The Jaali Kingdome of Shendi and its destruction

Anders Bjorkelo أندريس بيجور كيلو

تقديم: هذه ترجمة لشذرات مختارة من كتاب "مقدمة للمهدية: الزراع والتجار في منطقة شندي بين عامي 1821 – 1885م" للبروفيسور أندريس بيجور كيلو من مركز دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية بجامعة بيرجن بالنرويج.
وسبق لنا ترجمة عرض لذلك الكتاب بقلم بروفيسور العلوم الاجتماعية جورج مايكل لا ريو نُشر في العدد الأول من مجلة "دراسات شمال شرق أفريقيا" الصادرة في عام 1994م.
وردت في هذا الكتاب أسماء كثير من القرى التي قد لا تكون موجودة الآن.
المترجم
***** ***** *****
تتكون قبائل الجعليين (إذا استثنينا قبائل الجعليين في النيل الأبيض وكردفان، والدناقلة في دنقلا) من خمس قبائل نيلية هي: الشايقية (تقريبا بين كورتي وحوش الجروف)، والمناصير (بين حوش الجروف وجزيرة الحويلة)، والرباطاب (من الحويلة إلى جزيرة عشار)، والميرفاب (من عشار إلى نهر أتبرا)، والجعليين proper، الذين ليس لهم إلا هذا الاسم (من أتبرا إلى الشلال السادس). ورغم أن من سألتهم من مساعدي بحثي (المخبرين) من جعليي اليوم يعترفون بأن أسلافهم العرب قد تزوجوا من نساء النوبة، إلا شجرة نسب الجعليين تتجاهل عمدا فرعهم النوبي الذي صاهره المهاجرون العرب.
ويقول البعض أن كلمة "جعليين" أصلها من الفعل "جعل". فقد قيل إن شخصا اسمه إبراهيم جعل كان قد قدم الطعام والحماية لجماعة من الناس أصابتهم المجاعة. وهنالك من نسب الكلمة "جعل" للون بشرة إبراهيم، وكانت داكنة السواد، فأسمته والدته "جُعَل"، وهو اسم يطلق على الخنفساء السوداء (وورد أيضا أن كلمة “جعل" هي نسبة إلى مهنة جدهم إبراهيم، إذ كان صاحب تحصيل في الدولة العباسية فسمي ابراهيم صاحب الجُعل أي الضريبة. المترجم).
وعند تأسيس الفونج لمملكتهم في سنار في بداية القرن السادس عشر، كانت هنالك قبيلة اسمها (جعل) تعيش فيما بعد الشلال السادس لها ملك يسمى "أبو عقرب" تمتد سلطة مملكته إلى صحراء بيوضة، ولكنه كان يخضع لسلطة ملك الفونج. وكان ملك الفونج قد بعث بالرحالة اليهودي ديفيد روبيني لأبي عقرب ليأخذه إلى حدود دنقلا في عام 1523م. (للمزيد عن هذا الرحالة يمكن النظر للمقال المترجم "رحالة يهودي في ضيافة سلطان الفونج عمارة دنقس. المترجم).
وورد في بعض المصادر أن الجعليين قطنوا كردفان أيضا عندما تدهورت الممالك النوبية، فأتى الجعليون وسيطروا على المؤسسات السياسية التي كان يديرها النوبيون. وإن صح هذا، فيمكن القول بأن مملكة شندي كانت سابقة لظهور الجعليين والإسلام. وتزعم ذات المصادر أن أول ملك جعلي كان رجلا يسمى سعد أبو دبوس، الذي حكم في نهايات سنوات القرن السادس عشر. وقيل إنه ورث الحكم من عدلان ملك النوبيين، جده من جهة الأم. وقيل أيضا إنه استولى على الحكم بالقوة من ملك آخر اسمه عبد الدائم.
