From Sufism to Fundamentalism: The Mahdiyya and the Wahhabiyya

Gabriel R. Warburg جبرائيل واربوج
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

ولد المؤلف – بحسب سيرته الذاتية المبذولة في الشبكة العنكبوتية - في برلين بألمانيا عام 1927م وهاجر مع عائلته وعمره سبع سنوات إلى فلسطين وبقي بها حتى عام 1946م حين أكمل دراسته بكلية للزراعة، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (بين عامي 1961 و1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، التي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن "إدارة الحكم الثنائي بين عامي 1899 – 1916م". وعمل بعد ذلك أستاذاً في جامعة حيفا حتى تقاعده في عام 1996م. ونشر واربوج الكثير من المقالات المحكمة والكتب عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى، منها كتاب بعنوان " الإسلام والقومية والشيوعية في مجتمع تقليدي: حالة السودان"
Islam, Nationalism and Communism in a Traditional Society: The Case of Sudan
وكتاب "إعادة الشريعة الإسلامية في السودان في عهد النميري"
The Reinstatement of Islamic Law in Sudan under Numayry
وكتاب آخر عن الطوائف الدينية في السودان والسياسة منذ عهد المهدية، إضافة لعدة مقالات عن الإخوان المسلمين، وأنصار المهدي، والحزب الشيوعي السوداني. وسبق لنا أن قمنا بترجمة شذرات من بعض كتب ومقالات الكاتب.
المترجم
***** *****
كانت المهدية متسامحة جدا مع الصوفية في بداية عهدها. ثم انتقلت بعد ذلك إلى خانة الشك، وحتى العداء. وكان هذا بعكس مشاعر العداء التي تكنها الوهابية للمهدية. وأفلحت الوهابية، خلافا للمهدية، في توسيع دائرة رسالتها بمختلف الأشكال في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي في آسيا وأفريقيا. وفي هذا المقال سأتناول المهدية في السودان، وأتطرق في بعض المواضع للوهابية أيضا.
ويشمل تعريف "الصوفية" هنا كل متصوفة المسلمين Muslim mystics منذ القرن التاسع الميلادي فيما يعرف الآن بالعراق. وبعد قرنين من ذلك التاريخ توسع ذلك التعريف فشمل كل المسلمين المتصوفين في كل أرجاء العالم، رغم أن المسلمين في القرن الهجري الأول (نحو 719م) كانوا يعدون ارتداء الصوف (والتي اشتقت منه تلك الكلمة) "زيا مشينا من أصل مسيحي". وضمت الطرق الصوفية في الماضي (والحاضر أيضا) العناصر متشددة، وأخرى وسطية. وينبذ الإسلاميون الأصوليون التطرف الصوفي، غير أن "التصوف المعتدل" يجد دوما القبول من المسلمين السنة. ويجب التشديد هنا على أن الوهابية، بخلاف المهدية، تعارض الصوفية، ولا علاقة لها بها ... بل يعد الوهابيون تقديس الأولياء والصالحين من مظاهر الشرك بالله.
أما ظاهرة "الحركات الأصولية الإسلامية" فهي ظاهرة حديثة نسبيا، جاءت نتيجة لأوضاع تاريخية معاصرة، واشتق المصطلح نفسه مُجَارَاةً لـ "الحركات الأصولية المسيحية". ويرى بعض الخبراء أن الأسباب المفضية للأصولية تشمل (1) عدم كفاية أو قلة التنمية الاقتصادية – الاجتماعية للدخول في الأسواق العالمية، مع زيادة مفرطة في عدد السكان، و(2) الاستياء والنِّقْمَة من حكومات ما بعد الاستقلال، لقلة كفاءتها، ولعدم قدرة الجماهير على التأثير عليها، إلا في أحيان قليلة قبيل وأثناء الانتخابات. وفي حالات كثيرة لا تعمر العهود الديمقراطية طويلا، و(3) حالة الإحباط العام من مجريات النظام العالمي السائد، والتي يسود فيه الاعتماد على المستعمر وخدمة المصالح الغربية، و(4) المحاولات المستمرة لتبني النماذج الغربية مثل الديمقراطية والاشتراكية واللبرالية، وجميعها قد أخفق في نهاية المطاف، وأدي لشيوع حالة من اليأس. ونتج عن كل ما ذكرناه من عوامل تزايد الإيمان بضرورة السير في طريق إسلامي أصولي (purist).
