السجون في السودان
Prisons
ريتشارد أوين Richard Owen
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما ورد في فصل عن السجون بالسودان، ورد في كتاب مذكرات البريطاني ريتشارد أوين المعنون "Sudan Days (أيام السودان، أو أيامي في السودان)" الذي صدر عام 2016م عن دار نشر "ماتادور" بليستير في بريطانيا.
وعمل ريتشارد أوين (1903 – 1982م) فور إكماله الدراسة الجامعية بأكسفورد في سلك إدارة حكومة السودان بدءً من وظيفة مساعد مفتش في واو ببحر الغزال عام 1926م، ثم في ذات الوظيفة في القطينة والدويم بالنيل الأبيض، وكسلا وسنكات بشرق السودان، ثم نائبا لمساعد السكرتير الإداري بالخرطوم، وباشمفتشا لرشاد والنهود بكردفان، ثم نائبا لمدير الاستوائية وأخيرا ومديرا لبحر الغزال إلى حين تقاعده – اختياريا - في أواخر عام 1953م. وعند وفاته في عام 1982م أقام الجنوبيون لروحه قُدّاسا تذكاريا في كاتدرائية واو، التي كانت آخر مدينة عمل بها.
وللكاتب آراء وردت في ثنايا هذا الكتاب (وهذا الفصل على وجه الخصوص) لا تخلو من بعض عنصرية وقلة حساسية وتحيزات وأحكام مسبقة، رغم أن ابنه وابن أخته زعما في مقدمة الكتاب أن الرجل استقال من إدارة القسم السياسي لحكومة السودان، وهو في الواحد وخمسين من عمره، احتجاجا على عدم منح جنوب السودان قدرا أكبر من "الحكم الذاتي" في دستور البلاد الأول وهي تقترب من نيل استقلالها. وذكر أبن الكاتب وابن أخته أيضا أنه كان شديد التعاطف مع "البدائيين" ويؤمن بضرورة قيادتهم بتؤدة ورويَّة نحو الحضارة والمدنية، وكان يعيب على حكومة الخرطوم دوما حثه على الإسراع بتلك العملية.
المترجم
******* ****** ************
زاد عدد السجناء في الربع الثاني من القرن العشرين زيادة ملحوظة ومُطَّرَدةَ. غير أن هذا لم يكن نتيجة لزيادة معدلات الجريمة، بل على العكس تماما. فقد كان الأمن العام في أفضل حالاته، وكانت خيانة الأمانة وجرائم العنف في ذات المعدل (العادي) بباقي دول أفريقيا والشرق الأوسط، أو أقل من ذلك بكثير. وربما كان للتطور الاجتماعي علاقة بذلك.
وكلما تعقدت المشاكل في دولة تسرع الخطا في طريق التقدم، وجب على الحكومة (دون ذنب جنته) أن تلجأ لسن مزيد من القوانين الجديدة، وفرض المزيد من التشريعات من كل ناحية وفي كل شأن، حتى أن المواطن العادي وجد أن كثيرا مما كان يفعله في الماضي ولا يجد فيه بأسا، قد أَضْحى الآن يعد من الجرائم بسبب القانون (ذلك السيد الجديد). ومن المفارقات العجيبة أن التحسن في الأمن العام يزيد (ولا ينقص) من عدد المساجين، لأن اللص أو القاتل كان قبل عقود قليلة يرتكب فعلته ويفر ولا يُهتدى له على أثر، وقد يقاوم الاعتقال إن عثر عليه ويفر مجددا. بينما يجد المجرم الآن نفسه في قبضة الشرطة في وقت وجيز، أو خلف القضبان. غير أن العامل المهم هو التغير البطيء في جو الرأي العام – فقد اضْمَحَلَّت في أذهان الناس تدريجيا الفكرة البدائية التي تذهب إلى أن كل جريمة / إخلال بالقانون (offence) هي ضرر / جنحة / مسؤولية تقصيرية (Tort) ضد الفرد أو القبيلة، وحلت محلها الفكرة الصائبة بأن الجريمة عمل مخالف للقانون يقع ضد كل المجتمع وقوانينه المعقولة.
