The Sudan: “Desert Wind and Tropic Storm” (1 – 2)

دونالد هولي Donald Hawley

تقديم: هذه ترجمة لغالب ما ورد في فصل صغير عن السودان ورد في كتاب مذكرات دونالد هولي (1921 – 2008م). حصل الكاتب على درجة في القانون من جامعة أكسفورد، والتحق بالجيش البريطاني متطوعا في عام 1941م، حين بعث به كبمباشي للعمل مع القوات السودانية في ليبيا. ثم تحول عن العمل بالجيش إلى الإدارة حين عمل في عدة وظائف بالسلك الإداري لحكومة السودان منها باشمفتش في كوستي والقضارف. وفي عام 1947 تحول إلى العمل في القضاء حتى عام 1955م.
نشرت الكتاب دار مايكل رسل عام 2000م، وقدم له اللورد كارينجتون.
وللمؤلف كتاب آخر عن السودان عنوانه "حكايات كانتربري السودانية"، صدر مترجما بقلم الأستاذ أحمد محمد الخضر عام 2007م، عن مركز عبد الكريم ميرغني. وسبق للمؤلف التوسع في سيرته وأيامه في السودان في كتاب بعنوان "Soundtracks in the Sudan" صدر عام 1995م.
***** ***** *****
مثل العمل مع الجنود السودانيين بالنسبة لي متعةً وامتيازا لا حدود لهما. فهؤلاء رجال لا تعوزهم الشجاعة ولا الذكاء ولا الكفاءة ولا الإخلاص. كانوا يفيضون بروح المرح والدعابة. واحتفظوا بكثير من عادات القرى التي أتوا منها، فقد دأبوا على دعوة ضباطهم إلى شرب الشاي وهم في جبهات القتال، وعند عودتهم من عطلاتهم السنوية. وكانوا يجلبون معهم من قراهم بعض الهدايا البسيطة مثل البلح أو الأحذية المحلية. وكان الواحد منهم يبتسم ويهز كف الضابط مُحَيِّياً، ويعبر له – بلهجة لا تخلو من بعض المداهنة – عن أمله في أن يغدو ذلك الضابط "قائدا" للجيش في القريب العاجل، وذلك بالطبع أمل بعيد التحقيق!
ولقد لاحظت أن السودانيين عندما يلتحقون بالجندية قلما يظهرون صفة شائعة عند بني وطنهم – وهي حسن التفكير – (كتبها هكذا: إحسان الفكر the ahsan fikr). فعندما يُطلب من أحد المسؤولين السودانيين أداء عمل معين، يقوم بأداء التحية بمهارة ويجيب بـ "نعم يا سيدي". وعندما يُسأل ذلك المسؤول بعد يومين إن كان قد فعل ما طلب منه فقد يجيب قائلا: "لا يا سيدي. عندي فكرة أفضل".
يتميز السودان بأراضٍ منبسطة (فيما عدا مناطق جبلية معزولة) مساحتها نحو مليون ميل مربع - وهذه مساحة تبلغ عشرة أمثال مساحة بريطانيا، وتعادل تقريبا مساحة الهند البريطانية. وبلغ عدد سكان السودان في عام 1941م نحو 8 مليون نسمة. وتتميز البلاد أيضا بحرارة مرتفعة جدا تبلغ في بعض الأحيان أكثر من 120 درجة فهرنهايت في الظل.
وتفصل بين شمال السودان وجنوبه منطقة مستنقعات في وسط النيل الأبيض تجعل من الملاحة عبره أمرا عسيرا. وشكلت تلك السدود في القرن التاسع عشر أهمية كبيرة للمستكشفين والجنود والإداريين، كما فعلت قديما لضباط الجيش الروماني الذين أرسلهم الامبراطور نيرون لاستكشاف منابع النيل قبل قرابة الفي عام. وظلت تلك السدود تعوق الملاحة إلى يومنا هذا ثقافيا وعاطفيا، بالإضافة إلى كونها تمثل عائقا ماديا عويصا، ربما يفسر التاريخ المختلف ودرجة التطور في كل من شطري البلاد. وحكمت الأسر المصرية الباكرة مناطق السودان النيلية الشمالية منذ عام 2000 قبل الميلاد، وعرفت لاحقا بأرض كوش. ومنذ عام 750 قبل الميلاد وحتى بداية القرن الرابع الميلادي قامت حضارة قوية تركزت في نبتة ومروي وحكمت السودان الشمالي، بل ومصر نفسها في بعض الأوقات. وتميزت تلك الفترة ببناء المعابد والأهرامات – ولو أنها ليست في كبر حجم الأهرامات المصرية.