ومن ظهر سعد أبو دبوس أتت سلالة السعداب، التي حكمت فيما يبدو كل الجعليين حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وكان الحكام السعداب يدينون بالولاء لملك الفونج عبر ملك قري الذي عينه لحكم سائر شمال السودان (وكان هؤلاء يتخذون لقب "الأرباب" أو "الأمير"). ومع نهاية القرن الثامن عشر ضعفت مملكة الفونج، فاتخذ حكام شندي لقب "مك"، وتأبوا على دفع الجزية لملك سنار. غير أن الجعليين أخفقوا في التوحد فيما بينهم، فاستمر حكام مناطقهم المختلفة في النزاع رَدَحاً مِنَ الدَّهْرِ. فعلى سبيل المثال تصارع السعداب والنمراب (أولاد نمر) على السلطة لسنوات عديدة.
وفي عام 1762م عزل شيخ الهمج محمد أبو لكيلك سلطان الفونج (بادي)، ونصب مكانه ملكا تحت سيطرته. وبدأ مع ذلك الانقلاب تدهور سلطنة الفونج. وقاوم ملوك العبدلاب في مملكة قري حكام الهمج، وتبعهم في تلك المقاومة بعض أمراء الجعليين. غير أن السعداب لم يكونوا على قلب رجل واحد في ذلك الأمر. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر كان السعدابي سعد ود إدريس يحارب في صفوف الهمج بكردفان، في الوقت الذي كان فيه ابن أخيه إدريس ود الفحل (الثالث) يحكم مملكة الجعليين بشندي. وكانت لوالدته "ستنا"، كما لاحظ الرحالة الأسكتلندي جيمس بروس (1730 – 1794م) وضعا مؤثرا وبارزا في شندي في عام 1772م. ولاحظ بروس كذلك أن سكان شندي كانوا يعبرون صراحة عن تخوفهم وذعرهم من مجرد التفكير في احتمال عودة الهمج والسعداب من كردفان لمنطقتهم.
وفي عام 1780م أو نحوها تولى أولاد نمر (وهم فرع من النافعاب) حكم الجعليين، مستفيدين من ضعف إدريس ود الفحل (الثالث)، الذين قام الكواهلة بقتله لاحقا، ومستفيدين كذلك من غياب القائد السعدابي الآخر (سعد ود إدريس الثاني) في كردفان، ومن حلف أقاموه بالمصاهرة مع العبدلاب. وبذا قام محمد ود نمر الكبير بإعلان الانفصال عن السعداب وطالب بأن يُعترف به "مكا" على قبيلته، وتزوج من أسرة ملكية من العبدلاب في ثمانينيات القرن الثامن عشر. وأنجبت له تلك الأميرة العبدلابية ولدا غدا في مقبل الأيام شخصية مشهورة هو "المك نمر". وأصدر محمد ود نمر في عام 1794م مرسوما بخصوص الأراضي يفيد بأنه هو المالك الأوحد لكل الأراضي الواقعة ضمن مملكته. وبذا أجبر سعد وولده مساعد عند أوبتهما من كردفان بالقبول بالاستقرار في المتمة (غرب شندي) حيث يوجد أنصارهم.