وربما كانت إدارة السجون في السودان بدائية عند تقويمها بالمعايير الغربية المعاصرة. ولكن بالنظر إلى حالة تمدن /تحضر السكان، ومقارنة مع مستويات السجون في الأقطار المجاورة، أعتقد بأن سجون السودان – بوجه عام – تدار بصورة مُرْضية وكافية. ولم نسمع إلا بالقليل من الفضائح وسوء المعاملة في تلك السجون، ولكن كانت هنالك فيها أيضا بعض حالات نادرة للتمرد والعصيان والتظاهر. وكان النظام في داخل تلك السجون يُحفظ بطرق معيارية مقننة، ولم تكن قط عشوائية أو مفرطة القسوة. وكان يوجد بها أيضا نظام تسجيل ومراجعة وتدقيق ومحاسبة للعاملين بها. وكان الاعتقال فيها يتم وفقا للقانون، ولم يحدث أن بقي فيها سجين بعد انتهاء مدة محكوميته. أما طعام المساجين، فقد كان كافيا ومنتظما، وعادة ما يخرج السجين بعد انتهاء مدة سجنه وهو أكثر وزنا من وزنه عندما دخل السجن! وقد يظن من يقرأ الجداول والتعميمات المتعلقة بالطعام المقدم للسجناء التي تصدرها رئاسة خدمات السجون أن العاملين بالسجون من اختصاصي علوم التغذية، وأن واحدا أو اثنين من كبار الطبّاخين chefs المشهورين يعملون بمصلحة السجون للحفاظ على الحس التذوقي للطعام عند طبقة المجرمين، وتحسين صحتهم الجسدية (قد يعد مثل هذا الكلام عن السجناء والسخرية منهم – والذي كُتب في منتصف الأربعينات- غير لائق في يومنا هذا، إلا أن ما سطره الإداري البريطاني لابنته، والذي جاء في نهاية هذا الفصل يشير بوضوح إلى قلة احترامه حتى لخدمه في منزله. يمكن على سبيل المقارنة النظر إلى مقالين محكمين للدكتور البريطاني ويليو بيردج عن تاريخ السجون بالسودان أيام الاستعمار وما بعده. المترجم).
ولا يمكن بالطبع أن يؤخذ رضا نزلاء سجن من السجون على أنه دليل أكيد وضمانة محققة على أن تلك المؤسسة تدار بطريقة مثلى. غير أن رضا النزلاء عامل مهم بلا شك. وبناء على ذلك المعيار، لا بد لي من أن أضع ترتيب سجون السودان عاليا بين السجون في العالم، إذ أن الغالبية العظمي من نزلاء سجون السودان كانوا راضين عنها نسبيا. وأتذكر جيدا رؤيتي لهم وهم في حالة صحية جيدة ومزاج فَرِح مبتهج. وأذكر أنه في أول زيارة تفقدية لي لسجن المديرية (لعلها بحر الغزال. المترجم) وجدت أن أحدهم قد كتب على بوابة السجن بالطباشير وبحروف كبيرة " WELCOME FROM LEAVE مرحبا بالعودة من العطلة". ومن اللافت أنه لم تحدث تقريبا أي محاولات للفرار من السجن رغم السهولة النسبية التي كان يمكن بها للمساجين الهرب وهم يعملون في الغابة، لا يحرسهم إلا حارس واحد، ناعس أو شبه مخدر، ولا يحمل سوى بندقية عتيقة من طراز "مارتيني" انتهى زمنها منذ عام 1895م.
وفي إحدى زياراتي التفقدية للسجن، وجدت مسجونا دينكاويا عاريا تماما، وكان هذا من الأمور التي تخالف أنظمة السجن المتبعة. ولما سألت المسؤول عن تلك المخالفة قال لي بأن ذلك السجين قد تمكن من الانسحاب خلسة من مجموعة السجناء التي كان يعمل معها في الغابة منذ ثلاثة أيام. غير أنه شعر بالظمأ لشراب (المريسة) قبل أن يبدأ مسيرة الهروب إلى قريته البعيدة. ولما لم يكن معه أي نقود لشراء ما يريده، فقد رهن ملابس السجن التي كان يرتديها لصاحبة (الإنداية). وقبض على ذلك المسجون بعد وقت قليل وأعيد إلى السجن بنفس الحالة التي كان عليها.
