The Sudan: “Desert Wind and Tropic Storm” (2 – 2)

دونالد هولي Donald Hawley

تقديم: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة لغالب ما ورد في فصل صغير عن السودان ورد في كتاب مذكرات دونالد هولي (1921 – 2008م). حصل الكاتب على درجة في القانون من جامعة أكسفورد، والتحق بالجيش البريطاني متطوعا في عام 1941م، حين بعث به كبمباشي للعمل مع القوات السودانية في ليبيا. ثم تحول عن العمل بالجيش إلى الإدارة حيث عمل في عدة وظائف بالسلك الإداري لحكومة السودان منها باشمفتش في كوستي والقضارف. وفي عام 1947 تحول إلى العمل في القضاء حتى عام 1955م.
قامت دار مايكل رسل بنشر الكتاب عام 2000م، وقدم له اللورد كارينجتون.
وللمؤلف كتاب آخر عن السودان عنوانه "حكايات كانتربري السودانية"، صدر مترجما بقلم الأستاذ أحمد محمد الخضر عام 2007م، عن مركز عبد الكريم ميرغني. وسبق للمؤلف التوسع في سيرته وأيامه في السودان في كتاب بعنوان "Soundtracks in the Sudan" صدر عام 1995م، وقام بترجمته الدكتور موسى عبد الله حامد بعنوان "نقوش على رمال السودان".
***** ***** *****
عندما أسندت لي مهمة إدارة منطقة كوستى، كان أول عمل أقوم به هو التفتيش على فرقة بائسة للموسيقى في المدينة. ووجدت عندهم مخزنا مهملا ممتلئ بآلات نحاسية جديدة يعلوها غبار كثيف. وأقنعت أحد العاملين بالفرقة بتعليمي العزف على آلة البوق (cornet) بعد أن جربت كل الآلات الموجودة في المخزن مثل البوق والمترددة (الترمبون) والبُوري. وبعد عمل بعض التحريات توصلت إلى أن هنالك عددا لا بأس به من العازفين في كوستي سبق لهم تعلم النوتة الموسيقية والعزف في فرق الجيش المصري الموسيقية التي حُلت عام 1924م عقب اغتيال الحاكم العام السير لي استاك بالقاهرة، وتمرد الجيش المصري بالسودان. كان أحد هؤلاء العازفين رجل حارب مع كتشنر في معركة فركة (التي هُزمت فيها قوات الخليفة عبد الله في يوم7 يونيو 1896م). وقمت بتعيين كل أولئك العازفين في فرقة كوستي للموسيقى. وكان كل ما تحتاجه الفرقة هو القليل من التوجيه والتشجيع، ولم يبخل رئيسنا فيلب بروودبينت على أفراد الفرقة بذلك. وأفلحت الفرقة في تقديم عروض بالغة الحيوية. وصارت تلك الآلات المغبرة براقة تتلألأ. وجذب زي أعضاء الفرقة المميز وعروضها الباهرة جمهورا عريضا مرةً كل أسبوع. وكانت الفرقة تقدم كذلك عروضا خاصة وتشارك أيضا في المناسبات العامة. وكان برنامج الفرقة خليطا من بعض القطع الشرقية والغربية. وتأثرت غاية التأثر عندما سمعت تلك الفرقة تعزف عند وداعي في محطة السكة حديد لحن AULD LANG SYNE" لن ننسى أياما مضت، لن ننسى ذكراها" (يمكن الاستماع للحن هنا من فرقة نحاسية
https://www.youtube.com/watch?v=to1xT93IlUI).
لا ريب أن أول منطقة يعمل بها شاب صغير السن تترك في نفسه أثرا يصعب محيه. ولا زلت إلى هذه اللحظة أذكر بكثير من المحبة والشوق أسماء وأوجه غالب شيوخ وشخصيات مناطق كوستي. لذا فقد حزنت جدا على نقلي من تلك المنطقة إلى القضارف بمديرية كسلا في عام 1946م. وفي القضارف وجدت أنني سأعمل تحت إمرة باشمفتشين من أنشط من عرفت، وأكثر الإداريين جدا واجتهادا في العمل الشاق المتواصل. غير أن السكرتير الإداري (روبرتسون) طمأنني وأوصاني بألا أحس بالرهبة أو الخوف مما أنا مقبل عليه من عمل، ونصحني بالهدوء وأخذ الأمور ببساطة. وأسندت لي بعد أيام قليلة من وصولي مهمة إدارة منطقة البطانة (وهي منطقة سهلية واسعة تقع بين نهري النيل وأتبرا، أكثر سكانها من قبيلة الشكرية) وأعطيت سلطة "شبه مستقلة" في إدارتها كمساعد باشمفتش المنطقة. وكنت أقيم في "خشم القربة" الواقعة على نهر أتبرا. وكان أول عمل أقوم به هنالك هو فتح مدرسة داخلية لأبناء القبائل الرحل في المنطقة. ثم قمت بتنظيم أول تجمع قبلي تشهده المنطقة منذ أكثر من عقد من الزمان. وكان خليطا من سباق للهجن والخيول وحيوانات أخرى، مع برامج متنوعة أخرى.