وتوفي المك سعد حوالي عام 1800م، وأعقبت موته صراعات دامية بين مساعد سعد ومحمد ود نمر. وشارك في تلك النزاعات حلفاء السعداب الهمج بجيش قاده كبير الهمج ووزير سلطان الفونج وذراعه اليمين عدلان، الذي اتجه شمالا إلى ود بانقا. ومن تلك القرية كتب قائد الهمج إلى المك نمر خطابا وعده فيه بأن يمنحه لقب "مك" على منطقته إن وافق على أن يقدم عليه في واد بانقا للتفاوض. ووقعت تلك الأحداث في عام 1800م (في نهايات 1214 و1215هـ)، وذكرتها وثيقة ورد فيها أنها كتبت بعد مرور قليل من دخول عدلان إلى شندي والقبض على محمد ود نمر. وكان جيش الهمج قد أخذ النمراب على حين غرة، ولم يفلت من قبضتهم سوى نمر (وكان صبيا صغيرا) وعمه سعد. ولم ينج ابن محمد ود نمر (واسمه إدريس) من أسر الهمج إلا بعد أن دفعت والدته لهم 300 أوقية من الذهب. وقبل أن يعود عدلان بأسراه إلى سنار لإعدامهم في عاصمة مملكة الفونج، عين عدلان السعدابي مساعد ملكا على الجعليين في شندي. وفي تلك الأيام لجأ نمر إلى البطاحين وإلى من بقي من الجعليين الذين ثبتوا على ولائهم له (مثل النافعاب والنفيعاب) في واحة أبو دليق بالبطانة. وفي البطانة حصل نمر على تأييد العرب الرحل في المنطقة في حوالي عامي 1801 و1802م، حين كان الهمج منشغلين بالمعارك في كردفان. وأستفاد نمر من تلك الأوضاع وشن بجيش مكون ممن جندهم في البطانة هجوما كبيرا على شندي، جعل السعداب في موقف المدافعين. وهنا تدخل مجاذيب الدامر (كما كانوا يفعلون دوما في حالات النزاعات الأهلية) للتوسط بين المك نمر والسعداب، وأفلحوا في الوصول إلى تسوية سلمية للنزاع تضمنت تقسيم مملكة الجعليين إلى قسمين: قسم للسعداب بقيادة مساعد في المتمة وما حولها، وقسم في شندي وما حولها تحت زعامة نمر.
كان ذلك هو الوضع السياسي القائم حين غزا الأتراك والمصريون السودان في عام 1821م.
ولا تعرف على وجه الدقة مساحة المنطقة التي كان يسيطر عليها مك الجعليين فعليا. ففي زمن زيارة الرحالة بروس للمنطقة كانت الحدود الجنوبية الرسمية لمملكة شندي وقري هي في حجر العسل وحجر السراريك؟(Hajar al – Sarrarik). وأكد ذلك الأمر الرحالة السويسري بيركهاردت بعد 41 عاما من زيارة بروس، وأكد ذلك لي أيضا مساعدي بحثي في عام 1980م. أما حدود شندي الشمالية فقد كانت هي، بحكم القانون de jure))، نهر أتبرا. وكانت الدامر – في أيام زيارة بيركهاردت وحتى عام 1814م قد أثبتت استقلالها عن الممالك الأخرى منذ زمن طويل. فبعد مسيرة تسع ساعات من الدامر بلغ قرية حماية (hamaya)، والتي عدها منطقة الحدود الشمالية لشندي. ومر بيركهاردت في نفس المنطقة بالمكابراب، وهم من الجعليين الذين كونوا لهم مملكة مستقلة كانت تعيش على ما تنتجه مزارعهم من غَلاَّت، وعلى النهب والسلب أيضا. وقد نهبوا بالفعل كل من مر بهم من الأجانب، ما عدا الذين مروا في حماية فكي (أو أكثر) من الدامر.
وفي الضفة الأخرى من النيل غرب الدامر تقع منطقة أخرى للجعليين، غالبهم من المسالماب. وكانت آخر قرية تتبع لهم جنوبا هي العالياب، وأول قرية تتبع لدار شندي هي الحلاوية ؟(Halawiyya). وبعد الانقسام بين النمراب والسعداب ظل المسلماب يدفعون الجزية للمك نمر أو المك مساعد، بحسب الحال، ولكنهم كانوا يؤثرون عادة دفعها للمك نمر. وبالإضافة لمن ذكرنا، كانت هنالك ممالك صغيرة في بعض القرى مثل كبوشية والمكنية.
وكانت إدارة المملكة، خاصة في عهد المك نمر، شأنا عائليا خالصا، ولكنها في نهاية المطاف، كانت بيد المك نمر وحده. وذكر بيركهاردت أن: "مملكة شندي كانت أفضل من مملكة بربر، إذ لم يكن الحكم في الأولى متأثرا بنفوذ العائلات الكبرى. وهذا مما كان من شأنه أن يؤدي إلى عدم استتباب الأمن وشيوع الطمع بين الناس. وهذا ما جعل الناس (الأغراب) يخشون المرور ببربر لضعف سيطرة الحاكم على الأمن فيها. وكان باعث سلطة المك نمر المطلقة هو ضعف وتنوع القبائل العربية المتفرقة التي تقطن شندي، وعدم قدرتها على مجابهة عائلة نمر وفروعها المتعددة".