وقامت لاحقا، لألف عام، في الشمال ممالك مسيحية ودور رهبانية بتأثير من الرهبان المسيحيين في الإسكندرية. غير أن غزوات العرب واستيطانهم في تلك المناطق، بدءً من القرن الثالث عشر أو الرابع عشر، جعلت الناس يدخلون في الإسلام. ودانت بالإسلام كذلك سلطنة الفور في غرب السودان، وسلطنة الفونج في أعالي النيل الأزرق، بينما بقي الجنوب منطقة تقطنها مجتمعات قبلية أقل تمدنا، وتعيش على الرعي وصيد الأسماك أو الزراعة البدائية. وظل السكان هنالك يدينون بالوثنية أو الروحانية. ولعب القدر دوره في ازدياد حركة التبشير المسيحي في أوساط الجنوبيين منذ القرنين التاسع عشر والعشرين، التي قامت بها بعثات تنصيرية غربية. وعن طريق أولئك المبشرين، وبمجهودات ضخمة من إداريين بريطانيين مخلصين (عرفوا ببارونات المستنقعات bog barons) تعرف الجنوب على العالم الحديث.
وبدأ السودان، لأول مرة في تاريخه، يشبه دولة حديثة موحدة عندما قام إبراهيم باشا (ابن محمد علي باشا، خديوي مصر) في عام 1821م بالانتصار على كل جيوش القبائل التي حاربته في غزوه للبلاد (كان من غزا السودان هو إسماعيل باشا الابن الآخر لمحمد علي باشا، بينما قاد إبراهيم باشا حملة عسكرية على وسط الجزيرة العربية وقضى على الدولة السعودية الأولى. المترجم). غير أن الإدارة التركية للسودان كانت إدارة غير حميدة، وولغت في تجارة الرقيق مما أصاب الضمائر الأوربية بصدمة أخلاقية عنيفة (هكذا!). لذا قام خديوي مصر (إسماعيل باشا) بتعيين الجنرال شارلس غردون باشا حكمدارا على السودان. وعمل الرجل كل ما في وسعه على تصحيح الأخطاء، بإيمان وعقيدة مسيحية راسخة ورغبة صادقة. وكان لمقتله في الخرطوم عام 1885م، قبل ساعات قليلة من وصول الحملة البريطانية التي أرسلت للسودان لإنقاذه، أثرا بالغا على الشعب البريطاني وعلى غلاديستون رئيس الوزراء (الذي كان قد لامه الناس على اخفاقه في إنقاذ حياة غردون، وتحول لقبه عند الشعب من الرجل العجوز العظيم Grand Old man – GOM إلى قاتل غردون Murder of Gordon MOG). وكان من اغتالوا غردون هم من أتباع محمد أحمد، الذي كان قد أقام ثيوقراطية إسلامية مبنية على أساس أنه هو "المهدي المنتظر" الذي يظهر قبل نهاية العالم. وربما لم يكن الرجل قد أمر بقتل غردون، إلا أن مقتل ذلك البطل المسيحي على يد رجاله، قد أعطى سببا قويا وأبعادا عاطفية على عملية إعادة فتح السودان. وتم ذلك الفتح بين عامي 1896 و1898م بقوات بريطانية – مصرية مشتركة تحت قيادة كتشنر. وبما أن غردون كان يقترب من كونه "قديسا" عند البريطانيين، فقد ظل هؤلاء يقيمون له قداسا تذكاريا سنويا في كاتدرائية الخرطوم.