وقسم بعض الكتاب الإسلاميين الأصوليين إلى ثلاثة أقسام:
(1) المتطرفون، من أتباع إيديولوجية سيد قطب، الذين يؤمنون بأن العالم يقف الآن على حافة الهاوية في حالة "جاهلية"، وما من مخرج له ولا منقذ سوى الإسلام. وبفهمهم الخاص للإسلام فهم يؤمنون بتكفير الآخرين، ويدعون المسلمين الآخرين لنبذ مجتمعهم الجاهلي، والقيام بجهاد الطلب (النشط / الهجومي) ضد الكفار، وتنصيب حكامٍ مسلمين (بحق) في الدول الإسلامية، و
(2) من ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهؤلاء يمثلون غالبية الأصوليين. وجميعهم يعارضون العلمانية وفصل الدين عن الدولة، ولكنهم ينادون بتطبيق كل ذلك بالطرق السلمية التي تشمل الانتخابات البرلمانية، ولا يؤمنون بالجهاد ضد الحكام المسلمين الشرعيين، ولكنهم يؤمنون بقتال أعداء الإسلام من اليهود والنصارى، على الرغم من كونهم من "أهل الكتاب" و
(3) من ينادون بإيجاد "هوية إسلامية" في المقام الأول، بحسبانها من أول الاحتياجات العاجلة. ففي عالم الغلبة فيه للقوى الصناعية الغربية، لا بد (أولا) من إيجاد هوية وطنية للمستضعفين في الأرض. وبالنسبة لهؤلاء فإيجاد تلك الهوية تجعلهم يقبلون بالتعاون مع العلمانيين، ويرضون حتى بتأجيل تطبيق الشريعة.
وكان المؤرخ الأمريكي جون فول (الذي أنجز رسالته للدكتوراه عن طائفة الختمية بالسودان. الخرطوم. المترجم) قد نشر مقالا في نفس موضوع المقال الحالي بعنوان "الوهابية والمهدية: أساليب بديلة للتجديد الإسلامي" في عام 1982م. وذكر فول في مقاله أن الحركتين قامتا على أساسين وطريقتين ونظرتين مختلفتين للتجديد. فقد اعتمدت المهدية على كاريزما قائدها، الذي تزعم حركة لا تنفعل إلا بتوجيه زعيمها (leader – oriented movement). وزعم ذلك المجدد (محمد أحمد بن عبد الله) بعد يونيو 1881م أنه المهدي السوداني. وعلى العكس من ذلك كانت حركة الوهابية تعتمد على الرسالة التي طرحتها (message - oriented movement)، وكانت رسالة التوحيد التي طرحتها تقوم على المذهب الحنبلي، الذي يتحفظ على مبدأ "كاريزما القائد". فعندما تحالف محمد بن عبد الوهاب مع الأمير محمد بن سعود (1702 – 1765م)، كان أساس ذلك التحالف هو "رسالة التوحيد"، وليس صفات القيادة الكاريزمية. وهنا يظهر الاختلاف مع الطرق الصوفية وتراثها والتراث الذي يؤمن بالمهدي المنتظر، الذي سيكون خليفة للرسول، وتحل عليه البركة. فقد تبنى محمد بن عبد الوهاب التوحيد بحسبانه هو رسالته الموجهة للناس، ولم يدع أتباعه للاعتماد على صفاته الشخصية، بل حضهم على إتباع رسالة التوحيد.
وعاود الشكلان البديلان للتجديد الظهور في القرن العشرين عندما أثبتت الحركتان أن لهما شعبية وأدوارا يمكن لهما أداؤها في الدول الناشئة (المستقلة حديثا). وبعد قيام دولتهم تولت الأسرة السعودية مقاليد الحكم في البلاد، بينما بقى أحفاد محمد بن عبد الوهاب يقومون بدور المرشدين الدينيين.
أما في السودان فقد ظهرت المهدية بوجه جديد (أطلق عليه "المهدية الجديدة") بعد الحرب العالمية الأولى. وأتخذ ذلك الوجه الجديد في البداية شكل حركة إسلامية سميت "الأنصار"، ثم كونت لاحقا حزبا سياسيا هو "حزب الأمة"، ظل دوما تحت قيادة رجل واحد من نسل عبد الرحمن المهدي المباشر. ونتيجة لذلك كان بإمكان رسالة الوهابية التجديدية (المعتمدة على الرسالة التي طرحتها) الانتشار خارج حدود الجزيرة العرب بأوسع مما كان ممكنا للمهدية، والتي بقيت ظاهرة سودانية محلية لم تتخط قط الحدود السودانية.
