1898م. ورغما عن أن تلك الاستعادة كانت قد تمت باسم بريطانيا ومصر، إلا أن اتفاقية الحكم الثنائي كانت قد أعطت حاكم عام السودان (وكان بريطانيا على الدوام) سلطات مطلقة لحكم البلاد وإدارة دفة شئونها.

شرعت الحكومة البريطانية في عملية تنمية اقتصادية رأسمالية في أواسط السودان، وذلك بغرض جعل السودان مكتفيا ذاتيا من الناحية الاقتصادية، ولضمان تزويد مصانع الغزل والنسيج البريطانية بالقطن. وصاحبت تلك التنمية الرأسمالية – كما يحدث دائما- تطور في جوانب متعددة شملت إنشاء خط للسكة الحديد وموانئ وطرق معبدة ومصادر للطاقة ومؤسسات تعليمية. تفضي التنمية الاقتصادية دوما إلى تفاوت (تفاضل) طبقي، وأهم طبقتين في المجتمعات الرأسمالية هما الطبقة المالكة للثروة، والطبقة العاملة، وبين الطبقتين توجد قوى اجتماعية أخرى مثل البيروقراطيين والمهنيين.

عادة ما يقوم النظام الرأسمالي في مراحل تطوره الأولي بالتعايش والعمل مع الأنظمة غير الرأسمالية التي سبقته. بيد أن الأمر الهام الذي ينبغي تذكره هو أنه ما أن تثبت الرأسمالية أقدامها، وتنمو وتكبر في وسط المجتمع حتى تفرض القطاعات الرأسمالية قوانين حركة التغيير الاجتماعي والاقتصادي الرأسمالي على قطاعات ما قبل الرأسمالية، وتتوسع على حسابها...وهذا هو ما حدث في السودان.

إن المشهد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحالي في السودان لا يمكن فهمه إلا في سياقه التاريخي، أي في سياق التطور الرأسمالي في البلاد أثناء وبعد الحكم الاستعماري. ستناقش هذه الورقة تحديدا فكرة أن قيام وتطور المجتمع المدني والأحزاب السياسية في السودان تكيفت وتأثرت بالسياسات الاستعمارية البريطانية، وأن كثيرا من ملامح وخواص الأحزاب السياسية والمجتمع المدني كانت نتاجا (طبيعيا) لتلك السياسات كما سنفصل لاحقا.

قيام وتطور الأحزاب السياسية:

يمكن التعرض للخواص التالية التي ميزت الأحزاب السياسية السودانية:

1/ الحزبان الكبيران (حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي) هما حزبان يستندان على قاعدتين  طائفتين (الأنصار والختمية، على التوالي)، ويتزعمهما أفراد من عائلتي المهدي أو الميرغني.

2/ كان استمرار وجود زعيم طائفي علي رأس أي من الحزبين سببا في إعاقة تطور المؤسسات الحزبية في الحزبين، وعلي الديمقراطية وعلى عملية اتخاذ القرارات فيهما.

3/ أدي الضعف البنيوي في داخل هذه الأحزاب إلي عجزها عن تطوير وتقديم سياسيات وبرامج واضحة ومتماسكة  لحل المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تجابه السودان.

4/ تكاثرت الانقسامات في صفوف الحزبين الكبيرين، غالبا بسبب غياب المؤسسية والديمقراطية.

5/ إن كثير من الأحزاب السياسية السودانية ليست قومية بما يكفي، ولكنها تعتمد على أنصارها الذين يأتون من جهة أو عرق/ أثنية معينة (مثل أحزاب جنوب السودان، وأحزاب البجا والفور وجبال النوبة).

6/ فشلت الأحزاب السودانية في خلق قوى مهيمنة، وفشلت أيضا في حماية النظام الديمقراطي الليبرالي من الانقلابات العسكرية.

7/ نشأت أحزاب ايديلوجية هامة، خاصة "الحزب الشيوعي السوداني" و"الأخوان المسلمون"، وكان نفوذ هذين الحزبين منحصرا في المناطق المدنية وفي أوساط  مؤسسات المجتمع المدني .

