The 1889 -90 Famine and the Mahdiyya in the Sudan: An Attempt to Implement the Principles of an Islamic Economy 

هولقر فايس Holger Weiss
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

تقديم: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما ورد في مقال من ثلاثين صفحة لبروفيسور هولقر فايس نشر في مارس من عام 2014م بالعدد الخامس والثمانين من مجلة اسمها "Studia Orientalia Electronica" تصدر عن الجمعية الشرقية الفنلندية. وكان الكاتب قد حصل على درجة الدكتوراه عام 1997م من جامعة هيلسنكي، ويعمل الآن أستاذا لمادة التاريخ العام في جامعة Åbo Akademi بفنلندا، وأستاذا زائرا بجامعة Dalarna في السويد. وله عدد من الأبحاث عن الإسلام في غرب أفريقيا (خاصة في غانا)، وعن الزكاة والاقتصاد الإسلامي في أفريقيا قبل دخول الاستعمار، وعن دور السويد في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بين عامي 1780 و1830م. والرجل من مؤسسي موقع اسفيري يسمى .Global History Lab
المترجم
******* ****** ************
مقدمة
قامت بالسودان في عام 1885م ثورة مهدية دينية واجتماعية، أسست حكم دولتها بقواعد الإسلام. وتعرض السودان في عامي 1889 – 1890م إلى واحدة من أسوأ المجاعات تدميرا، حدثت بسبب تضافر عدة عوامل بيئية واجتماعية وسياسية. وكان هدف قائد تلك الثورة (محمد أحمد المهدي) هو إقامة دولة إسلامية "حقيقية". غير أن عددا من المصاعب الاقتصادية والمشاكل السياسة ألقت بظلالها على تلك الدولة الوليدة. فقد أخفقت الإصلاحات الإدارية والمالية التي اتخذها الخليفة لخلق اقتصاد إسلامي متميز في مقابلة الصعاب المتنوعة التي واجهت الدولة المهدية، التي كان أهمها عدم وجود دخل للدولة يكفي لدفع رواتب أفراد الجيش، والانفاق على وظائف الإدارة المتنوعة. غير أن معضلة الدولة الكبرى كانت فكرة "المهدية" الأساسية نفسها، أي محاولة توحيد كل العالم الإسلامي عن طريق شن حرب مقدسة، وعدم الاكتفاء بالتخلص من الحكم التركي – المصري. فقد كان المهدي يهدف إلى ما هو أكثر من مجرد إِحْيَاء الدين وإصلاح الدولة. فقد ادعى لنفسه وضعا متميزا، بوصفه الإمام، وخليفة رسول الله، والمهدي المنتظر. وبذا أكد محمد أحمد (المهدي) على مركزه القيادي وسط المسلمين الحقيقيين، وسعى لإحياء كل أمة النبي محمد. وبادعائه أنه المهدي (المنتظر) فإنه قد تنبأ بقرب نهاية العالم، كما ذهب لذلك المؤرخان هولت ودالي. إلا أن وفاته المفاجئة في عام 1885م أفضت إلى تغيرات في ايدولوجية الدولة الأساسية. وعلى الرغم من أن خليفته عبد الله بن محمد حكم دولة مهدية (اسما)، إلا أنه قام بالفعل بتغيير طبيعتها من "ثيوقراطية إسلامية" إلى دولة أكثر "دنيوية"، عن طريق خلق دولة بيروقراطية واستبدادية ذات إدارة مركزية ومتشعبة.
وضربت مجاعة سنة 1306هـ (1888 – 1889م) السودان المهدوي في وقت كان فيه يتحول من "ثيوقراطية مهدوية" إلى حكم الخليفة الفردي. وعلى الرغم من محاولة الحكم المهدوي إقامة اقتصاد إسلامي (والعدالة الاجتماعية والمسؤولية تجاه إعانة الفقراء والمساكين هي أهم أركان ذلك الاقتصاد المثالية)، إلا أنه لم ينجح في مسعاه. فمنتقدي المهدية في داخل وخارج السودان يجمعون على أن ذلك الحكم كان هو السبب الرئيس في كل ما حاق بالسكان من بؤس ومعاناة وكوارث إنسانية. غير أنه خلافا لما ورد في كتب الأسرى الأوربيين عن الحكم المهدوي "الوحشي المتعطش للدماء"، خاصة في عهد الخليفة عبد الله، فقد أعادت كثير من الدراسات الحديثة النظر في ذلك العهد، وساهمت في مراجعة بعض جوانب الصورة السلبية للمهدية ودولتها، عن طريق إبراز العوائق والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي واجهتها تلك الدولة، إضافة للضغوطات الخارجية، التي عزلتها تماما عن العالم الخارجي نتيجة للحصار البريطاني عليها.
