M.W. Day Imperial Sudan: The Anglo- Egyptian Condominium, 1934 - 56
جويل غردون Joel Gordon
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة لجزء من عرض عن كتاب مارتن دالي "السودان تحت حكم الاستعمار الإنجليزي – المصري بين عامي 1934 – 1956م" الذي نُشر في طبعته الأولى عام 1986م.
وكاتب العرض هو بروفيسور جويل غردون (الحاصل على دكتوراه في التاريخ من جامعة ميتشغان عام 1987م) والذي يعمل في قسم التاريخ ومركز الملك فهد لدراسات الشرق الأوسط بجامعة أركانسو الأمريكية. وله كتابات عديدة عن التاريخ الثقافي والسياسي للشرق الأوسط، خاصة مصر الحديثة وجمال عبد الناصر، وعن الصراع بين الدوائر الدينية والعلمانية في مجالات السينما والموسيقى ووسائل الإعلام الجماهيرية.
أما صاحب الكتاب فهو بروفيسور دالي (1950 - ) فقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1977م، وهو واحد من أهم مؤرخي السودان ومصر (خاصة فيما يتعلق بتاريخ عهد الحكم الثنائي) وله عدد من المؤلفات مثل "امبراطورية على النيل" و"أحزان دارفور"، و "صور الإمبراطورية". وله أيضا كتاب "تاريخ السودان" بالاشتراك مع ريتشارد هيل. ولدالي أيضا عدة مقالات عن السودان منها مقال مشهور نشر عام 1983م عن "رسائل وينجت".
المترجم
***** ***** ***** *****
بهذا الكتاب يعود مارتن دالي لمواصلة كتاباته المجودة والموثوقة عن السودان في سنوات الحكم الإنجليزي – المصري. فقد نشر دالي من قبل كتابه الشهير "إمبراطورية على النيل"، الذي كان مخصصا لتاريخ السودان تحت الحكم الثنائي بين عامي 1899 و1934م. وختم دالي ذلك الكتاب بالحديث عن الاستعمار الإنجليزي – المصري وقد رسخ أقدامه، بعد اخماد حركات التمرد التي حدثت في العشرينيات، وصارت البلاد "في حاجة للراحة".
وصور المؤلف في بداية هذا الكتاب حكومة الاستعمار الثنائي في منتصف الثلاثينات بحسبانها حكومةً تفيض بالثقة والشعور بالرضا والقناعة بالوضع القائم. ولا عجب، فقد كانت إدارة تلك الحكومة إدارة منظمة ومستقلة تمام الاستقلال عن الدولتين المتنافستين بريطانيا ومصر، وبدا أنها أصابت نجاحا مقدرا في استقطاب طبقة السودانيين المتعلمين في المناطق الحضرية. وحق لحكام السودان البريطانيين أن يشعروا بأنهم كانوا يعيشون في عصر هادئ ومزدهر (في الأصل halcyon age، وهو طائر تزعم الاسطورة أنه يهدئ أمواج البحر). وكانت تلك السنوات هي "أفضل أوقات ذلك الحكم الاستعماري البريطاني في وادي النيل". غير أن ذلك الحكم، كما وصف دالي، تعرض لطيف واسع من المتاعب والمصاعب، نشأ معظمها من التركيبة الفريدة للنظام الثنائي نفسه، وقليل منها كان متلازما ومتأصلا في "المؤسسة الكولونيالية". وجعلت تلك المصاعب الدبلوماسيين البريطانيين يواجهون في عقدين قصيرين ما لم يكن متخيلا في الثلاثينيات، وهو سودان مستقل عن لندن والقاهرة.