وقد ظهرت الوهابية والمهدية بالطبع قبل ظهور "طالبان" في أفغانستان، و"حماس" في فلسطين (غزة) أو "حزب الله" في لبنان، والحركات العالمية الأخرى مثل "القاعدة". وبعبارة أخرى/ يمكن القول بأن الانتخابات الديمقراطية قد ساعدت على ما يبدو ما سٌمي بـ "حركات التجديد الإسلامي" للوصول للسلطة، مما أصاب بعض الساسة الأوربيين بالإحباط والفزع.
***** ***** *****
ولد ابن عبد الوهاب (مؤسس الحركة الوهابية عام 1744م) في نجد في عام 1702 (أو 1703م)، وأسمى حركته "دعوة التوحيد"، ومن ينتسبون لها "الموحدين" (وليس "الوهابية"، كما يسمون في العالم الغربي). وكان هؤلاء الموحدون يعدون كل ما يرونه انحرافا عن صحيح العقيدة هو "بدعة" يجب إنكارها ورفضها تماما. وأدى ذلك التشدد في التفسير لدخول "الوهابية" في صدام مسلح مع جيرانهم الشيعة في البلاد المعروفة الآن بالعراق وسوريا، وتحطيم مدنهم المقدسة، وفي الجزيرة العربية، حيث سيطروا على مكة والمدينة. ورغم أن هجوم الوهابية كان مركزا على الصوفية والشيعة، إلا أنهم أبطلوا كثيرا من ممارسات أهل السنة بحسبانها من البدع المنكرة التي تودي بفاعلها للارتداد للوثنية.
وعد (المؤرخ السوداني) حسن أحمد إبراهيم في مقال نشره في عام 2006م الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والزعيم الروحي الهندي شاه والي الله الدهلوي (1703 – 1762م) "أهم عالمين مجددين عرفهما العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر". وكانا يشتركان في وقت ظهور دعوتيهما، وفي الدعوة للتجديد ونبذ الشرك والتقليد. غير أن محمد بن عبد الوهاب كان قد قضى حياته كلها في الجزيرة العربية (المعزولة حينها)، وتلقى دراسته الدينية على المذهب الحنفي، وعلى منهج ابن تيمية الشديد السلفية والرافض للصوفية ولكثير مما ورد في المذاهب الإسلامية الأخرى. لذا يرفض الوهابية الصوفية وممارسات شيوخ طوائفها، قولا واحدا. غير أن شاه والي الله وأتباعه في شبه الجزيرة الهندية يقبلون بالصوفية بطرقها الأربع المعروفة في الهند. بل إن شاه والي الله نفسه كان شديد التأثر بالصوفية، وكان من أتباعه بعض رجالات الصوفية. لذا فإن موقف شاه والي الله من الصوفية وعدم إنكاره لممارساتهم أو وضعهم في عداد المشركين كان يناقض تماما موقف محمد بن عبد الوهاب.
وغدت الوهابية، في صورتها المخففة، هي الايديلوجية الحالية بالسعودية، وصارت في أشد صورها تطرفا هي الأيديلوجية الإسلامية للقاعدة ولكثير من الحركات الجهادية الأخرى في كثير من أجزاء العالم الإسلامي. لذا لن يستغرب أحد من الناس من ظهور هذه الموجة الحالية (قبل نحو عقد من الزمان. المترجم) من الأصولية الإسلامية، والإرهاب العالمي. وترفض هذه الحركات الأصولية وأفرادها من "الموحدين" حكومات الدول الإسلامية وما تراه في سياساتها من توجه نحو الغرب.