غير أن كثيرا من الأسئلة عن المهدية ودولتها ظلت بغير إجابات. ويتعلق أحد تلك الأسئلة بإقامة دولة إسلامية ذات اقتصاد إسلامي، خاصة فيما يخص عمليات الأسلمة ونظام الضرائب، وإدخال الضرائب الإسلامية (الزكاة). وستستعرض هذه الورقة بعض التغيرات التي حدثت بغرض إقامة اقتصاد إسلامي، وتناقش السؤال المثار حول أن حدوث مجاعة 1306هـ كان قد فُهم على أنه إخفاق لحكم الدولة الإسلامية (أوضح الكاتب في الهامش أن ورقته هذه ما زالت في طورها الأَوَّلي، إذ لم تتح له بعد فرصة البحث الوافي في أرشيفي المهدية ببريطانيا والسودان. المترجم).
وظل السؤال حول ماهية مكونات الدولة الإسلامية مطروحا أمام العلماء والمفكرين لعقود طويلة خلت. وهنالك الآن الفكرة الحديثة عن "الدولة الإسلامية"، وهي نتاج نقاشات وحوارات فكرية تمت خلال القرن العشرين. غير أن السؤال الآخر عن كيفية حكم "الأمة"، وعمن يجب أو يمكن أن يحكم، ظل هو السؤال المؤرق الذي أدى لصراعات واحتكاكات وحركات تمرد وعصيان منذ مقتل الخليفة (الراشد) الثالث عثمان بن عفان (644 – 656 م)، وألقت بظلالها على تاريخ الإسلام منذ تلك الأعوام وإلى الآن.
الدولة المثالية (المبدئية) والواقع في المهدية
كانت الدولة الإسلامية المثالية هي دولة المجتمع الإسلامي الذي أقامه النبي محمد في المدينة. وأقيمت الدولة في وسط ذلك المجتمع بمجموع أفراده المتنوعين، الذين وحدتهم العقيدة والامتثال لنواهي وأوامر الله. وكان الجيش يتكون من أفراد الشعب العاديين الذين زُودوا بالسلاح. وكانت مؤسسات الدولة الرئيسة هي "مجلس الشورى" والبيعة (وهي قسم جماعي يؤديه الجميع)، وكل ذلك كان الهدف منه هو التأكيد على وجود حكومة مسؤولة تمثل كل الشعب.
وعلى الرغم من أن الهدف المثالي لإقامة اتحاد بين "الدولة" و"الأمة" ظل باقيا، وظل هو الفكرة المفتاحية الرئيسة والنظرة السياسية – الدينية في فقه التشريع السني، إلا أن الواقع كان مختلفا جدا. فهنالك الانقسام والفصام الذي حدث على أرض الواقع بين "الدولة" و"المجتمع". وسبق لبعض فقهاء السنة (مثل الماوردي في "الأحكام السلطانية") أن حاولوا بطرق عملية أن يوفقوا بين المثالية والواقعية باشتراطهم المحافظة على شخصية وطبيعة وشكل الدولة الإسلامية ومطالبتها بعدم الخروج على أحكام الشريعة من جانب؛ ومن جانب آخر عدم التشكيك في السلطة المطلقة للحاكم المسلم، عادلا كان أم جائرا.
ووضحت الفجوة بين مثالية علماء المسلمين والواقعية السياسية بجلاء مع بداية القرن الرابع عشر، عندما ألف ابن خلدون كتابه الشهير "المقدمة". وفي ذلك الكتاب فرَقَ ابن خلدون بين "المُلْكك" و"الخلافة" فكتب يقول: "لما كانت حقيقة المُلْكك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر، اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته". وعرف الخلافة فقال
"والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسية الدنيا به".
ظهرت فكرة "المهدية" عقب مقتل الخليفة (الراشد) عثمان بن عفان، وما تلا ذلك من حروب أهلية. (استطرد الكاتب هنا في سرد تاريخ مفصل لمفهوم المهدية والمهدي عند مختلف الطوائف الإسلامية. المترجم).
الاقتصاد الإسلامي في الدولة المثالية:
اتفق معظم الاقتصاديين الاسلامين في القرن العشرين على أن قيام "اقتصاد إسلامي" يعتمد على شرط مسبق وهو قيام دولة إسلامية مثالية على نمط ما كان قائما بالمدينة أيام الخلافة (الراشدة).، أو العصر الذي كانت "الدولة" فيه في حالة اتحاد مع "الأمة".
