سواكن في الفصل الرابع من كتاب "عثمان دقنة"
هنري سيسيل جاكسون Henry Cecil Jackson
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة لبعض ما جاء في الفصل الرابع من كتاب "عثمان دقنة" بقلم هنري سيسيل جاكسون، والذي عمل في مجال الخدمة المدنية في السودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب والتي وصف في بعضها عادات السودانيين في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. قد سبق لنا ترجمة بعض مقتطفات من كتب ومقالات هذا الإداري الكاتب.
**** **** ****
وصف سواكن
(1)
تتكون سواكن من جزئين: جزيرة مرجانية بيضاوية الشكل، يبلغ قطرها نحو نصف ميل، ويسكن فيها التجار الأكثر ثراءً من غيرهم، وفيها بعض المباني الحكومية ومقرات بعض رجال الأعمال. ويربطها بالبر الرئيس جسر طوله 200 ياردة. وفي البر الرئيس تجد تجمعا لمحلات وبيوت صغار التجار، ومساكن الذين يكسبون عيشهم من التجارة البحرية في الميناء، ومن خدمة الحجيج، وكل من يقدمون مختلف أنواع الخدمات للسكان. ويسمى الهدندوة هذا الجزء من سواكن بالقيف. وهو يتميز بطابع شرقي الملامح، بشوارعه الضيقة المتعرجة، وبيوته المغطاة بقطع من القماش أو النسِيجٌ الغليظ الخشن (الخيش)، الذي يحجب ضوء الشمس ويمنعها من أداء دورها في التنظيف والتطهير. ولا تظل تلك الشوارع الضيقة نظيفة إلا بشق الأنفس، وبإصرار شديد من الحكومة على الالتزام بأدنى وأبسط قواعد الصحة العامة، وهذا ما كان يسبب الحيرة والارتباك عند البسطاء من السكان. وكانت سواكن قديما مكانا في غاية القذارة، خاصة عندما تهطل الأمطار ويصبح الجو رطبا، ويكثر توالد الذباب.
واليوم، على الرغم من وجود بعض المباني الدائمة التي أقيمت في الثمانينات من القرن التاسع عشر، إلا أنه لا يمكن أن نشبه "القيف" إلا بوَجْر أرانب به أكواخ متداعية، ومبانٍ من قطع من الخيش أو الحديد أو الخشب أو الطين اللبن، جمعها الأهالي بمهارة لتكون شكلا بدائيا من المأوى يقيهم حر الشمس وهبوب الرياح. وقد تجد هنا وهناك بين تلك المساكن البائسة، بيوتا قليلة مشيدة بحجر مرجاني، ومسقوفة بقطع حديد متموج. ويغير وجود تلك البيوت الحجرية قليلا من عدم تناسق وانتظام الشوارع دون أن يضفي عليها أي جمال في التصميم.
ورغم كل ذلك إلا أن القيف لا يخلو من روعة خاصة به. فعلى وجه الخصوص يتجمع الناس في يوم الأسواق، ويصخبون وهم يساومون الباعة لآخر مليم على أسعار ما هو معروض من بضائع مثل السيوف وصفائح الزيت أو حَفْنات من التمر. وتفتح المحلات على الشارع، وقد زينت مداخلها التي كانت عامرة بكل الضروريات الأساسية التي يحتاجها البدوي البسيط في حياته وسط الجبال، مثل المُدُيات والتعويذات المخاطة في قطع جلدية، والسِياط، والأكياس التي تحمل على الجمال. ولا تكاد تجد مكانا فارغا في أي دكان، من أرضيته القذرة إلى سقفه المنخفض، فهو معبأ ببالات الأقمشة الهندية القرمزية والحمراء والشديدة الزرقة التي تغطي أطراف السودانيين (الفيزي وزي) البنية والسوداء اللون. وهنالك أيضا بعض التجار الأغاريق المغامرين الذين يبيعون في متاجرهم كل شيء تقريبا (ما عدا ما تحتاجه فعلا)، من البضائع المجلوبة من مانشستر إلى الصابون من نوع مونكي براند (Monkey Brand)، ومن أربطة الأحذية إلى المعلبات من نوع Benger’s food. وكلما ازداد الجو حرارة، كلما ازدادت حرارة المساومات حول الأسعار، وتختلط الأصوات وترتفع نبراتها بألسنة مختلفة منها البجاوية والإنجليزية والإغريقية والهندستانية وعربية السودانيين الشماليين والمصريين واليمنيين القادمين من عدن. ثم تسمع نهيق حمار يشق زحام ذلك الحشد، وترى كلبا فضوليا يفر مسرعا من محل قَصَّاب تلاحقه صيحات ولعنات بنصف دستة من اللغات، وقد تسمع أيضا أنات بغل عاجز. وتشاهد القطط والمعز والغنم والدجاج في كل مكان، خارج وداخل المحلات. وفي وسط كل تلك الجلبة الشاملة تسمع الطنين المتواصل للذباب وكأنه نغمات رتيبة لموسيقى القرب، والتاجر الناعِس يقوم في ملل بنشه من جوال عجوة أو صفيحة سمك متعفن (لعل الكاتب يقصد الفسيخ. المترجم).
