British Policies towards Female Circumcision in Sudan

هيذر شاركي Heather Sharkey
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة لاستعراض نشرته الأستاذة الدكتورة هيذر شاركي لكتاب الأستاذة الدكتورة جانيس بودي المعنون: "تمدين النساء: جهود البريطانيين في السودان في عهد الاستعمار"، الذي نشرته دار نشر جامعة بريستون عام 2007م. ونُشر العرض عام 2008م في العدد التاسع والأربعين من مجلة التاريخ الأفريقي (The Journal of African History).
وتعمل بودي أستاذة لمادة الأنثروبولوجي بجامعة تورنتو الكندية. وتدور غالب أعمالها المنشورة حول الأنثروبولوجيا الطبية والثقافية – الاجتماعية مثل قضايا الاستعمار و"الجندر" وأوضاع المرأة في أفريقيا، والسودان على وجه الخصوص. وسبق لنا أن ترجمنا مقتطفات يسيرة عن حادثة الختان في رفاعة، التي ورد ذكرها في كتابها الأشهر "تمدين النساء".
أما كاتبة العرض فهي أستاذة حاصلة على درجة البكالوريوس في الأنثروبولوجيا من جامعة ييل الأميركية، ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعتي درم البريطانية وبريستون الأميركية، على التوالي، ولها عدة كتب ومقالات عن السودان ومصر منها كتاب "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي المصري"، وكتاب "الإنجيليون الأمريكيون في مصر"، و"الهوية والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر"، و" تاريخ الصحافة العربية في السودان". وكنت قد عرضت لعدد من كتابات الدكتورة شاركي في مقالات مترجمة سابقة.
المترجم
** ** **
جاء في كتاب جانيس بودي: "شاع في أواخر القرن العشرين مثل شعبي يشبه المرأة السودانية بالبطيخة. ولعل ذلك المثل كان يستحضر الصورة المثالية للمرأة السودانية الشمالية بعد ختانها، ورحمها مخفي عن العالم، وقادر على إنجاب "ذرية ذات أخلاق " (صفحتي 111 و 296 من الكتاب).
وكان المسؤولون البريطانيون في بدايات القرن العشرين ينظرون إلى النساء السودانيات نظرة مختلفة. فقد كانوا يستبشعون الممارسة المحلية لختان الإناث، والتي تذهب أبعد بكثير من مجرد إزالة البظر، وتتطلب عملية فتح عند الولادة. وسعى البريطانيون في سبيل إصلاح تلك العادة.
ودرست جانيس بودي في كتابها "تمدين النساء" السياسات البريطانية تجاه ختان الإناث، والتي بدأت بإقامة مدرسة تدريب القابلات في عام 1921م، وتُوجت في عام 1946م بإصدار قرار غير ملزم وغير فعال يمنع ممارسة تلك العادة. إنه كتاب غني ومفصل ويثير الإعجاب. وليس من شك عندي في أنه سيحفز الناس على مناقشة هذه القضية لسنوات عديدة قادمة.
وركزت المؤلفة في كتابها على مرحلة الحكم الإنجليزي – المصري للسودان (1898 – 1956م)، إلا أنها تناولت أيضا الصلة بين سياسات ذلك العهد وغيرها من السياسات في أماكن أخرى. فقد قامت مثلا بالربط ما بين "الحملة البريطانية الاستعمارية القوية" ضد ختان الإناث وبين الحملة العالمية العالية الصوت لمنع عادة ختان الإناث" في نهايات القرن العشرين (صفحة 2 من الكتاب). وساوت المؤلفة – ضمنيا – بين التدخلات التي قام بها البريطانيون بالسودان في بدايات القرن العشرين وبين التدخلات الأمريكية في عراق اليوم. فقد ذكرت أن كتابها بأكمله عبارة عن" قصة رمزية ممتدة للإمبريالية في بدايات القرن الواحد وعشرين" (صفحة 8 من الكتاب). وبعبارة أخرى، فالكتاب يحكي عن الثقافة الامبريالية باسم التمدن والحضارة وحقوق الانسان.