وعين المك نمر أفرادا من عائلته حكاما في المناطق الفرعية والقرى. فعلى سبيل المثال عين المك نمر أحد أقربائه حاكما لقرية الجبيل. وأختص المك نفسه بأراض زراعية واسعة في مناطق مختلفة على النيل وفي الجزر، ومنح بعضها لكبراء (الأرابيب) من خاصته. وبفضل تلك الهبات، عاش هؤلاء الكبراء عيشة منعمة في خدمة سلطان الفونج. وعلى الرغم من وجود العديد من أسماء العديد الذين كانوا يعملون ضمن الحاشية الملكية في الوثائق الرسمية والمواثيق، إلا أنه لم تكن هنالك بيروقراطية مركزية في شندي. فلم يسمع أحد من الرحالة الذين زاروا المنطقة بأسماء أي مسؤولين في مكاتب حكومة شندي، إذ أن المك، فيما يبدو، كان قد جمع كل فروع السلطات في شخصه، بينما أسند حكم القرى الواقعة تحت سيطرته لأقربائه، ولم يحتفظ في بلاطه إلا بنحو ستة من رجال الشرطة، وكاتب وإمام وخازن، وحرس شخصي كانوا كلهم من رقيقه.
كان المك يمتلك بعض الأسلحة النارية، غير أن قوة مملكته الحقيقية كانت في سلاح فرسانه "الذي كان يحدد مصير كل معركة يخوضها المك ضد أعدائه". ففي شندي وحدها كان بإمكان المك أن يسْتَنْهَضَ نحو 200 إلى 300 من الفرسان من شندي وحدها. وكان رجال المدينة يفضلون فحول الخيول، بينما يؤثر الجعليون الرحل الأفراس.
ورغم كل ما ذكرنا فإن سلطة المك لم تكن تتعدى شاطئ النيل كثيرا. فقد كان العرب الرحل في البطانة وفي المناطق شبه الصحراوية في بيوضة (ولكن ليس عرب الجعليين الرحل) يدفعون الجِزْي مباشرة لملك العبدلاب (المانجل) في قري، الذي كان يمثل سلطان الفونج في شمال البلاد. ولم يسمح سلطان الفونج لمك شندي بأن يفرض أي نوع من المكوس على القوافل المتجهة من سنار لمصر، إذ أن معظم البضائع في تلك القوافل كانت تخصه شخصيا. أما القوافل الأخرى التي تمر بشندي، فقد كانت تدفع ما يفرضه المك عليها من مكوس وإتاوات.
وكانت الامارات النيلية (الدُورٌ dars) مثل شندي وبربر تشكل "مستوى المنطقة" في هرم السلطة، الذي تتَرَبَّعَ سنار على قمته. وكانت التراتبية السياسية من السلطان عبر حكام العبدلاب (المناجل) إلى المككوك المحليين مسنودة بمصاهرات عائلية قَوَّت من التحالف القائم بين الفونج والعبدلاب، حيث كانت فتيات العائلات الملكية والنبيلة تُزوج إلى رجال المكوك المحليين في مقابل الهدايا والجِزْي والولاء والتأييد السياسي.
لقد كان هنالك دوما من يطالبون بالعروش، وكان ذلك مما ضاعف من نشاط كبراء الدولة لانتزاع المزيد من الهدايا والعطايا والوعود بالتأييد والنصرة والخضوع قبل اختيار المرشحين. ولم يكن خطر العزل والاستبدال بمرشح أكثر تعاونا من باب التهديد الأجوف، كما تدل على ذلك حالات موثقة أشهرها حالة وقعت في بربر.
