Colonial education and the shaping of Islamism in Sudan, 1946 – 1956 (1 -2)
Willow Berridge ويلو بيريدج
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة وتلخيص لمقال طويل نشره الدكتور ويلو بيرديج في أبريل من عام 2018م في "المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسطBritish J. Middle Eastern Studies “، وهي دورية عالمية ظلت تصدر عن دار نشر "تايلور وفرانسيس" منذ عام 1964م.
ويعمل كاتب المقال محاضرا بقسم التاريخ في جامعة نيوكاسل البريطانية. وكان قد درس وعمل من قبل في قسم التاريخ بجامعتي درم ونورثهامتون، حيث نشر عددا من المقالات المحكمة عن أجهزة الأمن والشرطة والسجون في السودان، ومقالا عن الثورة المصرية على نظام حسني مبارك، وكتابين صدرا حديثا هما "حسن الترابي: السياسة الإسلامية والديمقراطية في السودان" و"الثورات المدنية في السودان الحديث في عامي 1964م و1985م"، ولديه تحت الطبع كتاب جديد بعنوان Islamism in the Modern World: A Historical Approach. وكانت أطروحة الكاتب المقدمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة درم هي بعنوان: "تحت ظل النظام: تناقضات حفظ النظام في السودان بين عامي 1924 و1989م".
أشار الكاتب في مقاله إلى العديد من المراجع السودانية والأجنبية منها كتاب عبد الوهاب الأفندي "ثورة الترابي" وكتاب عبد الله جلاب "جمهوريتهم الثانية" وكتاب نوح سالمون "في حب النبي"، وكتاب حسن مكي "الحركة الإسلامية في السودان"، ومقال للترابي عن "الإسلام كحركة عالمية" نشر عام 1992م في مجلة .Royal Society of Arts Journal .
الشكر موصول للكاتب لمدي بنسخة من المقال.
المترجم
** ** **
دأب الإسلاميون السودانيون في التسعينيات على الترويج لمشروعهم الموسوم بـ "التوجه الحضاري" على أنه قطيعة تامة مع التاريخ الاستعماري ستنقذ البلاد وأهلها من هيمنة الغرب الاقتصادية والثقافية. غير أن ذلك المشروع قوبل بتحديات وقيود تشبه تلك التي واجهت الاستعمار في السودان وهو يحاول القيام بمهمته "الحضارية". ولا غرو، ففكرة الإسلاميين تلك كانت من بنات أفكار شريحة ضيقة من نخبة صفوية معتدة بتصوراتها المتعالية، وواثقة من نفسها وأهدافها بحسبانها طليعة تحديث وتجديد، خلافا لما كانت عليه أغلبية السكان.
ويهدف هذا المقال لتتبع أصول تلك النظرة العالمية (weltanschauung) عند الإسلاميين، وتعليم وتربية الجيل الأول من الإسلاميين السودانيين في المؤسسات التعليمية التي انشأها الاستعمار كمعاقل لمهمته في نقل ونشر "التمدين والتحضر" بالبلاد، مثل كلية غردون التذكارية ومدرسة حنتوب الثانوية. وأنشأ الإسلاميون لهم أول تنظيم لهم في كلية غردون في عام 1948م تحت مسمى "حركة التحرير الإسلامي"، وصارت طليعة تلك الحركة تطوف على المدارس ومختلف كليات الحرم الجامعي في غضون سنوات العقد الأخير للحكم الثنائي، وهو العقد الذي كانت فيه التنموية الاستعمارية (colonial developmentalism) قد بلغت ذروتها، قبل نيل السودان لاستقلاله في 1956م.
واستجابة لدعوة عبد الله جلاب في كتابه "جمهوريتهم الثانية" لدراسة أشمل وفهم أوسع لدور التعليم العام الذي أنشأه الاستعمار في تشكيل نظرة الحركة الإسلامية السودانية في مراحلها الباكرة، فسوف أناقش هنا فرضية أن الإسلاميين قد ورثوا موقف الاستعماريين المتجاذب وجدانيا تجاه مشروعهم الهادف لتمدين المجتمع. فمن جهة، كانت نظرة وعقلية المستعمرين منقسمة وتتأرجح بالتناوب بين مناصرة التوجه للتحديث واستخدام المؤسسات الاستعمارية (مثل المدارس والمحاكم القضائية) لخلق حياة جديدة، وبين توجه يميل نحو الإبقاء على ما وجدوه من "تقاليد" تمثل المجتمع السوداني الذي يمثل عندهم "الآخر" غير القابل للتغيير.
