تأتينا بين كل حين وآخر أنباء انتصارات باهرة وإنجازات ضخمة لعرب اليوم... لا ليس في مجال العلوم الطبيعية (فهم يكنون لها احتقارا متأصلا)... ولا في مجال العلوم الإنسانية والفلسفة (فهم لها من المبغضين)...ولا في مجال العلوم الحياتية والطبية (فهم عن ذلك في شغل فكهين )...ولا في مجال الفنون والرياضة (فهم عن المواهب فيها من العاطلين). إذن في أي المجالات ينتصرون، وفي أيها يباهون، وكأنهم قد أتوا بما لم تأت به الأوائل؟ إنهم يتباهون بما يسمونه تحطيم الرقم القياسي (ليس في عدد مرات قهر الصحراء، وليس في صعود قمم الجبال) بل في عمل أكبر صحن للحمص والفلافل! ليس هذا من باب السخرية، ولا ترويج الأخبار الملفقة التي يبثها "الأعداء" الحقيقيين والمتوهمين، ولا من باب "جلد الذات"، بل ذلك من باب لفت النظر إلي تفاهة ما نتباهى به، وقلة قيمة ما نفرح بإنجازه، وصغر شأن مفهومنا للكلمات الضخمة التي نسرف في صرفها بسخاء على سخيف الأمور وتافه الاهتمامات. ورد خبر ذلك الإنجاز المشرقي الخطير في صحيفة "الحياة" بتاريخ 30 /4/ 2010م.

قد يقول قائل أن "الدول الكبرى" و"الشعوب المتقدمة" تهتم هي أيضا بتحقيق (وتحطيم) الأرقام القياسية في كثير من الأمور التي لا خطر فيها ولا أثر، مثل تحطيم الرقم القياسي في التهام أكواز الذرة الشامية، أو خوض أحواض من الوحل وهكذا. ننسى أو نتناسى بالطبع أن هؤلاء القوم يفعلون ما يفعلون بعد أن نجحوا في تحقيق انجازات حقيقية في الأمور الجادة ذات الخطر في مجالات العلوم والفنون والآداب، وقدموا للبشرية ما لا حصر له ولا عد من الإنجازات والاكتشافات، فمجرد المقارنة بين ما نفعله ويفعلونه في مجالات كسر وتحقيق "الأرقام القياسية" ليس واردا بأي وجه من الوجوه.

فقل لي بربك ألا يخجل مثلا عرب "الأراضي المحتلة" في هذا الزمان من الفرح الكبير والبهجة الغامرة لقيامهم بصنع أكبر صحن لهذا الطعام أو ذاك تهلل له بعض القنوات الفضائية ومراسليها الأشاوس وهم يستعرضون بصوت عال و حماس منقطع النظير هذا "الإنجاز الضخم" و"الانتصار غير المسبوق" الذي يحفظ "التراث" من الضياع والاندثار! يضيعون الأرض ويحافظون علي صحون الفلافل والكنافة  والمجدرة والجبن العكاوي! يقول خبر صحيفة "الحياة" المذكور أن لبنان قد انتصر على إسرائيل بهذا الإنجاز الضخم، فلقد كانت إسرائيل قد حققت الرقم القياسي لأكبر صحن حمص في يناير من عام 2009م بصحن فلافل بلغ وزنه 4090 كجم، متفوقة بذلك على لبنان التي كانت قد نجحت – بعون وتوفيق من الله- في صنع صحن بلغ وزنه 2050كجم (فقط لا غير)! ولما كان العرب الأبطال الأشاوس والنشامى والكرام (الذين تنسب لهم الفطن!) لا يرضون بالضيم، ولا يقبلون بالهوان، فقد عقدوا العزم على استعادة مجدهم السليب وعزهم المضاع فنجحوا في عمل صحن حمص يزيد وزنه على الصحن الإسرائيلي، بل ومضوا أبعد من ذلك، تأكيدا لريادتهم في هذا المجال الحيوي، وقطعا للطريق على كل من يتشكك في ثوابت الوطن وتراث الأمة فعقدوا العزم الأكيد على تحضير أكبر صحن فلافل، حتى لا يجرأ أحد من الأعداء على التطاول علينا تارة أخري.