***** ***** *****
ومع بزوغ نجم محمد علي باشا وتصاعد قوته ونفوذه في مصر في العقد الأول من القرن التاسع عشر، تغيرت سياسة مصر تجاه السودان بصورة حاسمة. فقد كان العثمانيون الأتراك الذين حكموا مصر منذ عام 1517م يحرصون أشد الحرص على الحفاظ على علاقات تجارية حسنة مع سنار ودارفور، وقلما كان هؤلاء الأتراك يفكرون جديا في احتلال السودان للاستيلاء على منتجاته من الذهب والرقيق والعاج وريش النعام والإبل. غير أن محمد علي، بطموحه الجامح، لم يتردد في إرسال جواسيسه للمنطقة تمهيدا لاحتلالها. وكان الرجل يخطط لبناء مصر كدولة صناعية مستقلة وقوية تقف على قدم المساواة مع دول أوروبا. وكان يدرك أيضا أن ذلك يتطلب موارد كثيرة وتوسعا خارجيا. وكانت شندي في أيام غزوه للحجار قد غدت موردا مهما للإبل. إلا أن انفراط عقد الأمن على طول شاطئ النيل كان قد أثر سلبا على إمدادات الإبل القادة لمصر عبر شندي. وكذلك كان "درب الأربعين" الرابط بين مصر ودارفور قد قفل لسنوات عديدة. وأوقعت كل تلك الظروف والأحداث أضررا كبيرة على التجارة الداخلية في مصر. وفي ذلك الجانب وسجل جورج إنجلش الضابط الأمريكي الذي رافق حملة محمد علي باشا في مذكراته أن الخديوي "قرر أن أفضل الطرق لحسم كل تلك الفوضى والتَفَلُّت هو أن يخضع تلك الأراضي لسيطرته. وأمر بتجهير حملة عسكرية قوامها أربعة آلاف من الجنود، تحت إمرة ولده الأصغر الأمير إسماعيل باشا هدفها هو السيطرة التامة على كل مناطق وادي النيل، من الشلال الثاني وحتى سنار"
وبدأ جيش الخديوي تحركه نحو السودان في خريف عام 1820م. وفر المماليك جنوبا مع تقدم جيش إسماعيل باشا، ولم يلق أي مقاومة حقيقية سوى من الشايقية. وتحالف ملكا الشايقية، شاويش وصبير، وجمعا ما قُدر بستة آلاف من المحاربين المسلحين. ورغم تفوقهم العددي، فقد خسر جيش الشايقية في معركتين دمويتين. وقام جنود الجيش التركي – المصري بقطع آذان من قتلوا (أو يُظن أنهم قد فارقوا الحياة) وبعثوا بها إلى القاهرة. وقُيل إن محمد علي كان قد وعد بدفع خمسين قرشا عن كل زوج من الآذان. ولكنه كتب فيما بعد لولده إسماعيل ينبهه إلى إن ذلك الإجراء (أي قطع الآذان) قد أغضب الشايقية ونفرهم من فكرة قبول التصالح مع الأتراك، ويذكره بأن من واجبه نشر العدل (بين الأهالي) حتى ينال ثقتهم وحبهم. وبعد أن تكبد صبير خسائر فادحة في معاركه مع إسماعيل باشا أعلن الاستسلام. أما شاويش فقد آثر الفرار إلى منطقة قريبة من شندي، وأحدثت قواته الكثير من الدمار والتخريب في كل ما وجدته أمامها وهي تنسحب جنوبا.
وبعد الفراغ من أمر الشايقية، واصلت القوات التركية - المصرية زحفها جنوبا وبلغت بربر، وعندها استسلم مك بربر (نصر الدين) دون قتال. وقيل إن نصر الدين هذا كان قد اتصل من قبل بمحمد علي باشا وطلب منه العون ضد منافسه مكك الميرفاب الآخر (واسمه علي ود تمساح) الذي يقيم على الضفة الغربية من النيل (هنالك روايات مختلفة حول هذه النقطة. المترجم). وكان للشقاق بين المكين أسبابا عديدة منها أن نمر ومساعد كانا قد اتحدا في عام 1818م في الهجوم على بربر واحتلاها، ثم نصبا علي ود تمساح حاكما على بربر، بينما كان حاكمها الأصلي (نصر الدين) في مكة لأداء فريضة الحج. وقيل إن نصر الدين لما علم بما حدث، فر إلى مصر وعاد مع جيش محمد علي باشا في عام 1820م. غير أن ذلك القول لم تؤكده المصادر التاريخية. بل أكد شاهدا عيان (الضابط الأمريكي جورج إنجلش، والعالم والرحالة الفرنسي، الذي زار بلاد النوبة وكتب عنها كتابا، فريديريك كلود. المترجم) أن نصر الدين استسلم لإسماعيل باشا في بربر. غير أن فريديريك كلود ذكر أن ذلك الاستسلام وقع عقب بلوغ جيش إسماعيل لبربر، بينما زعم جورج إنجلش إن ذلك حدث بعد أيام عديدة من دخول الجيش للمدينة، وبعد أيام طويلة من استسلام المك نمر. وعزا إنجلش تأخر مك بربر في الاستسلام لمرض ألم به.