وهنالك قصة أخرى عن خمسة سجناء يعملون كمجموعة في تعبيد طريق ما، وكان يحرسهم حارس واحد. وتركهم ذلك الحارس واِنْسَلَّ خلسة إلى القرية المجاورة لشراء (عرقي). ولما اِحْتَسَى الرجل كميات كبيرة من مشروبه، رمى ببندقيته وتمدد في مكانه مغميا عليه تحت ظل شجرة. وبعد أن أكمل المساجين عملهم تلفتوا يمنة ويسرى بحثا عن حارسهم، فوجدوه مُجَنْدلا على تلك الحالة، فقام واحد منهم بحمل سلاح حارسه، وتكفل الأربعة الباقين بحمله من يديه ورجليه، وعادوا به مساءً في موكب إلى السجن. وأمرت فور سماعي للقصة بمكافأة أولئك المساجين على موقفهم النبيل بتخفيض مدة محكوميتهم.
ومن المفارقات العجيبة أن الطبيعة البشرية كانت تتجلى في أجمل صورها عند المجرمين من ذوي المحكومية الطويلة (الخطرين افتراضا)، أكثر منها عند الذين حكم عليهم بمدد قصيرة نسبيا (مثل القوادين والنشالين واللصوص المتسللين للبيوت ومدخني الحشيش). فقد لاحظت أن المذكورين المدانين في مخالفات تافهة يفتقرون عادة إلى خصلة الأمانة التي يجدها المرء عند غيرهم من السجناء. فقد تقدم لي ذات مرة مسجون كبير في السن كان قد حوكم بالسجن لنصف عام بتهمة الاتجار في الحشيش، واشتكى مر الشكوى من سجنه بتلك التهمة (التي لم ينكرها للحظة واحدة)، بل على العكس ذكر لي بأنه كان قد أدين وحوكم بذات التهمة ست مرات من قبل. غير أن الحكم الأخير عليه كان في مدينة بورتسودان. وأفرج عنه هنالك لسبب صحي. ولعله عد ذلك الافراج الصحي بمثابة "papal indulgences غفران بابوي"، وكأن تلك الشهادة الطبية تجيز له الاستمرار في تجارته المدمرة وغير القانونية.
أما ما قلته عن المحكومين بمدد طويلة، فلا يجب أن يُفهم أني أقصد أن هؤلاء "أبطال أماجد يحبون أعمال البر والإحسان"، فذلك سيكون من باب المبالغة المفرطة. وأعلم أن من بين هؤلاء المساجين من اعتاد على تكرار ذات الجرم والعودة مرارا وتكررا للسجن. ولكن نسبة هؤلاء من بين كل رجال القبائل كانت – للغرابة - نسبة ضئيلة. فمزارع من العرب عب من أقداح "المريسة" بأكثر مما يحتمل، وضرب رجلا آخر في معركة حامية الوطيس فشج رأسه؛ أو رجل من قبيلة الدينكا شارك العشرات من أبناء قبيلته اللهو وممارسة القتال التقليدي بالحراب، وشاء حظه العاثر أن أردى أحد رفاقه قتيلا، أو أحد "الهمباتة" من رجال قبائل العرب الرحل سرق جملين من قبيلة مجاورة كما كان أسلافه يفعلون منذ أجيال عديدة مضت، وهرب بهما ثلاثمائة ميلا عبر الصحراء إلى المناطق الفرنسية: كل من ذكرنا خالفوا القانون، ولا بد من معاقبتهم. غير أنهم ربما كانوا أشخاصا لطفاء ولهم شخصيات محببة، بل ربما كانوا من أنفع الناس.