***** ***** *****
يعد السودان في نظري هو أهم مثال تاريخي لدولة انتقلت فيها حركة صوفية إلى الأصولية في ثمانينات القرن التاسع عشر. وذكر سبنسر تريمنجهام في كتابه "الإسلام في السودان" أن الإسلام قد دخل لسلطنة الفونج بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر من الجزيرة العربية بصورة أساسية. وحاول الحكم التركي – المصري خلال القرن التاسع عشر – دون نجاح كبير - إدخال شكل من أشكال الإسلام الوسطي /الأزهري للسودان. وظل الإسلام الصوفي (السوداني الطابع) بكل طقوسه وممارساته القديمة هو السائد في سنوات ذلك العهد. واحتفظ الفكيا (جمع فكي) والأولياء والصالحين ونسلهم بالتقديس والاِتِّباع. غير أن هؤلاء كان لهم دور أيضا في إِذكاء نار المشاعر المعادية للاستعمار المصري، ولاحقا في نشوء مشاعر وطنية تحت راية المهدية تنامت إلى أن أفضت لحركة مضادة لجيرانهم المسلمين في الشمال وحكومتهم الاستعمارية.
وكان لإدخال الإسلام في السودان عبر الشيوخ والأولياء والصالحين أسباب عديدة منها:
1/ على الرغم من أن الفقهاء / الفكيا سبقوا شيوخ الصوفية في عملية الأسلمة بالسودان، إلا أن الصوفية أصابوا نجاحا أكبر بكثير مما قبلهم بسبب "شعبية" الصوفية وسهولة فهمها مقارنة بالإسلام التقليدي المعتاد (Orthodox Islam).
2/ صاحبت صوفية القرن السادس عشر الكثير من الخرافات والخزعبلات (توسع في ذكر هذا النقطة سبنسر ترمنجهام). ولكن من المفارقات أن ذلك عَبَّدَ الطريق أمام استيعاب وتعلق عامة البسطاء من ذوي الإسلام الشكلي (السطحي) بالصوفية. وخير مثال على ذلك سلطنة الفونج في سنار، حين سهلت وبسطت الطرق الصوفية على السكان فهم الإسلام كعادات وطقوس محلية زاخرة بالخرافات.
3/ كانت "قداسة" الأولياء والصالحين وبركاتهم تتوارث عند أفراد عائلاتهم. ووجد هذا الأمر قبولا كبيرا عند رجال القبائل السودانية المختلفة، على اعتبار أن هؤلاء الأولياء وسطاء بينهم وبين الله. لذا غدا الفكيا والفقرا (كما يسمون عند عامة أهل السودان) أكثر قبولا وأسهل فهما عند العامة من فقهاء الإسلام وعلمائه.
وتناول المؤرخ محمد إبراهيم أبو سليم بالبحث دور "العلماء" في نشر الإسلام بالسودان، وخلص إلى أن السودان كان مختلفا عن غيره من الدول الإسلامية في عدم وجود طبقة محلية من "العلماء" تتولى القيام بالمهام والوظائف الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية. فـ "العالم" السوداني كان أولا وأخيرا عضوا تابعا ومخلصا لعائلة "مقدسة" أو طريقة صوفية، إذ أن التصوف كان يعد في السودان هو الطريق الأقوم (بل الأوحد) للتقوى الإسلامية. وكان رجال الدين في السودان يؤثرون "التصوف" على "العلم" (ذكر الكاتب هنا عددا من المراجع لبيتر هولت عن "كاتب الشونة" في الكتابين الذين حررهما - مع آخرين- بعنوان The Sudan and the Three Niles و A History in the Middle East المترجم). فالعالم السوداني في ذلك الوقت كان هو في الغالب ذلك الرجل الصوفي الحافظ للقرآن الذي قرر أن يهب كل وقته للدراسات الدينية مع الاحتفاظ بمعتقداته وولاءته الصوفية.
وأدخلت الكثير من العائلات القادمة للسودان من الجزيرة العربية الإسلام لسلطنة الفونج. وساكنت تلك العائلات العربية المسلمة القبائل المحلية، وأقاموا المدارس الدينية (الخلاوي)، واكتسبوا أيضا ثروةً كبيرة ونفوذا عظيما في أوساط الأهالي. ومن أمثلة تلك العائلات "أولاد جابر" الذين أدوا أدوارا نشطة ومهمة في إدخال الإسلام في السودان منذ بداية عهد سلطنة الفونج. فقد أقاموا العديد من الخلاوى في السودان النيلي الشمالي، وكذلك في دارفور ووداي، وكسبوا الكثير من النفوذ والثروة. وصار خريجو تلك الخلاوى "علماء" عملوا في مختلف المناطق بالسودان. و"أولاد جابر" أيضا من خير أمثلة تراكم الثروات والنفوذ عند بعض "الأولياء والفكيا". وكغيرهم من العائلات النيلية (مثل الدناقلة والجعليين) الذين هاجروا لغرب البلاد، أقام "أولاد جابر" فروعا لعائلاتهم في دار فور ووداي نتيجة لهجرتهم واستقرارهم في تلك المناطق. ولكنهم خلافا للذين هاجروا كتجار (جلابة)، أقام أولاد جابر الخلاوى، وتملكوا أيضا المسترقين والأراضي (وأحيانا قرى كاملة)، وتولوا مناصب إدارية مهمة حيث أقاموا (اعتمد الكاتب في هذه النقطة على مقال "The Sons of Jabir and their Kin" في مرجع بيتر هولت الذي سبق ذكره. المترجم).