ويقدم الكتاب صورة بديعة ونظرة ثاقبة عما يعنيه ختان الإناث في شمال السودان، ويقدم الحجج والأسانيد عن أسباب فشل سياسات البريطانيين في إحداث تغييرات مهمة في ممارسة تلك العادة. وكتبت تقول: "إن ختان الإناث ليس عادة قديمة عفا عليها الزمن، أو شيئا يمكن اقتلاعه من منبته ورميه بعيدا كسن فاسدة". وأضافت أيضا بأنه "لم يكن ختان الإناث مفصولا عن ختان الذكور، رغم أنه ليس هنالك جامع أو رابط مشترك بين الممارستين عند الأوربيين" (صفحة 200 من الكتاب). وتعد النساء السودانيات تلك الممارسة وسيلة عالية القيمة لحماية الأم ورحمها، تماما كما تحمي حيطان الحوش الأهل داخله (صفحة 111 من الكتاب).
وتكتب بودي أن محاولات البريطانيين لتغيير تلك العادة تعكس "صراع الأخلاقيات" (صفحة 106 من الكتاب). غير أن تحليلها يعضد الفكرة القائلة بأن الآراء والاتجاهات المختلفة للبريطانيين والسودانيين يعكس "صراع الذوات / نوازع الأنانية clash of selfhoods ". وارْتَأت الكاتبة – بقدر كبير من الإقناع – أن غالب السودانيين لا يعدون أنفسهم "أشخاصا محدودين "bounded individuals ، بل "أقاربا متشابهينimbricated kin " إذ أنهم يعظمون ويرفعون من قدر الخصوبة بأكثر مما يفعلون مع الجنسانية sexuality. وخلافا لآراء كثير من ناشطي أواخر القرن العشرين الذين بلغوا الحلم في زمن "ساهم فيه منع الحمل طبيا في فصل الممارسات الجنسية من التكاثر، لم يكن السودانيون يعدون الأعضاء التي تبتر من جسد الأنثى "مصدرا للمتعة، ورمزا للفرد الحر الطليق بالنسبة للعالم" (صفحتي 310 – 311 من الكتاب).
غير أن ما ذكرته المؤلفة في بعض الجوانب لم يكن مقنعا البتة. من ذلك زعمها أنه كانت هنالك أجندة مسيحية (خفية) عند البريطانيين في مقاربتهم لقضية ختان الإناث. فقد كانت قد وصفت مؤسستي مدرسة تدريب القابلات بأم درمان (ميبل وقيرتيرود وولف) بأنهما " مبشرات نسائيات علمانيات"، وزعمت في صفحة 210 من الكتاب بأن تشديدهما على أهمية النظافة ووسائل حفظ الصحة عند التوليد يعكس (أثرا / بصمة مسيحية مفادها أن عمليات الغسل والتنظيف تعبير عن "التنوير" الاجتماعي والروحي). ولا يخفى بأن الجملة الأخيرة فيها من التزيد والمبالغة الشيء الكثير، إذ أنه من المعلوم تاريخيا أن الثقافات الإسلامية كانت تولي النظافة الشخصية في الحياة اليومية قدرا وأهمية أكبر مما تعطيه لها المسيحية. وكانت المؤلفة في كثير من مواضع الكتاب تعد شارلس غردون "الراعي الأيقونة / الشهير للحروب الصليبية الاستعمارية"، ولكنها تتجاهل أن غردون نفسه – بصفته حكمدار عام السودان، المعين من قبل الحكم التركي – المصري بين عامي 1877 و1889م) – كان قد منع العاملين في جمعية الكنيسة التبشيرية من محاولة تنصير المسلمين في البلاد. ولم تنس أن تشير إلى مجهودات تلك الجمعية في فتح مدارس للبنات في شمال السودان، ولكنها لم تربط بين تلك المجهودات وسياسات الحكومة تجاه ختان الإناث. (وفي الواقع ليست هنالك من وثائق وسجلات لجمعية الكنيسة التبشيرية تكفي للكتابة أو الحديث عن مثل تلك الصلة.