وأعلن بعد الفتح عن قيام حكم ثنائي (بريطاني – مصري) على السودان. وكانت تلك هي إحدى اختراعات اللورد القوي كرومر، القنصل العام لبريطانيا في مصر. وكان الغرض (المعلن) من ثنائية الحكم هو الحفاظ على الحقوق المشتركة التي ترتبت على الانتصار و"إعادة احتلال السودان"، وللتأكيد على غلبة الإدارة البريطانية للسودان، وللتأكيد أيضا على سيادة السودان، وتسليمه للسودانيين في نهاية المطاف. وصار كتشنر نفسه هو أول حاكم عام في ذلك الحكم الثنائي، وامتدت سلطته لتشمل كل مساحة السودان الحالي تقريبا.
وكانت العاصمة في عام 1941م هي الخرطوم، حيث يلتقي النيل الأبيض بالنيل الأزرق قبل أن يسيرا شمالا كنهر واحد نحو مصر والبحر الأبيض المتوسط. وكان السودان يومها مقسما إلى تسع مديريات، ست منها يقطنها العرب والمسلمون في الشمال، وثلاث منها يسكنها الوثنيون والمسيحيون في الجنوب. وكان جميع مديري المديريات والباشمفتشين من الإداريين البريطانيين العاملين في القلم (القسم) السياسي بحكومة السودان، الذي كان يعمل به في كل سنوات الحكم الثنائي من 1898 إلى 1956م لا يزيد عددهم عن 393 موظفا فحسب.
لقد كانت رفاهية السودانيين هي أهم أعمدة السياسة البريطانية بالسودان، وكان غالب البريطانيين العاملين بالبلاد من "المثاليين"، ويؤمنون بأن من واجبهم تقديم إدارة خيرة – والجيل الجديد لا يحتكر "المثالية" في بلدان ما وراء البحار! وكانت العلاقات الشخصية بين البريطانيين والسودانيين قوية جدا، ويسودها المرح في كثير من الحالات. وبدا أن هنالك إلفة طبيعية بيننا وبينهم.
لقد وقعت أحداث مثيرة قبيل وصولي للسودان. فقد كانت قوة دفاع السودان (المكونة من 5000 من السودانيين مع حفنة من الضباط البريطانيين والفنيين) هنالك بقيادة ويلي بلات عندما قرر موسوليني أن تخوض إيطاليا الحرب في عام 1940م. وواجهت القوات السودانية القوات الإيطالية التي تفوقهم كثيرا في العدد على جبهات القتال في الحبشة وأريتريا. وأفلحت القوات السودانية في إقناع (أو خداع) القوات الإيطالية بأن عددها أكبر بكثير مما هو في الواقع وذلك باستخدام العديد من الحيل التكتيكية الجريئة. ولما بدأت "حملة شرق أفريقيا" في تنفيذ مهماتها القتالية حاربت قوة دفاع السودان مع الفرقة الرابعة والخامسة الهندية في الحبشة وأريتريا، وأدت دورا مهما في الانتصار الذي حدث في معركة كرن، وفي استسلام الجيش الإيطالي في عام 1941م (والذي شهده بالمناسبة البمباشي جون كرينك، وهو الضابط البريطاني الوحيد الذي كان يماثل في الطول دوق أوستا، القائد الإيطالي!).
واستغرقت رحلتي للسودان عبر ميناء الكيب وقتا طويلا جدا، وأصبت بخيبة أمل كبيرة عند بلوغي الخرطوم في ديسمبر من ذلك العام عندما علمت بأن الحرب قد انتهت. وتم إلحاقي بفوج المدفعية، والذي اشتهر ضباطه بشجاعة يخالطها الكثير من الجموح. وبدأت في تلقي دورة ابتدائية في اللغة العربية، وهي دورة ضرورية لكل البريطانيين، إذ أن كل الأوامر والأعمال كانت تنجز بتلك اللغة. وكان أفراد القوات السودانية يتعاطفون مع الضباط البريطانيين وهم يكابدون صعوبة اللغة العربية، ويساعدونهم أيضا في تعلمها. ورغم أن الضباط السودانيين يتحدثون اللغة الإنجليزية بطلاقة، إلا أن الجنود السودانيين لا يتحدثونها عادةً.