وقد يظن القارئ أن حياتي في تلك المنطقة كانت حياة انفرادية معزولة. غير أنني في الواقع كنت أعيش حياة اجتماعية غنية بلقائي اليومي مع الناس وتواصلي ونقاشاتي معهم، التي وجدتها في غاية الجاذبية والفائدة والمتعة. وكنت استمتع أيضا بالصيد للحصول على الطعام، خاصة صيد الطيور البرية مثل القطاة (نوعٌ من اليمام الصحراوي) على شاطئ نهر أتبرا، والدجاج المزركش (دجاج غينيا) الذي يوجد بكثرة في كل أرجاء صحراء البطانة.
لقد كانت السياسة الوطنية المتعلقة بمستقبل السودان هي حديث الناس في العاصمة والمدن الكبرى بالبلاد عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. غير أن كل ذلك ظل بعيدا جدا عني وأنا في سهل البطانة. ولم أتابع تلك التطورات إلا بعد رجوعي لرئاسة المنطقة في القضارف بعد شهور عديدة في ذلك الصقع الصحراوي البعيد. وبقيت في البطانة لعامين قمت فيها بترسيم الحدود بين قبيلتي الشكرية والبطاحين اللتان كانتا في حالة عداء وصراع دائم، يشبه ذلك الذي كان قائما بين عشيرتي مونتاجيس وكابوليتس Montagues Capulets andفي مسرحية شكسبير المشهورة " روميو وجوليت".
وعملت أيضا نائبا لرئيس "مجلس المناطق الريفية"، وحدث أن زارنا فريق سينمائي بريطاني، وظهرت في ذلك الفيلم الوثائقي بتلك الصفة. ولما عرض ذلك الفيلم في إنجلترا كان ذلك مثار عجب والدي!
وكانت وسيلة الترفيه الوحيدة المتاحة لنا هي لعب البولو على أرض صلبة نسبيا. وقمت أيضا بتعليم رجال الشرطة بعض فنون الدفاع عن النفس والرياضة القتالية لتقليل العنف الذي قد يستخدمونه ضد السكارى والأشخاص العنيفين. وكنت أستخدم لأغراض التدريب رئيسهم في العمل (وكان في رتبة الرقيب الأول)، وكانوا ينفجرون بالضحك كلما طرحته أرضا. ومما أذكره من حوادث أثارت إعجاب النظارة أيضا إمساكي بشيخ كبير بين ذراعي قفز من قطار متحرك، بعد أن تأخر – دون قصد - في النزول منه. وهنالك أيضا قصة ذلك الرجل الذي عوضته بخمس جنيهات كاملة عندما احتج على أن الشرطة تقبض عليه وتودعه السجن دوما كلما زار الحاكم العام المدينة، فقد عُرف أنه كان يسبب إزعاجا للسلام والأمن العام بسبب إدمانه على "المعتاد"!
وفي إحدى السنوات قدم إلينا في القضارف كانون هاربر لإقامة قداس موحد لكل الطوائف المسيحية بالبلاد المقيمة في وسط الغالبية المسلمة (وشملت الطائفة الانجيلكانية الكبيرة والمعروفة، والطوائف الصغيرة أيضا مثل الأقباط والأرمن والسوريين، وهم يتحدثون العربية). واستخدم كانون هاربر مترجمين لتلك المناسبة. وأخفق المترجم الأول في "الحفاظ على الزمن" فتم فصله. غير أن بديله نجح نجاحا باهرا إلى نهاية القداس. وكان كانون هاربر سعيدا بذلك النجاح ووعد بإقامة قداس أضخم في عام قادم.