ويمكن فهم مهدية السودان في السودان النيلي على أنها كانت محاولة لإقامة مثل تلك الدولة المثالية. فقد كان الهدف المعلن لمحمد أحمد المهدي هو استعادة أحول مجتمع المدينة في عهد النبوة. ولكن لا يكفي بالطبع أن أجد بعض الأمور المتشابهة بين نوايا المهدي وبين ما قال به علماء المسلمين في القرن العشرين لأقوي من نظريتي التي مفادها أنه كان لدى الدولة المهدية النية للقيام بإصلاحات شاملة ودقيقة للاقتصاد وللأساس المالي للدولة، أي للقيام بأسلمة الاقتصاد. ولكن، يجب أن تُبنى الحجة على تَمَاثُل وتَنَاظُر (analogy) إذ ليس من الممكن عقد مقارنات مباشرة بين نهايات القرن التاسع عشر (بمعادلاته الخاصة ونوع اقتصاده) وبين القرن العشرين (بنماذج اقتصاده الإسلامي الحديث).
وبصورة عامة، يمكن القول بأنه، بحسب أفكار الاقتصاد الإسلامي، ينبغي على الدولة أن تؤدي دورا نشطا في الاقتصاد. غير أنه ليس هنالك اتفاق بين خبراء الاقتصاد الإسلامي (الحاليين) حول مقدار التدخل الذي يجب أن تقوم به الدولة، وهل يجب أن يكون تدخلا محدودا أم غير ذلك. غير أن جميعهم يرى أن على الدولة أن تتحمل واجب الرعاية الاجتماعية لكل أفراد شعب.
وبهذا الفهم فالاقتصاد الإسلامي يرفض رأسمالية (دعه يعمل، دعه يمر)، ويرفض كذلك الاشتراكية. وذكر أحد مفكري الاقتصاد الإسلامي (سيد نواب حيدر نقفي) أن دَوْلَة الرّفَاهَة الغربية الحديثة التي تقدم لشعبها الرعاية الاجتماعية هي المقابل (الحقيقي) للاقتصاد الإسلامي، إن بنيت على أسس وقواعد إسلامية.
وسأتناول هنا ببعض التفصيل أمر الزكاة بحسبانها أوضح مظهر لأسلمة السياسة والاقتصاد. فالزكاة هي ركن من أركان الإسلام، وعليها تقوم الرعاية الاجتماعية في الدولة. أما مسألة الربا (الفائدة) وقطاع المصارف، فهي من المسائل المستحدثة، التي لم تظهر إلا عندما تسيَّدَ المستعمر الأوربي العالم الإسلامي. أما أمر الزكاة كخط فاصل بين الحكام العُدُول وغيرهم من الحكام فهو قديم قدم "الأمة" نفسها. ولعل مقتل الخليفة الراشد الثالث على أيدي معارضيه كان له (جزئيا، على الأقل) علاقة ما بمطاعن أثيرت ضد سياسته المالية. وفي عهود تالية، كانت المطالبة (الشعبية) بنظام ضرائبي عادل، وإحياء قواعد الإسلام في شأن الضرائب من العوامل المهمة في كل الحركات الإصلاحية المتمردة / الثائرة في العالم الإسلامي.
وعند أخذ كل العوامل والقواعد التي ذكرت، يتضح لنا أنه يمكن القول بأن الدولة المهدية بالسودان قد سعت بالفعل لتأسيس اقتصاد إسلامي.
الضرائب في الدولة المهدية
تعد المهدية حركة ألفية (millenarian) ترى أنها ستقوم بإحياء الإسلام عند قرب نهاية العالم، وتهدف إلى إعادة دولة الخلافة (كما طبقت بالمدينة). وبدأت الحركة بإعلان محمد أحمد بأنه "المهدي"، وبالهجرة (كما فعل النبي من مكة للمدينة) من الجزيرة أبا لجبال كردفان، وحارب الحكم التركي – المصري إلى أن أسقط عاصمته الخرطوم. وأنشأ له نظاما إسلاميا نتج عنه أسلمة الاقتصاد، وتغيير نظام الضرائب بحسب الشريعة الإسلامية وإدخال الزكاة بأنواعها (العشور، الفطر، الخ) في الاقتصاد. واُعتبرت الضرائب التي كانت مفروضة قبل المهدية غير إسلامية. وغدت الزكاة "علامة تجارية" مسجلة للنظام الجديد، ودليل بائن على أن النظام الجديد هو نظام إسلامي حقيقي، مثله مثل أنظمة حركات (إصلاحية) إسلامية سابقة. وكان الذين هاجروا من المحاربين مع المهدي من الجزيرة أبا لكردفان في عام 1881م يعيشون على ما يستولون عليه من أعدائهم. إلا أن الأوضاع تغيرت بعد الانتصارات التي حققها الأنصار على القوات المصرية في كردفان، وبعد سقوط الأبيض. فقد شرع حينها المهدي في إنشاء نظام مالي خاص بحركته. فبدأ بتأسيس خزانة سماها "بيت المال" يأتي دخلها من "الخمس" ومن الزكاة والعشور، ويدار المال فيها بحسب قواعد الشرع الإسلامي. وكانت ثمة مصادر مالية أخرى تُورد لبيت المال، شملت الغرامات التي كانت تفرض على من يستخدم التبغ أو المسكرات.