هذا كتاب حسن الكتابة ومقنع الجدل عن تاريخ السودان الإنجليزي - المصري. فدالي يكتب بعناية فائقة وتركيز ثاقب عن أهداف النظام وإنجازات حكامه، بالإضافة إلى حماقاتهم ونواقصهم. ويرصد بدقه التحول السريع من حالة الشعور بالرضا والقناعة بالوضع القائم التي بددتها المخاوف من الغزو الإيطالي من إثيوبيا – وهي مخاوف ثبت أن لا أساس لها – وظهور ارهاصات الحرب العالمية الثانية، وبوادر نهوض حركة وطنية وأحزاب سياسية، ومحاولات البريطانيين للتوسط والمصالحة بين الأطراف الوطنية المختلفة، وإشراكها في حكم البلاد.
وفي أخريات الأربعينيات وقع "تغيير غير مسبوق"، فقد عاودت مصر الظهور كمنافس قوي على السيادة. ومع بداية الخمسينيات، ومع اهتزاز السيطرة البريطانية على مصر، ظهرت الولايات المتحدة بحسبانها قوة مؤثرة وفاعلة في شؤون الشرق الأوسط وسياسات حوض النيل. وأحدث الانقلاب العسكري الذي قاده الضباط الأحرار في مصر عام 1952م عددا من التغييرات الكبيرة في المشهد الدبلوماسي في حوض النيل. وبعد عام على ذلك الانقلاب أبرم الجانبان المصري والسوداني اتفاقا لتقرير مصير السودان، مما أجبر بريطانيا على أن تحذو حذو مصر، و"توقف فجأة مسيرة خمسة وثلاثين عاما من السياسة البريطانية".
ما هو "الخطأ" الذي حدث؟ ولماذا حدث ما حدث بتلك السرعة؟ يعتقد دالي أن سبب تلك النهاية التي أفضت إلى التنازل عن الحكم الثنائي كان متجذرا منذ مولده في التناقضات الكامنة في بنيته الأيديلوجية والتنظيمية. وظلت السياسة الثنائية / المزدوجة التي شكلها في بادئ الأمر السير لي استاك للإدارة الأهلية في المناطق الريفية (المتخلفة)، وبيروقراطية المتعلمين السودانيين في المناطق الحضرية باقية ومدغمة ضمن سياسات الحكومة رغم تغير الأحوال مع مرور السنين. وكذلك بقيت طبيعة حكومة السودان ضيقة الأفق، كما كانت دوما، ويتسيدها خريجو جامعتي أكسفورد وكمبردج (Oxbridge) الذين يمجون ويحذرون تدخلات شركائهم المصريين والبريطانيين الأقوياء من ذوي المصالح في مصر في أمور حكمهم للسودان. ومع تكاثر الأمور التي كان عليهم حمايتها، تراجعت أمور مهمة مثل التنمية الاقتصادية والتعليم والصحة العامة والخدمات الاجتماعية إلى المكان الثاني. وفي نهاية المطاف لم تكن حكومة السودان تمتلك أي جدول زمني أو رؤية للاستقلال ولضمان نقل السلطة بصورة منظمة. وأصابتهم موجة من الفزع والارتباك عندما قرب موعد الاستقلال.
واحتفظ دالي في كتابه هذا بنفس التنظيم الذي اتبعه في كتابه "إمبراطورية على النيل"، فقسم كتابه إلى فصول متتابعة عن تاريخ الإدارة السياسية، والسياسة الخارجية، ثم التطورات الاجتماعية – الاقتصادية. وكتب بعمق وتفصيل يعيد للحياة أهم شخصيات ذلك العهد مثل المفوض السامي استيوارات سايمس، ذلك الدخيل (الَبرَّانيُّ) الذي قاوم البيروقراطيون المتخندقون برنامجه الإصلاحي، وهيربرت هيدليستون، الإداري المنعزل الذي كان يحب أن يدير أمور البلاد من عل، ودوغلاس نيوبولد، السكرتير الإداري الذي عمل تحت إمرة الحاكم العام هيدليستون، والذي كان أكبر داعية للمصالحة بين الأطراف الوطنية السودانية المتصارعة، وأكثر السكرتيرين الإداريين إثارة للجدل. وكتب دالي أيضا عن جيمس روبرتسون الذي عمل تحت إمرة من خلف هيدليستون، ووصفه بأنه الوزير الأعظم Grand vizier (وهو لقب رئيس الوزراء في العهد العثماني)، وعن روبرت هاو، الرجل المريض الذي كان كثير الغياب عن البلاد، وعن كثير من الإداريين الآخرين.