يجب البدء القول بأن جذور الطبيعة الطائفية القوية لحزبي الأمة والإتحاد الديمقراطي تمتد  إلي السياسة البريطانية المهادنة والمتعاطفة والمعاونة لعائلات المهدي والميرغني والهندي، إذ أن هذه العائلات كانت قد منحت أراضي زراعية شاسعة، علاوة على منحها سلفيات كبيرة وهبات سخية. يوضح المثال التالي عن السيد/ عبد الرحمن المهدي (والذي ورد في كتاب محمد عمر بشير عن "الثورة والوطنية في السودان والصادر عام 1974م) ما نرمي إليه: "تم منح السيد/ عبد الرحمن المهدي في عام 1915م أراضي إضافية في جزيرة أبا. وفي عام 1925م تم منحه (هو والسيد/ عبد الله الفاضل والسيد/ محمد الخليفة شريف) حق الانتفاع بنحو 600 فدان في "قوندال" لزراعة القطن. وتم تحويل القرض الذي أعطي للسيد/ عبد الرحمن المهدي (وكان يبلغ 4500 جنية سوداني) إلي منحة غير مستردة، وذلك في عام 1926م. وبحلول عام 1933م كان السيد / عبد الرحمن المهدي يمتلك نحو 13000 فدانا مزروعة في الجزيرة أبا وفي مناطق الفونج والنيل الأبيض وكسلا، وقدر دخله السنوي بين 15000 و40000 جنيها سودانيا".

كان من أسباب مهادنة ومعاونة الاستعمار البريطاني للزعماء الدينين التقليدين هو الخوف من القيام بثورة دينية أخرى مثل تلك التي أشعل فتيلها المهدي. وفي هذا الصدد كتب اللورد كتشنر عام 1909م ما يلي: " إن المهمة الملقاة على عاتقنا كلنا ....هي نيل ثقة الشعب....وذلك بأن نكون على صلة طيبة بالطبقة الأعلى (الأفضل) بين الأهالي، والذين نؤمل أن نكسب ونؤثر على العامة من خلالهم".

ومن جانبهم، فقد وافق الزعماء الدينيون على التعاون مع الإدارة البريطانية وذلك من أجل تقوية نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كوسيلة لتحرير السودان من الحكم الأجنبي. ليس من المبالغة في شئ القول بأن أفراد عائلات الزعامات الدينية في السودان كانوا هم من أهم عوامل تحديث السودان (بيد أن دورهم في ذلك كان أقل من الأدوار التي لعبتها القوى الاجتماعية العلمانية). جمع السيدان عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني حولهما أعداد كبيرة من كبار التجار وزعماء القبائل والطرق الصوفية والخريجين، وكان نفوذهما على هذه الفئات واضحا ملموسا.

في منتصف الثلاثينات تقلد حكم السودان السير استيوارد سايمس، والذي كانت سياسته الليبرالية تمتاز بكثير من التسامح والمهادنة مع الخريجين السودانيين. ولعل مرد ذلك هو الخشية من تأثير الألمان والايطاليين المتزايد في أفريقيا، وكذلك توقيع اتفاقية عام 1936م بين بريطانيا ومصر، والتي أزاحت العوائق أمام تدفق المصريين نحو السودان. كان البريطانيون يخشون إن هم لم يبدوا استجابة لمطالب المتعلمين السودانيين إلي أن يلجأ هؤلاء للمصرين القادمين، وأن يتحدوا معهم ضدهم. لكل ذلك تم السماح بقيام مؤتمر الخريجين في عام 1938م. وبما أن كثير من الخريجين كانوا أصلا تحت تأثير أحد السيدين (عبد الرحمن المهدي أو علي الميرغني)، فلقد وقع مؤتمر الخريجين هو أيضا تحت تأثير ونفوذ هذين السيدين. كان أنصار السيد علي الميرغني يدعون للإتحاد مع مصر، وكونوا الأحزاب الاتحادية، بينما نادي أنصار المهدي بالاستقلال وكونوا حزب الأمة. ظل الحزبان (الأمة والاتحادي الديمقراطي) منذ ذلك التاريخ تحت سيطرة ونفوذ زعيمي الطائفتين الدينيتان، ومضى تطورهما هكذا كأحزاب طائفية.