ومن الأمثلة الأخرى للعائلات الدينية صاحبة النفوذ الديني والاجتماعي والاقتصادي هي عائلة المجاذيب. وهؤلاء من "فقرا" الجعليين الذين يدعون الانتساب للعباس. ومؤسس طائفة المجاذيب هو الفكي حمد بن محمد المجذوب (المولود في 1693/ 1694م)، الذي درس الفقه المالكي بالسودان ثم ذهب للحج، وبقي بمكة لمواصلة الدراسة في الحرم المكي، وهنالك التحق بالطريقة الشاذلية. ثم عاد للدامر حيث أقام هو ونسله من بعده مراكزهم (مدارسهم) التعليمية التي جذبت كثيرا من الدارسين من كل أرجاء السودان، ومنها دارفور وكردفان. وكان المعلمون في تلك المدارس من عائلة المجاذيب الذين درسوا في مكة أو مصر. وكانت الدامر أيضا مركزا لـ "الفقيه الكبير" وهو مركز التقاضي الذي تحسم فيه القضايا بين المتقاضين، وكان على رأسه دوما أحد شيوخ المجاذيب. ثم غزا الدفتردار المنطقة وقضى على كل ذلك عند هجمته الدموية على مناطق الجعليين في 1822م عقب مقتل إسماعيل باشا. وفر شيوخ المجاذيب مع غيرهم من سكان المنطقة عقب ذلك الهجوم لأماكن أخرى في مناطق الجعليين.
وكان هنالك مصدر إضافي للإسلام في السودان أتى من سوكتو، أرض الهوسا (شمال نيجيريا الحالية) حين ظهر المجدد (شيخو) عثمان دان فوديو في القرن الثامن عشر، وأسس حركته الجهادية الخاصة به. ونجا الكثيرون من أتباعه الفولاني من هجمات الفرنسيين عليهم وهاجروا عبر وداي ودارفور واستقروا في سنار عاصمة دولة الفونج. وساعد جهاد دان فوديو مهدي السودان في الحصول على مؤيدين إضافيين، خاصة من غرب السودان في سنوات الحكم التركي – المصري.
***** ***** *****
ولفهم الخلفية الإسلامية للمهدية ونظرة مؤسسها محمد أحمد بن عبد الله للعالم (Weltanschauung) ينبغي أن ندرس أيضا الطرق الصوفية بالسودان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ودور محمد بن إدريس في ظهور ما سمي بالصوفية الجديدة في السودان (توسع في هذه النقطة الباحث السوداني أ. كرار في كتابه عن الطرق الصوفية بالسودان The Sufi Brotherhoods in the Sudan الصادر عام 1992م). ويجدر بالذكر هنا أن طريقتي السمانية والختمية أدخلتا هياكل تنظيمية جديدة عبدت الطريق أمام الحصول على تأييد واسع لهما في أوساط العديد من القبائل في كثير من بقاع السودان.
(تطرق بعد ذلك الكاتب لتاريخ الطريقة السمانية ورائدها محمد بن عبد الكريم السمان (1718 – 1775م وعن التحاق محمد أحمد بن عبد الله بشيخها محمد شريف نور الدايم في 1860م، ثم بشيخ سماني آخر هو القرشي ود الزين. المترجم).
وساعدت فكرة الإيمان بظهور "مهدي"، التي كانت سائدة في السودان عموما، وأيضا عند السمانية بصورة خاصة، محمد أحمد بن عبد الله (الذي كان شيخا سمانيا) على الإعلان عن نفسه كالمهدي المنتظر في يونيو من عام 1881م. وبحسب ما جاء في كتاب "الأدب الصوفي في السودان" لكاتبه الطاهر محمد علي البشير، فإن ارتباط المهدي بالطريقة السمانية وأتباعها كان له دور كبير في نجاح الثورة المهدية.