وكنت قد مارست في كوستي والقضارف بعض الأعمال القضائية تحت إشراف قاضي المديرية، إذ كنت قد رقيت من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى. وكنت أترأس المحكمة مع عضويين (قاضيين) سودانيين للفصل في الجرائم الخطيرة، التي تشمل القتل. وكان الفصل في قضايا القتل مسؤولية كبيرة، خاصة عندما يحين موعد إعلان الحكم، ويكون بالإعدام. لقد كان ذلك أمرا ثقيلا ومهيبا. وكان علينا أن نرسل كل ملفات مثل تلك القضايا، ليس فقط إلى قاضي المديرية، بل لرئيس المحكمة العليا لتأكيد الحكم. وفي حالة الإعدام، كانت أوراق القضية تحال للسكرتير القضائي ليرسلها للحاكم العام للتصديق عليها قبل تنفيذ الحكم أو ليقرر إن كانت هنالك أسبابا تدعو لتخفيف الحكم. وكان الحاكم العام عادة ما يخفف الحكم إن كان ذلك ممكنا.
وبسب تراكم خبراتي في القضاء، إضافة إلى درجتي الجامعية في القانون فقد دعاني السكرتير القضائي توم كريد للانضمام لقسم القضاء. وكان يقول لي بأنني سأكون خليفته في ذلك المنصب. ولعل ذلك كان من باب الإطراء، إلا أني شعرت بخيبة الأمل من توالي الأحداث السياسية – تلك التي هزت بالمناسبة، ثقتي في خططي لمهنتي في المستقبل للأبد. لم أتأثر بأني "سأبتعد عن كل تلك التحايا الرسمية وغيرها من الرسميات" إذ أني كنت استمتع بعملي في القسم السياسي أيما استمتاع، ولكني لم أستطع مقاومة ذلك العرض المغري بالانتقال للقسم القضائي. وبالفعل تم ذلك الانتقال عام 1947م، وكان ذلك قد فتح لي بابا لتوسيع مداركي ونظرتي للأشياء.
لقد كانت هنالك ثلاثة "مداخل" للحكومة هي السكرتير الإداري والمالي والقضائي. وكان كل من هؤلاء ممثلا في كل لجنة حكومية مركزية. وكان وجودي في عدد من تلك اللجان قد أعطاني فهما أوسع وأبعد في دقائق طرق عمل الحكومة المركزية.
وعندما خلف السير روبرت هاو السير هيربرت هيدليستون في منصب الحاكم العام عام 1948م زاره السيدان عبد الرحمن المهدي (SAR) والسيد علي الميرغني (SAM)، كلُ على حده، لتحيته والتعرف عليه. وكنت كما ذكرت آنفا أعرف السيد عبد الرحمن من أيامي في كوستي. وانتدبت للقيام بالترجمة الرسمية في الزيارتين. وكنت سعيدا بكوني قد انتدبت لشهود محادثات عالية من ذلك النوع وأنا في سنٍ صغيرة نسبيا. ولم تتح لي مثل تلك الفرصة مرة أخرى إلا في مايو من عام 1964م حين جاء الفريق إبراهيم عبود (الذي حكم السودان عسكريا بين 1958 و1964م) إلى لندن في زيارة رسمية. وكنت على معرفة جيدة به منذ أيامي في قوة دفاع السودان. وطُلب مني بحكم عملي في وزارة الخارجية أن أتولى مهمة الترجمة للفريق عبود ووزير الخارجية راب بتلر في أثناء حفل العشاء الرسمي في قصر لانكستر. وكان الفريق عبود ووزير خارجيته أحمد خير (الذي كنت أعرفه في كوستي حين كان يعمل محاميا بها) يتحدثان اللغة الإنجليزية بصورة ممتازة ولا يحتاجان إلى مترجم. لذا فقد استمتعت بالعشاء الفاخر دون أن أكلف بعمل شيء.
وكانت أول وظيفة لي في قسم القضاء عام 1947م هي وظيفة قاضي في الشرطة. وشملت القضايا التي كانت تعرض علي قضايا مخالفات الدعارة والمرور، إضافة إلى قضايا أخطر مثل القضايا المرفوعة ضد الساسة والصحفيين. فقد شهدت أخريات الأربعينيات تسارعا متلاحقا في المسار السياسي بالبلاد. فقد دأبت مصر على تأكيد أحقيتها في السودان، ودعت لذلك من منبر مجلس الأمن. وتباينت آراء السودانيين المستنيرين سياسيا (وهم ليسوا بأغلبية) وانقسموا إلى قسمين كبيرين: القسم الأول هم "الأشقاء" والحزب الوطني الاتحادي، وهما تحت رعاية طائفة الختمية وزعيمها السيد علي الميرغني (SAM) وهي تنادي بتوثيق الصلات مع مصر، والطائفة الثانية هم أفراد حزب الأمة، وهم تحت رعاية طائفة الأنصار وزعيمها السيد عبد الرحمن المهدي (SAR) وهم يطالبون بالاستقلال التام.