تميزت الحركة الوطنية السودانية منذ نشأتها الأولي بكثرة الانقسامات والخلافات، ليس فقط في داخل الأحزاب السياسية الشمالية، بل (وهذا هو المهم) بين الأحزاب السياسية الشمالية والأحزاب الجنوبية. كان مرد هذه الخلافات هو سياسة "فرق تسد" التي اتبعها الحكم الاستعماري البريطاني. تم إعلان كامل  الجنوب "مناطق مقفولة" في عام 1922م، ولم تقم فيه إلا مشاريع  اقتصادية واجتماعية تنموية  قلية جدا، وزادت العزلة البشرية والثقافية المفروضة على شطري السودان في الشمال والجنوب من تلك الخلافات (القائمة أصلا) في الدين والعرق واللغة. كذلك تسبب عدم حدوث تنمية اقتصادية متوازنة في الشمال والجنوب إلي غياب تمثيل الجنوبيين في الأحزاب السياسية الشمالية. لذا كون الجنوبيين أحزابهم السياسية المستقلة لتخدم مصالحهم وتحقق أهدافهم، وحذت حذوهم جماهير المناطق الأقل نموا (مثل البجا والفور وجبال النوبة).

وهكذا فلقد افتقد السودان ما يمكن تسميته بالحزب القومي الذي يستطيع أن يزعم (صادقا) أنه يجمع في عضويته مختلف المجموعات الدينية والأثنية في البلاد. تركزت جماهير الحزبين الكبيرين (الأمة والإتحاد الديمقراطي) في مناطق بعينها في النيل الأبيض وغرب السودان (بالنسبة لحزب الأمة) ومناطق الشرق (بالنسبة للإتحاد الديمقراطي). لذا كان واضحا أنه ما حزب سياسي سوداني قد نجح في فرض هيمنته بالقدر والفترة الكافية التي تسمح له بحكم البلاد وتحقيق الاستقرار السياسي اللازم للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. بل إن الواقع يقول بأن السودان في فترة ما بعد الاستقلال تميز بعدم الاستقرار السياسي وبحلقات متعاقبة من الحكومات الديمقراطية والعسكرية، وكذلك بالحرب الأهلية. ولكن من جهة أخري شهدت الساحة السياسية السودانية قيام وتطور أحزاب أيدلوجية، أبرزها "الحزب الشيوعي السوداني"  و"حركة الأخوان المسلمين". تأسست هذه الأحزاب على أسس سياسية أيدلوجية وليس علي أسس عرقية أو جهوية. بيد أن غالب أعضاء وأنصار هذين الحزبين كانوا في الغالب من سكان المدن الكبيرة والصغيرة فقط،. لم يأت التأثير الخارجي المسبب لقيام هذين الحزبين من بريطانيا، لكنه أتى من مصر، حيث أن قائدي هذين الحزبين كانا قد درسا في القاهرة، وفيها التقيا بنظرائهما من "الزملاء" و"الأخوان".

كانت السياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومة السودانية (وليست الأحزاب) وراء خلق طبقة صناعية عاملة وحركة نقابية وطلابية واتحاد للمرأة. عمل قادة الحزبين (الشيوعي و حركة الأخوان المسلمين)  لخلق قواعد لهما وسط هذه النقابات والاتحادات، وأفضى ذلك لخلق تنظيمات نقابية في المجتمع المدني كانت أولوياتها وأهدافها سياسية الطابع، وليست تنظيمية (مطلبيه).

نقلا عن "الأحداث"

                    

  

 

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]