وكان أكثر من عرفت من المجرمين إدمانا على دخول السجن رجل يقال له محمد على تلاتن. وكان يلقب بـ "العطشان". وسبق له أن أدين وحوكم بالسجن أكثر من ثلاثين مرة بالسرقة. ويبدو أنه كان مصابا بهوس السرقة (كليبتومانيا)، وربما كان سيعامل في بلد آخر بحسبانه مريضا نَفسانياً ويحال إلى الطبيب النفساني وليس إلى القاضي. وكان كل من يفقد في القرية من ممتلكاته شيئا (مثل دثار أو ماعون أو حتى قطعة صابون) يبدأ بمحمد علي، فيستدعيه أو يذهب إليه في بيته. وغالبا ما يجد ضالته عنده، وهو لا يخبئ ما يسرقه ولا ينكر فعلته. وبالنظر إلى عدم وجود طبيب نفساني، رأيت أن أعالجه، ولو بصورة مؤقته، فعينته في وظيفة "ساعي بريد postal runner"، يحمل البريد من مكان لآخر على قدميه، ويوزعه عندما تهطل الأمطار بغزارة وتقفل الطرق. وساهم تعيينه في وظيفة حكومية، وتحميله مسؤولية، ومنحه شارة مكتبية، والثقة التي أوليناه إياها من رفع تقدير لنفسه واحترامه لذاته، وتوقف تماما عما كان مَجْبُولا عليه من سرقة مَرَضِيَّةٍ. بل تمكن ذات مرة من القبض على شخصين حاولا سرقة أكياس البريد. وبعد توقف الأمطار فُتحت الطرق، وفقد بالتالي وظيفته، فعاد لعادته القديمة، وبيته القديم – السجن -. ولكن، على الأقل، لعب العلاج النفساني غير المتخصص دورا في شفاء الرجل، ولو لحين.
وكان يقال دوما إن الأخلاق واللياقة والأدب المتأصل عند المحكوم عليهم بمدد طويلة هو السبب في نجاح نظام "المضمونين" في سجون السودان. ولكن كان هنالك أيضا سبب مقنع آخر، وهو اكتظاظ السجون بالنزلاء، ومحاولة التخفيف من ذلك بإخراج عدد من ذوي السلوك الحسن والأخلاق الطيبة من السجن للعمل خارجه (حاول جورج بريدين مدير مديرية النيل الأزرق بين عامي 1941 و1948م القيام بعملية إصلاح في سجون مديريته فقام بنقل مئات من المساجين من ذوي "السلوك الحسن" للعمل في حواشات "عبد الماجد" نظير منحهم بعض العطلات القصيرة لزيارة عائلاتهم، حتى لا تنقطع علاقاتهم القبلية مع أهاليهم. المترجم". وكنا عندما يقضي السجين جزءً من مدة محكوميته (تحت ظروف السجن النظامية العادية) نتيح له فرصة البحث عن "ضامن" من الشخصيات المعروفة مثل شيخ الحلة أو عمدة المنطقة ليضمن ألا يهرب السجين. وبعد قبول الضمان يسمح للسجين "المضمون" بالعمل دون حراسة طوال اليوم، على أن يعود بمحض اختياره للسجن بُعَيْدَ الغروب.
ولا شك أن نظام المضمونين كان عرضةً للاستغلال وسوء الاستخدام. غير أنه كان يتماشى مع رُوح البلاد وقيمها، وله عدة مزايا لا يمكن تجاهلها. فقد كانت قوانين السجن تمنع إمداد النزلاء بأي طعام أو شراب من خارج السجن، غير أنه كان للمضمونين الحق في تلقي أطعمة من الأصدقاء والأقارب الذين يزورنه (وكأنه في مستشفى، وليس في ضيافة الحكومة). وكانت قوانين السجن تمنع أيضا تلقي النزيل لأي مقابل مالي نظير عمله، رغم أنه كان عمليا يحصل علي "مصاريف جيب" بطرق ملتوية عديدة. وأهم من كل هذا وذاك، كانت قوانين السجون تمنع منعا باتا مبيت السجين خارج أسوار السجن. ولكن كثيرا ما يبيت المضمون – بموافقة المسؤول – خارجه، إذ أن كثيرا من المضمونين كانوا يُستغلون في العمل خدما في بيت مسؤول أو أكثر، أو في وظائف دائمة، ويقضون ليلهم في فراندا بيت المسؤول (أو حتى في قُنّ الدجاج، أو الإسطبل الملحق ببيت المسؤول). غير أننا كنا نستفيد من مهارات بعض المساجين لصالح الدولة بدلا من إضاعتها في أعمال روتينية يمكن لأي سجين عاطل عن المواهب القيام بها. فعلي سبيل المثال كان لدينا سجين محكوم عليه بالسجن المؤيد لقتله أحد الأشخاص له مهارة غير اعتيادية في جمع وتربية الطيور وصغار الحيوانات. وكنا نجمع تلك الحيوانات في حديقة حيوان صغيرة برئاسة المديرية، ونبيعها لحدائق الحيوانات الأجنبية بمئات الجنيهات، وتذهب قيمتها للحكومة.