أما الختمية (أو الميرغنية) فهي طريقة صوفية مُتَخَطِّية للحُدُودِ القَوْمِيَّة (supra -national)، غير أن لها تاريخا يختلف عن تاريخ السمانية. فقد دخلت تلك الطريقة عن طريق محمد عثمان الميرغني (1793 – 1852م) الذي ينتمي إلى واحدة من أسر الأشراف بمكة المكرمة وهي أسرة الميرغني (للمزيد عن هذا الجانب يمكن الاطلاع على مقال "أَبْنَاءُ الإمام الغائب: نسب عائلة الميرغني" لكاتبه البرتش هوفهاينز. المترجم). تتلمذ الميرغني على يد الشيخ أحمد بن إدريس، وأوفده الأخير إلى سلطنتي الفونج ودارفور بين 1815 و1819م قبيل استيلاء جيش محمد علي عليها، ودخل سنار عام 1816م وبدأ فيها تكوين نواة طريقته الختمية.
ولد محمد الحسن الميرغني ببارا في كردفان عام 1819م. وأرسل في صغره لمكة لتلقي العلوم الدينية وحفظ القرآن مع والده. وبعد وفاة ابن إدريس في أكتوبر 1837م أرسل محمد عثمان ابنه محمد الحسن الميرغني لإقامة فرع للختمية في السودان، ونال لأسباب عديدة موافقة وعون الحكومة التركية – المصرية الحديثة التكوين. وعلى الفور بدأ محمد الحسن الميرغني حملة مكثفة لتجنيد السودانيين لطريقته، خاصة في مناطق شمال السودان النيلي وبشرق السودان. وعين له "خلفاء" في تلك المناطق من أتباعه، ومن الأولياء والفكيا الشاذلية الذين تحولوا لطريقته.
ويمكن أن نعزو نجاح الطريقة الختمية للعوامل التالية:
1. قدرتها التنظيمية الفائقة التي استطاعت بها مجابهة التحديات التي واجهت محاولات مد نفوذها، وعدم حدوث أي انقسامات أو انشقاقات بها، مثل تلك التي حاقت بالطريقة السمانية.
2. كانت الختمية هي أول طرق "الصوفية الجديدة" المتبعة للطريقة الادريسية، والتي بلغت السودان من خارجه. لذا فقد كانت طريقة متماسكة وأقل تأثرا بالخرافات والخزعبلات المحلية. وأهم من ذلك كله، فقد استغل الحسن الميرغني أن بقية الطرق الصوفية الصغيرة كانت قد اضمحلت، أو فقدت مصداقيتها، أو قضى عليها حكام السودان المصريون. لذا لجأ الميرغني للقبائل النيلية مثل قبيلة الشايقية، والذين وجدوا فيه قائدا صاحب كاريزما عالية قد يعوضهم عن مؤسساتهم التقليدية وشيوخهم المنشغلين بالخرافات، ووجدوا في الختمية إسلاما "وسطيا" شبيها بما كان يدرس بالأزهر.
3. استفادت الختمية من صلتها الوثيقة بالحكم التركي – المصري للبلاد، الذي صادف دخولهم للبلاد بدء انتشار طريقتهم في السودان. ويجب أن ننقل هنا ما ذكره كرار في كتابه عن الطرق الصوفية عن أن محمد عثمان الميرغني كان قد أمر ولده بضرورة إقامة علاقة وثيقة مع "الأتراك" لعلمه بالفوائد السياسية التي يمكن أن يجنيها المراغنة من ذلك.