لقد سبق لهيذر شاركي التطرق في كتابها "العيش مع الاستعمار" إلى دور المؤسسات التي أقامها الاستعمار (مثل كلية غردون التذكارية التي أقيمت عام 1902م) في تربية جيل من الوطنيين الذين كانوا يعدون أنفسهم من رواد طليعة التغيير من أجل إقامة أمة سودانية حديثة. وعلى الرغم من أن جيل الاسلاميين الأول والأشد نفودا وتأثيرا كان قد تلقى تعليمه في أخريات سنوات الحكم الاستعماري، إلا أننا لم نقع على أي تحليل معمق عن دور التعليم الاستعماري في تشكيل الذهنية / العقلية الإسلامية. وفي الحالة السودانية يمكن تفسير ذلك جزئيا بطبيعة الكتابات (القليلة) عن تاريخ البلاد في القرن العشرين، التي اتصفت بالتشظي، والمبالغة المفرطة في تعظيم أهمية الاستقلال الرسمي في 1956م. فقد كان معظم من كتبوا عن تاريخ تلك الفترة من الإمبرياليين، أو المستعمرين، أو المؤرخين المتخصصين في منطقة جغرافية معينة الذين ركزوا على الحكم الثنائي، والصراعات بين الوطنيين والمستعمرين، أو الاقتصاديين السياسيين، أو علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الذين لديهم اهتمامات بحثية بديناميات الإسلاموية والصراعات بالسودان في عهد ما بعد الاستعمار. ورغم أن جلاب كان قد تبنى فكرة أن أصول "الإسلاموية" كانت في نظام المدارس التي أنشأها الاستعمار، إلا أن هناك حاجة للتوسع في استكشاف دور الاستعمار البريطاني في تشكيل نخبة الإسلاميين المستقبلية، التي تلقت تعليما علمانيا. وهنا لا بد من إنهاء ذلك التفريق الزائف بين الإسلاموية والعلمانية، وهو تفريق نال الكثير من اهتمام دارسي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسنبين أن الممارسات العملية للإسلاميين كانت شديدة التأثير لأنها أفلحت في تجميع مُثلها الدينية مع الأشكال المعرفية الأكثر علمانية التي تلقوها في التعليم الاستعماري.
ومن المفارقات العجيبة أنه على الرغم من شجب الإسلاميين لنخبة الأفندية الوطنيين التي ناصرت وتبنت المُثل الاستعمارية في الحداثة والتقدم واللطف والكياسة بحسبانها من ضمن ما يقدم به الاستعمار الحديث نفسه للمُسْتَعْمَرين، إلا أن هؤلاء الإسلاميين أنفسهم كانوا يفصحون عن شكل مختلف ومتضارب للنظرة نحو العالم. وعوضا عن أن يتَمَثَّلَ الجيل الأول من الإسلاميين الذي درس بكلية غردون التذكارية مباشرة ثقافة المستعمر ويتشرّبها، قام بخلق "هجين" من المُثل السياسية والثقافية، محاولا التوفيق والمواءمة بين الُمُثل الغربية والمُثل الإسلامية حتى يقوض أيدولوجية الخلاف التي تعتمد عليها السلطة الاستعمارية. غير أنه يجب تذكر أن التعليم الاستعماري لم يكن قط بذلك التوسع والشمول حتى يمكنه إزاحة الذاكرة الثقافية الموجودة – فقد قدم الشعر للموسيقيين والكتاب السودانيين ذخيرة ثرية لتذكر ماضيهم في مقاومة الاستعمار. وخير مثال على من ساهموا في خلق ذلك الهجين هو السياسي والمثقف الإسلامي البارز حسن الترابي، الذي تلقي العلم الشرعي في بيت أسرته، ودرس أيضا في المدارس الاستعمارية التقليدية، مما أتاح له الجمع بين الثقافتين، ومزج بينهما في هجين سعى لاستخدامه في مقاومة ودحر الاستعمار. غير أنه على الرغم (أو بسبب) تلك الهجنة في التفكير والثقافة، نجد أن كثيرا من قادة الحركة الإسلامية السودانية الأوائل قد ورثوا هم أنفسهم تخوف الإمبرياليين من الهجنة والتهجين (hybridity). وهذه واحدة من ضمن مفارقات الإسلاميين بالسودان. لقد كانت عقليات هؤلاء