وتختلف الأعمال التي تُسند إلى المضمونين بحسب مهاراتهم. فيقال مثلا أن سارقي الأبقار مثلا هم أفضل من يرعون أبقار الحليب في المزارع، ولرعاية حديقة بيتك يفضل أن يعمل فيها مجرم قاتل. ما العلاقة بين القتل والبَستَنة؟ لم أحصل على إجابة مقنعة على ذلك السؤال من أي خبير! غير أن تجاربي وملاحظاتي الشخصية تؤكد ذلك. فقد وجدت أن قاتلا ظل يحارب مع قبيلته لسبع سنوات، كان هو الرجل الأنسب للعناية – بكل رفق - بزهور البتونيا الصغيرة، وزراعة الخس بنجاح، الذي سيكون أكثر نضرة، وله “قلب" أفضل إن تعهدته يد اعتادت على سفك الدماء! وكنت أنا وزوجي نخرج للنزهة عصرا ونترك طفلنا الصغير في رعاية مضمون كان يعمل في السابق سارقا للإبل (همباتيا). وكنا نراه يحمل طفلنا بكل حنان على كتفيه ويطوف به حول الدار. واستيقظت ذات مرة فزعا في محطة أخرى قبيل انبلاج الفجر على أصوات صارخة حسبتها في البداية لدينكاوي مخمور، ولكني علمت لاحقا من أحدهم أن لصا حاول سرقة بيت مفتش التعليم، ولكن المضمون الذي كان يعمل بذلك البيت (وكان مسجونا بتهمة القتل) هب من نومه وطارد منفردا ذلك اللص حتى أضطره للقفز في النهر. ولا ندري إلى الآن إن كان ذلك اللص قد نجا أم مات غرقا. (ذكر دكتور ويلو بيريدج في مقال تُرجم بعنوان " الأيديولوجيات الملتبسة والتقييدات في السجون السودانية في عهد الاستعمار" التالي: "وكان كثير من الإداريين الاستعماريين لا يخفون إعجابهم بأخلاق القتلة وسُرّاق البهائم (الهمباتة) الذين كانوا قد تعاملوا معهم، لدرجة أن أحدهم تعجب من سبب سجن أمثال هؤلاء! وكتب ايدوارد هايد ماكنتوش، الإداري في الخرطوم ودارفور وبحر الغزال والاستوائية بين عامي 1921 – 1945م، في مذكراته التالي: "معظم القتلة المحكوم عليهم بسنوات طويلة في السجن هم أكثر المساجين موثوقيّة. أدركت ذلك من تعاملي مع المساجين القتلة من الزاندي، والذين نستخدمهم عمالا في الحدائق. لقد وجدتهم (معلمين) في غاية اللطف". المترجم).