وأدت شدة احتدام العواطف السياسية، كما كان محتوما، إلى قيام بعض الصراعات بين الساسة، وأوقعت بعضهم تحت طائلة القانون. وكنت القاضي الذي تعرض عليه مثل تلك القضايا "السياسية". وأشتهر الاتحاديون بأنهم كانوا لا يكفون عن جر خصومهم لمنازعات سياسية متصلة تحسم مؤقتا في قاعة المحكمة. وكان الكثيرون منهم يتجمعون خارج مبنى المحكمة وهم يهتفون: "عاشت وحدة وادي النيل" و"تسقط الإمبريالية". وكانت هنالك بعض المفارقات والمتناقضات أحيانا بين المتظاهرين وقوات الشرطة في تلك المواقف. فضابط الشرطة الشاب الجامعي الذي يقف أمام المتظاهرين الغاضبين قد يكون قبل عام أو نحوه طالبا على مقاعد الدراسة، يخرج من حرم الجامعة ويلوح بقبضته ضد الحكومة في المظاهرات التي يجب عليه الآن أن يتصدى لها ويفضها. وكان يُطلق على كل العاملين في الشرطة والإدارة لقب "أذناب الاستعمار". وكان أولئك "الأذناب" قد وجدوا ذلك الوصف أمرا لا يخلو من طرافة، غير أنهم اكتشفوا أنه مع مرور الوقت بدأ مثل ذلك الحشو اللفظي الذي اخترعه شيوعيو روسيا، ثم تبناه مسؤولو الدعايات القومية يزداد تأثيرا وانتشارا.
ويجدر بالذكر هنا أنه في مثل تلك الأحوال، أن نذكر دأب الساسة السودانيين المتخاصمين على إظهار الاحترام للقضاة البريطانيين والسودانيين، والإشادة باستقلاليتهم. غير أن أنهم كانوا ينتقدون بشدة – دون وجه حق – الباشمفتشين (الذين كانوا بأدوار قضائية في بعض المناطق)، مع أن غالب القضاة البريطانيين سبق لهم العمل في القسم السياسي لحكومة السودان.
ومثل أمام محكمتي 11 رجلا من أتبرا (صار اثنان منهم وزراء لاحقا) بتهمة إثارة الشغب وإزعاج النظام العام. وكان المتهم الأول هو محمد نور الدين، وقد وجدته مذنبا وحكمت عليه بالسجن لستة أشهر. وعند قراءة الحكم طلب نور الدين السماح له بمخاطبة المحكمة. ولما سمحت له بذلك فوجئت به يشكرني شكرا حارا لما أصدرته عليه من حكم وصفه بأنه "حكم منصف جدا". لقد كان نور الدين – مثله مثل السودانيين الآخرين – لا يحمل أي ضغينة ضد المسؤولين البريطانيين الذين كانوا يؤدون واجبهم بحسب منطوق القوانين المكتوبة أمامهم. وظللت على علاقة صداقة معه بعد خروجه من السجن ولسنوات عديدة بعد ذلك. وكانت لتلك المحاكمة "حاشية" لا تخلو من غرابة. لقد كان محمد خير بدوي من أولئك الذين تمت إدانتهم في تلك المحاكمة. وصار الرجل بعد سنوات قليلة من تلك الحادثة مذيعا مشهورا في القسم العربي بالإذاعة البريطانية في لندن، ثم غدا صحافيا شهيرا في القسم العالمي بهيئة الإذاعة البريطانية. وكان هو أحد الذين شجعوني في بداية التسعينيات على العمل لتمتين العلاقات البريطانية – السودانية، وإحياء الجمعية البريطانية – السودانية (المحتضرة).