الإسلاميين تشابه عقليات المستعمرين البريطانيين في أنها كانت تُعرف بصراع ديالكتيكي بين "الحداثة" و"التقليد"، أو بين عقليات المشابهة البيئية mimesis (التي تهدف إلى خلق أشخاص يسهل استيعابهم في ثقافة المستعمر الحديثة المهيمنة)، وعقليات العزل والاحلال displacement (التي تركز اهتمامها على غيْريّة alterity السودانيين، وأحيانا غيْريّة كل الثقافة الإسلامية). ولا شك أن الإسلاميين ورثوا عن المستعمرين روح ومُثل الحضارة (ربما بشكل معدل)، وكانوا أيضا يخشون من النتائج التي قد لا تحمد عقباها للإفراط في التغريب، والتي قد تفضي في نظرهم لانفراط عقد النظام في البلاد.
ونحاول في هذا المقال أن نطور من الفكرة التي مفادها أن المثقفين المُسْتَعْمَرين في محاولتهم طرح وتوضيح أفكارهم المضادة للاستعمار يواجهون بعقبة "قيود نفسية" وضعها الاستعمار نفسه، خاصة فيما يتعلق بالفصل بين "الحداثة" و"التقليد".
لقد كانت الحركات الطلابية (مثل "حركة التحرير الإسلامي" التي أنشأها بعض طلاب كلية غردون عام 1948م) تقدم نفسها وينظر إليها الآخرون بحسبانها حركات مناوئة للاستعمار. غير أنها كان أكثر عداءً للماركسية، ورغم ذلك فإنها ضمنت خطابها وحواراتها بعض عناصر الخطاب الماركسي – اللينيني، من باب التكتيك، وذلك للمزايدة والتفوق على منافسيهم الماركسيين. وظلوا يزعمون بأن الشيوعيين السودانيين ما هم إلا جماعة من متغربي الفكر، المعادين للإسلام والتقاليد السودانية. ووقع ذلك بالطبع موقعا حسنا عند البريطانيين.
جذور الإيديولوجيا الإسلامية (الإسلاموية) في السودان
ارتبطت أولى التنظيمات الإسلامية المهمة في السودان بحركة الإخوان المسلمين في مصر التي أنشأها حسن البنا عام 1928م. وأرسل حسن البنا الطالب جمال الدين السنهوري، وهو سوداني كان قد أنضم للإخوان المسلمين بمصر في غضون سنوات دراسته بها للسودان لزيارة تلك التنظيمات. ونمت تلك التنظيمات المحلية مع تكرار زيارات الإخوان للسودان. وكانت هنالك أيضا بضع أعداد منهم مع الجيش المصري بالبلاد. وترأس أكبر تلك التنظيمات علي طالب الله، الذي عين مراقبا عاما للإخوان المسلمين عقب اعتقاله عام 1947م لحيازته سلاحا ناريا غير مرخص.
وكانت من أبرز التنظيمات الإسلامية في الأربعينيات هي "حركة التحرير الإسلامي"، التي كونتها مجموعة من طلاب مدرسة حنتوب الثانوية عام 1947م، قبل أن تظهر بقوة في كلية غردون التذكارية تحت قيادة بابكر كرار في عام 1948م. وعلى الرغم من أن ظهور "حركة التحرير الإسلامي" كان يشابه ميلاد "الإخوان المسلمون" في أنها أتت على أيادي أفراد متدينين حاولوا المؤامة بين عقيدتهم الدينية وتجربتهم في تلقي تعليم المدارس الحديث، إلا أنها لم تعلن قط أنها تتبع لحركة الإخوان المسلمين، ولكن كان أعضاؤها يقرأون بنهم كل ما كتبه كبار قادة الإخوان مثل حسن البنا والغزالي، كما كانوا على تواصل دائم مع أعضاء الحركة في خارج الحرم الجامعي. وفي غضون تلك السنوات ظهر فرع آخر للإخوان المسلمين تحت قيادة الرشيد الطاهر وجعفر شيخ إدريس ومحمد خير عبد القادر. وعلى الرغم من الاختلافات الايديلوجية بين هذه الأفرع، إلا أنها ظلت قريبة من بعضها إلى أن توحدت في عام 1951م، وتم الإعلان عن ذلك في مؤتمر عقد في أحد الأعياد في عام 1954م تحت اسم "الإخوان المسلمون". غير أن جناح بابكر كرار في "حركة التحرير الإسلامي" خرج على ذلك الاجماع وكون جماعة منفصلة سماها "الجماعة الإسلامية".