وبقي إسماعيل باشا في بربر لإراحة جيشه وفي انتظار استسلام المك نمر. وكان إسماعيل باشا قد أرسل إليه من قبل رسالة حملها أحد التجار إلى شندي. وعاد ذلك التاجر إلى بربر حاملا رد المك نمر ورسائل أخرى من بعض شيوخ الدين والتجار في المدينة. وفي 12 مارس 1821م وصل إلى بربر أحد أبناء المك نمر وهو يحمل عددا من الهدايا القيمة وأعلن أمام إسماعيل باشا استسلام شندي.
وإثر استسلام المك نمر أرسل إسماعيل باشا أحد أفندية ديوانه إلى شندي لترتيب إجراءات الاستسلام. وأصدر الباشا عفوا عاما شمل أيضا الشايقية الذين لجأوا لشندي فرارا من هجومه الكاسح عليهم (إن أعلنوا عن استسلامهم له). وفي طريقه لشندي قابل إسماعيل باشا المك نمر، وعادا سويا لبربر في يوم 22/3/1821م. وبحسب رواية الفرنسي كلود "كان يرافق المك نمر كثير من الخدم والحَشَم، وفرسين مطهمين جميلين كان سيقدمهما هدية للباشا. ولما قُدم المك إلى سعادته، قبل يده ورفعها وضغطها على جبهته، وقال له إنه قدم عليه ليسلم نفسه وبلده إلى سعادته، ويطمع في عطفه وحمايته". وذكر كلود أن المك كان قد قدم لبربر محمولا على مِحَفّة موضوعة على جملين. وكان يرتدي قميصين واسعين، ويغطي كتفيه بجُبّة، ويضع على رأسه طاقية تقليدية. وكان الأمريكي إنجلش (الشديد الإيمان بحملة محمد علي) يعتقد بأن المك نمر كان قد قوبل بلطف واحترام. غير أن الفرنسي كلود كان يرى أن إسماعيل باشا قد قابل المك نمر ببرود لا يخفى، ولم يقدم لضيفه القهوة أو الشيشة. وقضى المك نمر في بربر ثلاثة أيام، آب بعدها لشندي بعد أن وعد إسماعيل باشا بتزويده بما يطلبه من إبل.
وظل محمد علي يحث ولده إسماعيل على سرعة تحرك الحملة وإكمال المهمة بأعجل ما تيسر. لذا قرر إسماعيل الرحيل إلى بربر وإقامة معسكر في شندي. وبالفعل أقام معسكره في الضفة الغربية لشندي في 9/5/1821م. ويبدو أن عامة الجعليين كانوا قد قبلوا باستسلام المك نمر دون أي احتجاج واضح. وحتى ذلك التاريخ لم تكن هنالك أي إرهاصات أو مظاهر تدل على مقاومة من الفونج أو الهمج. غير أن الشايقية كانوا يبدون قلقهم من الأوضاع ويهددون بمقاومة الغزاة (من جديد). ولكن بعد مرور بعض الوقت، أعلن شاويش عن استسلامه، بل وقبل بالعمل مع هؤلاء الغزاة. وأثار ذلك التحالف خشية وكره وعداوة الكثيرين في الدولة التركية – المصرية بالسودان.