وعلى القرب من الجسر يوجد خان / فندق فخم، من النوع الذي تجده في تركيا والشرق على وجه العموم، وترفع مئذنتا مسجدين إلى عنان السماء. وكانت المنازل المبنية حول الجسر من نوع أفضل من غيرها من منازل الجزيرة، فهي تتكون في غالب الحالات من أربعة أو خمسة طوابق. غير أن الشوارع هنا ضيقة ومتعرجة أيضا، مما يجعلها تبدو فجأة مغلقة أمام المرور بسبب وجود بقايا سِقالات بيت لم يكتمل بناءه بعده. وستصبح تلك البقايا فجأة بيتا مكتملا له شرفات (بلكونات) عديدة صغيرة الحجم تبرز من كل نافذة. وفي بعض الحالات لا تعدو تلك الشرفات أن تكون مجرد منصات لا يتعدى طولها بضعة أقدام، ولا يزيد عرضها عن نصف ياردة. غير أنها متجاورة للحد الذي تمنع به نظرات عابري السبيل المتطفلين من النفاذ إلى جمال ذلك الغريب القاطن بالدار. وكثيرا ما تزين الشرفات بخشب مُعشَّق بطريقة فنِّيَّة بديعة تُطِلّ أو تشرف على الأماكن التي حولها (مَشْرَبِيَّات).
وكل البيوت، بلا استثناء تقريبا، مشيدة بصلابة من الحجارة المرجانية البيضاء المشكلة بأشكال منتظمة. ويعمي شدة بياض تلك المباني بصر المرء عند اشتداد لمعان أشعة الشمس. غير أن منظر تلك المباني من بعيد له سحره وجماله الخاص.
ولا يعلو مستوى ارتفاع سطح الجزيرة غير قدم واحد عن أعلى مستوى للبحر. وتبدو سواكن وكأنها مدينة حلم بديع فضي اللون أتى من عرض المحيط.
أما المدخل للمدينة فهو قناة ضيقة متعرجة عرضها ثلاثمائة ياردة. غير أن هنالك على بعد ثلاثة ألف ياردة شعب مرجانية مغمورة، تمتد (بغدر شديد) لمسافة أميال كثيرة على الجانبين. ولا عجب أن كان قَباطنَة وبحارة السفن والبواخر يخشون ذلك المدخل، فقد حطمت تلك الشعب المرجانية المخفية عبر العصور الكثير من السفن والبواخر. وربما كان ميناء سواكن قد هُجر كميناء رئيس في السودان لهذا السبب، وتم إنشاء ميناء آخر على بعد أربعين ميلا إلى جهة الشمال.
أعد سواكن مدينة صغيرة ساحرة، تذكرك بـ "ألف ليلة وليلة" كمدينة رائعة ومُتَحَفّظة ومتعالية ومكتفية ذاتيا. وكان يعتقد بأن الاستغناء عن ميناء سواكن وإنشاء ميناء جديد سوف يدق ناقوس الموت لسواكن. فصحيح أن اضمحلال التجارة بالمدينة قد أفضى لتَهْدِيم كثير من مبانيها، غير أن روح المدينة ما زالت حية تسعى. فالتجارة المزدهرة في المدينة والميناء الجديد ببورتسودان، وأجواء المال والأعمال وما يصاحبهما من توتر ومنافسة، جعل الكثيرون من سكان المدينة الجديدة ينظرون إلى سواكن بحسبانها ملاذا للراحة والسكينة والسحر الصوفي. في سواكن لا ينظر الناس إلى الوقت باعتباره "صنم الحضارة الغربية"، بكل ما فيه من صخب وضجيج. هنا تسود "لامنطقية الشرق".