وكانت شندي هي مقر قيادة فوج المدفعية، وكان معظم المنتسبين لذلك السلاح من رجال الشايقية والجعليين. وعند وصولي لشندي قابلني القائد (جيد بالمر) بترحاب كبير. وكانت لعبة البولو هي أول لعبة أتعلمها في شندي، رغم أني لم أتمكن من ممارستها بما يكفي لأجيدها. وما هي إلا أيام قليلة حتى نقلت إلى "الكفرة"، تلك الواحة في صحراء جنوب ليبيا، التي كانت قواتنا قد استولت عليها من النظام الاستعماري الإيطالي، وغدت بالنسبة لنا "مركز مساعدة point d'appui" لجنودنا الذين كانوا يجدون في جمع المعلومات الاستخبارية.

وصارت الكفرة لاحقا قاعدة تنطلق منها غارات الخدمات الجوية الخاصة (SAS) التي تكونت حديثا تحت قيادة ديفيد استيرلنق، الذي كان كثيرا ما يزور مقرنا (في ميز الضباط) في رفقة عدد من الطيارين الحربين. وكنا نستمع بإعجاب شديد لقصص مهاراتهم في مباغتة العدو وتدمير طائراته ومعداته في شمال ليبيا. وخدعت الغارات التي شنتها طائراتنا على واحة جالو وبنغازي وأهداف أخرى في شمال ليبيا الألمان وجعلتهم يعتقدون بأنهم مهددون بشدة في الجهة اليمنى، مما جعلهم يسحبون قواتهم من خطوط جبهتهم المواجهة للقوات البريطانية في العلمين في أكتوبر من عام 1942م.
ومُنحت عطلة بعد فترتي في الكفرة قضيتها في القاهرة، حيث أقمت في فندق شبرد القديم. وفي حانة ذلك الفندق التقيت لأول مرة بالرحالة والمستكشف الشهير ويلفرد ثيسيقار (يمكن الرجوع إلى المقال المترجم بعنوان "من ذكريات الإداري البريطاني ويلفرد ثيسيقار في السودان". المترجم). وقابلت أيضا شابا أمريكيا عجب أشد العجب عندما علم أنني بمباشي في قوة دفاع السودان ولما أبلغ من العمر إلا 21 عاما، وقال لي مستنكرا:" وأنت lieutenant-colonel في عمر 21عاما؟" (ذكر الكاتب أن رتبة بمباشي قد تعادل رتبا مختلفة في كثير من الدول، فهي قد تعادل رتبة النقيب أو الرائد أو المقدم. المترجم).
وعقب معركة العلمين بدأت فرقتي في إعادة التدريب بالسودان على بنادق من نوع بوفورس. وتوليت مهمة كتابة النسخة العربية من تعليمات التدريب على استخدامها. ثم أُرسلنا مرة أخرى إلى ليبيا، في طرابلس هذه المرة، بعد أن عدنا خبراء الجيش البريطاني قد بلغنا مرحلة من التدريب تعادل تلك المعهودة عند الجيش البريطاني. وكان من المأمول أن نزحف غربا في شمال أفريقيا. غير أني فوجئت بأمر استدعائي للخرطوم للعمل في خدمة القلم السياسي لحكومة السودان. ولم تجْد كل الخطابات الاحتجاجية التي أرسلتها للمسؤولين في تغيير ذلك القرار. وكانت حكومة السودان في تلك الأيام تعاني من نقص شديد في الإداريين، فقد كان كثير من هؤلاء – في المراتب العليا والوسطى – قد انتدبوا للعمل في المناطق المحتلة في ارتريا وشمال أفريقيا.
وعند بلوغي الخرطوم أمرت بالتوجه إلى واد مدني بمديرية النيل الأزرق، وكان مديرها يومئذ هو جورج بريدن. وهنالك أمرت بالتوجه نحو كوستي على النيل الأبيض كمساعد للباشمفتش فيليب بروودبنت.