وكانت من أهم الفروقات بين الجماعات الإسلامية في مصر والسودان هو أن الأخيرة كانت نسبيا أكثر سرية. ولا غرو، فعندما أنشأ حسن البنا حركة "الإخوان المسلمون" في مصر عام 1928م، كانت بلاده شبه مستقلة، وبها نظام برلماني تعددي، ودرجة نسبية من الحرية البرلمانية، ومارست حركته نشاطها العلني لعشرين عاما، إلى أن قامت الحكومة المصرية بمنعها في عام 1948م بتهمة التورط في اغتيال أحد القضاة. غير أن السودان كان في عام 1954 (عند أول ظهور للإخوان) تحت السيطرة الاستعمارية، وكانت الحريات السياسية في بداياتها. وسارعت السلطة السياسية بحرمان أفرع الإخوان المسلمين بالسودان من الحصول على أي وضع أو اعتراف قانوني، رغم أنها لاقت صعوبات جمة في منع حركتهم من ممارسة نشاطها السياسي، ولم تسمح لهم إلا بممارسة نشاط ديني صِّرْف، ودون استخدام اسم الحركة المصري (بحسب توجيه رسمي صادر من السكرتير الإداري جيمس روبرتسون في يوم 20/2/1946م). وكان هذا مما حدا بفرع "الإخوان المسلمون" بالسودان ليحاول التغطية على نشاطه السياسي. وأشارت تقارير المخابرات البريطانية إلى ضيقها الشديد من إجادة خطباء أفرع "الإخوان المسلمون" المنتشرة بالسودان لمهارة تغطية لغة "تحريضية" في خطبهم الدينية بالمساجد بألفاظ دينية بحتة. وتقدم علي طالب الله بطلب للسكرتير الإداري عام 1947م لمنح جماعته اعترافا رسميا من الحكومة على أساس أن جماعته جماعة دينية لا علاقة لها البتة بالسياسة، ولكن قوبل طلبه بالرفض.
لقد كانت للطبيعة السرية للحركات الإسلامية الباكرة آثار ملحوظة على التنظيمات الإسلامية في المدارس الثانوية وكلية غردون التذكارية. وكانت نُظم تلك الكلية تمنع الطلاب من المشاركة النشطة في السياسة والانضمام للمنظمات السياسية. فقد كتب جون دوغلاس توتهيل مدير الكلية بين عامي 1944 – 1947م أن "السياسة شيء جديد على الطلاب، لا يعونه"، بينما ظل لويس براون ناظر مدرسة حنتوب الثانوية يراقب منظمات الطلاب السياسية، خاصة "الإخوان المسلمين" مراقبة لصيقة. وسرد ميرغني النصري، أحد مؤسسي الحركة في حنتوب عام 1948م أن طريقته في تجنيد الطالب أو الطلاب (المحتملين) كانت تتم عن طريق الذهاب إليهم في داخليتاهم، وصرف بقية الطلاب الموجودين ساعتها منها، ثم شرح أهداف الحركة لهم. فإن قبلوا بالانضمام لها، طلب إليهم القسم على المصحف لصون أسرار الحركة. وعندما كان أعضاء جماعة "الإخوان المسامين" يزورن إخوانهم في حنتوب عام 1952م، كانوا يلتقون بهم سرا في بيت يتبع لمسؤول في السفارة المصرية تحاشيا لاكتشاف أمرهم (بحسب ما جاء في كتاب "حنتوب الجميلة" لصاحبه الطيب علي عبد الرحمن).