ولعل المهدي كان قد أخذ بالمذهب الحنفي في التفريق بين الزكاة والعشور. فالزكاة أمر تعبدي، والعشور هي نوع من الضريبة تفرضه الدولة. وكان، من ناحية عملية، يفرض الزكاة على الأنعام فحسب (ولكنها، بحسب الشريعة يمكن أن تفرض أيضا على الذهب والفضة وعروض التجارة). وكان يفرض العشور على الحبوب.
وقد ورد في بعض المصادر أن الناس في بعض مناطق السودان (مثل مديرية النيل الأبيض) كان يؤدون ما عليهم من زكاة للفقراء والمحتاجين من دون تدخل من الدولة في العهود التي سبقت ظهور المهدية. وهنالك كذلك "زكاة الفطر" التي يخرجها المسلمون عند نهاية رمضان في غالب مناطق السودان. وكان بعض الناس يدفعون بزكاتهم (وصدقاتهم) للشيوخ ليتصرفوا فيها كيفما يشاؤون. ويبدو أن السودانيين قبل المهدية لم يكونوا ينظرون للزكاة باعتبارها واجبا وطنيا أو ضريبةً حكومية.
وحدد المهدي مهام "بيت المال"، ومصارف الزكاة التي يجبيها، ومستحقيها، كما جاء في الشرع الإسلامي. وحدد أيضا طرق جمعها، وأن للحكومة الحق في أن تأخذها بالقوة ممن يمنعها.
وبعد وفاة المهدي في 1885م خلفه عبد الله. وكانت أمام الخليفة مهمتان: الحفاظ على مكاسب الثورة المهدية عن طريق الإسراع ببناء دولة إسلامية، وشن حرب جهاد عالمية (تبدأ بالطبع ضد الدول المجاورة). أي أن الخليفة لم يكن بمقدوره، نظريا، تجنب التمسك بمبادئ المهدي وتعاليمه وأهدافه العليا في نشر الدعوة المهدية، إلا أنه أصطدم بواقع اقتصادي تميز بشح الموارد وعدم القدرة على الانفاق على أفراد جيشه والحفاظ على وظائف الدولة الإدارية. لذا كان لزاما عليه توسيع القاعدة الضريبية، وإنشاء نظام إدارة أكثر كفاءة وأشد انضباطا. فقسم في 1892م أو نحوها “بيت المال" إلى أقسام صغيرة منها "بيت مال الملازمين" و"بيت مال خمس الخليفة والفيء"، و"بيت مال شرطة السوق"، وآخر للشئون الحربية. وأنشأ في بعض المدن الكبيرة (كبربر مثلا) أيضا بيوت مال فرعية، وجعل رئاستها كلها في أم درمان.
الأزمة: مجاعة عام 1306هـ (1889 – 1890م)
واجهت الدولة المهدية في نهايات ثمانينات القرن التاسع عشر سلسلةً من المشاكل السياسية والعسكرية. ففي البدء كان على الخليفة إخماد نيران تمرد ومعارضة داخلية ضد حكمه. وبعد نحو عام من نجاحه في ذلك، أمر بفتح باب الجهاد، فبعث بجيوشه غربا نحو دارفور، وشرقا نحو إثيوبيا، وشمالا نحو مصر. ففي دارفور كان من ولاه الخليفة عليها قد حاول إعادة سلطنة دارفور. ولم تخضع دارفور للمهدية تماما إلا بين عامي 1884 و1886م، وقضى جيش الخليفة أعوام 1887 – 1889م وهو يحاول إخماد الثورة عليه. وذهب المؤرخان هولت ودالي إلى أن سبب تلك الثورة كان هو حكم المهدية القاسي المتشدد للإقليم. وزاد الطين بله حدوث جفاف شديد وانتشار واسع لوباء الطاعون البقري القاتل به في عامي 1888 – 1889م. ورغم بعض النجاحات المحدودة لحملة الخليفة ضد إثيوبيا، إلا أنها فشلت في نهاية المطاف في تغيير الحدود القديمة معها. ومنيت حملته ضد مصر بهزيمة كبيرة في توشكي في أغسطس من عام 1889م.
