Book Review: “Islam in the Sudan”

Sigmar Hillelson سيقمار هيلليسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة لعرض لكتاب "الإسلام في السودان" لمؤلفه سبنسر ترمينجهام، نُشر عام50 19م في العدد الحادي والثلاثين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات".
وجون سبنسر ترمينجهام (1904 - 1987م) هو مستشرق بريطاني ألف كثيرا من الكتب منها هذا الكتاب، وكتب أخرى منها "الإسلام في شرق أفريقيا" و "الفرق الصوفية في الإسلام"، و"الإسلام في غرب أفريقيا" و"الإسلام في إثيوبيا" و"اللغة العربية الدارجة في السودان". وعمل أستاذا للغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة غلاسكو بين عامي 1953 – 1964م، ثم عمل بعد ذلك في الجامعة الأمريكية ببيروت.
أما كاتب العرض فهو المعلم والإداري البريطاني سيقمار هيلليسون، الذي عمل في خدمة حكومة السودان بين 1911 و1933م. فقد كان بين عامي 1911 و1925 أستاذا للتاريخ بكلية غردون، وفي عام 1926 تم تعيينه في مكتب السكرتير الإداري، وفي العام التالي عمل مساعدا لقلم المخابرات. وشغل منذ عام 1929إلى حين تقاعده في عام 1933م مساعدا للسكرتير الإداري. نشر هيلليسون العديد من المقالات وترجم بعض الأعمال السودانية للإنجليزية (مثل أمثال وأشعار فرح ود تكتكوك)، وله كتاب شهير حوى نصوصا باللغة العربية الدارجة Sudan Arabic;: English-Arabic vocabulary (يمكن النظر في ترجمة مقال الحاج سالم مصطفى المعنون: " عالم يهودي في مجتمع مسلم: حياة وكتابات سيقمار هيليلسون).
المترجم
***** ***** ***** *****
سبق لترمينجهام أن قدم لنا كتابا علميا لقواعد اللغة العربية الدارجة في السودان. وهو مؤهل تماما لما أقدم عليه من تأليف كتابه هذا عن "الإسلام في السودان"، فقد قرأ الرجل غالب المراجع العربية، وكتابات الأكاديميين الغربيين في مجال الدراسات الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك استفاد من أعمال من سبقوه الذين سجلوا كثيرا من جوانب الحياة في السودان في صفحات هذه المجلة وغيرها. ولن يكون من المبالغة أن نصف هذا الكتاب بأنه حصيلة خمسين عاما من الدراسة والبحث. وهذا دأب كثير من موظفي الحكومة والأكاديميين المهنيين. ولا أقصد بقولي هذا أن الكتاب هو مجرد تجميع لما سبق نشره، فما ورد في الكتاب يدل بكل تأكيد على أن المؤلف متعمق في معرفته بشمال السودان، وأنه أورد فيه كثيرا من المعلومات (الأصيلة) التي لم يسبق لأحد نشرها من قبل. وقد يجد القارئ غير المتخصص أن هذا الكتاب لا يخلو من عُسْر لاحتوائه على فيض كبير من المعلومات، ولتبحره في كثير من موضوعاته. غير أن الجادين المجدين من الطلاب سوف يقدرون جدا دقة التوثيق في الكتاب وغزارة معلوماته، وحرص الكاتب وعنايته الفائقة بصحة ودِقّة عباراته.
وقدم المؤلف في فصلي "الأرض والسكان" و"موجز تاريخي" (وهما يمثلان أكثر من ثلث صفحات الكتاب) خلاصة حصيفة لخلفية الموضوع من ناحية تاريخية وإثْنُولُوجِيّة.
وعلى الرغم من أن الإسلام – كغيره من الأديان- يتمتع بوحدة العقيدة والطقوس الأساسية، إلا أنه سمح بنشوء أشكال محلية له حملت بعض سمات الثقافات السابقة التي جَبَّها. إذن ما هي أهم الملامح البارزة لإسلام السودان، وكيف تختلف معتقدات وممارسات السودانيين المسلمين عن غيرهم في البلاد الأخرى.
بدأ ترمينجهام نقاش موضوعه بعرض موجز عن الدور الذي يؤديه "الإسلام التقليدي orthodox" في حياة مسلمي السودان، وأعطى وصفا كاملا يستحق الاعجاب لعناصر وخصائص السكان التي يعدها – هو وغيره من المراقبين- تميز البلاد. وخصص فصولا لطوائف الاولياء، والمهدية، والعادات الاجتماعية، والخرافات المرتبطة بالدين. وتميز هذا الجزء الخاص بالطوائف والفرق الدينية بالكمال والدقة.
ولعله كان من الأفيد لو تطرق الكاتب ببعض التوسع في العلاقات بين الإسلام الشعبي والعقائد والممارسات الدينية في الدول الأخرى (مقارنة بالسودان).
