هذه السطور امتداد لسلسلة طويلة بدأناها العام الماضي وحالت بين مواصلتها حوائل

1.        يحدث (فقط) في السودان أن يناضل أحدهم (أو إحداهن) من أجل حق عام مشروع يتعلق بالحرية الشخصية التي يكفلها الدستور وكل القوانين... وعندما يحالفه (أو يحالفها) الحظ بكسب مادي (معتبر) من وراء ذلك كله، لا يبادر المناضل (أو المناضلة) بالتبرع علنا بكل أو جزء من هذا الكسب المالي لذات القضية التي كان المناضل (أو المناضلة) يجاهد من أجلها، والتي كانت السبب وراء ذلك الكسب المادي. أين ذهب التجرد والنقاء والطهر أمام المال؟ ألم يتبرع الرئيس الأمريكي  أوباما علنا بكل المال الذي حصل عليه من جائزة نوبل للسلام في 2009م لصالح مشروع خيري في ولايته القديمة؟  هل نؤمل – ولو بعد حين- في أن نسمع خبرا يفيد بأن الآف اليورهات قد تبرع بها (أحدهم/إحداهن) لمشروع لصالح بائعات الشاي مثلا؟

 

2.        يحدث (فقط) في السودان أن يستسهل أمر فتح الجامعات، فصارت الجامعات تفتح في كل مدينة صغيرة وقرية ودسكر عند إطلاق وعد عابر في كل لقاء شعبي (حاشد). لم هان أمر الجامعات هكذا؟ ألأن أهل العلم لم يصونوه، فلم يصنهم (ولو أن أهل العلم صانوه صانهم). ما أسهل الكلام، وما أصعب التنفيذ؟  بدهي أن إقامة جامعة تكنولوجية تحتاج لأساس متين من البني التحتية، والكوادر المدربة العالية التأهيل والميزانيات الضخمة؟ أين نحن من هذا؟ إذا كانت جامعتنا الأولي التي بدأت مع بداية الحكم الاستعماري ما زالت في الدرك الأسفل في تصنيف الجامعات العالمية، فأين ستصنف هذا الجامعات الجديدة الموعودة؟ وما هي أولوياتنا؟ أنطعم الأفواه الجائعة، ونكسي العراة، ونداوي المرضي أولا؟ أم نعد بإقامة جامعة تكنولوجية في قرية لم تدخل القرن العشرين بعد؟

 

3.        يحدث (فقط) في السودان أن يقوم زعيم قبلي بالتصريح بأنه هو وجميع رجال ونساء قبيلته قد هجروا الحزب الفلاني، وانتقلوا (بسلامتهم) إلي الحزب المضاد! هكذا ببساطة!  دون أن يكلف الزعيم القبلي المحترم نفسه بتقديم توضيح كاف عن الأسباب التي دعته للخروج في هذا والدخول في ذاك، ولم يسوق قومه معه (أو خلفه) كالسوائم هكذا؟ أليس بينهم رجل رشيد؟ وما هذه العقلية (الجماعية) التي لا تقيم للفرد وعقله وحريته في الاختيار أدني اعتبار؟

 

4.        يحدث (فقط) في السودان أن تقرأ ل"فاقد تربوي" يشن هجوما عنيفا على ورثة المرحوم حسن خليفة العطبراوي لأنهم حسب قوله البائس "يدنسون بالتهافت المادي هذا العمل الذي أكسبته معانيه الوطنية  ثوب القداسة". كل هذا لأن الورثة طالبوا بحقوقهم المادية المشروعة من مغنية من العصبة المقلدة من الشباب "المخلدين" أدمنت التكسب من ترديد نشيد مشهور للعطبراوي. انظر – رعاك الله- كيف انقلبت الأمور حتى صار هنالك جمع من الرجال والنساء يتصدون –دون حياء – للدفاع عن الباطل، ويزينونه، ويقرعون ويلومون ضحايا عدوان العصبة من المقلدين الذين اغتنوا من جهد وفكر وتأليف الأحياء والأموات من المبدعين. ألم يكن الأولي أن ينصح الناقد الحكيم المغنية الشابة (حتام؟!) بأن تبدع نشيدا جديدا ينافس ويفوق نشيد المرحوم العطبراوي "المسربل بثوب القداسة" بحسب فلسفة ناقد من هذا الزمان!

