Review of the book: “The Formation of the Sudanese Mahdist State: ceremony and Symbols of Authority: 1882 – 1898”

Heather Sharkey هيذر شاركي
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لعرض نشرته البروفيسورة هيذر شاركي في العدد السادس والأربعين من مجلة دراسات الشرق الأوسط (MESA) الصادرة في عام 2012م، لكتاب "تكوين الدولة المهدية السودانية: احتفالات وعروض رموز السلطة، 1882 – 1898م" لمؤلفه الدكتور كيم سيرسي، والمنشور عام 2010م من دار نشر بريل بمدينة لايدن الهولندية.
ويعمل الدكتور كيم سيرسي أستاذا مشاركا للدراسات الإفريقية والإسلامية بقسم التاريخ في جامعة لويولا Loyola بشيكاغو، وله عدد من المقالات عن السودان والمهدية منها " الآراء الاستعمارية البريطانية حول العرق وتأثيرها على الاستعراب العرقي بالسودان" و"الخليفة وتطبيع السلطة الكاريزمية" وغيرها. وتعمل البروفيسورة هيذر شاركي أستاذة في قسم لغات وحضارات الشرق الأدنى بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، ولها عدة كتب ومقالات عن السودان ومصر منها كتاب "العيش مع الاستعمار: الوطنية والثقافة في السودان الإنجليزي المصري"، وكتاب "الإنجيليون الأمريكيون في مصر"، و"الهوية والمجتمع في الشرق الأوسط المعاصر"، و” تاريخ الصحافة العربية في السودان"
المترجم
**** ****
منذ أن نشر المؤرخ البريطاني بيتر هولت دراسته الكلاسيكية عن الدولة المهدية في عام 1958م، لم تتطرق إلا قلة من المؤرخين لذلك الفصل من تاريخ السودان. ويمثل كتاب كيم سيرسي عن تكوين الدولة المهدية آخر المساهمات في هذا الموضوع. وركز سيرسي في كتابه هذا على أهم شخصيتين في المهدية: محمد أحمد المهدي، مؤسس الدولة المهدية، الذي توفي فجأة في 1885م، وخليفته من بعده عبد الله، الذي حكم دولة المهدية من عاصمته أم درمان حتى قضى عليها الجيش الإنجليزي – المصري في عام 1898م. وبحسب ما ذكره المؤلف فإن أهم جانب في هذه الدراسة هو "شارات insignia ورموز symbols المهدويين (الأنصار)"، بتركيز خاص على كيفية تشكيلهما لدولة كانت ذات "خصوصية مهدوية وسودانية" (صفحة 2). وتناول المؤلف في الفصل الثاني المعنون "بروتوكول وعروض احتفالات ورموز السلطة" استخدام الدولة المهدية لعناصر الثقافة المادية، التي تشمل الملابس (مثل العمامة)، وعناصر أخرى مثل السُبَح وقطع النقود المعدنية وغير ذلك.
وذكر المؤلف في مقدمة كتابه أن أنصار المهدي "صاغوا دعوة سلطتهم أساسا عن طريق استخدام الرموز وعروض الاحتفالات المأخوذة من جماعات الطرق الصوفية، وكذلك من سلطنتين إسلاميتين سابقتين – سلطنة الفونج وسلطنة الفور" (صفحتى 2 و3). ويتضمن زعم المؤلف هنا اختلافا واضحا مع ما ذهب إليه هولت من أن دولة المهدية قد ورثت غالب أجهزتها وأسلوبها من النظام الاستعماري التركي – المصري الذي سبقها في حكم البلاد. ويعكس تركيز المؤلف على الصلة بين الدولة المهدية وسلالات الفونج والكيرا (كما سادا منذ القرن السادس عشر حتى بدايات القرن التاسع عشر) على إيمانه العميق في بأصالة وتوطن وتجذر النظام المهدي السوداني، ونبذه للنظام التركي – المصري جملة وتفصيلا.
