قام الأستاذ الجامعي بدر الدين الهاشمي بترجمة هذا السفر الضافي عن تاريخ نشوء مدينة أم درمان، عاصمة الدولة المهدوية في السودان بين 1885م و1898م. وهو الكتاب الذي نشره مؤلفه "روبرت كرامر"، بعد قرابة عقدين من الزمان مضيا على إعداده تلك الدراسة الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه من جامعة نورث ويسترين الأمريكية، عام 1991م.
ولعل أول انطباع يراود القارئ، هو التباعد الزمني الطويل بين العمل البحث وتاريخ نشره كتابا مقروءا. ثمة تساؤل مشروع: لما لم يعمد المؤلف إلى إعادة النظر في فرضياته البحثية، واستنتاجاته حول تاريخ مدينة "أم درمان"، والتي أوضح منذ البداية أنه تاريخ مكتوب بعيون ساكنيها؟
أكتب هذا التمهيد الذي أفتتح به هذه الترجمة المهمة لكتاب يؤرخ لهذه المدينة التي ارتبط تاريخها بقيام الدولة المهدية في السودان النيلي، والتي امتد نفوذها إلى تخوم الشرقية والغربية والجنوبية. وإني إلى ذلك أستعمل تعبيرات جغرافية محضة، ولا أشير إلى المدلولات السياسية لها.
إن كان المؤلف قد كتب بعيون سكان تلك المدينة، فإن تحولات قد طالت التركيبة السكانية في "أم درمان"، وأن العيون التي رأت تلك المدينة في ثمانينات القرن العشرين، هي غير العيون التي تراها الآن (2018م)، ونحن في خواتيم العقد الثاني من الألفية الميلادية
إن "التاريخ الداخلي"-وهذا وصفه لدراسته - الذي كتبه "كرامر"، قد تحول وتغير وتعقد. إن "ام درمان" التاريخية بعيون ساكنيها، هي المدينة التي شكلت المكون "المديني" الثالث لعاصمة السودان "المثلثة"، التي تتكون من "الخرطوم" وأم درمان" و"الخرطوم شمال"، واستعجب أن صار اسم الأخيرة "الخرطوم بحري"، حيث لا بحر هناك، وهو اسم قبل به الناس والمؤرخون فلن يسهل أبدا تعديله. أما "أم درمان" في امتداداتها: شمالا ("الثورات"، الحتانة"...(، وجنوبا (قبل "المهندسين" ، "المربعات"، "الصالحة") ، وغربا (ام بدة"، البستان"، "النحيل") . عدا الامتدادات العشوائية خارج الخطط الرسمية.
عليه فإننا نقرأ كتاب "كرامر"، بحسبانه كتاباً عن تاريخ المدينة القديمة، وليس تاريخ "أم درمان الكبرى". ولعل القداسة التي أشار إليها المؤلف في عنوان تلك الدراسة، هي التي تتصل بطبيعة تلك المدينة، لكونها عاصمة للدولة المهدية. وبالرغم من قصر عمر تلك الدولة، إلا أن قيادة تلك الدولة لم تكن محصورة في جماعة إثنية بعينها، أو قبيلة محددة، من بين قبائل السودان العديدة، بل إن قائد ومنشئ تلك الدولة هو الإمام المهدي وأصوله من شمال السودان، وخليفته الذي تولى القيادة بعد وفاته، هو "الخليفة عبد الله" وهو من غرب السودان، وبقية قواد الدولة، هم إما من الشمال النيلي، أومن شرق البلد أو من غربها. إن تركيبة "أم درمان" كعاصمة للدولة المهدية، قد استصحبت ذلك التنوع في سكانها، من تنوع تركيبة قياداتها من جهة، ومن طبيعة تركيبتها العسكرية المرنة من جهة أخرى. ولو جاز لنا البحث عن ذلك النمو السريع لمدينة كانت قبل عام 1885م بقعة شبه خالية وغير مأهولة، عدا جنوبها الذي تسكنه قبائل الجموعية والفتيحاب، فإن المهدد الخارجي لدولة المهدية شكل عاملا مساعدا لانصهار سكان "أم درمان"، ومهد لتعبئة شعورهم الجماعي وفق عقيدة واضحة، لدولة تبلورت شخصيتها حول العقيدة الإسلامية.
أختم هذه العجالة بتأكيدي أن هذا كتاب هام، وله قيمة تاريخية ثمينة هي مدينة "أم درمان"، وإن اقتصر على روايات ومشاهد بعيون بعض من عاشوا أيام تكوينها أواخر القرن التاسع عشر، أو التمس تطورها من مراجع في العقود الثالثة من القرن العشرين.
لنا أن نجدد التهنئة للهاشمي، لوضع هذا الكتاب لجمهرة القراء السودانيين، في ترجمة أنيقة ورصينة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.