وبهذا كانت العائلات الدينية "المقدسة" والطرق الصوفية الجديدة قبيل بدء الغزو التركي – المصري أقوى اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا من الحكومة المركزية لسلطة مملكة الفونج المتهالكة، التي أسقطها المصريون عامي 1820 - 1821م.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح الأن هو: كيف نشأت وتطورت الأصولية الإسلامية في مجتمع يقوم أساسا على المعتقدات الصوفية، وينقسم لقبائل متعددة وطرق صوفية مختلفة؟
كتب بيتر هولت عن أن فكرة "المهدي" عند الشيعة تعادل فكرة "الإمام الغائب"، الذي سيأتي "ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا"، ويعد الإيمان بها من أساسيات عقيدتهم، وكانت سببا في التطرف والعنف. غير أن هذا لا ينطبق على السودان، حيث أن تأثير إسلام الشيعة ضعيف جدا به. لذا يبقى التركيز على معتقد السنة في المهدية. ويؤمن عامة أهل السنة بالمهدية، ويزداد إيمانهم بها عند حدوث الملمات الخطيرة. وظهور المهدي عندهم، خاصة في أفريقيا المسلمة مرتبط بقرب نهاية العالم وعودة النبي عيسى. ويمكن أن يعد الإيمان بهذا من مظاهر "الأصولية، تماما مثل إضافة مهدي السودان الجهاد لأركان الإسلام المعروفة (في عهد القذافي في ليبيا كان الجهاد يُذكر في الكتب المدرسية كركن سادس من أركان الإسلام. المترجم).
ووضح تأثير شيوخ السلفية جليا على محمد أحمد بن عبد الله عندما كان يتلقى العلم عليهم وفي شبابه أيضا. ولجأ الرجل بعد أن تلقى علوم الدين الأساسية إلى الصوفية. وقرأ لابن تيمية الذي حرض أتباعه في القرن الثالث عشر ميلادي ضد حكام الشيعة في بغداد، وعدهم من المرتدين، ودعا لتكوين دولة إسلامية حقيقية مثل تلك التي أقيمت في أيام النبوة وصدر الإسلام. ثم كان لابن عربي وأحمد ابن إدريس ومحمد علي السنوسي تأثيرات كبيرة على ما عكف على دراسته لاحقا. والتحق بالسمانية وشيخهم محمد شريف نور الدائم، وتخرج من مدرسته شيخا وصاحب خلوة مستقلة في 1868م. وعوضا عن الذهاب لمصر ليدرس في رواق السنارية بالأزهر، اختار أن يبقى بالجزيرة أبا. ولو كان قد قدر له الذهاب لمصر لالتقى بعدد من الشخصيات الإسلامية صاحبة الأفكار الجديدة عن مستقبل الإسلام مثل محمد عبده والأفغاني. ولعل بقاءه في السودان كان سببا في انغلاقه وعدم توسيع نظرته للعالم وما يجري فيه.
وكانت الخرطوم في تلك السنوات مليئة بالمجرمين والمنفيين المصريين، الذين غدا البعض منهم – للغرابة – مدراء للمديريات ومسؤولين كبار في الدولة، وكانوا في غاية الفساد وعدم الكفاءة. وانشغلوا عن الحكم الرشيد بجمع ثرواتهم الخاصة من بيع الرقيق والمنتجات المادية الأخرى. ثم عقدت بريطانيا معاهدة مع الخلافة العثمانية في عام 1877م لكبح تجارة الرقيق. ويزعم بعض الكتاب (مثل ف. نيكول في كتابه "سيف النبي" الصادر عام 2004م) أن إبرام تلك المعاهدة قد ساهم في ثورة المهدي فيما بعد ضد النظام الحاكم، وذلك لأن المجتمع السوداني كان يعتمد بصورة كاملة على عمل المسترقين في الأعمال الزراعية والمنزلية وعلى المتاجرة بهم. وبنهاية عام 1879م كان غردون باشا حاكم السودان التركي – المصري (الذي حاول كبح تجارة الرقيق) في أضعف حالاته، بينما كان محمد أحمد يتقدم في طريق تدعيم قوته ونفوذه الديني والسياسي وسط السودانيين. فقد كان المسافرون جنوبا عبر النيل الأبيض يتوقفون في الجزيرة أبا لنيل بركاته ودعواته لهم برحلة آمنة، ويقدمون له الهدايا، فقد صار عندهم من الأولياء الصالحين. وبدأ الرجل في إرسال المناشير والدعوات لشيوخ الصوفية وزعماء القبائل معلنا لهم عن نوياه. وتلقى الموافقة والبيعة من شيخ محمد الطيب البصير شيخ السمانية، ومن الشيخ المكي إسماعيل الولي في كردفان، وكذلك من شيخ التجانية. وذهب محمد أحمد إلى كردفان لزيارة كبار شيوخ المنطقة وزعمائها لدعوتهم لمهديته، وتناقل الناس في الأبيض نبأ وصول "درويش من أبناء البحر". واتضح لاحقا أنه كان يخطط لجعل غرب السودان نقطة انطلاق جهاده ضد الحكومة بعد أن يعلن للكافة أنه "المهدي المنتظر".