وفي سنوات شيخوختها لا تخشى سواكن من غوائل أي حرب قادمة، فقد ولت تلك السنوات الخمس عشر التي ظلت في غضونها ظلال الحرب تخيم عليها، وبقيت مجرد ذكري لكابوس قد ولى، وفترة شنيعة في غضون عهود اتسمت بالهدوء والسكينة. ولم تترك تلك الحروب على وجه المدينة سوى القليل من الندوب الدائمة. واختفت الأضواء الكاشفة التي كانت تنبعث من السفن الحربية التي كانت ترسو في الميناء، ولم تحل محلها أي أضواء أخرى. وظلت المدينة في فترات السلم تضأ ليلا بأضواء خافتة من مصابيح زيتية مُرتَعِشة.
وبقيت المعالم الرئيسة الباقية بالمدينة التي تذكر بأيامها الماضية عندما كانت موسيقى القرب تصدح في شوارعها وتزأر المدفعية من السفن الراسية في شواطئها هي مبانٍ لثكنات وقلاع متهدمة جزئيا ومعاقل مهجورة في جزيرة الكنداسة Condenser Island (إحدى جزر سواكن الثلاث) وبعض المباني الخربة.
وللزائر لسواكن أن يستمتع برؤية معالم خلابة. فهنالك سلسلة من التلال الوعرة التي تمتد لنحو عشرين ميلا من الشمال للجنوب. وبما أن الجو يظل صحوا على الدوام، تبدو تلك التلال دائما وكأنها تقع خلف المدينة مباشرة. وتسطع في الصباح أشعة الشمس الطالعة من البحر على بيوت العرب الشديدة البيضاء، ثم تغرب فيما وراء تلك التلال ناشرة حُمْرَة يعقبها لون أرجواني قبل حلول الظلام.
وتقع إلى الشمال من المدينة عدة بحيرات مالحة تمتد حول الجزيرتين اللتين تعرفان بـ "جزيرة الكنداسة" و"جزيرة الحَجْر" أو الكرنتينة. وفيهما ترى طيور النحام (الفلامنجو) الوردية اللون تجيل النظر فيما حولها بحثا عن الطعام. ومن شرفة بيته يمكن لساكن سواكن أن يرى أسماك الساردين تسبح في مياه البحيرات الضحلة، وتصاب برعب وارتباك عظيمين عندما يهاجمها وحش مفترس من أسفل البحيرة، بينما تطير فوقها طيور النورس تراقب ما يحدث تحتها. ويرى المرء كذلك سمك الخرمان / الإبرة البحرية ((garfish بأنفه الحاد الطويل وهو يتقافز فوق سطح الماء، والسمك الطائر يقفز من الماء بزعانفه المفرودة. غير أن جمال سواكن الحقيقي يكمن في أعماق حدائقها المرجانية، حث ترى شقائق النعمان المتعددة الألوان والأعشاب البحرية والمرجان والكثير من أصناف المخلوقات التي تعيش في قاع البحر. وترى بوضوح شديد وأنت خارج مياه البحر خلال المياه الساكنة الصافية ما هو موجود تحت على عمق عشرين قدما، وكأنه يقع تحت عمق بوصة أو بوصتين. ولا تقوم أشعة الشمس الاستوائية الساطعة بتلوين المياه وما تحتها من مخلوقات بألوان زاهية فحسب، ولكنها تقربها للناظرين أيضا. فيرى الناظر الأسماك من كل نوع ولون وهي تنساب بسلالة داخلة وخارجة من بين النباتات البحرية المتوهجة وهي تتموج مع حركة أمواج البحر اللطيفة. ويكون قاع البحر في أجمل حالاته في يونيو، حين يكثر وجود الأسماك.
أصل سواكن
(2)
لا بد أن أصل سواكن يمتد لأغوار العصور القديمة. ولا يعرف حتى معنى كلمة سواكن. غير أن الأهالي هنا لديهم تفسير للاسم يجدر بنا ذكره هنا على كل حال. زعموا أن كسرى كبير الفرس في القرن السادس الميلادي سمع بقصص عجيبة عن فتيات الحبشة، فأمر وزيره بأن يجلب له من هناك سبع عَذْراوات. وفي طريق عودته مع الفتيات توقف في سواكن لأخذ قسط من الراحة على الشاطئ الرملي. ولما بلغوا بلاد الفرس اتضح أن الفتيات كن قد حَبِلَن. ولم يجد الوزير لتلك الظاهرة العجيبة أي تفسير ممكن غير أن الجن أو الأرواح الشريرة هي من قامت بذلك العمل. وعلى الفور أمر كسرى وزيره بإعادة النساء من حيث حملن في "أرض الجن"، أو ما سموه " سبعة جن". وفيما بعد تم تحريف الكلمة إلى "سواكن" أو المكان الذي فعل فيه الجان فعلتهم "سواة جن / سواااجن؟".