وكان القلم السياسي لحكومة السودان قد بدأ مع بداية القرن العشرين كإدارة عسكرية، وظل زي العاملين بذلك القسم السياسي عسكري الطابع. غير أن واجبات العاملين بالقسم كانت أبعد عما تكون من العسكرية. وباشرت عملي في كوستى وما حولها من القرى فور وصولي في مجالات عديدة شملت الإدارة المباشرة، والقضاء، والاشراف على الإدارات المحلية (الأهلية). وكانت الحكومة قد منحت زعماء القبائل التقليدين حق إدارة مناطقهم بأنفسهم. وكان أكبر زعيم قبلي يقوم بإدارة شؤون الأهالي فيها هو شيخ مكي أحمد عساكر ناظر قبائل البقارة، ويعاونه شيوخ محليون (يسمون عُمد) وتحت هؤلاء كان هنالك "شيوخ" في القرى المختلفة التي تتبع للمناطق المحيطة بكوستي.
وكان من المتوقع من مفتش المنطقة المجيد لعمله، أو مساعده، أن يقضيا 10 – 12 يوما من كل شهر في الطواف على مختلف مناطق عملهما وتفقد أحوال السكان فيها. وكان الواحد منهما يقيم في استراحة صغيرة مبنية من الطين أو القش يتبرع بها "شيخ القرية" لزواره، أو يقيم في خيمة يحملها معه دوما. ولقد قمت بالفعل بالطواف على ظهور الخيل أو الجمال في مختلف مناطق كوستي، ولاحقا في القضارف، غير أن غالب طوافي على المناطق البعيدة كان بالسيارة. وكنت أحمل معي دوما في رحلاتي غالب ما أحتاجه من أساسيات، مثل سرير "سفري"، وحوض غسيل (مغسلة)، وحمام مصنوع من قماش كتاني، وطاولة صغيرة، وكرسي، وخيمة. وكانت كل تلك الأشياء توضع بعناية في مؤخرة عربة نقل (لوري) الحكومة الرمادي اللون من نوع "فورد"، وكان يقوده رجل شرطة من النيل الأزرق وسيم الطلعة يحرص دوما على ارتداء الملابس الرسمية دوما في جولاتنا في الأرياف. وكان معنا أيضا رجل شرطة يجلس فوق أمتعتي الموضوعة في مؤخرة عربة النقل في رفقة مصطفى مرجان، السُفرَجيّ الذي ظل يعمل معي خلال كل سنوات عملي بالسودان في الجيش أو الإدارة. لقد كان مصطفى بالفعل رجلا مجيدا وأمينا ودائم الابتسام.
لقد عبرنا في طوافنا سهول السافنا المسطحة المغطاة بأشجار الأكاشيا ذات الأشواك، وسرنا على حصى الصحراء، والكثبان الرملية، والمرتفعات الصخرية. وبلغنا في تلك الجولات إلى أبعد نقاط مناطقنا. وكنا عندما نصل إلى المنطقة التي نريد الطواف عليها يسارع مصطفى مرجان بإنزال الأمتعة، بينما يحضر شيخ المنطقة لنا خروفا يذبحه تحت أقدامنا كبادرة كرم تقليدي. وعادة ما يظهر قليل من لحم ذلك الخروف على طاولة عشائي في ذلك المساء. ويستأثر الشيخ ومن حوله بباقي الخروف، وكان هذا مما يسعدني جدا. وكنا نتناول طعامنا معا، ولحسن الحظ لم تكن عينا الخروف من ضمن ما يقدم لي، غير أن الكبدة النيئة (وغيرها من المُشَهَّيات) كانت من الأطباق الدائمة.
وكان هطول الأمطار عند مقدمي لمنطقة ما يعد فأل خير، وكان كثير من الأهالي يشكرونني على أن "كراعي لينة أو خضرا" (سماها الكاتب wet foot .المترجم)، وهذا قد يذكر المرء بعض الشيء بجنرال روماني يلقب بـ Felix”"!