أما الوهابية في الجزيرة العربية (الذين ثاروا على الخلافة العثمانية لانحرافها عن الجادة) فقد كانت في حالة ازدهار ونمو في القرن الثامن عشر.
وكانت التوقعات بظهور "مهدي" في القرن الثالث عشر هجري في أوجها. وكان ظهور عثمان دان فوديو في شمال نيجيريا أحد السوابق كمجدد (وليس بمهدي) أحد مظاهر ذلك التوقع. وكان ذلك الشيخ الصوفي (القادري) قد دعا الهوسا للجهاد ضد الحكام الفاسدين إتباعا للهدي النبوي.
وكان مهدي السودان مرتبطا بالصوفية قبل إعلان مهديته وفي السنوات الأولى لثورته. ولكن ما أن تركزت دعائم ثورته حتى رفض المهدي (وخليفته عبد الله) زعامة شيوخ الصوفية و"بركتهم"، إذ أن الدولة المهدية لا تحتمل غير زعيم أوحد، هو من بيده "القداسة"، وهو من يتصل مباشرة بالرسول في الرؤى المنامية، وفي اليقظة أيضا، لتلقي الأوامر والتوجيهات. وبذا اِنفَضَّ التحالف بين المهدية والصوفية، وانصاع غالب شيوخ الصوفية للأمر الواقع وعملوا أتباعا لحركته. وكتب بعض شيوخ التجانية للمهدي مستفسرين إن كانت طريقتهم قد مُنعت بالفعل، فأتهم الرد المقتضب من الخليفة، إنابة عن سيده: "ما ذكرتموه صحيح. هذا هو الوضع السليم. لذا عليكم باتباع المهدي وهجر طريقتكم ".
وأذعن كل زعماء الطرق الصوفية الكبيرة لدعوة المهدية، ولم ترفضها سوى طائفة الختمية. وهرب معظم كبار قادتها إلى المنفى في مصر، ولم يعودوا للسودان إلا بعد "استعادة" السودان في 1898م.
وفي سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولي غدا المهدويون (أنصار المهدية الجديدة) حركة إسلامية مطاوعة (docile) مستعدة للتفاوض والمساومة (مثلهم مثل الختمية) لإدراكهم أن المواجهة والصراع لن يحقق لهما مطلبا. غير أن الأنصار، الذين تنامت قوتهم في القرن العشرين، ظلوا يحتفظون بكثير من صفات وخواص "الطريقة الصوفية" التي امتصوها منذ سنوات المهدية الباكرة. فظل أبناء وأحفاد المهدي يتوارثون الزعامة منذ عام 1899م، أي بعد مقتل آخر زعيم للمهدية في أم دبيكرات. فقد صار السيد عبد الرحمن بن محمد أحمد المهدي هو الإمام بعد عودة المهدية (في صورتها الجديدة)، وانتقلت الزعامة بعد وفاته لابنه السيد الصديق، وبعد وفاته ورثها ابنه السيد الصادق المهدي إلى الآن (لم يذكر المؤلف السيد الهادي عبد الرحمن المهدي. المترجم).
وحمل حسن الترابي راية الأصولية منذ الثمانينات، تحت راية حزب "الإخوان المسلمون"، ثم "الجبهة السلامية القومية"، والتي دبرت في 1989م انقلابا إسلاميا استولى بواسطة الجيش على السلطة. غير أن الترابي لم يسع لإنشاء دولة إسلامية أصولية، فقد أعلن عن عدد كبير من الإصلاحات كان بعضها لا يتوافق مع الأفكار الأصولية في أمور كثيرة (مثل شأن المرأة في الإسلام).
ويمكن القول أخيرا بأن الدول الإسلامية (الصوفية التوجه) لا تميل إلى نشر الدعوة الإسلامية بوسائل متطرفة وعنيفة، كما تفعل الفئات الإسلامية المتطرفة كالوهابيين الجدد (القاعدة أو طالبان مثلا)، فمثل تلك الجماعات ليست خطرا على الغرب فحسب، ولكنها خطر ماحق على غالب المسلمين الساعين للتعايش السلمي مع غيرهم من أصحاب الديانات السماوية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
>