ووضعت "العذْراوات السبع" حَمْلَهُن في سواكن، واستقر هؤلاء الأبناء فيها، وكانوا يعيشون على مهنة صيد السمك. وفي عام الهجرة (أي عام 622م) أقبل على سواكن أربعة من صحابة محمد رسول الله لدعوة سكانها للدخول في الإسلام. ووجدوها قريةً صغيرةً يعيش سكانها (الهمج) على صيد السمك. وكان اسم "الهمج" قد أطلقه الهدندوة في عصر الجاهلية المظلم على هؤلاء الصيادين من باب الاحتقار لهم كقوم جهلاء.
وسكن أولئك الصحابة الأربعة في سواكن وعلموا أهلها مبادئ الإسلام.
وفي عام 883م هاجرت لسواكن عائلة الأرتيقة قادمة من الجزيرة العربية، واستقرت بالقرب من الفولة ؟(Fula). وبعد 130 سنة من تلك الهجرة أقبل على سواكن بعض القرشيين من أفراد أسرة بني أمية من الشاهدلاب Shadhaliab. ثم أتت لسواكن في عام 1208م قبيلة الحسناب من اليمن، وتبعهم في عام 1415م بعض أشراف مكة.
ولما تكاثر نسل "العذْراوات السبع" دخلوا في معارك مع البيشاب، ولكنهم خسروا تلك المعارك واسترقهم البيشاب. وقام الديساب لاحقا بهزيمة البيشاب وطردوهم وسيطروا على منطقة سواكن.
ومع نهاية القرن الخامس عشر قيل إن الفونج هزموا الأرتيقة في معركة ضارية، ولكنهم أسندوا لهم بعد ذلك حكم المنطقة باسم سلطنتهم.
وكان كل من ذكرنا من القبائل والعائلات التي قدمت على سواكن قد تصاهروا مع الأرتيقة الذين كانوا يعدون من أهم العائلات في سواكن. والأرتيقة يرجعون أصلهم إلى محمد وحماد وجمال الدين (وهم أبناء رجل من حضرموت يقال له باسوفير). وكان عائلة الأرتيقة شديدة الإخلاص للحكومة، وقاموا بأداء أدوار قيمة في أثناء حصار سواكن. ومع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر أقبل على سواكن من ديار بكر رجل كردي يسمى علي دقنة، كان له أخ يعمل مسؤولا مهما في الحكومة التركية. ويبدو أن علي دقنة كان قد دأب على التآمر على أخيه المسؤول بصورة مستمرة، فقام الأتراك في نهاية المطاف بنفيه من أرمنيا إلى سواكن. وفي سواكن ظل الرجل يحاول كسب عيشه بمختلف الطرق إلى أن قابل امرأة عجوز من قبيلة الترك (Tirik) كانت تأتي لسواكن لبيع اللبن والحطب وبضائع أخرى لتعيل أفراد عائلتها. وحدثته تلك المرأة عن أركويت وما فيها من فرص للعمل، فوافق على أن يصحبها في طريق عودتها لأركويت. وهنالك شيد الرجل له مزرعة، وخطب إحدى بنات تلك المرأة. ولكن اكتشف والد الفتاة أن الخطيب كان قد أقام علاقة غير شرعية مع ابنته، فرفع الأمر لزعيم الهدندوة (ويل علي)، والذي أصدر حكمه بقتل علي دقنة والفتاة. ولو نفذ ذلك الأمر فعلا، فقد كان سيغير جذريا من تاريخ سواكن وشرق السودان. غير أن خبر الحكم الذي أصدره زعيم الهدندوة بلغ مسامع والدة الفتاة فهربت مع ابنتها وعلي دقنة إلى سواكن واحتموا جميعا بقبيلة الأرتيقة. ثم وضعت المرأة حملها وأسمت مولودها محمد. ووُلد لمحمد هذا في مقبل السنوات عدد من البنين والبنات لم يبق منهم إلا فاقي وأبو بكر. وأنجب أبوبكر عثمان دقنة (ليس لما ورد في الفقرة الأخيرة مصادر موثوقة، لذا يلزم أخذ ما فيها بحسبانها رواية تحتمل الخطأ والصواب. المترجم).

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.