من عجائب هذا الزمان أن صحيفة محترمة كالحياة تصف هذا الخبر بعبارات ضخمة فخمة من نوع "الحدث الوطني الكبير" وأن ذلك الإنجاز الضخم سيشكل "لحظة تاريخية وإنجازا مهما"، وعن أن "حشد من المهتمين والمختصين" قد تكلموا في هذا الأمر الخطير في مؤتمر صحفي في ما يسمى "جامعة الكفاءات" ببيروت! أي كفاءات وأي بطيخ؟! هل تعي الصحيفة المحترمة ما تقول؟ هب أن هذا أمر هام لا تتم فرحتنا إلا به، ولا يكتمل تقدمنا إلا برؤية اسم بلادنا الحبيب في كتاب غينيس للأرقام القياسية، هل يجوز أن يجد مثل هذا الانتصار السخيف والإنجاز الضئيل مثل ذلك الحيز الضخم في صحيفة جادة محترمة؟ وماذا كانت الصحيفة ستفعل إن اكتشف لبناني مثلا سبب مرض عصي، أو توصل لحل معادلة رياضية أعجزت علماء الغرب والشرق، أو حتى إن انتصر لبنان على البرازيل مثلا في مباراة لكرة القدم؟

متى يعي العرب مفهوم النسبة والتناسب؟ ومتى يعلمون أن من يسمعون بأخبار تحطيمهم للأرقام القياسية ودخول كتاب "غينيس" في الأمور "الثانوية"  لديهم ما يشغلهم في أمور الحياة الجادة في مجالات العلوم والآداب والفنون. هل يعلم هؤلاء أن بلدا كالولايات المتحدة (التي يسمعون عن جهل أهلها، وسخف اهتماماتهم وعن تسابقهم في التهام أكبر عدد من النقانق في خمسة دقائق) يخصصون أربعين بليونا (بليونا وليس مليونا) من الدولارات كميزانية سنوية للبحوث العلمية الممولة من معهد الصحة القومي (ومع برنامج الحكومة لتحفيز الاقتصاد زادهم أوباما عشرة من البليونات)، وأن الألمان (الذين كنا نستمتع منذ سنوات ببرنامجهم التلفزيوني الترفيهي الذي كنا نراهم فيها يمارسون ألعابا ترفيهية لا تخلو من عبط) تبلغ ميزانية التعليم والبحث العلمي عندهم في هذا العام مبلغا يقارب 11 بليون يورو)! وهل يعلم خبراء ما يسمى "جامعة الكفاءات" ببيروت أن ميزانية إسرائيل التي لا ننافسها إلا في سعة صحون الفلافل والحمص كانت في عام 2009 نحو 45 بليون دولار، وأنها تنفق نحو 5% من ناتجها القومي على الأبحاث العلمية (وبالتأكيد لا يشمل ذلك صحون الفلافل والحمص)!

ليس من عيب بالطبع في أن نحرز قصب السبق في مجالات الرياضة والفنون، وأن نهتم بتراثنا وفنونا وأنواع أطعمتنا المختلفة، ونحافظ عليها. بيد أن هذا الاهتمام ينبغي أن يوضع في موضعه الصحيح، ولا ينبغي أن يكون مبلغ همنا أن ندخل كتاب "غينيس" للأرقام القياسية في سعة صحون الفلافل والحمص، ونحن نعاني من الأمية والمرض والفقر والحروب الأهلية والصراعات الطائفية والقبلية والدينية. هنالك في الحياة ما ينبغي التركيز عليه من أمور جادة تمس حياة الناس ومعاشهم وتقدمهم وأمنهم... فلنلتفت لمثل هذه الأمور ولنقدم للبشرية التي نعيش عالة علي منتوجها الحضاري شيئا غير الفلافل والحمص!

نقلا عن "الأحداث"

 

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]