ولم تقتصر مقابلاتي في غضون أيام طوافي على النظار والعمد والشيوخ، فقد كنت استمع لشكاوى كل الأهالي، وكثيرا ما كنت ألتقي بمجموعات صغيرة منهم، وأستمع لآرائهم وأشرح لهم بعض سياسات الحكومة ونظم إدارتها. وكثيرا ما كنت أقضي شطرا كبيرا من الليل أتحدث مع الشيخ وجماعته حول كل شيء قد يخطر على بالك. وقد تقام لي بالليل حفلة رقص لجماعة من شبان القرية يقفون في صف واحد ويرقصون على أنغام طبل تتعالى مع مرور الوقت، وذلك أمام صف من الفتيات يرقصن ويهززن ضفائرهن أمامهم. وكنت ألبي دوما دعوتهم لي للمشاركة في الرقص. وفتياتهم مليحات المظهر بديعات القوام، ولهن أسنان جميلة شديدة البياض، تجعل ابتساماتهن في أوجههن البنية اللون شديدة الجاذبية. ولم يكن يرتدين الحجاب الذي تراه عند نساء المدن، وقد تسير (الصغيرة منهن) دون تغطية صدرها. وتقوم الماشطة عندهم – بعناء شديد - بتمشيط شعر المرأة ونسجه على شكل ضفائر صغيرة جدا، ومسحها بكمية وافرة من الودك الزنخ.
وظللت أوطن نفسي وأحملها حملا على استخدام اللغة العربية، واتخذت لي معلما خصوصيا لزيادة معارفي اللغوية استعدادا للجلوس لامتحان القضاة، والذي يتضمن الترجمة من وإلى اللغة العربية، وقراءة العرائض، وامتحانا شفاهيا. ومع مرور الوقت ازدادت ثقتي في قدراتي وفي احتمالات نجاحي في ذلك الامتحان. وعلى الرغم من ذلك فأني أحسست لاحقا بشديد الندم على أني لم أقرأ القرآن والثقافة الإسلامية، واللغة العربية بشكل معمق، وأسفت كثيرا على عدم ابتعاثي لمركز الشرق الأوسط للدراسات العربية في لبنان. وعقب عامين في السودان جلست في الخرطوم لامتحان اللغة العربية وامتحان القضاء، وقضيت تلك الأيام، كما فعلت في أول أيامي بالخرطوم، في ضيافة جون ويلي روبرتسون وزوجه نانسي. لقد كانا دوما في غاية الود والكرم واللطف معي. لقد كان روبرتسون رجلا أسكتلنديا عظيم الحَيْثِيّة، ضخم الجثة، تخرج في كلية باليول بأكسفورد، وأشتهر فيها بلعب الرقبي. وكان لعمله في الإدارة من الأقوياء المجيدين، ولكنه كان أيضا رجلا عطوفا وشديد الرقة. وأهلته كل تلك الصفات والخصال ليتبوأ منصب السكرتير الإداري في حكومة السودان في وقت حرج من تاريخ البلاد وهي تستعد لنيل استقلالها. وبعد مغادرته للسودان عين روبرتسون حاكما عاما على نيجيريا. واحتفلت أيما احتفال مع أصدقائي بنجاحي بامتياز في ذلك الامتحان، ونمت يومها مع ساعات الفجر الأولى على سطح منزل روبرتسون، إلى أن أيقظني السُفرَجيّ حامد والشمس في كبد السماء ليسألني إن كنت أريد أن أتناول طعام الإفطار أم لا! فقمت على عجل وارتديت ملابسي بأعجل ما تيسر، ونزلت لأجلس لتناول الطعام الموضوع على المائدة وأنا أجاهد بشدة لأبدو مستيقظا!
لقد كنا نمارس أعمالنا الإدارية بكثير من "النعومة"، وكانت الواجبات التي كان علينا تنفيذها "دبلوماسية" الطابع، أكثر منها مجرد توجيهات وأوامر، إذ كنا ندرك أنه يصعب حكم أناس دون رضاهم إلا إذا استخدمنا القوة المفرطة (والتي لم تستخدم سوى في مراحل باكرة ونادرة من عمر الحكم الثنائي). وعلى الرغم من تلك "النعومة" وتجنب الغلظة، فقد كانت الحكومة تحظى باحترام كبير عند غالب السكان لحفظها للأمن والسلام ولتحقيقها لرفاهية نسبية للسكان. وكثيرا ما كنا نسمع من الأهالي – الذين سبق لهم العيش تحت الحكمين التركي والمهدوي - وهم يرددون بإعجاب لا يخفى : "والله حكومة شديدة". وهذا قول سديد بالنظر إلى أن كان هنالك نحو 70 رجل شرطة فقط يحفظون الأمن في منطقة مساحتها 10,000 من الأميال المربعة، ويقطنها نحو 40,000 من السكان. ولم تكن لمنازلنا في كوستي أي نوع من الحراسة، رغم أنه كان لدي في المنزل عامل حديقة (جَنَائِنِيّ) هو في الأصل أحد السجناء "المضمونين" الذين يقيمون معي بالمنزل (يمكن النظر في المقال المترجم بعنوان "أوجه القصور في سجون سودان ما بعد الاستعمار: من الإصلاح إلى الاقتصاص، 1956 – 1989م". المترجم). وحدث أن غاب طباخي ذات يوم بسبب المرض (اقرأها السُّكْر)، فتولى القيام مهمته السايس نوح (القادم من دار حامد) بمعاونة ذلك السجين المضمون، وأفلحا في تحضير حفل عشاء لأحد زواري من كبار الشخصيات، الذي لم يكن – لحسن الحظ – ذواقة خبيرا بالطعام أو شغوفا نهما للأكل.