وعلى الجبهة الداخلية عمل الخليفة على تقوية وضعه بالعاصمة، فقام بدءً من مارس 1888م وحتى بدايات العام التالي، بتهجير أفراد قبائل البقارة من دارفور قسريا لأم درمان، وذلك لغرضين: أولهما هو جلب هؤلاء الرعاة الرحل إلى مركز النظام، وتحويلهم لجيش قبلي احتياطي يمكنه الاعتماد عليه في الملمات الجسام، وكذلك من أجل تهدئة الأوضاع المضطربة في دارفور. غير أن ذلك التهجير صادف موسم حصاد بالغ الضعف، وخلف آثارا سيئة في جميع أنحاء السودان. وقضى المهاجرون وهم في طريقهم من دارفور لأم درمان على ما كان مخزونا في كردفان من حبوب. وعند بلغوهم لأم درمان، كان على الخليفة تزويدهم بالطعام مهما بلغت التكلفة، باعتبارهم نخبة متميزة privileged elite.
ولم يكن توقيت تهجير قبائل البقارة لأم درمان موفقا. فقد ضربت السودان الشمالي في عام 1888م موجة جفاف وشح في الأمطار أدى إلى قلة في انتاج الحبوب. وازداد الوضع سوءً في العام التالي، حين فشل الموسم الزراعي تماما، وبدأت آثار المجاعة تظهر في كل أنحاء البلاد، ولكن بدرجات متفاوتة في بادئ الأمر (إذ لم تتأثر كثيرا بالمجاعة منطقتي غرب دارفور، وسواكن التي كان يحتلها الحكم التركي - المصري مثلا). وضاعف من وطأة المجاعة إيقاف كتشنر في أغسطس من عام 1890م للعمل في ميناء سواكن الذي كانت تصل عبره لبقية أجزاء السودان شحنات من الحبوب. وكذلك أصيبت بعض المناطق الزراعية بالسودان (خاصة في كسلا) بطوفان من الجراد قضى على ما كان فيها من زرع. وكانت القلابات وكسلا أكثر المناطق تأثرا بالمجاعة في البلاد. ومات الآلاف من سكان قرى وادي النيل (من أم درمان حتى بربر) وفي كثير من مناطق غرب السودان بسبب الجوع. غير أن المهجرين من الغرب إلى أم درمان كانوا أفضل حظا، إذ كانت الحكومة تبيع لهم الحبوب بأسعار تفضيلية. وبقيت مشكلة الخليفة الكبرى في إطعام أفراد جيوشه في القلابات ودارفور ودنقلا (قبل تحركهم نحو توشكي) في ظل تلك الأوضاع السيئة. ولعل ضعف التموين وقلة التسليح كانا من أهم أسباب هزيمة الجيش المهدوي في تلك المعركة. وتقاطر الناس من مختلف الأقاليم (مثل القلابات وكركوج وبربر وكسلا) على أم درمان هربا من المجاعة في مناطقهم، وبحثا عن الطعام لما سمعوه من شائعات عن توفره بها. ولم تفلح تلك الهجرة إلى أم درمان إلا في زيادة عدد الجثث الملقاة على الطرقات بها. وازدادت حوادث السرقات في تلك الأيام وعجزت السلطة عن المحافظة على الأمن. وارتفعت الأسعار ارتفاعا فاحشا، فصار الأردب من الذرة (إن وُجد) يباع بـ 250 عوضا عن 60 ليرة (lire). ووضح أن الموقف كان يستدعي تدخل الحكومة العاجل لمساعدة الفقراء والمساكين والمحتاجين في شهور تلك المجاعة، فهذا، نظريا، هو أوجب واجبات الدولة الإسلامية. ولكن لم تكن أمام الدولة المهدوية، عمليا، إلا فرصا قليلة جدا لتقديم العون والإغاثة بصورة منظمة من "بيت مال المسلمين". غير أنه ورد في بعض الوثائق أنه وردت لأم درمان كميات من الذرة من الجنوب (خاصة فشودا)، غير أنه لم يُعرف من أمر بشحنها، ومن دفع قيمتها. ولكن من المؤكد أن "بيت المال" لم يتسلم في عام 1888م إلا القليل من المال ومن الحبوب بسبب سوء موسم الزراعة في ذلك العام، وأنه صرف معظم ما في مخازنه على الجنود المنتشرين في مناطق السودان المختلفة. ورغم كل ذلك فقد أمر الخليفة من تحته من العمال بشراء كل ما انتجته الجزيرة من محاصيل زراعية، وكذلك أمر بجمع الزكاة من المزارعين (رغم سوء الأحوال).