كتب ترمينجهام ما نصه: "عمل السودانيون على تشكيل الإسلام وفق عقليتهم. فقد أدخلوا احتفالاتهم في ذلك الدين (الذي دخلوا فيه)، بل ضمنوه الكثير من العادات الوثنية". فغدا إسلامهم مشبعا بكثير من "الميول الإفريقية" بخصائصها المميزة التي شملت الانفعالية والعاطفية والخرافات. وأدت تلك الصيغة السودانية للإسلام في المبالغة المفرطة في تقدير مساهمة السودانيين للنسق الديني والاجتماعي، كما أدت إلى تعمية حقيقة أن العناصر الأساسية في ذلك النسق قد تم تلقيها سلفا، بحسبانها جزءً من الترتيب الجديد.
ولم تنشأ الطوائف الدينية أو طقوس الأولياء على أرض السودان، إلا أنها بالطبع اكتسبت لونا محليا بفعل البيئة الاجتماعية. ولعل الكثير من الخرافات التي أوردها ترمينجهام في كتابه كثيرة الشيوع بين المسلمين في كل مكان، وليست قصرا على السودانيين. فمن المعلوم أن كل جانب من جوانب إسلام السودانيين، وخرافاتهم، وتطرفهم وغلوهم في سير الأولياء والصالحين، لها أصل ومقابل في الإسلام الشعبي في الدول المسلمة الأخرى. غير أن ما يميز السودان هو ذلك النمو الغزير لتلك العناصر، بسبب غياب الخلفية الثقافية، والتي كانت، في محيط أفضل، ستقلل من انتشار الخرافات والأوهام الشعبية.
وعلى الرغم من أن السنوات الأخيرة للعصر الوسيط كانت سنوات ركود فكري في كل أرجاء العالم الإسلامي، إلا أن تقاليد الثقافة والعلم والعقلانية كانت ما زالت حية في المدارس، وكان باستطاعة ممثليها التقليل من الانتشار الخبيث للخرافات والصوفية الزائفة. وكان السودان قد انعزل وانقطع عن مراكز التعلم والثقافة، وأخفقت المحاولات البائسة لبعض الرجال المخلصين لنقل تقاليد التعلم والثقافة إلى أرض بلادهم القاحلة العقيمة. ومن القليل الذي نعرفه عن النوبة المسيحية، يمكننا أن نستنتج أن انعزالها عن روما وبيزنطة لم يكن أقل أثراً من انعزال مملكة الفونج عن مراكز الفكر الإسلامي.
وفي الحالات التي كان فيها ترمينجهام يحيد بعيدا عن ذكره الأكاديمي الواعي للحقائق، ويدلف إلى مجال النقد، فإنه يأخذ موقفا انتقاديا عَيّابا للإسلام، قد لا يعجب أو يرضي كل قرائه. وقد صب نقده اللاذع على كل طبقات المجتمع. فقد كتب مثلا أن "البيئة الدينية – الاجتماعية هي ما تثَلَمَ شخصية الشاب السوداني المفعم بالحيوية، والمحاط بالجهل المطبق والخرافات والإفلاس الديني. وإن تم تحريره من موروثه الديني، فسيسهل تنمية فكره وخياله واحساسه بالجمال"..... "دين العامة/ الجماهير، بكل ما فيه من ملامح وخواص مُخَلِّصة (redeeming features) ... ولكنه يدعو إلى الأشياء التي تعيق الحياة، وليس القوى التي تطورها". و"المسلمون المحافظون" من الطبقة الوسطى ليسوا بأحسن حالا، فهم "يثبتون أصوليتهم بتباعدهم عن الأفكار الحديثة، ويجدون رِضا النَّفْسِ وراحتها في الصيغ الميكانيكية لعلم عقائدهم". وإضافة لذلك فلديهم من النفاق نصيب كبير. فالذين يؤدون طقوس الصلاة مثلا هم إما: "من طبقة المعلمين، أو طبقة التجار الذين يجدون في إظهار التَّنَسُّكِ والتقوى وسيلة لاكتساب سمعة تجارية حسنة". أما "الأفندية" (الذين يعدون طبقة "متغربة") فهم ملامون لاتصافهم بعدم الثبات والاستقرار الأخلاقي، بسبب أن "الأفندي لم يتعلم منذ صغره في حصص الدين أن الدين له علاقة بأخلاقيات الحياة اليومية".