أما أكثر "القضايا السياسية" التي شاركت في محاكمتها أهمية، فقد كانت في يوليو من عام 1949م، وكان المتهم الأول فيها هو إسماعيل الأزهري، زعيم حزب الأشقاء، الذي غدا لاحقا أول رئيس للوزراء بالسودان. ومثل معه أيضا أمام المحكمة محمد أمين حسين، رئيس تحرير صحيفة "صوت السودان"، لسان حال الاتحاديين. ومثلت في تلك المحكمة دور "ممثل الاتهام"، والتي كان القاضي فيها قاضي سوداني من المحكمة العليا هو محمد أحمد أبو رنات. وتمت إدانتهما بالتشهير والتحريض على الحكومة، وبتشويه سمعتها، وإثارة مشاعر الاحتقار والكراهية ضدها، وذلك بالادعاء (كذباً) بأن الحكومة تعمدت حدوث مجاعة في مديرية كسلا أدت لموت أعداد كبيرة من الناس. وتم الحكم بسجن إسماعيل الأزهري لأربعة أشهر، وسجن محمد أمين حسين لشهرين. غير أن نتيجة الحكم تلك لم تؤثر على علاقتي الشخصية بالرجلين، وظللت أتبادل مع الأزهري الرسائل الودية حتى قبل وقت قصير من وفاته، بعد سنوات طويلة من نيل السودان لاستقلاله.
وبعد أن أكملت قرابة العامين (1947 -1948) في القضاء الشرطي، نقلت لأداء أعمال قضائية أخرى، وعينت نائبا للسكرتير القضائي. وكان ذلك منصبا عاليا يبث في النفس بعض الغرور، فقد كنت فيه أعمل مع السكرتير القضائي مباشرة، بل وأمثله في كثير من المناسبات والاجتماعات، وأدرس وأعدل في الكثير من مقترحاته للحاكم العام وكبار المسؤولين الآخرين قبل تقديمها. وفي مراحل أخرى كنت أساعد المدعي العام بالآراء القانونية وفي أعمال المحاكم المختلفة. ثم نقلت لمصلحة الأراضي كمساعد لمفوضها، وساهمت في صياغة قوانينها ونظمها المختلفة، خاصة المتعلقة بحيازة الأراضي الحكومية وبيعها. وفي غضون كل تلك السنوات كنت أحضر للجلوس لامتحان الترخيص لممارسة مهنة المحاماة بإنجلترا.
واجتزت امتحان ترخيص ممارسة مهنة المحاماة في عام 1951م، وتمت إذاعة اسمي ضمن الناجحين في "المعبد الداخلي Inner Temple" (هو إحدى قاعات محكمة لندن، ومنه تعلن عادة نتائج ذلك الامتحان. المترجم). ونلت "إجازة دراسية" من حكومة السودان لعدة أشهر كي أتدرب على ممارسة المهنة في محكمة بريطانية تحت إشراف هاري فيلمور، وسعدت بكوني كنت آخر تلاميذه، فقد نقل بعد انتهاء تدريبي ليكون قاضيا في المحكمة العليا، ثم عين في منصب كبير قضاة الاستئناف. ثم غدا قانونيا رفيعا في "مجلس الملكة / الملك"، وتلك أعلى مرتبة قانونية يمكن للبريطاني أن ينالها (يعبر عن كل ذلك بكلمتين فقط في اللغة الإنجليزية هما take silk نسبة لأن الرداء الذي يرتديه الواحد منهم مصنوع من الحرير. المترجم). واستفدت أيما استفادة من تدريبي مع صاحب تلك العقلية القانونية الجبارة، ومن صفاء ذهنه، ووضوح مرافعاته، وعبقرية دفوعاته. وكان معي زميلي في التدريب جيمس كومين، ورئيسنا روبرت دن، الذي صار فيما بعد قاضيا مشهورا.
(تطرق الكاتب بعد ذلك إلى عدد من القضايا التي شهدها أو شارك فيها في غضون فترته في إنجلترا، ولا علاقة لها بالسودان. المترجم).
وعند عودتي للسودان عينت مسجلا للهيئة القضائية، والمسجل العام لعقود الزواج. ولعل هذا ما دعاني لتأليف كتابي الأول عن الطبيعة المعقدة للزيجات المختلطة المسموح بها بين الجاليات الأجنبية / "الأمم" بالسودان مثلما كان سائدا في النظام العثماني (وكان الخديوي إسماعيل قد شكل ما سمي بـ "المجلس المُلي الأعلى" والذي يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس. المترجم). وبحسب قانون الحكم الذاتي الذي بدأ تطبيقه في 9 يناير 1954م، فقد أنشئت الهيئة القضائية كأحد المصالح الحكومية المنفصلة والمستقلة، والتي أسندت إليها أيضا مهمة "الحفاظ على الدستور". وكانت مهمتي الأساس مهمة إدارية بحتة، وكانت تدور حول وضع الأسس للنظم واللوائح الضرورية المساعدة للقسم المدني والشرعي في القضائية. وعملت أولا مع السكرتير القضائي سيسيل كمنجز – وبعد تقاعده، وإلغاء ذلك المنصب مع صدور الدستور الجديد – عملت مع رئيس المحكمة العليا ووب ليندسي، الذي كان معلمي الأول كقاضي مديرية في النيل الأزرق عندما كنت مساعدا قضائيا بلا خبرة تستحق الذكر.