لقد كانت حالات الإعدام قليلة نسبيا في أيامي. فمن بين أكثر من أربعين قضية قتل قمت بالفصل فيها، لم أحكم بالإعدام إلا في ست حالات منها. وعلى سيرة الإعدام، أذكر أن رجلا قتل رجلا آخر في عهد المهدية، وحكم عليه ود مريوم قاضي الخليفة بالإعدام شنقا. وتم تنفيذ الحكم بالطريقة المعتادة، وكانت عملية الشنق طويلة وكَرِيهَة. ثم أنزلت "الجثة"، وسلمت للأقارب كي يدفنوه. وعند غسله لاحظ من شهدوا ذلك الموقف بأن وريدا صغيرا في عنقه كان ما زال ينبض. لذا تعهدوا الرجل بالرعاية لمدة أسبوعين كاملين، كان فيها الرجل معلقا بين الحياة والموت. ثم نَقَه صاحبنا بعد ذلك قليلا قليلا إلى أن استرد كامل عافيته. ولما سمع أهل من قتله الرجل ثاروا وطالبوا القاضي بإعادة شنقه. غير أن القاضي رفض النظر في طلبهم لأنه كان قد حكم على القاتل بالشنق، وقد تم بالفعل تنفيذ ذلك الحكم، ولكن الحياة والموت بيد الله، وليس هنالك الآن من مزيد. وآثر القاتل (الحكيم) أن يهاجر بعيدا عن منطقته حتى تهدأ العواطف وتٌنسى القصة. ثم ظهر أمامي ذلك المَشْنوق فجأة في عام 1931م في كامل الصحة، بل عرض علي شراء حصان كان معه.

ومن قصص الجوانب الروحية في السجون، أذكر أني سمعت ذات ليل أصوات إنشاد يشبه المواء الحزين منبعث من سجن مركز صغير. وبعد أن أصغيت إليه جيدا تبين لي أنه ترتيل كنسي لترنيمة (هل أنت متعب؟ هل أنت ضجر؟ art thou weary, art thou languid) لفتيات نوبة بالبعثة (الإرسالية) التبشيرية البروتستانتية القريبة. وعلمت لاحقا أنه كان من عادتهن الطواف بالسجن كل ليلة وانشاد ذلك الترتيل (المُحَفِّز) للنزلاء قبل سماعهم لصوت الإنذار بأن الأنوار ستطفأ، وأن عليهم أن يخلدوا للنوم. وعلمت أن النزلاء كانوا يسعدون بذلك الاهتمام، وكان بعضهم أحيانا يرد عليهم من خلف السور، مثل ريتشارد وبلوندي (شرح الكاتب في الهامش أن تلك اسطورة تُروى بين بلوندي Blondel de Nesle والملك ريتشارد عام 1192م. المترجم). وكان يُسمح لأولاد البعثة التبشيرية المسجونين بحضور الصلاة الأسبوعية في دار مدير المديرية برئاسة المركز، حيث كانت تقام تلك الصلاة بأربع لغات حتى لا يشعر أحد من الحاضرين بأن لغته "مهمشة".
ومن بين كل المساجين في الزنازين العادية، كان أكثر من يثير دوما المشاكل للحراس والمسؤولين هم: المجرمون المَعاتيه، والأحداث (صغار السن)، والنساء، وأخيرا المتعلمون أو المتحضرون. وكنا نبعث بالمعاتيه إلى مصحة مركزية في الخرطوم، وأن نتركهم في رعاية ذويهم، الذين نأخذ منهم ضمانا، ونزودهم بسلاسل حديدية لاستخدامها عند اللزوم. غير أنه من المحزن القول بأن كل سجن مركزي كان لزاما عليه الاحتفاظ بعدد معين من أولئك النزلاء المعاتيه الخطرين. وقد تسبب بعض هؤلاء في حوادث مؤلمة. وكنت أحرص دوما على إبعاد الأحداث من دخول السجن والاختلاط بعتاة المجرمين، واكتفي بوضعهم تحت الملاحظة، أو جلدهم أو تغريم آبائهم، أو تحويلهم للبعثة التبشيرية للعمل في ورشها وتعلم صنعة تنفعهم في المستقبل.
وكانت زيارتي التفقدية لسجن النساء تجلب لي الحزن والأسى. فأغلبهن سجن بسبب مشاكل زوجية (غير قضايا الاتهام بالخيانة الزوجية، والتي كانت القبيلة تتولى تسويتها بحسب الأعراف)، أو بسبب بيع الخمور أو التشاجر (الذي يصاحبه التَخْدِيش والعض ومَعْط الشعر)، أو ممارسة السحر لتسبيب الأذى للآخرين (وهو أمر يُؤخذ بكامل الجدية هنا).