وأعتقد أن هذه المقتطفات من نقد ترمينجهام، وغيرها من مقتطفات أخرى تضمنت نقدا مشابها قد بُني على مقارنة أعرب عنها المؤلف، صراحة وضمنا، بين المجتمع السوداني وبين النصرانية الغربية (أو بالأحرى "طريقة العيش الإنجليزية"؟). وفي هذا التناول خيانة، وفقدان للمنظور التاريخي. فالمنهج التاريخي يقتضي أن يحاول الكاتب تقويم الإسلام في السودان مقارنة مع دين المجتمعات (الأخرى) بحسب تطورها الفكري. فقد قارن إدوارد جيبون في سِّفْره "اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها" حضارة الإمبراطورية الرومانية بالعصور المظلمة التي أعقبتها ووصفها بـ "انتصار البربرية والدين". والمفارقة هنا تذكرنا بأن مهنة المسيحية لم تكن غير متوافقة مع بربرية العصور المظلمة، تماما كما هو الحال اليوم، فهي غير متوافقة مع حالة الحضارة المتدنية نسبيا. وعرفت الحضارة الإسلامية أيضا مدا وجزرا في التقدم والتأخر، وحياة فكرية شديدة الحيوية، وأخرى شديدة الركود. أما فيما يتعلق بسذاجة الخرافات، فليس هنالك فرق كبير بين حيوات القديسين وما ورد في طبقات ود ضيف الله. ومن جانب آخر، فمن المستبعد تماما أن يعتبر توما الأكويني (القسيس والقديس والفيلسوف الكاثوليكي الذي عاش بين 1225 و1274م. المترجم) أبو حامد الغزالي (1058 – 1111م) أقل شأنا منه.
ونستخلص من هذا أن المجتمع يفسر ويمارس دينه بطريقة تتناسب مع جوه وبيئته الثقافية، وأن حالة الدين في السودان هي عَرَضُ لحالة البلاد المتأخرة، وليست سببا لها.
وقام ترمينجهام في تحليله لمحاولة "تغريب" السودان بتقديم نقد لاذع لنظام التعليم في السودان، الذي كان يراه يتجاهل القيم الأخلاقية، ويترك "الأرواح جائعة". وكان نقده للأفندية يتبع خطوطا تقليدية مثل: كان لتعليمهم آثار مدمرة وليست تكاملية. إنهم يعلمونهم القيام بأعمال كتابية أو تقنية، ولا يعلمونهم كيف يحيون. ما يتلقونه من تعليم وتدريب لا يؤدي إلى بناء شخصيات سليمة، أو بناء روح الخدمة في نفوسهم، وتحمل المسؤولية. إنهم يثمنون التعليم ويقدرونه من أجل الحصول على وظائف حكومية فحسب، وأخيرا فهم من "المثقفين الجبناء" لأنهم يفتقرون للشجاعة لتحرير أنفسهم من كوابح ومثبطات وقمع بيئتهم.
إن أي مراقب متعاطف كان سيكون أقل تجاهلا للجانب الموجب عند "جرد الحساب" في كل ما ذُكر آنفا. وكان سيعترف بمنجزات هؤلاء الشباب "الأفندية" الذين يقومون الآن بأدوار بارزة في مجال الحياة الفكرية، والإدارة، والسياسة بالسودان، وبما يمكن أن يقدموه في المستقبل. ولا شك أن أراء ترمينجهام هذه تخالف سياسة الإداري الحصيف صاحب الخبرة في إسناد مسؤوليات كبيرة للمتعلمين السودانيين.
إن مشاكل "التغريب" عند "الأفندية" ليست وقفا على متعلمي السودان، فهي مشكلة عالمية، خاصة عند متعلمي كل آسيا وأجزاء كثيرة من أفريقيا. وليست هنالك حلول جاهزة لها، وقد يتطلب حلها حلولا تجريبية تحتمل الخطأ والصواب. ومهما يكن من أمر، فلا أمل في نجاح فرض ثقافات جديدة على بلاد من خارجها. وفي النهاية ستقرر نخبة البلاد المتعلمة أي عناصر الحضارة الغربية سيكون موضع ترحيب مواطنيهم، وأيها سيقابل بالرفض. أما السؤال عما إذا كانت نتيجة ذلك الاختيار ستفيد مواطنيهم أو البشرية جمعا، فذاك سؤال آخر.
لا شك عندي في أن كتاب ترمينجهام هذا، بحسبانه سجلا علميا ومستودعا لكثير من الحقائق، لن يضار كثيرا بما حوى من وجهة نظر أحادية في حكمها على كثير من القضايا. ولا ريب أن كل من يقرأ هذا السفر من المهتمين بأمر السودان، سيجد فيه فائدة ما.
وقد يجد المؤلف في يوم ما ضرورة إصدار طبعة أخرى من هذا الكتاب. لذا ألفت نظر المؤلف (والقارئ أيضا) إلى بعض الهنات الطباعية وغيرها، التي ينبغي أن تصلح في أي طبعة قادمة:
(سرد الكاتب خمسة أخطاء مختلفة الأنواع، كان منها ما يتعلق بوصف محمد بن تومرت بأنه من "شيعة المهدي" وأنه من الإسماعيلية، فالصحيح – في نظر المؤلف - أنه من الأشعرية، رغم تأثره بأفكار الشيعة. المترجم).

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////