لقد كان البريطانيون والسودانيون الذين يعملون في المهن القانونية المختلفة على اتفاق تام بشأن مبدأ استقلال القضاء، وعلى العمل الجاد للحفاظ على ذلك الاستقلال. غير أنه للأسف لم يتحقق ذلك الهدف النبيل وذلك التخطيط العظيم بسبب الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في تلك الأيام. وأدى ذلك في النهاية إلى إنهاء المشاركة البريطانية في العملية، ولم يكتمل، حتى بعد الاستقلال، ما كان مؤملا من استقلال وحياد القضاء بالبلاد. غير أن الفكرة نفسها – لحسن الحظ – لم تمت.
وتسارعت الأحداث، وتأثرت سلبا كل المحاولات التي بذلت لإعطاء السودانيين حق تقرير المصير بسبب التدخلات المصرية التي لم يكن لها من هدف سوى خدمة أهداف مصر وسعيها للسيطرة على ضمه لها. وكان من المنتظر أن يكون للسودانيين بعد نيلهم للاستقلال حق الاختيار بين الانضمام إلى مجموعة الكومنويلث أو الاتحاد مع مصر. غير أن الاتفاقية البريطانية – المصرية الموقعة عام 1953م لم تعطهم إلا خيار الاستقلال التام أو الاتحاد مع مصر. وكانت الحكومة البريطانية شديدة الحرص على توقيع اتفاقية مع مصر لأسباب استراتيجية أوسع وأكبر مدى مما بدا بالفعل للمراقبين. وأحس كثير من البريطانيين العاملين في السودان بأن بريطانيا، في تلك الاتفاقية، لم تقدم مصالح السودان بالصورة المطلوبة أو القوة والالحاح اللازمين كما كانوا يشتهون (هم وبعض السودانيين، بالطبع).
وأقيمت بالسودان انتخابات برلمانية عامة في عام 1953م كانت حدثا جديدا في المناطق الريفية في شمال وجنوب البلاد. وأجريت تلك الانتخابات تحت قانون "الحكم الذاتي" وبإشراف مفوضية عالمية ترأسها القاضي الهندي دكتور سوكومار سين. وكانت تلك الانتخابات في حد ذاتها – بشهادة الجميع – نزيهة وحرة (للمزيد عن تلك الانتخابات يمكن قراءة مقال سين ومكي عباس المترجم بعنوان: "الانتخابات العامة بالسودان". المترجم). غير أنه من المعلوم أيضا أن المصريين كانوا قد بذلوا مالا كثيرا في تلك الانتخابات من أجل الظفر بنتيجة توافق هواهم، وتمكن مؤيدهم من الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي من الحصول على أغلبية تتيح لهم تشكيل حكومة توالي مصر. وبالفعل تم تعيين إسماعيل الأزهري رئيسا للوزارة. وكان أول ما بدأ به الأزهري (تحت ضغط هائل من "لجنة السودنة" المتطرفة التي كونت بناءً على ما ورد في أن الاتفاقية البريطانية – المصرية الموقعة عام 1953) هو تحضير قائمة بأسماء البريطانيين العاملين بالسودان الذين يعتقد بأنهم سيعيقون حرية السودانيين في اختيارهم لتقرير مصيرهم. وأوصى الأزهري بأن يغادر هؤلاء البلاد بعد أن يمنحوا تعويضا مناسبا. وأدى هذا الاجراء – لسوء الحظ – لاستياء كبير في أوساط البريطانيين العاملين بالسودان دفعهم لمغادرة البلاد بأعداد كبيرة، فاقت نسبيا أعدادهم التي غادرت الهند ومصر نفسها بُعَيْدَ استقلالها.