وبوجه عام، يمكن القول بأن نقصان الغذاء في سنوات تلك المجاعة مَعزُوّ بلا ريب إلى إهمال الدولة المهدوية للزراعة. ولم تفعل تلك الدولة شيئا لمنع حدوث المجاعة ابتداءً، ثم تجاهلت بعد وقوعها أمر إغاثة المتضررين. وعد الأوربيون المراقبون للأحوال بالسودان، وكذلك أسرى الخليفة من الأوربيين، بأن تلك المجاعة كانت بمثابة "العقاب" للمهدية، والدليل الأوضح على ظلم وفساد وسوء حكم إدارة الخليفة لمقاليد الأمور بالبلاد، وتحيزه لفئات معينة من أنصاره، وقلة اكتراثه لمعاناة شعبه.
مشاكل إقامة اقتصاد إسلامي
مما لا ريب فيه أن المهدي سعى لإقامة دولة إسلامية ذات نظام مالي يقوم على مبادئ مجتمع المدينة في عهد النبي والخلفاء الراشدين. ومما لا شك فيه أن خليفة المهدي حاول تقوية تلك الدولة الإسلامية. غير أنه لم يفلح قط في إصلاح نظامها المالي، إذ أن المهدية عجزت عن تطوير دولتها الإسلامية لتغدو لشيء أكثر من مجرد "اقتصاد حرب". وكانت محاولة الخليفة تصدير الثورة المهدية للدول (الإسلامية) الأخرى وضمها لدولته واحدا من أهم أسباب الأزمة (الاقتصادية) في دولة المهدية. غير أن الخليفة حاول تدارك عواقب تلك السياسة بعد الهزائم التي حاقت بجيشه عام 1889م، فأنصرف (أخيرا) إلى شؤون دولته الداخلية.
غير أن ثمة مشكلة أساس في مبادئ المهدية، لم يستطع الخليفة أن يغير فيها شيئا. فقد كانت المهدية حركة اجتماعية، ولكنها قبل ذلك كانت حركة دينية. فقد كان مبدأ المهدي هو مبدأ عالم ديني بسيط تقي وورع، ومحارب أيضا، ويؤمن بخليط من الأفكار الصوفية والتوقعات (الشعبية) بقرب نهاية العالم. فقد كان لا ينفك عن حض الناس على الإكثار من الصلاة والصيام، ونبذ حياة الدعة والترف. وكان دائم الإنكار للسرف والبذخ.
وأهمل القطاع الزراعي تماما منذ بدايات العهد المهدوي. ورغم أن بعض المؤرخين (مثل هولت) يلقي باللوم في ذلك الإهمال على الخليفة، إلا أن كثيرا من الشهود الأوربيين يعزون ذلك الإهمال لـ "عقلية المهدويين" نفسها. واقتصر استغلال الدولة المهدية للزراعة على دعم مؤسسة عسكرية متضخمة، مما جعل اقتصاد الدولة كله هو "اقتصاد حرب". فعلى سبيل المثال كان يمكن لكل القليل الذي يُجمع من الزكاة والعشور وغيرها في منطقة ما أن يأخذه عنوة بعض الجنود المتفلتين والجوعى. وكان فشل الخليفة في حماية المزارعين سببا مهما في الإضرار بتقدم وازدهار خلافته نفسها. ولم تنجح محاولات الخليفة في تدارك أمر تدهور الزراعة بدولته. فعقب انجلاء أزمة تلك المجاعة الشاملة خطب الخليفة في عيد الأضحى في عامي 1890 و1891م مؤكدا على أهمية فلاحة الأرض.
وأهملت، بجانب الزراعة، التجارة الخارجية كذلك، ربما بسبب تلك "العقلية المهدوية" أيضا، التي يغلب الحماس الديني فيها على الاعتبارات (الدنيوية) العملية. فالخليفة كان لا يرى في العالم الخارجي سوى أنه "دار حرب". فعلى سبيل المثال خاطب الخليفة التجار المصريين في 1886 – 1887م في أحد مناشيره قائلا بما يعني: "إن المنطقة التي تأتون منها هي واقعة تحت حكم كافر، ولا يصح لنا إقامة علاقة بين أهلها وبين أنصار المهدية". وزادت المهدية أمر التجارة سوءً بتأمميها واحتكارها – في فترات مختلفة- لكل أنواع التجارة، خاصة تجارة الصمغ العربي والعاج. وفرضت الكثير من المكوس والإتاوات على قوافل البضائع التي ترد من سواكن إلى أم درمان في كل مدينة تمر بها تلك القوافل، إضافة لما يدفعه التجار من ضرائب عند بلوغهم مقصدهم الأخير بالعاصمة.