ولا ريب أن الطبيعة السرية للمنظمات الإسلامية الباكرة تركت أثرا عليها في مرحلة ما بعد الاستقلال. وعلى الرغم من أن الإسلاميين لم يعودوا بحاجة للتكتم أو الانكار لنواياهم السياسية، فقد عرف عن حسن الترابي قائد التنظيمات السياسية الإسلامية اللاحقة (مثل جبهة الميثاق الإسلامي، 1964 – 1969م) والجبهة الإسلامية القومية (1985 – 1989م) ميله إلى "التقية الأيديولوجية" والسرية والتخفي في العمل السياسي. وأبرز مثال على ذلك هو إنكاره لدور الجبهة الإسلامية القومية في انقلاب البشير عام 1989م. ودأب الترابي على تسويغ السرية والتخفي بأنهما كانتا طرقا دفاعية بحتة. ولكن يبقى أن تلك الممارسات كانت مما ورثه هو وغيره من القادة الاسلاميين من تجربتهم في العمل بمنظمات (سرية) في سنوات دراستهم الجامعية. وكان من نتائج سرية عمل التنظيمات الإسلامية هو تقليل فرص ظهور قيادة هرمية / تَرَاتُبِيٌّة، ووجود اتجاه إيديولوجي صارم وثابت. وكتب حسن مكي ما يفيد بأن السرية أضرت بـ "حركة التحرير الإسلامي" وأفقدتها خواصها الثقافية.
ومن أوجه الفروقات بين حركة الإخوان بمصر وحركة الإسلاميين في السودان هو أن تنظيمات الإسلامين بالسودان نشأت في أوساط طلاب الثانوي والجامعي، وعمل قادة تلك التنظيمات لاحقا في وظائف كانت أكثر هرمية / تَرَاتُبِيٌّة عندما أقام هؤلاء تنظيماتهم السياسية العلنية. غير أن الترابي زعم لاحقا أن الحركة الإسلامية كانت قد أقامت لها نهجا جماعيا للقيادة بسبب جذورها الطلابية، والمساواة التي تسود عند الطلاب. ورغم أن الترابي نفسه غدا هو القائد المهمين على دفة الأمور في الحركة بين عامي 1964 و1999م، إلا أنه لم يستطع أن يفرض عليها ايديلوجية ثابتة. وربما كان ذلك بسبب النظرة المنفتحة والناقدة التي أتت مع كون أن الحركة بدأت في جو أكاديمي أتاح لأعضائها التحرك ضده في عام 1998م عبر "مذكرة العشرة" الشهيرة، التي انتقدوا فيها قيادته، وعجلوا بسقوطه في العام التالي.
وصاحب الطبيعة السرية للناشطين من طلاب الحركة الإسلامية سلوك يجنح نحو العنف السياسي، وهو ما لم يحدث مع الإخوان في مصر، الذين كانوا يواجهون علانية – مع غيرهم من الوطنيين المصريين – الجنود البريطانيين في مصر. وكان هذا عكس ما حدث في السودان، حيث أفلحت المفاوضات التي أفضت إلى الاستقلال في تفادي تحويل السياسة السودانية المعارضة للاستعمار إلى سياسة راديكالية متطرفة. غير أنه يجب أن نتذكر أن عسكرة الحركة الإسلامية السودانية كانت في العادة تتم عن طريق الإسلاميين المصريين، مع بعض الطلاب الإسلاميين الذين درسوا بمصر.
وكان حسن مكي قد أورد في كتابه أن حركة الإخوان في مصر كانت تخطط لاغتيال الحاكم العام، واختارت لذلك طالب الله لتنفيذ العملية. غير أن اعتقال الرجل بتهمة حيازة سلاح ناري غير مرخص أفشل تلك المحاولة.