لقد كانت هنالك الكثير من المخاوف حول الأوضاع بجنوب السودان في تلك الأيام، خاصة عند البريطانيين الذين كانوا يعملون هنالك، والذين كانوا يكنون حبا شديدا لسكانه الذين بقيت حياتهم قبلية بسيطة. وكانت تعمل هنالك الكثير من البعثات التبشيرية من مختلف الطوائف المسيحية، وأحدث العاملون بها الكثير من مظاهر التحديث والتمدن، وقدموا خدمات تعليمية كبيرة للمواطنين. ورغم كل ذلك، ورغم المجهودات الضخمة التي بذلتها حكومة السودان، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، من أجل تقدم الجنوب، إلا أنه ظل أكثر تخلفا من الأقاليم الشمالية المسلمة في مجالات التعليم والاندماج والوحدة (القومية) وتجربة الدخول إلى العالم الحديث. فعلى سبيل المثال لم يعين في جوبا قاضي محكمة عليا إلا في عام 1952م. ونادى زعماء الأحزاب والكتل الجنوبية بضرورة استمرار الحكم البريطاني لخمس سنوات أخرى حتى يتمكن الجنوب من اللحاق بالشمال، غير أن مطلبهم هذا لم يلق إلا التجاهل في وسط معمعة الصراعات السياسية بين المصريين والسودانيين الشماليين. وعلى الرغم من أنه تم تعيين العديد من الإداريين السودانيين (الشماليين) المميزين كمديرين لمديريات الجنوبيين، إلا أن ذلك الوضع لم يرض الجنوبيين، خاصة وإن ذكرى تجارة الرقيق قبل مجيء الحكم الثنائي لا تزال – للأسف – حية في أذهانهم. لقد كانوا يخشون من تأثير نفوذ المسلمين في حياتهم، وهو نفوذ لا يحبونه ولا يرغبون فيه.
وبعد فترة قصيرة من رحيل المسؤولين البريطانيين وقبيل الاستقلال حدثت في أغسطس 1955م مشاكل عنيفة في مديريتي بحر الغزال والاستوائية. وتمردت فرقة عسكرية في الاستوائية في توريت، حيث مقر رئاستهم. لقد وجد الجنوبيون بصورة خاصة أن تصديقهم وثقتهم في البريطانيين ضاعت سدى بعد مغادرة هؤلاء للبلاد (فجأة) دون أن يفعلوا شيئا من أجل الدفاع عنهم. ولم يكن يدري هؤلاء الجنوبيون أن الستارة قد أسدلت بالفعل معلنة نهاية الحكم البريطاني للسودان. وظل الجنوب بعد ذلك مسرحا لفصول متصلة من الأحداث العنيفة وعدم الاستقرار منذ ذلك الوقت – واتخذت الأحداث الدامية في الجنوب أشكالا معقدة، منها الصراع بين الشمال والجنوب، وبين القبائل والفصائل والمجموعات الجنوبية المختلفة. وصدقت كل المخاوف التي أبداها المهتمون بالسودان في عام 1955م مع استمرار مآسي شعب السودان، الأمر الذي يغم كل المسؤولين البريطانيين الذين عملوا بالسودان وأحبوا أهله بصدق.
وصوبت لجنة السودنة اهتمامها نحو القضائية في عام 1954م رغم عدم اختصاصها / سيادتها القانونية عليها. وقامت مظاهرات عنيفة بالعاصمة في مارس من عام 1954م مع افتتاح أول برلمان في البلاد. وكان إسماعيل الأزهري قد دعا الرئيس المصري الجنرال نجيب لحضور الجلسة الافتتاحية. وقامت جماهير الأنصار والمعارضون للوحدة مع مصر بالتظاهر ضده لحظة وصوله للخرطوم. وتبع ذلك حوادث عنف وقتل لعدد كبير من الناس كان من بينهم قمندان البوليس هيو ماككوقن. وتم بعد ذلك عقد عدد من المحاكمات للمتهمين في تلك الحوادث برئاسة القاضي البريطاني ووب ليندسي مع قاضيين سودانيين كبيرين. وفي تلك المحاكمات انتقد القضاة الحكومة السودانية على دورها في تلك الأحداث. وكان من نتائج ذلك العمل أن اقترحت لجنة السودنة أن يتولى السودانيون جميع وظائف القضائية التي كان يحتلها البريطانيون دون أي استثناء. وقامت الحكومة السودانية بنشر بيان ترد فيه على انتقاد المحكمة لها، انتقدت فيه (كل) القضاة البريطانيين. وأتى ذلك الانتقاد بصورة عمومية لم تسم أحدا باسمه. ورغم ذلك أحس القضاة البريطانيون بأنه من المستحسن لهم (والضروري أيضا) أن يقدموا استقالتهم إلى الحاكم العام.