وقلما كانت سجون المديرية تستقبل مساجين متعلمين أو من ذوي الحيثية. وإن حدث ذلك فقد كان الواحد من هؤلاء يرسل للعاصمة، أو يسجن مع نظرائه في التعليم والمكانة، بقدر الإمكان. فمثلا طالت عقوبة السجن الشيخ إبراهيم المليح، أكبر تاجر في عاصمة مديريتنا، بعد أن أدين بالتعامل في "السوق الأسود". وجر معه الشيخ العديد من المتعاملين معه. وحكم عليه بغرامة كبيرة والسجن أسبوعا (ولم تكن عقوبة السجن تلك إلا من باب الرمزية فحسب، لإبعاد شبهة المحاباة والمحسوبية عن المحكمة). ونسبة لمكانة الرجل في المجتمع، وافقت المحكمة على سجنه في زنزانة منفردة. وفوجئت وأنا في طريقي لبيتي بالمساجين ومعهم حراسهم يحملون أثاث وأغراض الشيخ لزنزانته الانفرادية. وزرت الشيخ في سجنه لاحقا ووجدته يقف أمام بابها مرحبا بي. ودخلت الزنزانة (المريحة) لأجد أن أرضيتها مغطاة بفرشة ناعمة غالية الثمن. وصاح الشيخ (السجين) في حارسه ليحضر لي القهوة. ولم أشأ أن أبقى مع الرجل بأطول مما فعلت، وذلك لأسباب معلومة.
**** *** **** **** ****
وأورد ابن الكاتب وابن اخته (وهما من قاما بنشر الكتاب) في نهاية هذا الفصل من الكتاب رسالتين من الكاتب إلى شقيقته الليزابث:
1. واو – 20 مارس 1946م
إلى الليزابث
إن تنوع الأعمال التي أقوم بأدائها هنا، ولقائي مع بعض الأوربيين هنا تعوضني بعض الشيء عن التعامل اجتماعيا مع الناس أنفسهم (لعله يقصد الجنوبيين). ولا يسع المرء أن يكون وحيدا، أو أن يقضي وقتا مملا وهو بين العرب، إذ أن بإمكاني الخوض معهم في مناقشة أي موضوع – وهذا هو جوهر الصلات الإنسانية. غير أن المرء لا يستطيع تبادل الأفكار مع السود، فأفكارهم قلما تتعدى اللحم والخمر والنساء. وينطبق هذا القول، على الأقل، على نوع من الزنوج يعيشون غرب هذه المنطقة (أسماهم الكاتب potbellies or haggis of tribes ….). أما الدينكا (الذين يفوق عددهم هنا 600,000 نسمة، ويقطنون شرق وجنوب واو) فهم من القبائل النيلية، وأفضل بكثير، وأكثر ذكاءً وحساسية، وأقل سوقية وخشونة ممن ذكرتهم، ولكنهم مع ذلك، لا يخلون من سوقية، وشبه عراة.

2. واو – 26 نوفمبر 1946م
إلى الليزابث
قبل أسبوعين عاد طباخي للدار وهو في غاية السُّكْر، وأراد أن يقدم لي استقالته. ولما لم يكن قد أفاق تماما من سكرته بعد، فلست أدري ما الذي سيحدث لهذه الاستقالة؟ سيكون انصرافه عن خدمتي أمرا مزعجا، خاصة وأن موسم توافد الزوار على داري قد بدأ للتو، وليس بالإمكان هنا الحصول على طباخ عربي شمالي جيد، وخادمي هذا من الـ (potbellies)، وعاداته الصحية ليست نظيفة كما ينبغي. وكثيرا ما يكون ما أظنه زبيبا في الكيكة التي يصنعها لي هو في الواقع ذباب (مخبوز). وقد تثْنَي على اللحم الطري الذي يقدمه، ولكن تكتشف بعد قليل من التحري أنه جعله طريا بمضغه قبل الطبخ.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.