وربما كانت الدعوة لعسكرة وعنف النشاط الطلابي قد أتت في بادئ الأمر من الطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون بمصر. وكان واحد من هؤلاء الطلاب (صادق عبد الله عبد الماجد) يداوم على كتابة أعمدة في الصحف التي تصدر في مصر مثل "السودان الحديث". ففي يوم 16 أغسطس من عام 1953 (أي بُعيد انتزاع الإخوان لقيادة اتحاد طلاب كلية غردون التذكارية) نشر الرجل في تلك الصحيفة عمودا بعنوان "جامعة الخرطوم تقود المعركة"، طالب فيه الاتحاد الجديد بمطالبة إدارة الكلية بتضمين منهج الدراسة تدريبا عسكريا إضافة إلى المواد الاكاديمية المعتادة حتى يقوموا بواجبهم في الحركة الوطنية مثلما يفعل الطلاب المصريين. غير أنه يجب القول بأنه، باعتراف البريطانيين أنفسهم، فقد ظل طلاب حركة "الإخوان المسلمون" يمارسون السياسة بطرق سلمية تماما. وظل هذا دأبهم، ليس فقط في غضون سنوات الكفاح ضد الاستعمار، بل حتى في أثناء ثورة أكتوبر 1964م. غير أنهم قاموا في السبعينيات بتبني العنف في صراعهم ضد الطلاب الشيوعيين وضد نظام مايو العسكري.
ويلفت الاختلاف بين السودانيين والمصريين في شأن العسكرة / التنظيم العسكري militarization النظر إلى الطبيعة أو الخصيصة السياقية contextual character للعنف السياسي الإسلامي. فعلى المدى القصير، كانت السيولة الايديلوجية التي صاحبت سياسة عدم المواجهة التي انتهجتها الحركة، وطبيعتها السرية، قد يسرت علاقتها الاصطناعية synthetic relations مع الخطاب الاستعماري. وبالطبع كانت النظرة المانوية المتعاظمة للإخوان المسلمين المصريين هي واحدة من أسباب صراعهم العنيف مع الوطنيين العلمانيين في عهدي حكومة النقراشي (1948 – 1949م)، وحكومة عبد الناصر أيضا (1954م). أما في السودان، فقد حافظ الإسلاميون على علاقات لصيقة مع الحزبين الكبيرين: الأمة، والأشقاء (الوطني الاتحادي بعد 1953م). وكانوا مدركين تماما لأنفسهم ولهويتهم السودانية وتاريخهم، وأنهم ليسوا مميزين تماما عن هذا الجيل من الوطنيين.
الخلاصة: خلص الكاتب إلى أن رواد الحركة الإسلامية في المؤسسات التعليمية التي أقامها الاستعمار (مثل كلية غردون ومدرسة حنتوب الثانوية) صاغوا لأنفسهم مزيجا من "الحداثة" و"التقليد". ونتيجة لما تلقوه من تعليم استعماري، قدم الاسلاميون للناس خطابا شمل "التقدم" و"الاصالة الثقافية" يشابه بعض ملامح الجوهرية الاستعماريةcolonial essentialism* ، حتى وإن كانوا يعلنون قطيعتهم الحاسمة مع التاريخ الاستعماري.
ولم يكن الإسلاميون (في السنوات المذكورة) يختلفون عن غيرهم من الوطنيين التقليديين في استخدامهم للمساحة المتاحة في المنشآت التعليمية التي أقامها الاستعمار في إنشاء مجموعة ايديلوجيا تتجاوز التقسيمات والفوارق العرقية والجهوية الضيقة، التي كان المستعمر يحرص في سنواته الباكرة على تثبيتها. وفي ذات الوقت كان الإسلاميون يشتركون مع المستعمرين في ازدرائهم للماركسيين والأفندية المنبتين ثقافيا (أي الذين استدبروا / تجاوزوا ثقافتهم الأصلية. غير أنهم (خاصة الإخوان المسلمين) كانوا أيضا يأملون في تحاشي "جاهلية الإنجليز"، رغم أنهم كانوا يشتركون مع مسؤولي الحكم الاستعماري في رؤيتهم وسعيهم الحثيث لمنع ما كانوا يرونه من التأثير المفرط لعمليات التمدين (urbanization) والتعليم الحديث في السودان.
**** **** ****
*عرفت موسوعة الويكيبيديا "الجوهرية" بأنها الرأي القائل بأن كل كيان لديه مجموعة من السمات المميزة التي ينبغي وجودها حتى تؤدي وظيفتها. ولها تعريف آخر تجده في هذه الصفحة الشارحة لتعابير نظرية ما بعد الاستعمار: https://www3.dbu.edu/mitchell/postcold.htm
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////