وزعمت المؤلفة – ضِمنيّا – أن سياسات ومصالح المبشرين المسيحيين والنظام البريطاني متزامنتان ومتشابهتان ويدوران في نفس الفلك، رغم أن هذا ليس بصحيح. و لم يكن لاستخدام بودي في تناولها في كتابها (صفحة 24) للحملات الصليبية القوية (ويشمل ذلك الإشارات للمسؤولين البريطانيين باعتبارهم "فرسان الإدارة knight – administrators) ليهمَّ كثيرا لو كانت قد ذكرت الحملات الصليبية على سبيل المجاز فحسب، باعتبار أن تلك الحملة كانت من أجل التغيير الاجتماعي. ولكنها كانت في الواقع تصور السياسات البريطانية تجاه ختان الاناث بحسبانها جزءً من حرب ثقافية بين المسلمين والمسيحيين – رغم أنها تشكك في علاقة ذلك الختان السوداني بتعاليم الإسلام. ويجدها القارئ في كل أجزاء الكتاب تحاول فرض "صراع بين الحضارات" كإطار لمواجهة استعمارية كانت أكثر تعقيدا في الواقع العملي مما تصوره الروايات والأفلام البريطانية.
وأتت المؤلفة على ذكر وثيقة بريطانية من عام 1945م ورد فيها أن عددا من المدرسات السودانيات عبرن عن رغبتهن في إيقاف ممارسة ختان الإناث، وعن عزمهن البدء ببناتهن. ومرت خطفا على ما قالته النسوية السودانية فاطمة أحمد إبراهيم في سنة ما في أواخر القرن العشرين من أن ختان الإناث هو عَرَض وليس سبب لتبعية النساء (صفحة 312 من الكتاب). وفي اعتقادي أن حقيقة أن هنالك من السودانيات المتعلمات من نادين بإيقاف تلك العادة، أو وصفنها بأنها عَرَض لتبعية النساء يؤكد أن عدم تصديق كل نساء السودان بقيمة "الرحم الكَتيم / غير النافذ". غير أن بودي لا تتابع تلك الخطوط، خاصة فيما يتعلق بتفاعل المتعلمات السودانيات مع مسألة ختان النساء، رغم أن هنالك الكثير من الذين كتبوا عن تلك القضية في فترة ما بعد الاستعمار باللغة العربية أو الإنجليزية. وعوضا عن ذلك، كانت النساء السودانيات الوحيدات اللواتي "تحدثن" في الكتاب هن نساء حفلات "الزار" التي سجلتها بودي خلال فترة عملها الميداني في السبعينيات والثمانينيات.
وذكرت بودي أن البريطانيين أساءوا فهم قيم السودانيين المتعلقة بختان الإناث، وعجزوا عن رؤيتها "بطرق كان من الممكن أن تقود إلى إصلاح فعال"(صفحة 99 من الكتاب). غير أنها لم تأت لطرق ذلك "الإصلاح الفعال" على ذكر. وكانت نبرة وأسلوب الكتاب تدلان على أنها تؤمن بأن على المصلحين غير الواقعيين المتحمسين لعمل الخير (do - gooders) أن يكفوا عن تدخلهم في القضية. وكانت كتابتها عن تلك المسألة مجرد صدى لزعم كان متداولا بين الناشطين والناشطات من معارضي ختان الإناث منذ منتصف القرن العشرين يقول بأن الختان الوحيد المسموح به في الإسلام هو "ختان السنة"، الذي هو أخف وطأةً من الختان السوداني / الفرعوني (صفحة 205 من الكتاب). واقتبست المؤلفة تصريحا حديثا من أحد الأطباء السودانيين يفيد بأن كل أنواع ختان النساء "تضر بجِنْسانِيّة المرأة التي منحها الله إياها، لذا فهي ضد الإسلام" (صفحة 312 من الكتاب). ولعل الكاتبة تشير من طرف خفي إلى أن الاصالة الإسلامية، أي ذلك الإسلام المبني على تفاسير العلماء للقرآن والأحاديث النبوية، قد يكون اليوم قاعدة مناسبة لإصلاح "ختان الإناث". واكتفت المؤلفة، متجاهلة ما قالته في بداية الكتاب عن "تطويق الرحم encircling the womb" بالقول بما يفيد بأن ختان الاناث - كما يمارس في السودان - ممارسة غير إسلامية، وينبغي على المسلمين الصالحين هجرها.
ولو قُدر للنشطاء المسلمين بالفعل استخدام الإسلام لمكافحة ختان الإناث، فقد يكون من المناسب أن تلحق المؤلفة كتابها هذا بآخر في قادم الأيام يكون عنوانه: "تمدين النساء: الجهاد الداخلي في سودان ما بعد الاستقلال".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////