وكانت هنالك ثوابت للسياسة البريطانية في السودان شملت، بحسب ما يعتقد دالي، منع تكرار قيام مهدية أخرى والحذر من ذلك، ورابطة رومانسية تشدهم للمناطق الريفية مع استحقار لحياة الحضر ونخبتها الصفوية، والتأبي على تطوير وإصلاح التعليم بأكثر ما تم فعلا، وسودنة الوظائف الإدارية، وموقف أبوي / راعي تجاه الوطنيين السودانيين أعاق فرص التعاون معهم أو استيعابهم في إدارة البلاد، وازدراء بالغ للمصريين، شركائهم في ذلك الحكم الثنائي.
وبالنظر إلى أحداث العقد السابق في السودان، كان الأمر الذي يمس أكثر الأوتار حساسيةً هو التجاهل الصارخ للتنمية في جنوب البلاد. لقد كان ذلك الجزء من السودان موجوداً في مخططات الحكومة الأولية (blueprints) فحسب، ولكنه كان "آخر مكان تفكر الحكومة في الاهتمام به"، بل وتركت شؤون إدارته لبعض بارونات المستنقعات (bog barons) ليحكموه بطرقهم الاعتباطية والاستبدادية الخاصة. وبقي الجنوب مقفولا ومعزولا عن الشمال الأكثر تطورا. وكان ذلك الموضوع في كتاب دالي الذي نحن بصدده الآن امتدادا لما بدأه في كتابه السابق "إمبراطورية على النيل"، الذي أشار فيه بحدة إلى إخفاق الإداريين البريطانيين (إما من باب الإهمال أو الرياء والنفاق) في العمل على تطوير سودان يمكنه له يوما ما الوقوف بمفرده على قدميه.
ما هي تطلعات السودانيين ومبادراتهم واستجاباتهم لإدارة الحكم الثنائي؟ هذا الكتاب لم يكن كتابا عن تاريخ الوطنية السودانية. غير أن دالي عبر في ملاحظة ببليوغرافية عابرة عن أسفه لعدم تمكنه من الوصول إلى مصادر تتناول الوطنية السودانية أو قادتها. غير أن أي دراسة عن الحكم الثنائي لا ينبغي أن "تهمش" الوطنية السودانية أو قادتها لذلك الحد الذي قام به المؤلف.
تحتل حكومة السودان الصدارة في هذا الكتاب، أما القوى الأخرى من البريطانيين والمصريين والسودانيين (بصفة خاصة) فقد بقوا في هذا الكتاب بذلت الترتيب، تماما مثلما كان واقعهم الذي وضعه لهم الإداريون الكولونياليون بالخرطوم في مخيلتهم، أي مجرد "إزعاج ومضايقة nuisances". ومهما يكن من انتقاد دالي للمسؤولين البريطانيين، فما ذكره عن الوطنيين السودانيين إنما كان يعكس نظرة كُتَّاب المصادر البريطانية عنهم. وكانت كل تلك المصادر تصف الوطنيين السودانيين بأنهم يمتازون بحمل " أفكار ديماغوجية وايديولوجيا ضيقة الأفق"، وبأنهم يفتقرون للتأييد الشعبي.
وتطرق دالي في كتابه إلى محاولات الإدارة البريطانية التلاعب بالشخصيات الكبيرة ذات النفوذ بالبلاد وقادة الأحزاب والطوائف الدينية الكبيرة في السودان. غير أن ما أغفل الكاتب مناقشته هي البرامج التي عرضها هؤلاء القادة، ومدى قبولها سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا عند أتباعهم.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////