لم يسبق لنا في سنوات حكمنا للسودان أن واجهنا التعقيدات التي شهدتها مستعمرات أخرى، خاصة فيما يتعلق بالاستيطان (البريطاني؟) في أي جزء من البلاد. فقد حسم كتشنر باكرا أمر الاستيطان، وأمر بعدم إعطاء أي أجنبي حق تملك أي أرض بالسودان. وكان بذلك يؤكد فلسفيا أن عملنا بالسودان كان مبنيا على "وصاية Trust" لمصلحة السودانيين، وكان استقلالهم بدولتهم حاضرا في ذهنه، حتى في ذلك الوقت الباكر. وكان السؤال عن كم سيطول انتظار السودانيين حتى تنقضي تلك الوصاية أمرا مختلفا. وكنت قد سألت ثلاثة من كبار المسؤولين البريطانيين بعد وقت قصير من وصولي للسودان عن التوقيت اللازم الذي يتصورونه لاستقلال السودان. أجابني أولهم بأن هذا سؤال غير معتاد من شاب صغير، وأنه لم يفكر في ذلك الأمر مطلقا، وأنه يخمن أن الأمر قد يستغرق 120 عاما. وقَلَّلَ الثاني من عدد السنوات اللازمة إلى 80 عاما. وقال الثالث – وكان أكثرهم جرأة – إن الاستقلال سيأتي بعد 60 عاما. غير أن ما حدث هو أن السودان قد نال استقلاله بعد 14 عاما فقط من سؤالي لأولئك المسؤولين. ولكن يجب علي أن أذكر – من باب الإنصاف لقدرات أولئك المسؤولين على التنبؤ – أن أحوال السودان في تلك الأيام كانت هادئة، وأن السودانيون كانوا يشاركون – بصدق – البريطانيين وبقية الحلفاء في حربهم ضد دول المحور، ولم تكن هنالك أي بوادر أو إشارات لظهور "وطنية جديدة" في أوساطهم (يجب تذكر أن مؤتمر الخريجين العام تكون في عام 1938م، وأن الخريجين كانوا قد بعثوا للحاكم العام في إبريل من عام 1942م بمذكرة شهيرة حوت على كثير من المطالب الوطنية. يمكن النظر في المقال المترجم بعنوان: " القسم السياسي بحكومة السودان ودور الوطنية السودانية". المترجم).
لقد تطورت الأحداث بصورة سريعة (في العاصمة ومدن أخرى)، غير أني لم ألمس أي إشارة أو رغبة في نيل الاستقلال في منطقة كوستى سوى عند حفنة من طبقة الأفندية. وبعد سنوات من أيامي في كوستى أخبرني صديق بريطاني اسمه بيل كاردن أنه وجد نفسه يقود دراجته من الخرطوم لأم درمان إلى جانب طالب سوداني. وسأل صديقي الطالب السوداني عما سيفعله عندما يكبر. أجابه الطالب بأن فرصته في الحصول على عمل جيد ستكون أكبر عندما يرحل البريطانيون، وهو يعتقد أن خروجهم هو أمر مفروغ منه. لعله كان يظن أن كل ما عليه هو أن يرتدي زي المفتش (الإداري)، ويجلس في مكتب واسع ويحكم منطقة واسعة، كما كان البريطانيون يفعلون. وإن أنجز ذلك الشاب ما كان يطمح لتحقيقه بالفعل، فسيدرك بلا شك الآثار الحقيقية المترتبة على توليه لذلك المنصب، والضغوط العائلية والسياسية التي سيتعرض لها.