 

5.        يحدث (فقط) في السودان) أن تسرف الصحف (وبقية وسائل الإعلام) في كيل الثناء على من تريد (ولأسبابها الخاصة طبعا)، فتقرأ سطورا تتطاير منها أفعال التفضيل (أفضل، أكبر، أعظم، أضخم الخ الخ الخ). من ذلك ما قرأته ذات مرة من أن فلانا الشاعر (وهو بلا شك من المجيدين) صاحب أجمل ثلاث أغان سودانية...هل يقول بهذا عاقل؟ لو سألنا الشاعر المقصود بنفسه لأنكر ذلك، ولقال – محقا- بأنه (مثله مثل غيره) ساهم في مسيرة الأغنية السودانية وتطورها، وبأنه لا يستحق أن يقال عنه أنه يحتكر "أجمل" الأغاني السودانية. وتقرأ ايضا أن لفلان الدكتور المعماري المجيد (وهو من أصدقائنا القدامي) يعود الفضل في "اعادة اكتشاف تراث العمارة السودانية"...لمعرفتي بالرجل وبسخريته من مثل هذا المديح، فإنني أثق في الرجل – بتواضع العلماء- لو قرأ هذا الكلام فسينكره وسيقول بغيرهذا، ويؤكد على أن هناك الكثير من الذين ساهموا في "اعادة اكتشاف تراث العمارة السودانية"!

 

6.        يكتب بعض كتاب الأعمدة (في ما يعرفون وما لا يعرفون) بثقة مطلقة، وحماس كاسح، ويقين عجيب. من ذلك ما سطرته كاتبة عمود تكتب جملا قصيرة تملأها الثقة والإطمئنان عن أمر طبي علمي لا مجال فيه للتخمين ولا الحدس ولا التأويل. تتحدث عن الحمات (وهي المرادف العربي الصحيح لكلمة الفيروسات) فتقول: "فيروسات انفلونزا الخنازير وانفلونزا الطيور، وقبلها جنون البقر والأيدز... كل هذه الفيروسات أتتنا من الغرب، مرسلة لحصد ابناء الدول النامية..." تقول أيضا: " لا أشك أبدا أن مصدر هذا الوباء الجديد (انفلونزا الخنازير) قادم للعالم من المختبرات البيولوجية  الإسرائيلية...". لا أدري من أين للكاتبة بفيوض العلم هذه؟ وما الذي يدفعها للتطوع بتقديم مقولات متداولة وتخرصات ليس لها ما يدعمها وكأنها حقائق مثبتة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؟    

 

7.        يحدث (فقط) في السودان أن يصحو التاجر من نومه فيقرر دونما تفسير واضح أو علة بينة أن يعطي اسم محله التجاري اسما غريبا عجيبا...إن لم تصدق هذا الزعم فانظر – حفظك الله- إلي محل صغير يبيع سندوتشات الفول والطعمية سماه راعيه "كافتيريا زيورخ"... من بين كل مدن العالم المتأخر والمتقدم وقع اختيار صاحبنا هذا على اسم "زيورخ" المدينة السويسرية البعيدة المجهولة لغالب الناس في بلادي! ولكن لم العجب وهنالك في ديم من ديومنا يوجد محل للسندوتشات لم يجد له صاحبه اسما مناسبا غير "مطعم الرئيس"! رجل "مفتري" ولا شك! ومستثمر في مجال الصحة لم يجد بأسا في تسميه مستشفاه "مستوصف الأسباب"، ونقول له "تعددت الأسباب والموت واحد"! ومن عجيب ما رأيناه أيضا "سوق كرور". وهو رغم اسمه النفر المقزز، إلا أنه على الأقل يتميز بتلك الفضيلة الغائبة...فضيلة "الصدق"!

فوضى الأسماء هذا ضاربة اطنابها، كتب عنها الأستاذ مصطفي البطل مستعينا بذخيرة طيبة من مساهمات اصدقائه العددين، وما زال الباب مشرعا لرصد مزيد من الأسماء الغريبة العجيبة والوافدة، والتي ليست من "واقعنا ...ما من أكثر".

نقلا عن "الأحداث"

 

   

badreldin ali [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]