ويمكن القول بأن الأساس الاقتصادي للدولة المهدية في بداية عهد الخليفة كان ضعيفا. غير أن سياسته المالية أخفقت في التعرف على المشاكل الاقتصادية والمالية المحيط بالبلاد، وعلى محاولة حلها. وظلت الدولة المهدي أسيرة شعاراتها دون أن تقدم لأنصارها ما وعدهم به المهدي من مساواة اجتماعية وتوزيع عادل لثروة البلاد.
الخلاصة
جابه تطور المهدية في غضون سنوات حكم الخليفة العديد من المشاكل والصعاب التي تلاقي دوما أي حكومة تسعى لخلق مجتمع مثالي. وبما أن الحركة المهدية كانت تتمتع بتأييد السكان المحليين (بسبب تعلقهم بمواعظ وتعاليم المهدي) فقد كان بمقدور الخليفة انتقاد الدولة الحاكمة الحالية مستخدما "الإسلام"، وهو السبيل الأوحد الممكن في البلاد الإسلامية. فليس من الممكن قيام ثورات شعبية في الدول المسلمة ضد الحكومات والحكام المسلمين في ذلك الوقت (مثل حكومة مصر والحكم المصري على السودان) إلا إذا كان لتلك الثورات هدف ديني – سياسي (religious -cum -political goal)، ينادي مثلا بأن الحاكم الحالي لا يحكم بالعدل، أو أنه (وهذه أشد فعاليةً) كافر أو غير مسلم. ولأن الحاكم يمثل الدولة، فالحاكم غير المسلم يساوي عندهم دولة غير مسلمة. لذا يتعين على المؤمنين الحقيقيين أن يستعيدوا الإسلام ويقيموا دولة إسلامية تحكم بالقوانين الإسلامية والسنة النبوية.
واستمدت الثورة المهدية، والدولة المهدية كذلك، شرعيتهما من الإسلام ومثالية المهدي. وبإعلانه أنه هو "المهدي المنتظر" فقد يكون "محمد أحمد" قد أعلن في ذات الوقت بأن النظام القديم نظام فاسد، وأنه تلقى "إذنا أو تصريحا إلَهِيّا divine sanction" للإطاحة بالنظام القديم، وإقامة دولة إسلامية حقيقية. وكان المثال المرتجى هو إحياء (تجربة) أمة النبي محمد بالمدينة. فالمسلمون يؤمنون بأن "مجتمع المدينة" في عهد النبوة كان هو أعدل مجتمع شهدته الدنيا. وكانت الحركة المهدية تعلن أن هدفها هو إقامة العدل الاجتماعي بحسب ما ورد في تاريخ سنوات حكم النبي وخلفائه الراشدين التي طبقت فيها، بمثالية فائقة، شرائع الإسلام الصحيح. وكان من أهم الخطوات في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية هي إقامة نظام ضرائب عادل يلتزم بأحكام الشريعة المعروفة، وليس بأي نظام مالي علماني. وصاحب نظام الضرائب المالي الإسلامي تطبيق قواعد الاقتصاد الإسلامي في دولة المهدية في السودان، خاصة فيما يتعلق بالزكاة. ولم يكن من المستغرب أن يولي المهدي، منذ بدء حركته، ثم بعد اقامته لدولته، اهتماما خاصا وكبيرا بإعادة تنظيم الضرائب في السودان. وغدت الزكاة هي العمود الفقري لاقتصاد الدولة المهدية، ومصدر الدخل الرئيس للدولة، والذي يُجبى بحسب ما أمر به شرع الإسلام. ولا يمكن للدولة، من ناحية نظرية بحتة، أن تستخدم أموال الزكاة للصرف على الجيش أو القضاء. غير أنه من الناحية العملية، فقد قام المهدي ومن بعده خليفته، بتوسيع تعريف مصارف الزكاة لتشمل المحاربين في عمليات الجهاد وغيرهم. وبذا لم تطبق الدولة المهدية (أحكام) الزكاة بعد بدء تطبيق الاقتصاد الإسلامي فيها تماما كما وردت مثاليا، بل طبقتها بحسب الاحتياجات والضرورات التي واجهتها، خاصة في مجال الانفاق على الجيش والعاملين به (من مصارف الزكاة الغزاة "في سبيل الله". المترجم)
وسعى محمد أحمد المهدي لإقامة مجتمع مثالي ودولة إسلامية بالسودان. وكان من أهدافه أيضا حكم تلك الدولة وإدارة اقتصادها بنظام إسلامي. غير أنه توفي فجأة بعد فترة قصيرة من فتحه للخرطوم في عام 1885م، قبل أن يتمكن في تدعيم سلطة دولته، وقبل أن يؤسس لنظام فعال يدير المال، أو أن يشكل سياسة اقتصادية ثابتة ومستقرة. ووقع بالتالي عبء كل ذلك على كاهل خليفته عبد الله. وبالفعل سعى الخليفة لإقامة شكل من اشكال الاقتصاد الإسلامي، وبدأ بالفعل في تأسيس دولة إسلامية. غير أن محاولته تلك أخفقت في تحقيق الغرض منها. وانكشف حجم المشاكل التي عانت منها دولته "الإسلامية" واقتصادها "الإسلامي" عند حدوث مجاعة عام 1306هـ (1888 – 1889م)، عندما فشلت الدولة تماما في تقديم أي نوع من العون للفقراء والمساكين بها.