كان السير السيد عبد الرحمن المهدي (ويطلق عليه المسؤولون البريطانيون على سبيل الاختصار SAR)، هو أحد أهم زعماء السودانيين الدينيين (والآخر هو السير السيد علي الميرغني، المعروف اختصارا ب SAM). وكان السيد عبد الرحمن يقضي معظم وقته في الجزيرة أبا، الواقعة في النيل الأبيض بمنطقة كوستي. وهو يمتلك مشاريع واسعة لزراعة القطن تروي بالمضخات من النيل الأبيض، وله أيضا مشاريع أخرى على ضفتي النيل تروى من مياه النيل. ونظرا لأن الدعوة المهدوية – رغم أصولها المثالية – لم تجلب على البلاد سوى الكوارث المهولة، فقد منع الحكم الثنائي في بداية حكمه السيد عبد الرحمن وعائلته من السفر غرب النيل الأبيض خوفا من أن يدعو مجددا للمهدية في أوساط سكان تلك المنطقة التي له في وسط قبائلها شعبية كبيرة، بل كان بعضهم يعده "النبي عيسى" الذي سيأتي – بحسب معتقدهم – بعد ظهور المهدي. لذا كانت الجزيرة أبا هي المَحَجّ للقادمين من نيجيريا وأماكن أخرى من غرب أفريقيا. وأقام بعض هؤلاء في أبا إقامة دائمة مع عائلاتهم، ونسوا الحج (الأصلي) لمكة. وكنت كثير ما أزور - مع فيليب بروودبنت- ذلك الرجل الجاذب والممتع الحديث في أبا، وكان يأتي إلينا في كوستي من وقت لآخر ويتناول معنا طعام الغداء.
لقد كان مجتمع الإداريين في منطقة كوستى صغيرا نسبيا. فقد كان معنا من كبار الزملاء السودانيين مأمور واحد، وكان رجلا وطنيا عظيما ويتمتع بحكمة عالية اكتسبها بالخبرة وليس بالتعليم العالي، فقد كان هنالك من يفوقونه في ذلك المجال. وكان مع المأمور بعض المساعدين السودانيين، وهم عادة أصغر سنا ومن خريجي مدرسة الإدارة بكلية غردون. وكان هؤلاء أكثر تهذيبا وذوقا وإجادة للإنجليزية. وكان القاضي الجزئي في المنطقة من خريجي مدرسة القانون بالخرطوم، بينما كان القاضي (الشرعي) مسئولا عن تطبيق أحكام الأحوال الشخصية بحسب الشريعة الإسلامية. وكان معنا أيضا طبيبان تخرجا في مدرسة كتشنر الطبية، شكلوا جميعا مع كبار موظفي إدارة السكة حديد وإدارة البواخر (النقل النهري) مجتمع كبار الموظفين السودانيين بكوستي. وكانت محطة تلك المدينة شديدة الأهمية لوقوعها في الخط الحديدي الرابط بين الخرطوم والأبيض آخر محطة للسكة حديد في غرب السودان.
ومن السودانيين المشهورين الذين عملوا معنا أذكر القاضي محمد أحمد أبو رنات، الذي صار فيما بعد رئيس المحكمة العليا ومن فقهاء القانون المعروفين عالميا. ومن القضاة الشرعيين عمل معنا الشيخ علي عبد الرحمن الأمين، وقد غدا فيما وزيرا للعدل في أول حكومة سودانية بقيادة السيد إسماعيل الأزهري. وكان تسنمه لرئاسة تلك الوزارة أمرا مؤسفا بالنظر إلى أفعاله وعواطفه المتطرفة في ميلها إلى تأييد المصريين.
لقد كان كل زملائنا من السودانيين رجالا لطفاء. وكانت بيننا وبينهم صلات اجتماعية في حفلات الشاي (التي يحبها السودانيون كثيرا) ودعوات العشاء أيضا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.