وكان المأمول نتيجة لذلك هو أن يظل أهل السودان ينعمون بهيئة قضائية مستقلة يديرها قضاة سودانيون لا يتعرضون لأي ضغوط سياسية من أي جهة، كما نص على ذلك قانون الحكم الذاتي. وكنت قد تقدمت باستقالتي تضامنا مع زملائي البريطانيين رغم أن زملائي القضاة السودانيين (وآخرين كذلك منهم أعضاء نقابة المحامين السودانيين) كانوا يتمنون أن أظل في البلاد وأن أعمل تحت إمرة قاضي المحكمة العليا محمد أحمد أبو رنات على الأقل لثلاثة أو أربعة أعوام أخرى. ورغم ما قدمه القضاة والمحامون السودانيون من رسائل ومناشدات لإسماعيل الأزهري لإبقائنا، إلا أنه ظل مصرا على رأيه، زاعما أن أي تغيير في قرار أصدرته لجنة السودنة سيثير المشاكل مع المصريين. لذا بدأنا في القضائية في التحضير للرحيل النهائي، وكذلك فعل من قبلنا البريطانيون الآخرون في القسم السياسي وقوة دفاع السودان والمصالح والأقسام الأخرى.
وشهدنا حفلات وداع طغى فيها الحزن للفراق، وتجلى فيها عمق علاقات المحبة المتبادلة بين السودانيين والبريطانيين، والتي نجت من الصراعات السياسية التي ظهرت في السنوات الأخيرة. وزرت السيد عبد الرحمن المهدي في داره مودعا فاحتضنني وقال لي في تأثر بائن "مع السلامة يا ولدي". أما أقسى لحظة وداع بالنسبة لي فقد كانت لمصطفى مرجان، ذلك الرفيق المخلص دائم البشاشة.
ومن المفارقات العجيبة أن إسماعيل الأزهري، الذي أنتخب بسبب دعوته للاتحاد مع مصر، وبدعم كبير منها، كان هو من أعلن استقلال السودان استقلالا تاما وذلك في نوفمبر من عام 1955م، أي بعد سحب جميع البريطانيين العاملين في البلاد. وسرعان ما اعترفت بريطانيا ومصر بالدولة المستقلة الجديدة كأول دولة أفريقية تصبح مستقلة تماما، وذلك في الأول من يناير عام 1956م.
وبذا أسدل الستار على فصل من فصول التاريخ. لقد كان بالفعل فصلا رائعا، رغم أن بعض المشاهد الأخيرة فيه كانت – للأسف – عجولة متسرعة. أما من جانبي، فقد كنت راضيا تمام الرضا عما قمت به في السودان من عمل، ورغم الحزن على فراق ذلك البلد الذي أحببت أهله، فقد عوضت عن ذلك الحزن بالاشتراك في أيامي الأخيرة بمنافستين في لعبتي السكواتش والتنس بالخرطوم، وأحرزت مركزين متقدمين. وقمت كذلك بممارسة ركوب القوارب وقيادة السيارات في الأودية. وشاركت المغنيين في كورال الكاتدرائية، وعملت لفترة قصيرة كسكرتير (شرفي) لاتحاد الكرة السوداني، واكتشفت – لسوء الحظ – أن الصراعات بين الأندية الرياضية قد سببت لي من المشاكل ما فاق كل القضايا الخطيرة التي نظرت فيها في طوال سنوات عملي بالسودان. وللتدليل على قوة العواطف والحماس الزائد أذكر أني تلقيت ذات مرة خطابا من أحد الأندية كتب على ظرفه: "عاجل جدا Top Urgent - Rush “ وكان بخصوص أمر روتيني ليس فيه من عجلة ! وعملت كذلك سكرتيرا شرفيا لنادي السودان، ومستشارا قانونيا للجمعية السودانية البريطانية. وشاركت في بعض المسرحيات، فقد أديت دور نابليون في مسرحية جورج بيرنارد شو " Man of Destinyرجل القدر" على أحد المسارح، ودور السلطان في إحدى المسرحيات الصامتة. وكنت أطوف على الأندية بالسودان وألعب مع روادها من صغار الموظفين لعبة الورق "بريدج". وكنت استمتع برؤية البنات الصغار في المدارس وهن يرقصن أمام عائلاتهن.
لقد عشت حياة غنية ومرضية وسعيدة في السودان. ولما حل أوان الرحيل، بدأت – كغيري من البريطانيين العاملين في السودان - في البحث عن وظيفة لي في بلد آخر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.