ويمكن أن نعد في نظرة استرجاعية إخفاق تلك الدولة "الإسلامية" وعدم وجود أي عون رسمي حكومي لضحايا تلك المجاعة نقطة تحول هامة في حالة الدولة الإسلامية. ويمكن هنا القول بأن أكثر مصاعب ومشاكل الدولة المهدية نبعت من حالة "اقتصاد الحرب" الذي أقحمت فيه نفسها. فقدت أفضت الدعوة العامة للجهاد (في داخل وخارج السودان) إلى "عَسْكرة" الدولة المهدية، وهي سياسة تبين فيما بعد بأن الدولة لم يكن لها من الموارد ما يكفي للاستمرار فيها. فقد فشلت الدولة في توفير المؤن الحربية والغذائية لجيوشها، وفي توفير أبسط مقومات الحياة لشعبها، وهذا من أوجب واجباتها بحسب الشريعة الإسلامية وبحسب مبادئ الدولة المهدية (الإسلامية) التي تؤكد على حق كل فرد فيها الحصول على نصيب من "بيت مال المسلمين".
وبرزت مشكلة أخرى في أيام تلك المجاعة الطويلة، ألا وهي ان أموال الزكاة لم تكن كافية لتمويل أي نظام رعاية اجتماعية، حتى في أدنى حدوده الدنيا. فقد كانت قواعد توزيع الزكاة تشترط مثلا ألا توزع الغلال المجموعة من زكاة المزارعين خارج المنطقة التي زرعت فيها تلك الغلال إلا في الحالات الحرجة المستعجلة. وعلى الرغم من أن تلك المجاعة كانت بالفعل حالة حرجة مستعجلة، إلا أن دولة المهدية كانت تعوزها القدرة والإمكانات لتنظيم شبكات ترحيل وتوزيع لتلك الغلال المجموعة من الزكوات المجموعة في مناطق مختلفة من البلاد. ويجب القول هنا بأن تلك المشكلة لم تكن خاصة بالدولة الإسلامية أو بنظام الرعاية الاجتماعية الذي يقدمه نظام الزكاة. فقد كانت أمو تنظيم وتوزيع الإغاثة للمصابين بالمجاعات معضلة أمام أي مجتمع أو دولة في مرحلة ما قبل الحداثة (premodern state)، وذلك لصعوبة النقل والترحيل في بلاد مترامية الأطراف. ولم يكن بمقدور دولة المهدية مثلا تنظيم نقل الغلال من المديريات الجنوبية لأم درمان إلا عبر النقل النهري عبر النيل الأبيض.
أحسب أن كثيرا من النقاط التي وردت في هذه الورقة ما زالت في طورها الأَوَّلي، وتحتاج بلا ريب لكثير من التجويد والتأكيد والتفسير. وأخص هنا مسألة مصير الدولة الإسلامية بعد عام 1891م، والتي أراها ما زالت غامضة بعض الشيء، إذ لا بد أن تكون هنالك علاقة ما بين الإصلاحات الضريبية، وتقسيم "بيت مال المسلمين" لعدة أقسام صغيرة، الذي حدث بعد عام 1892م، وبين مجاعة عامي 1888 – 1889م، والثورة ضد الخليفة. وهنالك مسألة أخرى مهمه تتعلق بالسؤال (المشروع) عن حقيقة نظام الدولة في سنوات حكم الخليفة الأخيرة، وهل كان بالفعل "دولة إسلامية"؟ إذ أن أفعال الحكومة في غضون شهور تلك المجاعة، وإصلاحات عام 1892م لم تكن تؤيد الزعم بأن دولة الخليفة كانت بالفعل "دولة إسلامية".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.