وقدم المك نمر أمام بيته (الذي لا يختلف كثيرا عن بيوت بقية سكان شندي إلا في المساحة) لإسماعيل باشا عندما وصل إلى المدينة مئات الجمال، إيفاء بوعده له في بربر. ولم يعكر صفو الأمن في المنطقة في أثناء بقاء جيش إسماعيل بها غير حادثة خطيرة وحيدة، تمثلت في قتل بعض الجنود الأتراك الذين حاولوا أن يصادروا من التجار في السوق بعض الذرة. وأنتقم جيش إسماعيل باشا لأنفسهم بحملة دموية ضد سكان بعض القرى في المنطقة، وقتلوا منهم المئات. ولم تتوقف تلك الاعتداءات إلا بعد أن توسط المك نمر شخصيا لحل النزاع.
ورأى إسماعيل باشا أنه ليس من الحكمة أن يترك المك نمر ومساعد خلفه عندما يصوب رحله نحو سنار، فأمرهما بمرافقته إلى سنار. وعندما زار لينان دى بلفوند Bellefonds شندي في نوفمبر 1821م، كان نمر ومساعد ما يزالان في سنار، ولكنهما عادا لشندي في بداية ديسمبر من ذات العام.
وقضى إسماعيل باشا أكثر من عام في الجنوب وهو ينقب عن الذهب في منطقة فازوغلي، في الوقت الذي نجح فيه صهر محمد علي باشا محمد بيه الدفتردار في السيطرة على كردفان. وبدأ رجال الجيش التركي – المصري في فرض ضرائب باهظة على المزارعين على طول امتدا نهر النيل شمالا. ولم يجد سكان شندي بُدّا من بيع ممتلكاتهم وأغراضهم الشخصية لسداد ما فرضتهم السلطة الجديدة من ضرائب ومكوس وإتاوات فاحشة. وسرت في شندي شائعات مفادها أن المك نمر سيتمرد على السلطة الغازية بمجرد أن يؤوب لبلاده. غير أن المك طمأن الأتراك بأنه لا يفكر في التمرد عليهم، إذ أنه كان يؤمن بأنه إن فعل ذلك، فسيرسل له محمد علي باشا جيشا أكبر يدمر مدينته ولا يبقي لها على أثر.
غير أن التململ والغضب من الضرائب الفاحشة التي فرضها الحكم الغازي، والتي كان يجمعها الجنود بطرق شديدة الفظاظة والقسوة، بدأ في التزايد، وبد أن احتمال قيام الأهالي بحركة يائسة قائم في أي لحظة. ولم تفت على إسماعيل باشا وهو في طريق عودته لمصر من سنار في خريف 1822م ملاحظة الآثار الباكرة لسياسته الاقتصادية. ولما وصل إلى شندي بالباخرة، دخلها وطلب مقابلة المك نمر. وقيل إنه طلب من المك في تلك المقابلة دفع نحو 100,000 دولار (نقدا، وكرقيق وماشية). ولما أوضح المك له استحالة جمع مثل ذلك المبلغ، قذفه إسماعيل بغليون في وجهه وسب ابنته. وقيل إن المك أراد أن يرد تلك الإهانة في ذات اللحظة، غير أن المك مساعد أفلح في تهدئته مستخدما معه لغة البشاريين (البداوي).
وفي مساء ذات اليوم (3/11/1822م) كان الباشا وصحبه يلبون دعوة المك على ضفاف النيل. ثم أحاط جنود المك المكان بعيدان القصب والحطب وأشعلوا فيها النيران، وقضى الباشا وجنده حرقا (أو اختناقا). وسرى خبر قتل الباشا كالنار في الهشيم، فقامت ثورات ضد الأتراك على امتداد النيل، وأقدم الأهالي على اصطياد الجنود المصريين والأتراك وقتلهم، حتى في المناطق البعيدة كواد مدني (غير أن المدينة لم تسقط)، وفي أتبرا (حيث لاقى مديرها ماحي بيه صعوبة جمة في الدفاع عن بربر ضد هبة الجعليين الغاضبة).