وقد تكون الفكرة التي أتى بها المؤلف من أن دولة المهدية قَلَّدَت بوعي سلطنة الفونج في ممارساتها فكرة جذابة، إلا أنه – للأسف – لم يقدم إلا القليل من الوقائع والدلائل ما يثبت دعواه، فلم يزد عن ذكره من أن "سلاطين الفونج كانوا ظاهريا من أوائل نخبة الحكام المسلمين في السودان الذين صاغوا وفصلوا بوضوح أمر شرعيتهم السياسية مستخدمين الإسلام والانتساب للعترة النبوية من أجل تدعيم سلطتهم" (صفحة 13). (ادَّعَى سلاطين الفونج فقط الانتساب لبني أمية بحسب المشهور عنهم، ولم يدعوا الانتساب الى البيت النبوي مباشرة. المترجم)

وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب يلفت نظر القارئ إلى أنه يدور أساسا حول احتفالات وعروض ورموز دولة المهدية، إلا أن الكتاب تناول أيضا – بصورة موسعة – استدعاء تلك الدولة للسوابق الإسلامية التاريخية العميقة التي تعود لبداية العصر الإسلامي. وفي هذا الصدد أعاد سيرسي ذكر التأثير الكبير للثقافة الصوفية على مشروع دولة المهدية، وكذلك للدور المركزي الذي أداه الخيال الثقافي الشعبي الإسلامي الأوسع. فعلى سبيل المثال ناقش المؤلف أهمية ما كان يزعمه المهدي والخليفة من رؤى منامية للنبي محمد أو "هواتف" في حالة اليقظة، كانا ينسبان إليها ما هُدُيا إليه في إدارة شؤون البلاد.
والتزم المؤلف في كتابه التزاما شديدا بما جاء في رسالته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة انديانا في عام 2004م. وكان قد تحصل في رسالته تلك على معلوماته من مصادر أولية باللغتين الإنجليزية، والعربية (التي درسها بالخرطوم والقاهرة. المترجم) شملت المذكرات، والتواريخ، والنصوص الأولية مثل منشورات المهدي والخليفة ورسائلهما، ودفاتر وسجلات بيت المال وغيرها مما جمعه ونشره آخرون من قبل. وأستفاد المؤلف أيضا من مصادر ثانوية عديدة، إلا أنه كان شديد الانتقائية في اختياره لتلك المصادر. ومن دلائل انتقائيته في اختيار المصادر هو تجاهله لمصادر كلاسيكية معتمدة مثل كتاب يوسف فضل "العرب والسودان "The Arabs and the Sudan" الصادر عام 1967م، وكتاب أندرس جون بجيوركيلو Anders Jon Bjorkelo المعنون "Prelude to the Mahdiyya"، الصادر عام 1989م، وما نشره جبرائيل واربيرج من كتب ومقالات، خاصة كتابه الصادر عام 1992م بعنوان " Historical Discord in the Nile Valley"، الذي تناول الحوارات والنقاشات عن علم تأريخ السودان وتاريخه في سنوات ما بعد عام 1820م.
كذلك ترك المؤلف في بعض مواطن كتابه العديد من النقاط معلقة أو بدون تفسيرات محتملة. وكان يفترض في بعض تلك المواضع أن القارئ ملم بالضرورة بدقائق دراسات التاريخ الإسلامي، وهو افتراض خاطئ بالطبع. فعلى سبيل المثال رفض المؤلف زعم الداعية المسيحي البريطاني جون سبنسر ترمنجهام الذي ذهب في عام 1949م إلى أن هنالك بقايا عناصر ثقافية وثنية في إسلام السودانيين. وكتب كيم سيرسي أن مثل قول ترمنجهام مردود عليه "وأن حجته لا أساس لها ولا صدى بالنظر إلى أن مثل تلك العناصر (الوثنية) موجودة في الإسلام الصُوفِيّ ... وعناصر هندوسية وكذلك تأثيرات افلاطونية جديدة Neoplatonic" (صفحة 9). ومثل ذلك الرد قد يصدق بوجه عام على الصوفية عبر قرون العصر الإسلامي، ولكنه لا يجيب تماما على التجربة السودانية.
وأعيد ما قلته آنفا، من أن عددا قليلا فقط من المؤرخين قد تصدوا لدراسة تاريخ المهدية في السودان. ولذا أعتقد بأن كتاب كيم سيرسي هذا سيجد الترحيب من المؤرخين وعامة القراء من أجل مواصلة النقاش حول تلك الفترة المثيرة والعامرة بالأحداث في التاريخ الإفريقي الإسلامي. وفي هذا الصدد قد يكون من المفيد قراءة كتاب كيم سيرسي عن أداء السلطة المهدية جنبا إلى جنب كتاب روبرت كرامر المعنون "مدينة مقدسة على النيل"، الذي يتناول التاريخ الحضري لعاصمة الدولة المهدية، أم درمان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.