وأسرع الدفتردار بالزحف من كردفان إلى نهر النيل لتنفيذ أوامر صدرت إليه لتعقب ومعاقبة المتمردين. وعقب فترة أولية من العنف الدموي تم عقد اجتماع بين الدفتردار ومجموعة من كبراء الجعليين في المتمة (وكان المك نمر ومساعد قد إنسحبا حينها إلى البطانة). وقطعت المفاوضات بين الجانبين بسبب هجوم مفاجئ على الدفتردار كاد يودي بحياته. ومنذ تلك اللحظة لم يبد الجنود الأتراك أي رحمة بالجعليين. فعقب الفراغ من إحراق أجزاءً كبيرة من المتمة عبروا النيل شرقا لشندي وأعملوا فيها نهبا وحرقا وتقتيلا. ثم انتقلوا للأرياف في حملتهم الانتقامية حتى بلغوا الدامر وأحرقوا مسجدها، واتجهوا جنوبا وهم ينهبون ويحرقون ويقتلون كل ما ومن يجدونه أمامهم في كل مكان.
ويبدو أن الدفتردار وجنوده لم يقوموا بأي محاولات لتعقب المك نمر. غير أنه نمى لسمعهم شائعات تفيد بأن نمر يخطط للعودة لشندي، فقرر الدفتردار الهجوم عليه في البطانة. وبالفعل جرت معركة بين قوات نمر والدفتردار في النصوب (Al -Nasub) في يونيو – يوليو من عام 1823م انتهت بهزيمة المك نمر وجنده. وانسحب المك نمر وعائلته وأتباعه إلى الحدود الحبشية حيث أقاموا ما يشبه "دويلة حاجزة Buffer state " على نهر الستيت، بينما تعقب الدفتردار المك مساعد ونجح في قتله فيما بعد (في منطقة الدندر). وظل المك من موقعه الحصين البعيد عن أيدي الأتراك يسبب الكثير من المضايقات للحكم التركي – المصري الجديد، ويوفر ملاذا للاجئين الفارين من أفراد قبيلته من مختلف المناطق حتى ستينيات القرن التاسع عشر (للمزيد عن المعارك التي دارت بين المك نمر والدفتردار يمكن النظر للمقال المترجم بعنوان "نمر: ملك شندي الأخير" من تأليف إي روبنسون، والمنشور في العدد الخامس من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" الصادرة في عام 1925م. المترجم).
وبقي الدفتردار في معسكره غرب النيل قرب المتمة حتى شتاء 1823 – 1824م. وأحدثت حملته الانتقامية تلك خرابا كاسحا وتدميرا ماديا وثقافيا في أوساط قبيلة الجعليين، أدى لحصد أرواح أعداد كبيرة منهم، ونزوح كثير منهم – بصورة دائمة في غالب الأحايين - لمناطق السودان المختلفة. ونُقل الكثيرون منهم إلى مصر كرقيق، رغم أن محمد علي باشا أضطر لإعادة معظم هؤلاء لبلادهم استجابة لضغوط من بعض قناصل الدول الغربية (بحسب ما أورده روبنسون في مقاله عن المك نمر، نقلا عن ماكمايكل في كتابه الشامل عن "تاريخ العرب في السودان" بشأن حملات الدفتردار الانتقامية، وذلك في الفصل الموسوم "تاريخ سنار". وتوسع ماكمايكل كذلك في مقاله عن "الفتح التركي للسودان" المنشور في مجلة "تاريخ المجتمع الأفريقي" في وصف تلك الحملات الانتقامية وصفا دقيقا. المترجم). غير أن بعض هؤلاء الذين أخذوا كرقيق في القاهرة بقوا فيها. وبحسب ما أورده نعوم شقير، كان بعض أحفادهم يقيمون في "حوش الجاموس" في حوالي عام 1900م.
وبالنسبة للجعليين الذين بقوا في مدنهم وقراهم الأصلية، والذين هاجروا لمناطق أخرى في السودان، كانت بداية ذلك الحكم الاستعماري فترة كالحة السواد.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.